Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

السبت 6 سبتمبر 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

انقلاب بقيادة مخبر (2)

د. محمد يوسف المقريف

من المعروف أنّ الارتباط بالخدمات السرّية لا يعرف  التوقف. إنه يتطوّر، ولكنّه لا يتوقف حتى لو أراد صاحبه ذلك، ما لم تقرّر الأجهزة التي يرتبط بها المعني الاستغناء عن خدماته السرّية لعدم جدواها أو قلّة فائدتها أو سوى ذلك من الأسباب.

 

وفيما يتعلق بصلة الطالب معمر أبي منيار بالخدمات السرّية للنظام الملكي، فقد بدأت على  الأرجح - كما رأينا في الفصل السابق – خلال العام الدراسي 1958/ 1959 مع جهاز المباحث العامة في سبها بولاية فزان مستخدماً اسم (معمر عبد السلام). ومنذ عام 1963، بعد الإعلان عن وحدة البلاد وإلغاء النظام الإتحادي، أصبح المخبر (معمر عبد السلام) ضمن جهاز "مباحث أمن الدولة" الذي وجّهه وسهّل له الانخراط ضمن طلاب "الدفعة السابعة" بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي مستخدماً اسماً جديداً هو "معمر القذافي" ليكون أحد عيون [1]جهاز "مباحث أمن الدولة" داخل الكلية العسكرية ومن بعدها داخل الجيش والمؤسسة العسكرية بكاملها.

 

ولقد مرّ بنا في الفصل السابق تحت عنوان "شواهد من أيام الكلية العسكرية " قرائن عديدة تؤكّد أنّ "معمر القذافي" الطالب بالكلية العسكرية الملكية ظلّ على صلته وارتباطه بجهاز "مباحث أمن الدولة" رغم أنه لم يكن قادراّ على تقديم الكثير من الخدمات (المعلومات عن الجيش وضباطه) بحكم الضوابط والنظم التى تقيّد حركة طلاب الكلية من جهة، وبحكم محدودية الدائرة التي يتحرّك فيها الطالب معمر خلال تينك السنتين والتي تكاد تقتصر على الدفعات السادسة والسابعة والثامنة ومدرّسي وطاقم الكلية من جهةٍ أخري. 

 

ومع تخرّج القذافي من الكلية برتبة ملازم ثانٍ في أغسطس من عام 1965 أصبح في وضع مهم ومفيد جداً لجهاز "مباحث أمن الدولة"، ومن ثمّ فلم يكن بمقدور القذافي أن يفكّ ارتباطه بالعلاقة مع هذا الجهاز حتى لو راودته هذه الفكرة! ولكنْ لِمَ يفكر في ذلك..؟. ألم يتمكّن من خلال هذه العلاقة والغطاء الذي وفرته له أن يشبع غروره وكافّة عقده، وأن يصنع لنفسه هالة - ولو كاذبة – من "الوطنية والبطولة "، فضلاً عن المنافع المادية المتمثلة في المرتب الإضافي وبدل السفر بين بنغازي وطرابلس حيث كان يقدّم تقاريره المكتوبة والشفوية.. ومنْ يدرى لعلّ المنافع في المستقبل تكون أكبر وأكثر؟! 

 

وهذا ما حدث.. فقد بدأ معمر القذافي بتخرجّه برتبة ملازمٍ ثان من الكلية العسكرية.. مرحلة جديدة في حياته كضباط بالقوات المسلحة.. وعمله السرّي[2] كمخبر بجهاز "مباحث أمن الدولة"..

 

وسنحاول في المباحث التالية اقتفاء أثر القذافي في هذه المرحلة الجديدة من عمله السرّي كمخبر في جهاز مباحث أمن الدولة، وهي الفترة التي تقع ما بين تخرّجه من الكلية في أغسطس 1965، وبين بدايات عام 1969 عندما جرى تجنيده وتعميده عميلاً للمخابرات الأمريكية في ليبيا    (كما سيتضح في الفصل التالي ). 

 

الالتحاق بمعسكر قاريونس في بنغازي(!)

