Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الجمعة 5 ديسمبر 2008

الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث

الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


انقلاب بقيادة مخبر (4)

د. محمد يوسف المقريف

تساؤلات جوهرية ؟

إنّ ذلك هو عين ما سنقوم به في الفصل التالي .. محاولين أن نقدّم الأدلّة والشواهد والقرائن على ارتباط الضابط/المخبر معمر القذافي مع رجال المخابرات الأمريكية في ليبيا منذ بدايات عام 1969 على الأقل .. وسنكتفي في بعض الأحيان بمجرّد وضع علامات استفهام وإثارة تساؤلات نترك للقارئ وللزمن الإجابة عنها بتأكيدها أو تفنيدها ..

على أنّه قبل أن ننطلق في تقديم الشواهد والقرائن، وفقاً لتعاقب الأحداث زمنياً، نرى ضرورة طرح عددٍ من التساؤلات الجوهرية التي تمهّد لما سوف نعرضه فيما بعد ..

أوّل هذه الأسئلة .. هل يعقل بالنسبة لبلدٍ له مثل مسؤوليات الولايات المتحدة الأمريكية محلياً وإقليمياً ودولياً، وله مثل ما للولايات المتحدة من المصالح في ليبيا في أواخر حقبة العهد الملكي، وله من الحضور والتواجد السياسي والعسكري والمخابراتي مثل ما للولايات المتحدة في ليبيا يومذاك أن يترك الحبل على الغارب –كما يقال- بالنسبة لمستقبل ليبيا ونظامها السياسي؟!

نحسب أنّ الإجابة المنطقية عن هذا التساؤل هي بالنفي ..

أمّا ثاني هذه الأسئلة .. أليس من المعهود والمتوقّع من الولايات المتحدة الأمريكية في مثل هذه الظروف والحالات، ألا تكتفي بالرّصد والانتظار وإنّما تأخذ كافّة المبادرات الضرورية للتأثير في مجريات الأمور والأحداث وتوجيهها الوجهة التي تخدم استراتيجيتها وأهدافها ومصالحها؟!

نحسب أنّ الإجابة المنطقية عن هذا التساؤل هي بالإيجاب ..

أمّا ثالث هذه الأسئلة .. هل يمكن في ضوء الحضور السياسي والعسكري والأمني المكثّف للولايات المتحدة الأمريكية في أواخر العهد الملكي أن يفلت القذافي وجماعته من عملية الرصد الدقيقة والمتواصلة التي كانت تمارسها الأجهزة المخابراتية الأمريكية في ليبيا وتعاونها بشأنها أجهزة عديدة أخرى ليبية وغير ليبية؟!

نحسب أنّ الإجابة المنطقية والقاطعة عن هذا التساؤل هي بالنفي ..

أمّا رابع هذه الأسئلة وآخرها .. في حال كانت الإجابة عن التساؤل السالف صحيحة ونحسب أنّها كذلك .. فكيف يعقل، وقد اكتشفت أجهزة الرصد الأمريكية "ظاهرة القذافي وتنظيمه"، ألا تقوم هذه الأجهزة بمحاولة تقييم الجدّية أو الخطر الذي تشكّله هذه الظاهرة بالنسبة للنظام الملكي القائم؟ وتقييم إمكان نجاحه من عدمه؟ والنتائج التي تترتّب على مصالحها في كلّ حالة؟ وتقييم توجّهات هذا التنظيم وتحديد درجة الاطمئنان إلى هذه التوجّهات؟!

نحسب أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة هي مرّة أخرى بالنفي ..

فإذا صحّت هذه الإجابات عن تساؤلاتنا الأربع السالفة فكيف يعقل وكيف يصدَّق وكيف يقبَل ما تردّده كثير من الدوائر الأمريكية وغيرها بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية أُخِذت على حين غرّة بانقلاب القذافي وجماعته وفوجئت بوقوعه مثل غيرها من الدول .. وكلّ الذي حدث أنّها وجدت نفسها مضطرّة – تحت ضرورات الواقع والحرص على مصالحها- أن تعترف به وأن تتعامل معه ..

