Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الثلاثاء 3 فبراير 2009

الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث

الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


انقلاب بقيادة مخبر (6)


د. محمد يوسف المقريف

أسماء ليبية مثيرة  

         يتضح من مطالعة  الوثائق السرية للخارجية الأمريكية التى جرى الافراج عنها أن هناك عدداً من الأسماء الليبية المدنية والعسكرية والامنية ( الرسمية والأهلية ) كانت موضع إهتمام رجال السفارة الأمريكية وأجهزتها في ليبيـا وعلى درجة من درجات التواصل والصلة بها. وتوجد مؤشرات كثيرة على أن عدداً من هؤلاء – على الأقل – قد لعب دوراً ما في إحدى مراحل الإعداد والتحضير لإنقلاب سبتمبر. 

ولا يخفى أن قائمة هذه الاسماء تستعصي على الحصر. غير أن الذي يعنينا منها في هذا المقام أربعة أسماء منها وردت الإشارة إليها في أكثر من موضع من هذه الوثائق كما ثبت أنها كانت على صلة بالقذافي في المرحلة السابقة على قيام إنقلاب سبتمبر ونعنى بهم

1 -   النقيب المبروك عبدالله أمسيك

2 -   العقيد خالد يوسف غريبية

3 -   القاضي مصطفى كمال المهدوي

4 -   ملازم شرطة عبدالوهاب الزنتاني 

(1) النقيب المبروك عبد الله إمسيك

في عام 1958 كان المبروك عبد الله إمسيك برتبة نقيب في شرطة ولاية فزان وكان يشغل منصب مدير الشرطة بمنطقة غات التابعة للولاية. 

وقد أشار إليه دونالد سنوك DONALD L.SNOOK (رجل المخابرات الأمريكية في ليبيا الذى كان يعمل تحت غطاء ضابط الراديو الاقليمي التابع لمكتب المعلومات الأمريكي) في تقرير المؤرخ في 31/12/1958[1] عن رحلته الصحراوية الأولى إلى الجنوب الليبي خلال الفترة من 10 إلى 17 ديسمبر 1958 وصاحبه في جزء منها النقيب المبروك عبد الله إمسيك حيث أرفق صورة له ضمن الصور التى أرفقها بتقريره عن الرحلة المذكورة[2] .

وفضلاً عن ذلك فقد أشار إايه السفير الأمريكي ديفيد نيوسوم في التقرير الذى بعث به إلى واشنطن بتاريخ 15/7/1966، عن الرحلة التى قام بها مع فريق مهم من السفارة الأمريكية بطرابلس إلى فزان في أواخر شهر يونية 1966 حيث أورد في ذلك التقرير ما ترجمته[3]

" في 26/6/1966 أكملت مع اثنين من الفريق الأمريكي الخاص بليبيا COUNTRY TEAM رحلة بالسيارة إلى الإقليم الجنوبي بليبيا فزان، استغرقت تسعة أيام. وقد شارك في هذه الرحلة إلى جانبي[4] الكولونيل جيمس مور JAMES D. MOORE (رئيس البعثة العسكرية الاستشارية الأمريكية في ليبيا MAAG) والمستر جرانت فيلدن GRANT A. FIELDEN (رئيس محطة المخابرات المركزية في ليبيا) بالإضافة إلى كل من المستر جون كريستى JOHN CHRISTIE والمستر جيفرى بيشوب GEOFFREY BISHOP (وكان برفقتهم أيضاً إبنا السفير نيوسوم وإبن المستشار بالسفارة جيمس بليك JAMES BLAKE) وكان برفقتنا خلال جزء كبير من الرحلة[5] رائدان من الشرطة في فزان هما المبروك إمسيك وطارق عبد الباقي فضلاً عن رئيس تحرير الصحيفة الأسبوعية التى تصدر في سبها (فزان) محمد الزنتوتى" . 

وعندما قام السفير نيوسوم يوم 14/6/1969، وقبيل مغادرته لمنصبه، بزيارة وداعية بالطائرة لمدينة "سبها" كان المقدم المبروك عبد الله إمسيك من بين الشخصيات التى قابلها وأخذ معها صوراً تذكارية نشرت على صفحات مجلة "المعرفة" التى يصدرها المركز الثقافي الأمريكي في ليبيا.[6]

عند وقوع انقلاب سبتمبر كان المبروك عبد الله إمسيك يحمل رتبة مقدم وفي 31/5/1970 أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً قضى بموجبه إحالة المقدم إمسيك إلى الخدمة المدنية ضمن عدد آخر من ضباط الأمن.[7] 

الأمر المثير للانتباه أن القذافي لم يقم باستدعاء المقدم إمسيك ضمن الكثيرين ممن عاصروا فترة وجوده بمدينة سبها (1956- 1961) للادلاء بشهادات مزيفة نقلت على وسائل إعلام النظام حول تاريخ نضاله المزعوم. إن إحجام القذافي عن هذا يحمل في اعتقادنا دلالة خاصة حول ارتباط الطالب معمر أبو منيار بالخدمة في جهاز المباحث العامة بولاية فزان[8]، وربما عن صلته ولقاءاته السرية برجال السفارة الأمريكية.  