 

يبدأ الملازم ثان معمر القذافي حياته العملية في الجيش الليبي في أغسطس 1965 بغلطةٍ وجد نفسه على أثرها في (معسكر قاريونس) في بنغازي بدلاً من (مدرسة المخابرة) بالمرج.

 

ولنستمع إلى القذافي وزميله مصطفي الخروبي يتحدّثان عن هذه "الغلطة" خلال الندوة التي بثها إعلام النظام مساء يوم 31/8/1974 يقول الخروبي[3]..

 

" بعد التخرّج عيّنا أنا والرئيس [يقصد معمر ] في سلاح واحد اسمه سلاح الإشارة اللي هو المخابرة. والغريب أن معمر أوّل مرّة كان معيّن في مدرسة المخابرة في المرج، وبقية السرايا وبقية آمرية الصنف كانت في قاريونس، فالتحق [معمر] معنا في قاريونس ومكانه كان في المرج وليس في قاريونس."

 

ويعقب القذافي على كلام الخروبي قائلاً:

 

"يعني غلطة هي التى أتت بي إلى قاريونس (!)"

 

ويردّ الخروبي:

 

"وهي الحمد لله كانت غلطة طيبّة.."

 

ويضيف القذافي موضّحاً:

 

"هو كان مكتوب أمام اسمي مدرسة المخابرة وهم افتكروا إنّني في قاريونس"

 

ويتساءل المذيع الذي كان يدير الندوة قائلا :

 

"خطأ في التكليف أو في التعيين؟"

 

ويردّ الخروبي مرّة أخري مؤكداً:

 

" يعني لم يكن [القذافي] معيّن في قاريونس، كان ماشي إلى المرج، يعني أنا في قاريونس ومعمر في المرج أوّل مرّة، لكن التحقنا معاً في قاريونس.. وقال الآمر ما دام قد التحق [معمر] هنا فليبقَ هنا.."

 

ويختم  الخروبي كلامه قائلاً:

 

"وهذه حكمة الله[؟!!]. فبدأنا مع بعض في سريّة المخابرة.. وعلى بركة الله بدأنا في التنظيم[4].. والنهاية الحمد لله كانت تفجير الثورة".

 

ويتّضح من مطالعة هذه الرواية أنّ القذافي هو الذي ارتكب الغلطة وليست إدارة الجيش وأنَه تعمّد البقاء في معسكر قاريونس وعدم الذهاب إلى مدرسة المخابرة بالمرج رغم أنّ الأخيرة أفضل من الناحية المعنوية ويحرص الضباط عادة على الالتحاق بها وتفضيلها على غيرها من المواقع.

 

والسؤال الأول الذي بين أيدينا الآن هو لِمَ تعمّد القذافي البقاء في معسكر قاريونس وعدم الذهاب إلى المرج؟ هل كان لهذا القرار من قِـبـَله صلة بوظيفته السرّية وعمله بالمباحث العامة حيث أنّ بقاءه في معسكر قاريونس يجعله في وضع أفضل، من حيث جمع المعلومات والاطلاع على أحوال الجيش والاحتكاك ببقية الضباط من كّافة الصنوف والأسلحة، ممّا لو ذهب إلي مدرسة المخابرة بالمرج؟!

 

لابدّ أنّ هذا الأمر كان حيوياً وهاماً للغاية عند القذافي وإلاّ لما جرؤ أن يبدأ حياته العسكرية بمخالفة أوامر التعيين والتنسيب..!

 

أمّا السؤال الثاني هاهنا، ما الذي جعل الأمر بمعسكر قاريونس يقبل بغلطة القذافي ويسكت عنها ويرضى بحضور القذافي والتحاقه بمعسكره دون وجود تعليماتٍ وأوامر رسمية تقرّ ذلك؟! ثمَ من جهة أخرى، ما الذي جعل آمر مدرسة المخابرة بالمرج يسكت عن عدم التحاق الملازم ثان معمر بمقرّ عمله في المدرسة بالمرج؟!