إنّ هذا الزعم، لا يستقيم مع أبجديات المنطق ويتناقض مع كافّة المعطيات المتعلّقة بالسياسة الأمريكية تجاه الحالة الليبية، وإنّنا نذهب إلى القول بأنّ القذافي استولى على الحكم في ليبيا في الأول من سبتمبر 1969 ليس فقط بعلم الأجهزة الأمريكية ومباركتها بل وبتخطيطها وبتدبيرها وفعلها. وذلك ما نأمل أن نوضّحه في مباحث الفصل التالي " الضابط المخبر الذي صار عميلا".

وقبل ترك هذا المبحث تجدر الاشارة إلى تساؤل كثيراً ما يرد على خواطر بعض المشككين فيما نذهب اليه في هذا الكتاب مفاده كيف يعقل أن تتآمر الولايات المتحدة الأمريكية للإطاحة بنظام حكم صديق وحليف لها وموال للغرب كالنظام الملكي الليبي؟

وعلى الرغم مما يبدو في هذ التساؤل من " منطق " من وجهة نظر اخلاقية بحتة، إلا أن المتابعين للسياسة الدولية المعاصرة والعارفين ببواطنها يدركون أنها تقوم على "المصالح" أولاً  وأخيراً  وأنها لا تعير " الصداقات" و " التحالفات" أي أهمية إذا اصطدمت وتناقضت مع هذه المصالح . ويمكن الاكتفاء في هذا المقام بالاشارة الى ما ورد في كتاب الدكتور هنري كيسينجر " سنوات البيت الابيض[1]".

" أما المبدأ الجديد [الذي تبنّته الولايات المتحدة الأمريكية ] فيبرر التدخل غير المحدود لتشجيع التغيير الداخلي في البلاد المعادية والصديقة على حد سواء، وقد وجهت العمليات السرية ضد بلاد لا تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، بل وضد بلاد حليفة لها."

ملاحظات إضافية .. 

قد يكون من المفيد أن أختتم هذا الفصل بعدد من الملاحظات التى أحسب أنها ذات دلالة في تأكيد ما ذهبنا اليه حول الدور الأجنبي وتحديداً الأمريكي في إنقلاب سبتمبر. 

          أولها أنه لا يوجد من يجادل في أنه كانت للنظام الملكي أخطاؤه  وتجاوزاته على الصعيدين الداخلي والخارجي غير أنه مما لا شك فيه : 

o   أن حجم هذه الأخطاء والتجاوزات وأوجه النقص والقصور في آدائه لم يكن يفوق ما كان يجري في بقية دول المنطقة سواء ما كان يوصف بالرجعية أو التقدمية ، بل يمكن  القول بأن حظّه منها كان الأقل. 

o       كما أن هذه السلبيات وأوجه القصور والنقص لم تصل إلى الدرجة التي افقدت النظام شعبيته وشرعيته. 

أما ثاني هذه الملاحظات، فلا يوجد من يحاول أن يشكك في أن النظام الملكي كان في سنواته الأخيرة يعاني من بعض مظاهر الوهن والضعف . غير أنه مما لا شك فيه أيضاً أن النظام الملكي على ما كان عليه من وهن وضعف ظل أقوى من كافة القوى الداخلية المعارضة له لا سيّما تلك التى تزعم أنها خططت لإنقلاب سبتمبر ونفّذته. 

          أما ثالث هذه الملاحظات ، فعلى الرغم من ظهور مؤشرات قاطعة وعديدة على وجود صور من التذمر وعدم الرضى وحتى السخط في بعض الأوساط الشعبية على النظام الملكي في أواخر أيامه، فمن الثابت أنه لم يكن بمقدور واستطاعة أي من التنظيمات العسكرية والمدنية التى كانت منتشرة في البلاد يومذاك ( وعلى الأخص القذافي وجماعته) أن تنقل هذه الحالة من التذمر وعدم الرضى إلى عمل نضالي ومشروع للتغيير العسكري أو الشعبي. وربما يكفي للتدليل على صحة هذا الامر إعتراف القذافي في إحدى خطبه أنه وجماعته لم يستطيعوا أن يحركوا الجنود وضباط الصف الذين تحركوا معهم ليلة الانقلاب إلا عن طريق استغفالهم وخديعتهم[2]