(2) العقيد خالد يوسف غريبة

      ( ضابط مباحث أمن الدولة..) 

وردت الإشارة إلى إسم المدعو "خالد غريبة" على لسان الرائد " عبد السلام جلود" خلال الندوة التي بثتها وسائل إعلام النظام مساء يوم 31/8/1974 وشارك فيها مع العقيد القذافي وآخرين. وكان جلود يتحدّث أثناءها عن كيفية دخوله للكلية العسكرية في عام 1963: 

".. فأخذني [معمر] ويظهر كان عنده واسطة في المباحث [أمن الدولة].. كان فيه واحد اسمه خالد غريبة.. دار [عمل] لي الأوراق [مسوّغات الدخول للكلية العسكرية] في نفس اليوم.. وقدّمناها..." 

ويتبين من المعلومات المتوفّرة حول المدعو "خالد غريبة" أنّه كان يومذاك ضابطاً في "جهاز أمن الدولة" بطرابلس وأنّه كان يشغل منصب رئيس "قسم تحقيق البصمات". وهو ينحدر من أسرةٍ ثريةٍ من بلدة "أزوارة" كما حضر عدّة دورات تدريبية في الخارج، في بريطانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية[9]

وقد أشرنا في فصل سابق كيف أنّه في ظلّ صمت القذافي المطبق عن بيان كيفية دخوله الكلية العسكرية في العام 1963 نفسه (الذي دخل فيه جلود الكلية العسكرية) فإنّ من حقنا أن نفترض أنّ الشخص ذاته (خالد غريبة) هو الذى قام بمساعدة الطالب معمر أبي منيار في تجهيز أوراق مسوّغات دخوله كما فعل مع جلود فيما بعد. 

والسؤال الذى يطرح نفسه.. 

·    هل كان ضابط أمن الدولة (خالد غريبة) يقوم بما قام به من مساعدة القذافي[10]وجلود (وربّما آخرين) بدخول الكلية العسكرية في عام 1963 (وربّما قبلها وبعدها) تنفيذاً لتعليماتٍ صادرة إليه من رؤسائه في الجهاز (أمن الدولة) في إطار خطةٍ موضوعة لتأمين الحصول على معلوماتٍ وافية عن الجيش الليبي وضباطه ووحداته...؟

 ·    أم أنّ الضابط "خالد غريبة" قام بتلك الخدمة للقذافي بإيحاءٍ أو بطلبٍ من أحد عناصر الأجهزة الأمريكية في ليبيا والذي تربطه به "علاقة ما"..؟ 

وإذا كنّا لا نستبعد الاحتمال الثاني كلّيةً، إلا أنّنا مع ذلك نرجّح الاحتمال الأوّل عليه حيث أنّنا قدّمنا بشأنه أكثر من قرينةٍ وشاهد في فصلٍ سابق[11]. 

(3) القاضي مصطفي كمال المهدوى 

·        من الإشارات المبكرة التى وردت حول القاضي الليبي مصطفي كمال المهدوى ما جاء في المقال الذى نشرته مجلة "الانقاذ" في عددها الخاص رقم (47) سبتمبر 1998 تحت عنوان "مطالعة سريعة في الوثائق السرية للخارجية الأمريكية- سنوات العهد الملكي الأخيرة" حيث ورد به تحت عنوان جانبى "درجة عالية من الرصد والمتابعة": 

" يلاحظ المطالع للتقارير السرية التى بعثت بها السفارة الأمريكية في ليبيا إلى وزارة الخارجية بواشنطن خلال السنوات الأخيرة من العهد الملكي، فضلاً عن الغزارة والكثافة والشمول المعتاد في تقاريرها السابقة، درجة دقيقة وعالية وجديدة من الرصد و المتلبعة فيما يشبه الجرد والحصر لشخصيات ورجالات العهد الملكي من عسكريين ومدنيين وإعداد نُبذ عنهم، بل وحتى لحركة الدبلوماسيين الأجانب في ليبيا..." 

وقد ضرب المقال لذلك أمثلة كثيرة كان من بينها الرسالة المؤرخة في 18/4/1968 التى أرسل بها وزير الخارجية آنذاك المستر دين راسك إلى السفارة بطرابلس يحثها فيها على استكمال المعلومات الواردة في بعض التقارير التى سبق للسفارة أن أرسلتها إلى الوزارة[12]. وقد لاحظ المقال أن رسالة الوزير الأمريكي التى تضمنت ملاحظات حول أكثر من مائة شخصية ليبية، طلبت إزاء عدد محدود منها (14 شخصاً) تزويد الوزارة بكل شئ عنها (NEED EVERYTHING) وهم: 

1-     العقيد يونس العمرانى (الجيش الليبي)

2-     العقيد مختار إبراهيم البنغازي (الجيش الليبي)

3-     الزعيم سالم بن طالب (مدير عام أمن طرابلس)

4-     دكتور محمد البشتى (ربما كان المقصود وزير الخارجية الدكتور أحمد البشتى)

5-     دكتور شكرى غانم (خبير نفط).