 

إذا صح ما رواه الخروبي والقذافي حول هذا الموضوع فلابد أنّ "جهة ما" ذات نفوذ بالدولة قد تدخلت لإبقاء الملازم القذافي في معسكر قاريونس تسهيلاً لمهمّته السريّة كمخبر وخدمة لمصلحتها في جمع المعلومات عن القوات المسلحة وضباطها عبر هذا المخبر.. ونحن نزعم أنّ هذه الجهة هي "جهاز مباحث أمن الدولة" وليس غيره..

 

بقي أن يعلم القارئ أنّ الخروبي والقذافي بقيا في هذا المعسكر حتى قيام الانقلاب. وحتى بعد التحاقهما في دوراتٍ بالخارج (القذافي إلى بريطانيا من أبريل إلى أغسطس 1966) و (الخروبي إلى الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها حتى بداية عام 1967) فقد عادا للالتحاق بالمعسكر نفسه. كما بقي أن يعلم القارئ أنّ هذا المعسكر بالذات لعب دوراً خطيراً ليلة انقلاب الأول من سبتمبر بحكم أنّ (المحطة) الموجودّة في المعسكر كانت تشكّل "محطة السيطرة" على المعسكرات كافّة في ليبيا. 

 

زيارة مسائية مفاجئة للكّلية العسكرية 

 

يعلم الملازم القذافي أنّ لوائح الكلية العسكرية تحظر على أى شخص، عسكريِّ أو مدني، من خارج الكلية أن يزرو طلبتها في أيّة ساعة من نهار أو ليل دون إذن أو علم ضابط خفر الكلية. 

 

ومع ذلك فلم يكد يمضي على تخرّج الملازم القذافي أكثر من ثلاثة اشهر، وبعد مضيّ ثلاثة أيام فقط على بدء الدراسة بالكلية في أكتوبر من عام 1965، حتى قام القذافي بزيارة مسائية مفاجئة للكلية حيث دخلها من بابها الخلفي ودون استئذان ضابط الخفر وعلمه. 

 

وما أن علم ضابط الخفر في تلك الليلة (الرئيس محمد الفيتورى) بوجود الملازم القذافي داخل أحد العنابر مع عددٍ من ضباط الدفعة الثامنة[5]، حتى سارع إلى العنبر وأمر القذافي بالانصراف والخروج من مبني الكلية فوراً، ثمّ أجري تحقيقاً مطوّلاً مع الطلبة الذين اجتمع بهم القذافي. وترتب على ذلك الحادث كذلك أن آمر الكلية يومذاك (المقدّم الركن حسن السنوسي) وجّه كتاباً إلى رئيس أركان الجيش (اللواء نوري الصديق) يخطره فيه بأنّ الملازم القذافي دخل الكلية والتقي ببعض الطلبة دون علم أو إذن من أحد، الأمر الذي يعدّ مخالفاً للقوانين والنظم العسكرية، كما طالبه في كتابه بمعاقبة الضابط المذكور. وقام رئيس الأركان بدوره بمكاتبة آمر صنف المخابرة الذي ينتسب إليه الملازم القذافي وطلب منه التحقيق معه ومعاقبته. وقد استدعى آمر الصنف (أحمد المدفعي) الملازم القذافي وأجرى التحقيق معه وعاقبه بموجب المادة (116) من قانون العقوبات العسكري وهي الإخلال بالضبط. 

 

ولا يخفي على القارئ أنّ الأهم والأخطر هو كشف الملازم القذافي لهويّة الضباط الذين اجتمعوا به، والتشهير والإعلان عن اجتماعه معهم وهو ما نحسب أنّ القذافي قد قام به عن عمد، ربّما في سياق إبلاغ "الجهات المختصّة" عن بداية نشاطه كمخبر. وممّا يزيد هذا الموضوع غرابة وغموضاً ما ذكره (الرائد عبد الكبير الشريف) الذي أورد القصة في كتابه، من أنّ القذافي لم يكن لديه عند اجتماعه المذكور بالطلبة أيّ موضوع خاصّ أو عاجل يستوجب إقدامه عليه بتلك الصورة المرتجلة وغير المنضبطة