          إن هذه الملاحظات مع جملة الحقائق والموضوعية الأخرى التى سوف نأتي على ذكرها في مباحث الفصل التالي تجعلنا لا نتردد في الجزم بأن عملية الإطاحة بالنظام الملكي تمّت بتآمر وتحريك وتدبير أجنبي وتحديداً من قبل الأجهزة السرية للولايات المتحدة الأمريكية ، ولم تكن المجموعة العسكرية التى أطلقت على نفسها فيما بعد " تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار " بقيادة الملازم المخبر معمر القذافي سوى " واجهة محلية " كان لابد من استخدامها لإضفاء صورة من صور " الشرعية الضرورية " على هذا التآمر.  

            وسنحاول في المباحث التالية من هذا الفصل إقتفاء أثر العلاقة بين أجهزة المخابرات الأمريكية في ليبيا وبين الملازم القذافي وجماعته والتى أسفرت عن استيلاء هذه الزمرة على السلطة في ليبيا في الأول من سبتمبر 1969. 

تماسّ مبكّر مع الأمريكان 

       توجد مؤشّرات وقرائن عديدة تدلّ على أن الطالب/ المخبر معمّر أبو منيار كان على تماسّ مبكّر بالمؤسسات الأمريكية وبعض رجالها في ليبيا منذ مرحلة مبكرة من حياته، خلال أيام "سرت"، وأيام "سبها" فيما بعد. 

·        يقول العقيد القذافي خلال ندوةٍ تلفزيونية شارك فيها بمناسبة الذكرى الرابعة لإنقلاب سبتمبر: (1/9/1973)[3] 

" اتّصالي بالكتب جاء متأخراً، كنت حتى عام 1955 (كان حينذاك في سرت) لم أرّ أيّة مجلة إلا مجلة "المعرفة" التى كان يصدرها المركز الثقافي الأمريكي، وأذكر أننى كنت أقرأ سطورها، ولكنّى لم أفهم الكثير من تعبيراتها.." 

·        كما تنسب مؤلفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" إلى قريب القذافي المدعو مفتاح على السبيع في مقابلةٍ أجرتها معه لأغراض كتابها[4] قوله: 

" وفي سرت حيث عاش حتى الرابعة عشر تكمن جذور نضاله.. والبرهان على ذلك رفضه للوظائف التى عُرضت عليه من قبل شركات البترول[5]..." 

·    في عام  1959 [6] افتتح المركز الثقافي الأمريكي صالة للمطالعة في مدينة "سبها" وكان الطالب معمّر بحكم شغفه بالمطالعة من المتردّدين عليها. 

·    في صيف عام 1959 شارك الطالب الكشّاف معمر أبو منيار (على نفقته الخاصّة؟) في المخيم الكشفي التدريبي السابع الذي عقد في "جودايم" بطرابلس. وهناك التقي صدفةً بكشافٍ آخر هو "مصطفي الخروبي" وقد أعجب الأخير بالكشاف معمر وأخذ له صورة ظهرت على صفحات مجلة "المعرفة" التي يصدرها المركز الثقافي الأمريكي.. 

" .. وفي أحد الأيام (خلال المعسكر الكشفي) أخذت له (أى معمر) صورة ووضعت على مجلة "المعرفة" .. ولازلت أتذكّر هذه الصورة، وهذه المجلّة تصدر عن المركز الثقافي الأمريكي.."[7]

·    خلال العام الدراسي 60/1961 وبينما كان الطالب أبو منيار في الصفّ الأوّل الثانوي بمدرسة سبها الثانوية يتلقّى حصّة في اللغة الإنجليزية دخل الفصل شخص أمريكي[8]بصحبة الأستاذ مصطفي التير رئيس قسم الامتحانات والإحصاء بنظارة المعارف بولاية فزان يومذاك، وقد طلب الزائر الأمريكي السماح له بإجراء حوار مع طلبة الفصل، فانبرى له الطالب معمر ودخل مع هذا الزائر في حوارٍ حادّ قام بالترجمة فيه نيابةً عن الطالب معمر مدرّسه في اللغة الإنجليزية "محمد على عليان". (ذكر العقيد القذافي خلال المقابلة التى اجرتها معه صحيفة "صوت الطالب" في هذا الشأن أنّ الوفد كان يظهر بأنه يقدّم خدماتٍ إنسانية ولكنّه (أى معمر) عرف ما يرمون إليه (؟!) وقام بفضح الوفد وإفساد المخطط عليهم (؟). ) 