 

ومن الأمور التي لا تخلو من دلالة في هذا الشأن ردّة فعل القذافي لما تعرّض له ضباط الدفعة الثامنة بالكلية بسبب تلك الزيارة.. وقد أشار الرائد عبد الكبير الشريف إلى هذا الموضوع في الصفحتين (92 و 93) من كتابه بالعبارات التالية: 

 

"في عطلة الأسبوع خرجنا إلى المدينة، وفوجئنا بالملازم معمر ينتظرنا في مكان وقوف الحافلات، وهو يرتدى الملابس المدنية، وقال لنا لقد حجزت لكم غرفة في فندق النهضة.. [في بنغازي] ورافقه كلّ من الطالب عبد الرحمن الصيد والطالب عمر المحيشي والطالب عبد الكبير الشريف [المؤلف]. وفي الطريق قال [معمر]: إننّي سمعت أنّ تحقيقاً[؟!] قد جرى معكم بخصوص زيارتي، وإنّني على أيّ حال متأسّف جداّ على التعب الذي لحق بكم من جرّاء هذه الزيارة.." 

 

ويختم المؤلف روايته لقصة تلك الزيارة الغريبة التي قام بها الملازم معمر للكلية العسكرية بعد تخرّجه مباشرة دون مبرّر واضح ودون مراعاة لنظم الكلية: 

 

"وكم كانت فرحة الملازم معمر عظيمة، إذ انتهت تلك المجازفة التى قام بها، والتي كادت أن تؤدي إلى كارثة.."

ويبدو أنّ الملازم القذافي لم يتعّظ بما حدث ولم يرعو بما جرى لأولئك الطلاب بالدفعة الثامنة، فإذا به، وفقاً لما رواه المؤلف نفسه في الصفحة (98) من كتابه، وقبل أن يكتمل الشهر الأول من دخول الطلبة مستجدّي "الدفعة التاسعة" أي شهر أكتوبر من عام 1966، يقوم بزيارة خاصّة للكلية العسكرية رافقه فيها هذه المرّة الملازم مصطفي الخروبي، وقاما باستدعاء الطالبين المستجدّين بتلك الدفعة (وهما يوسف الدبري ويوسف أبو حجر) واختليا بهما في غرفةٍ صغيرة هي غرفة ضابط الخفر[؟!]، وفي عبارة الرائد عبد الكبير الشريف – بأخطائها النحوية التي وردت بها بالصفحة(98) – نجده يقول:

 

"وقبل انتهاء الشهر الأول من دخول الطلبة المستجدّين [الدفعة التاسعة] إلى الكلية جاء الملازم معمر في زيارة خاصّة ورافقه في تلك الزيارة الملازم مصطفي الخروبي وقاما باستدعاء (الطالبان/ المستجدان)[6] يوسف أبو حجر ويوسف الدبري بهما واختليا في غرفةٍ صغيرة هي غرفة ضابط الخفر.."

 

يدلّ اجتماع القذافي وزميله الخروبي بالطالبين أبو حجر والدبري في غرفة ضابط الخفر أنهما قاما بتلك الزيارة بإذن ضابط الخفر المسبق..

 

    ولكن يبقي  السؤال حول الصفة التي حضر بها القذافي والخروبي لتلك الزيارة؟

 

    ولِمَ يصر القذافي على إحضار الخروبي معه وإعطاء العلانية لصلّته الخاصّة به؟

 

    وعلامَ الإصرار على إعطاء العلانية لصلتهما بهذين الطالبين أمام بقية الطلاب؟

 

    ولِمَ لمْ ينتظرا إلى أن يتمكّنا من اللقاء بهما خارج الكلية وفي إطار من السريّة؟

 

   وإذا صحّ ما قاله القذافي مساء يوم 31/8/1974 – كما سلفت الإشارة – أنّ طلاب الكلية العسكرية لم يكن مصرّحاً لهم الاتصال حتى بمن هو أعلي منهم من الطلبة فما بالك بالضباط.. فبأيّ صفةٍ أُذِن للطالبين أبو حجر والدبري بالاجتماع بالملازمين القذافي والخروبي وبخاصّة خلال الأيام الأربعين الأولي من دخول الأوّلين الكلية؟!

 

هل جاء الملازمان القذافي والخروبي للكلية لزيارة الطالبين المذكورين بصفة أخرى غير صفتهما كضابطين؟! أي بصفتهما الأخرى التي تشدّهما إلى جهاز مباحث أمن الدولة؟ ولكن ما هي الضرورة الداعية لكشف نفسيهما بهذا الشكل؟!

 

أياًّ ما كانت الإجابات، فالحادثان يدلاّن دلالة واضحة وشبه قاطعة على صلة القذافي وربّما زميله الخروبي بجهاز أمن الدولة..[7] 

 

الاجتماعات المتكررة

 

يزعم القذافي أنه أعاد ترتيب  "اللجنة المركزية" لتنظيمه في عام 1964[8]، وعقدت تلك اللجنة أوّل اجتماعاتها في منطقة (طلميثة) في نهاية عامهم الدراسي الأوّل بالكلية العسكرية. (الحلقة الثانية من قصّة الانقلاب).

 

ووفقاً لروايات القذافي وعددٍ من رفاقه، فإن هذه الاجتماعات تواصلت وتكرّرت قبل وبعد تخرّجهم من الكلية العسكرية.

 

يقول القذافي (الحلقة الثالثة) من قصّة انقلابه (نشرت في 30/9/1969، السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات 91-93) في وصف هذه الاجتماعات:

 

" إن الحركة قد أعيد تنظيمها عام 1964 ثمّ توالت الاجتماعات للّجنة المركزية للضباط الوحدويين الأحرار والتي هي الآن مجلس قيادة الثورة.. وقد تعبنا كثيراً في مسألة الاجتماعات، فقد كانت مواعيدها 9 أغسطس و24 ديسمبر وعيد الفطر وعيد الأضحي و7 أكتوبر أي أن العطلات والأعياد كانت مواعيد الاجتماعات المتفق عليها، وسبب التعب أنها كانت تعقد خارج المدن من جهة وفي الأعياد من جهة أخري.. كثيراً ما مررنا من نقاط التفتيش الكثيرة دون تسجيل [؟!] تارةً بالحيلة وتارة بالمعرفة الشخصية وكنا ننام في العراء ونجتمع تحت الشجر ووراء الصخور أو في خيام البادية وكنّا نكره البوابات الكثيرة وخاصّة بوابة القوس.."

 

ويستفاد من مجمل أقوال القذافي وزملائه أعضاء "اللجنة المركزية" أنّ هذه اللجنة عقدت خلال الفترة حتى أواخر عام 1968:

 

   عدّة اجتماعات في فندق النهضة  بمدينة بنغازي (الحلقة الخامسة).

 

   اجتماعين في منطقة سيدى خليفة لم يحدّد تاريخهما (الحلقة الرابعة).

 

   اجتماعاً في منطقة سرت عند بئر الزعفران في 9/8/1968 (الحلقة العاشرة).

 

   اجتماعاً آخر في منطقة سرت لم يكتمل بسبب عدم حضور ضباط طرابلس شتاء عام 1968 (الحلقة الثامنة).

أما اجتماعات القذافي ببقية ضباط التنظيم في المنطقة الشرقية (بنغازي وما حولها) والمنطقة الغربية (طرابلس وما حولها) واجتماعات بقية الضباط معهم (دون مشاركة القذافي) فقد كانت كثيرة وعديدة.

 

يقول الرائد عبد المنعم الهوني في مذكّراته التى نشرتها له مجلة "الوسط" اللندنية (الحلقة الأولي – العدد 187 بتاريخ 3/9/1995) عن هذه الاجتماعات:

 

" عقدنا اجتماعات دورية وكنّا نلتقي في منطقة الشرق شهرياً والأمر نفسه في المنطقة الغربية وكان يعقد لقاء موسّع مع اللجنة المركزية كل ثلاثة أشهر.."