·    ذكر المدعو "على عويدات" أحد المشاركين في الندوة التلفزيونية التى بثّها إعلام النظام في 5/10/1977 حول "مظاهرة الخامس من أكتوبر 1961 الوحدوية" المزعومة بسبها أن " محمد المدني السويني الشريف" نائب مدير الأمن بالولاية قد قال له بأن السفارة الأمريكية احتّجت لدى الحكومة الاتحادية بسبب إقدام المتظاهرين، في مرةٍ سابقة بسبها، على كسر المعهد الثقافي الأمريكي (يقصد صالة المطالعة)[9]

·    ذكر العقيد القذافي خلال الندوة التلفزيونية التى بثّها إعلامه مساء يوم 3/3/1977 بشأن تلقّيه قرار طرده من الدراسة في المدرسة الثانوية بسبها في أواخر أكتوبر 1961 ما يلي: 

" ذهبت في الصباح (صباح اليوم التالي للقائه بالبي محمد سيف النصر) إلى المدرسة.. فقالوا لي: لقد انتهى الأمر، أنت مطرود.. 

ولم أشأ أن أعود عند الصبح إلى أهلي حتى لا أزعج أمى وأخواتي، وحتى لا يقلن لي لماذا عدت من المدرسة عند الصبح..

وجلست في مركز اليونسكو في فترة الصباح وكأننى موجود في المدرسة..."[10]

            كلّ من عرف مدينة سبها في تلك الحقبة يؤكّدون جميعاً بأن لا وجود لمركزٍ لليونسكو فيها يومذاك.. وإذا صحّ ذلك فمن المرجّح أنّ القذافي كان يقصد صالة المطالعة التابعة لفرع المركز الثقافي الأمريكي الذى جرى افتتاحه في 1/9/1961 (خلال حكومة محمد عثمان الصيد). 

            رغم أنّ هذه الوقائع غير مشكوكٍ في صحتها بحكم أنّها مستقاة من مصادر النظام نفسه إلاّ أنّنا لن نذهب إلى درجة تعليق أهمّيةٍ كبرى بشأنها. ورغم ما قد تعنيه بعض هذه الوقائع (مثل "مصادفة" ظهور صورة الكشّاف معمر بمجلة "المعرفة" في عام 1959 و"مصادفة" مجئ الزائر الأمريكي إلى سبها في أعقاب ذلك) إلاّ أنّنا سوف نكتفي باستخلاص أمرٍ بسيط مفاده أنّ الطالب/ المخبر (المشاكس المشاغب) لابدّ أن يكون قد لفت إليه أنظار بعض "العيون الأمريكية" التي كانت منتشرة في شتى أرجاء ليبيا، شمالاً وجنوباً، يومذاك.. 

الاصطدام بالمفتش الانجليزي بمصراته[11]..

                         يؤكد القذافي وعدد من الكتب التى تحدّثت عن " قصّة نضاله" السابقة على استيلائه على السلطة أنّه بعد وصوله إلى مدينة "مصراته" مطروداً من سبها والتحاقه بالمدرسة الثانوية فيها قرّر تخفيض نشاطه الثوري خشية أن يتكرّر ما حدث له في سبها.. 

" ..عندما جئت إلى مصراته وأخذت أنا ومحمد خليل نحرّك في الناس من "تحت"، وقلت طبعاً أنا لم أعد قادراً على الظهور على المسرح وإلا تنتهى القضية، وكان محمد يدخل في إضطراباتٍ وخصوماتٍ ولكنّني ظللت أحرّك من تحت.."[12]

غير أن "الطالب الثائر" معمر لم يستطع أن يمنع نفسه من الاصطدام داخل الفصل ذات مرّة بمفتّش اللغة الإنجليزية يومذاك المدعو (مستر جونسون) الأمر الذي جعل ذلك المفتّش ينهره ويأمره بالخروج من الفصل الدراسي. 