 

ولقد أشار الرائد عبد الكبير الشريف في كتابه (الصفحات 73، 82، 86، 92، 98، 99، 100، 101) إلى عددٍ من لقاءات القذافي بمجموعاتٍ من ضباط التنظيم في فندق النهضة وغيره من الفنادق في بنغازي وعلى شاطئ البحر وفي مرتفعات "الباكور" وفي عددٍ من المعسكرات في منطقة بنغازي وما حولها..

 

ولا شكّ  أنّ إصرار الملازم القذافي على الاكثار من الاجتماعات، وعلى أن تكون بحضوره ويكون هو دائماً محورها، أمر يثير الدهشة والتساؤل، فما هي ضرورة تلك الاجتماعات رغم المخاطر والمحاذير التي كانت تلفّها وتحيط بها، ورغم عدم وضوح المردود منها حيث بدت في معظمها - ومن خلال وصف الحاضرين لها ولِما تمّ خلالها – اجتماعات من أجل الاجتماعات، وكأنّ راعيها في معركةٍ انتخابية يحشد لها الأصوات؟. 

 

التساؤل الثاني يتعلق بعدم تعرّض هذه الاجتماعات للكشف والملاحقة رغم أنّ الترتيبات الأمنية المتّخذة بشأنها ضعيفة جداً ورغم أنّ التنظيم ظلّ دون لجنة أمنيةّ!

 

إنّنا لا نشكك في أن الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في صلة الملازم القذافي (وربّما بعض رفاقه) بجهاز أمن الدولة، فقد كانت التقارير المطمئنة عن هذه الاجتماعات تصل إلى هذا الجهاز بواسطة القذافي نفسه قبل وبعد  انعقادها.

 

من الوقائع الكثيرة ذات الدلالة في هذا الشأن تلك التي  ذكرها العقيد القذافي في (الحلقة الثامنة)[9] من قصة الثورة.. 

 

فقد أورد القذافي[10] في معرض حديثه عن أحد الاجتماعات السّرية للجنة المركزية لتنظيمه بالقرب من مدينة سرت أنّ ذلك الاجتماع لم ينعقد بسبب تأخّر وصول مجموعة ضباط طرابلس الذين كان من بينهم أبو بكر يونس جابر. وبسبب انشغال القذافي حول الأسباب الكامنة وراء عدم وصول بقيّة رفاقه في طرابلس إلى الاجتماع، فقد قرّر أن يتحقق من الموضوع بنفسه..

 

فماذا فعل؟

 

لنترك العقيد القذافي يحدّثنا عن ذلك في تلك الحلقة..

 

" ذهبت بنفسي إلى البريد في "سرت" طالباً أبوبكر يونس في معسكره [بطرابلس]، وبوصفي من المنطقة [سرت] رددت على من سألني: إنني في زيارةٍ لأهلي هنا [؟!!]"

 

ولا يخفى على القارئ أنّ إجابة الضابط القذافي للسائل (من الطرف الآخر، من المعسكر الذي يوجد به زميله أبو بكر يونس) قد تفسّر له لِمَ كان القذافي في سرت، ولكنها لا تفسّر له لِمَاذا  يسأل عن الضابط أبوبكر يونس ومن  سرت، مع أنّه ليس بقريبٍ له، كما أنّه ليس معه في السلاح نفسه أو المعسكر نفسه (وهو السؤال الأخطر)؟!

 

دلالات هذه القصّة كثيرة.. ولكن ما يعنينا منها هو دلالتها الأمنية، وعلى الأخصّ فيما يتعلق بحقيقة صلة الضابط معمر القذافي بالأجهزة الأمنية. 

 

سفرات متكررة إلى طرابلس..

                                                                                                           

تقتضي النظم العسكرية في ليبيا خلال حقبة العهد الملكي ألا يغادر أيّ عسكري المنطقة التي يعمل بها إلى أى منطقةٍ أخرى إلا لضرورة وبإذن كتابيّ.. وقد أكّد هذه الحقيقة الرائد مصطفي الخروبي خلال الندوة التي عقدت في الذكرى العاشرة للانقلاب حيث ورد على لسانه ما نصّه:[11]

                                                                                               

 ".. وممنوع كعسكريين أن نغادر المنطقة إلى منطقة [أخرى] إلا بإذنٍ، خاصّة من بنغازي إلى طرابلس.."

 

  ومن الواضح أنّ الحصول على "إذن" بمغادرة المنطقة إلى أخري لم يكن امراً سهلاً حتى مع وجود عذر شرعي وقوي في بعض الأحيان، وقد تأكدّت هذه الحقيقة من الشهادة التي أدلى بها العقيد السابق مختار البنغازي أثناء "برنامج شهادات للتاريخ" الذي بثْته فضائية النظام مساء يوم 30/8/1998 (الحلقة الثانية). فقد جاء في تلك الشهادة:

                                                                                                  

"في وفاة أم الأخ مصطفي [لم يذكر التاريخ] اتصل بي شخص لا اذكره [؟!] قال لي إنّ أم مصطفي الخروبي قد توفيت، ولم يُعط إجازة.. فعلاً أنا مشيت لرئيس الأركان وكلمته على الموضوع.. بعد نقاش قال لي طيّب.. كلم المخابرة يعطوه خمسة أيام إجازة.. اتصلت بالأخ [أحمد المدفعي] في معسكر قاريونس وقلت له أعطِ الخروبي إجازة خمسة أيام لأن أمه ميتة.. وقال فعلاً ممنوع الخروج من منطقة بنغازي وقلت له أنا فعلاً كلمت رئيس الأركان، وفعلاً التقيت بمصطفي وقال لي أعطوني عشرة أيام إجازة.. قلت له خمسة مني والخمسة الأخري لا أعرف ممّن؟!"

                                                                                                  

إذا فأمر حصول ضباط الجيش على إذن بمغادرة منطقتهم العسكرية، وحتى لأسباب شرعية في بعض الأحيان، لم يكن أمراً هيّناً ولا سهلاً خاصّة بالنسبة للأشخاص الخاضعين لرقابة الأجهزة.

 

ومع ذلك فالملازم القذافي يقول في (الحلقة الرابّعة) من قصّة انقلابه (نُشرت يوم 6/10/1969، الصفحات 93- 94 من المجلد الثامن من السجل القومي):

                                                                                                  

" ..وكم سافرنا جوّاً؛ مجموعاتٍ وأفراد من طرابلس وبنغازي ورجعنا في نفس اليوم نظراً للحياة العسكرية الصارمة.. وفي التضييق علينا في الإجازات والأذونات".

                                                                                                  

ومن بين السفرات التي قام بها القذافي بين بنغازي وطرابلس وكشفت عنها أقواله وأقوال رفاقه:

 

   الرحلة بالطائرة من بنغازي إلى طرابلس  قبل موعد الحركة في 12 مارس 1969. وقد أشار إلى هذه الرحلة الرائد عبد الكبير الشريف في الصفحة (126) من كتابه على النحو التالي:

 

"بعد أكثر من  ساعة [في انتظار معمر] جاء الملازم عبدالمنعم الهوني وأخبرنا أنّ  الملازم معمر ذهب إلى طرابلس لأمر هام.."

 

   رحلة العودة من طرابلس إلى بنغازي بالسيارة بصحبة الملازم عبد الحميد شعماش والملازم عبد الحميد زايد حيث تاه القذافي بالسيارة في أودية سرت (!) كما تعرّضت السيارة للتحطّم.. (الحلقة السادسة من "قصة الثورة". 9/3/1970).

 

   رحلة أخرى بالطائرة من بنغازي إلى طرابلس (فور وصوله إلى بنغازي) مساء يوم 18/3/1969 (الحلقة السادسة نفسها).

 

   رحلة بطائرة (الفولكر) قام بها القذافي من بنغازي إلى طرابلس عبر مطار (مرسي البريقة البترولي) مساء يوم الخميس 21/8/1969م.( كشف عن هذه الرحلة عبد الكبير الشريف في الصفحات (139 -141) من كتابه).