ولا تعنينا تفاصيل هذه القصّة بروايتها المتعدّدة، ولكن الذي يهمّنا في هذا المقام هو أنّها لو صحّت فلا بدّ أن تكون قد نبّهت إليه عيون المخّابرات البريطانية، وبالتالي الأمريكية في ليبيا، حيث أن معظم هؤلاء المفتّشين ومن على شاكلتهم كانوا على صلةٍ ما بتلك الأجهزة وينقلون إليها كلّ ما يصادفهم في عملهم. 

سنوات الكلية العسكرية الملكية 

التحق القذافي – كما مر بنا بالدفعة السابعة بالكلية العسكرية الملكية  ببنغازي في أكتوبر 1963، وتخرّج منها في أغسطس 1965 برتبة ملازم ثانٍ، وقد عاصر خلال وجوده بالكلية طلبة الدفعات السادسة والسابعة والثامنة. 

وكما هو معروف فقد كان للمخابرات البريطانية والأمريكية حضور مكثّف وظاهر ومعروف في الجيش الليبي بعامّة والكلية العسكرية الملكية بخاصّة.. وقد تمثّل هذا الحضور في: 

(1)  البعثة العسكرية البريطانية British Military Mission بمستشاريها وضباطها ومدربيها الملتحقين بالجيش الليبي ومختلف وحداته واسلحته، وقد ترأس هذه البعثة خلال السنوات 1960- 1966 العقيد ثيودور (تيد) لاو THEODORE (TED) LOUGH. 

(2)         البعثة العسكرية الاستشارية الأمريكية بالجيش الليبيMilitary Assistance Advisory Group (MAAG)

وقد تعاقب على رئاسة هذه البعثة عدد من الشخصيات العسكرية الأمريكية كان آخرهم منذ عام 1968 العقيد جورج ھ. ريد Col. GEORGE H. REID 

 وتفيد مطالعة الوثائق السرية لوزراة الخارجية البريطانية أن البعثة العسكرية البريطانية بالجيش الليبي كانت تقوم برصد كافة اوضاع الجيش الليبي وبتقديم التقارير الدورية عنها إلى رئاسة الحكومة البريطانية وينسب مؤلفا كتاب "القذافي والثورة الليبية"[13] إلى الكولونيل لاو جملة من الأقوال بشأن دور هذه البعثة في ليبيا الملكية جاء فيها: 

" لقد كنّا في الحقيقة ليس لتدريب الجيش بل لمراقبته عن كثب، ولمعرفة ماذا يجرى فيه، وكنا نكتب تقارير منتظمة من ذلك إلى السفارة البريطانية" 

كما ينسب إليه قوله في موضع آخر من الكتاب (48، 55)     

"لقد كتبت عن القذافي . في عام 1965 – سلسلة من التقارير إلى الاستخبارات البريطانية في ليبيا والتى كان يمثلها الملحق التجارى بالسفارة البريطانية في طرابلس". 

".. لقد كان لدى البريطانيين ملف سميك (FAT) عن القذافي منذ عام 1966، وكانوا يتقاسمون المعلومات الاستخبارية مع الأمريكان بشكل روتيني". 

كما تفيد مطالعة الوثائق السرية لوزارة الخارجية الأمريكية أن السفارة الأمريكية في ليبيا درجت في كافة تقاريرها التى تبعث بها إلى وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن أن تضع رقماً مسلسلاً أمام إسم كل ضابط ليبي يظهر في تلك التقارير مهما كانت رتبة ذلك الضابط مما يفيد وجود ملف على سبيل الحصر لكل ضابط في القوات المسلحة الليبية. وعلى سبيل المثال فقد اشتمل التقرير رقم 69/A الذى بعثت به السفارة الأمريكية إلى واشنطن بتاريخ 21 مارس 1969 على عدد من أسماء ضباط في الجيش الليبي ووضعت أمام كل إسم الرقم الخاص به على النحو الآتي: 

-         جمعة على أبو حلقة (6).

-         صالح فهمي العزابي (8).

-         مختار إبراهيم البنغازى (10).

-         فوزي محمد الدغيلي (11).

-         حسين الفرجاني (12).

-         محمد مهدى حراقة (14).

-         محمد يونس خليفة (16)

-         أحمد المدفعى (17) 

ومعنى ذلك فلم يكن أيّ ضابطٍ بالجيش الليبي، صغر شأنه أم كبر، علت رتبته أم تدنّت، بعيداً عن العيون الأمريكية والبريطانية التى كانت ترصد الجيش الليبي وكافّة أحواله وأوضاعه، فما بالك إذا كان الطالب الضابط من نوعية القذافي وبكلّ ما اشتهر به وعُرف عنه من غرابة أطوار وتحرّكات واجتماعات (كما مرّ بنا في الفصول السابقة). 

" .. كنّا نتعامل مع القواعد الأجنبية الموجودة في بلادنا، والبعثات الإنجليزية والأمريكية.. ففي معسكراتنا قبل الثورة، كان هناك إنجليز، وكانوا فيه أمريكيين، كانوا مدرّبين، وكانوا خبراء ومشرفين..".

(القذافي 11/2/1979. السجل القومي/ المجلد العاشر). 

إذاً فمن حقّنا أن نفترض، في ضوء هذا كلّه، أنّ معمر القذافي الطالب بالدفعة السابعة بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي لم يكن بعيداً أو بمنأى عن أعين المخابرات الأمريكية والبريطانية في ليبيا. 

القذافي ضابطاً بسلاح الإشارة..[14] 

            لايوجد بين أيدينا ما يدعو إلى الشكّ حول الكيفية التى تمّ بها تنسيب الضابط معمر القذافي فور تخرّجه برتبة ملازم ثانٍ في عام 1965 إلى سلاح الإشارة (المخابرة)[15] حيث يبدو أنّ هذا الأمر قد تمّ وفقاً لاحتياجات الجيش الليبي ومختلف صنوفه يومذاك. 

            ومع ذلك فسوف يظلّ من الأمور اللافتة للنظر والداعية للاستغراب كيف توجّه الملازم القذافي بعد تنسيبه للعمل بمدرسة الإشارة بالمرج إلى الالتحاق، بدلاً عن ذلك، "بمعسكر قاريونس" حيث بقي فيه إلى أن قام الانقلاب في الأول من سبتمبر 1969. وقد تبين فيما بعد أن هذا المعسكر ظلّ يشكّل على الدوام محطة الاتصال بكافّة وحدات الجيش الليبي وبالتالي السيطرة عليها[16]

            والسؤال الذى يعنينا طرحه هنا.. لِمَ سكتت الجهات الأخرى بالجيش عن مطالبة الملازم القذافي بالالتحاق بالجهة التى نسّب أصلاً إليها؟ 

            لقد ألمحنا في فصل سابق عند إشارتنا إلى هذا الموضوع إلى أننا نميل للاعتقاد بأنّ الأمر تمّ بناءً على تعليمات وتدخّل الجهة التى وجّهت القذافي أصلاً للدخول إلى الجيش وهي "أمن الدولة". وإذا كنّا ما زلنا على اعتقادنا السابق إلا أننا مع ذلك لا نستبعد كليّة ان يكون ذلك قد تمّ بناءً على تدخّل "طرف ثالث" كان يعدّ العدّة منذ مرحلةٍ مبكرةٍ جداً للقيام بانقلاب عسكري يوماً ما.. وبالطبع لم يكن القذافي وجماعته هم هذا الطرف الثالث حيث أنّهم كانوا لا يدركون في تلك المرحلة مدى أهمّية "سلاح الإشارة" أو أهمّية "معسكر قاريونس" لنجاح أىّ انقلاب..