 

   رحلة بالطائرة من بنغازي إلى طرابلس مساء يوم 28/8/1969(أي خلال أسبوع  من عودنه إلى طرابلس). وقد عاد بالطائرة إلى بنغازي صبّاح يوم 30/8/1969م .

                                                                                                                 

هذه بعض السفريات التى قام بها الملازم القذافي بين بنغازي وطرابلس من خلال ما ورد على لسانه وألسنة بعض رفاقه..

 

ومن حقّ المرء أن يسأل إزاء هذه السفريات المتكرّرة..

 

   كيف؟ ومن هى الجهة التي حصل الملازم القذافي منها على الإذن بمغادرة مقرّ عمله في معسكر قاريونس؟

 

   وما العذر الذي لجأ إليه، أو ما الغطاء الذي قدّمه لهذه السفرات؟

 

   وإذا لم يحصل الملازم القذافي على إذن بالسفر من سلطات الجيش، فكيف ولِمَ لمْ يجر اكتشاف أمر سفره ومغادرته لمقرّ عمله بمعسكر قاريونس ببنغازي؟ أمّا إنْ جرى اكتشاف ذلك، فهل أجري تحقيق معه؟

 

   أين كان يذهب القذافي خلال تواجده في طرابلس؟ هل اقتصرت مقابلاته على رفاقه في التنظيم؟ أم أنّه كان يتوجّه إلى جهاز مباحث أمن الدولة في طرابلس حيث يقدّم التقارير عن نشاطاته وعن الجيش الليبي وضباطه؟!

 

[1] من غير المستبعد أن يكون مصطفي الخروبي أحد العيون الأخري للجهاز ضمن طلبة الدفعة السابعة بالكلية العسكرية. يراجع أيضاً ما أشرنا إليه بشأن ما ورد خلال برنامج "شهادة التاريخ" الذي بثّته فضائية النظام في الذكري (31) للانقلاب (أغسطس 2000)

[2] لا ندري لِمَ اختار القذافي أو أحد رفاقه عبارة "العمل السري" في عنوان الكتاب الذي أصدروه عن حياة القذافي في عام 1999 والذي يحمل عنوان "القذافي رحلة 4000 يوم من العمل السرّي"؟ لايشكّ أحد في أن عبارتي "النضال السرّي" أو "الكفاح السرّي" هما أقوى وأشدّ وقعاً من "العمل السرّي" إلا أنّ الأخيرة هي بلا شكّ الأصدق في وصف ما كان القذافي يقوم به خلال تلك السنوات..

[3]  السجل القومي/ المجلد السادس . الصفحات (52-53).

[4] هل معني ذلك أنّ بداية التنظيم كانت في 1965 وليس في 1959 أو 1964 كما ردّد القذافي في مناسبات عديدة؟! 

[5]  راجع تفاصيل القصة في الصفحات (89-93) من كتاب "جانب من قصة الثورة الليبية" للرائد عبد الكبير الشريف. مرجع سابق.

[6]  يبدو أن المضاف اليه مرفوع في "النحو العسكري" !

[7] ورد على لسان العقيد المتقاعد جمعة عوض ادريس (من خريجي الدفعة الثامنة بالكلية العسكرية الملكية وعضو تنظيم القذافي) خلال البرنامج التلفزيوني "شهادات للتاريخ" الذي جري بثه ليلة 31/8/2000 بمناسبة الذكري (31) للانقلاب، ورد على لسانه في سياق ذكر مناقب القذافي وقدراته (أنه كان لا يطلب إذناً من أحد..كان يدخل الكلية وبّس)؟!

[8]  تناقضت أقوال القذافي في هذا الشأن مع أقوال عددٍ من رفاقه من بينهم الخروبي والمحيشي والهوني.

[9] نشرت الحلقة بتاريخ 24/3/1971. السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات ( 102-108)

[10] وردت الإشارة إلى الموضوع نفسه في الصفحة (50) من كتاب:" القذافي – 4000يوم من العمل السرّي". مرجع سابق.[11] انظر صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية الصادرة يوم 7/9/1979. الصفحات (11-23)


الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home