 

________________________________________________

(1) موسوعة السياسة ، د. عبدالوهاب الكيالي وآخرون ، الجزء الثالث، المؤسسة العربية للدراسة والنشر . الطبعة الاولي 1983 ص (37-38).
(2) راجع ما ورد على لسان القذافي خلال الندوة التلفيزيونية ليلة 31/8/1979 المنشورة بمجلة الأسبوع السياسي الصادرة يوم 7/9/1979 ص ( 11-23)
(3) السجل القومي، المجلد الخامس 74/1975 الصفحات (40- 41).
(4) صدرت الطبعة العربية من الكتاب في عام 1973. راجع الصفحة (39).
(5) معظم شركات البترول العاملة في ليبيا وبخاصة في منطقة سرت هي شركات أمريكية أشهرها شركة أسّو ليبيا.
(6) في ديسمبر من عام 1958 كان مندوب المخابرات الأمريكية المدعو دونالد سنوك يشغل وظيفة ضابط الراديو الإقليمي التابع لمركز المعلومات الأمريكي قد زار مدينة سبها وبعض مدن الجنوب الليبي وناقش مع المسؤولين في الولاية فكرة فتح صالة مطالعة تابعة للمركز في سبها. اللافت للنظر هو وجود وثيقة سرّية من وثائق الخارجية الأمريكية لم يجرِ الإفراج عنها حتى الآن تتعلق بالملّف الذي يوجد به التقرير الخاص بهذه الرحلة.
(7) الرائد مصطفي الخروبي. عضو مجلس قيادة الثورة في ندوةٍ تلفزيونية مساء يوم 31/8/1974. راجع السجل القومي/ المجلد السادس . الصفحات (52- 53).
(8) وصف القذافي في المقابلة الصحفية التي أجرتها معه صحيفة "صوت الطالب" هذا الشخص بأنّه "وفد أمريكي"، كما أشار إليه عبد الكبير الشريف في كتابه "جوانب من قصّة الثورة الليبية" (صفحة 59) بأنه "مستشرق يحضّر الدكتوراه في الدراسات الشرقية" كما وردت من ضمن الوثائق المرفقة بكتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السري" وثيقة بأنّ الشخص الأمريكي هو "صحفي مستشرق يحضّر الدكتوراه في الدراسات الشرقية". وقد بقي إسم هذا الشخص في هذه المصادر جميعها مجهولاً؟!
(9) السجل القومي، المجلد التاسع. صفحة (189). نحن نفترض هنا أنّ الطالب/ المخبر معمر كان حاضراً ومشاركاً في المظاهرة التي يشير إليها المتحدث.
(10) السجل القومي، المجلد الثامن 77/1978 . الصفحات (592- 553).
(11) راجع "القذافي رسول الصحراء"، مرجع سابق، الصفحات (87-88)، وكتاب "رئيسي ابني" تأليف فريدريك موسكات، ترجمة شاكر إبراهيم ونشر مؤسسة للنشر والتوزيع. مالطا 1974. الفصل الرابع "المواجهة"، مصراته يوم في أوائل عام 1961". راجع أيضاً السجل القومي/ المجلد الرابع، الصفحات (40- 41) وصحيفة "الجماهيرية" الرسمية عدد يوم 29/11/ 1985، وكتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّي"، الصفحات (161- 163).
(12) القذافي خلال ندوةٍ تلفزيونية في 3/3/1977. السجل القومي/ المجلد الثامن. صفحة (556).
(13) راجع كتاب Qaddafi And The Libyan Revolution تأليف " David Blundy And Andrew Lycentt" من منشورات Little, Boston& Toronto 1987 Brown And Company.
(14) راجع مبحث الالتحاق بمعسكر قاريونس في بنغازي بفصل "الضابط المخبر بالجيش الليبي".
(15) يلعب هذا السلاح دوراً هاماً في نجاح الانقلابات في البلاد المترامية الأطراف مثل ليبيا.
(16) تسلمت الحكومة الليبية (حكومة محمد عثمان الصيد) هذا المعسكر( الذى كان يعرف بإسم معسكر البركة-2 أو معسكر أمريكا) في 15/8/1961 من القوات الأمريكية بعد استغنائها عن إستخدامه. راجع التقرير السرىّ الذى بعثت به السفارة الأمريكية إلى واشنطن رقم (174) المؤرخ في 14/11/1961 الملف المركزي رقم 11-461 / 773.56311


الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home