6-     محمد أبو عياد اللافي الحاسى (رجل أعمال)

7-     كامل حسن المقهور (محام)

8-     مصطفي المهدوى (قاض)

9-     المقدم محمود بنّاجى (ضابط سابق بالجيش الليبي)

10- محمد أنقا ( رجل أعمال )

11- الحاج محمد مصطفى الشيباني (رجل أعمال)

12- مقدم محمد السوداني ( شرطة ) [13]

13- بشير الويفاتى (خبير زراعي)

14-عقيد يونس بالقاسم على (شرطة) 

ويتضح للقارئ أن إسم القاضى مصطفي المهدوى كان ضمن هذه الأسماء التى حرصت وزارة الخارجية الأمريكية حرصة على أن تعرف كل شيء عنها. وبالطبع فلم يحاول كاتب المقالة أن يبحث في الأسباب التى دفعت الخارجية الأمريكية للبحث عن "كل شيء" بشأن هذه الشخصيات الليبية وترك ذلك للباحثين والمعنيين. 

·        في 29 مايو 2005 نشر موقع "أخبار ليبيا" الالكتروني مقالة للكاتب مفتاح فرج أشار فيها إلى ما ورد في المقال المنشور بمجلة "الانقاذ" حول القاضي المهدوى ولم يتردد في تأكيد وجود صلات قوية بينه وبين المخابرات الأمريكية في ليبيا وكان مما ذكره في تلك المقالة: 

" .. مصطفي المهدوى من مواليد بنغازي سنة 1932. تخرج من كلية الحقوق بالإسكندرية سنة 1959 ثم عمل بالقسم الفني بالمحكمة العليا بطرابلس. جنّدته المخابرات الأمريكية لصلته العائلية والحميمة بالسيد مصطفي بن حليم رئيس الوزراء (الأسبق). كان ذا ثقافة واسعة، لبق الحديث. وقد كوّن خلال فترة وجيزة صداقات كثيرة بين العسكريين والمدنيين. فمثلاً كانت تعقد في بيته اجتماعات لمثقفين وشباب من طليعة النخب الفكرية والثقافية والعلمية في البلاد تضم من الليبيين على وريث (توفي أو ربما قتل في حادث سيارة في نوفمبر 1970)[14] والمحامى إبراهيم بشير الغويل. ومن الفلسطينيين د. أحمد صدقى الدجانى – رحمه الله- ود.أنيس القاسم (المستشار القانوني للجنة البترول العليا[15] التى كان يرأسها السيد مصطفي بن حليم في منتصف الخمسينيات[16]) وعيسى القاسم وفريد أبو وائل ومن الأردن نواف جرادات وآخرين." 

وكان مما ذكره الكاتب مفتاح فرج في تلك المقالة: 

" بالنسبة لبعض نشاطاته داخل المؤسسة العسكرية الليبية فقد تعرف المهدوى على مجموعة من الضباط من بينهم النقيب عبد الحميد الجدايمى والنقيب مصطفي نورى وضباط آخرون من ذوى الرتب الصغيرة. واتفقوا فيما بينهم على وضع مخطط تنفذه وحدات من كتيبة الدروع الأولى ومقرّها مدينة الخمس، بالتنسيق مع ضباط أمريكان موجودين بمطار مصراته لاعتقال الملك ادريس أثناء سفره براً إلى طرابلس – وذلك في شهر فبراير 1966- وإجباره على التنازل عن العرش لنخبة من الضباط ثم تعلن الثورة. إلا أن هذا المشروع مات في مهده بسبب سذاجته. وكما كان معلوماً مسبقاً للأمريكان وللمهدوى...[17]" 

كما أورد أيضاً: 

" .. في شهر يوليو من عام 1966 توجّه المهدوى مسافراً إلى كل من الكويت والبحرين والأردن بأوامر من المخابرات الأمريكية واستغرقت الرحلة نحو أربعين يوماً، وهناك معلومات تشير إلى أنه زار القدس الغربية. قبل حرب يونيو 1967 اتخذ جهاز أمن الدولة الذى كان يرأسه العقيد سليمان التويجرى[18] قراراً لكشف نشاط عملاء أمريكا في ليبيا والحد منه، وعلى رأسهم العميل الخطير مصطفي المهدوى، وذلك بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية والمخابرات الانجليزية. كان المهدوى كثيرالتردد على مطار الملاحة الأمريكي [بطرابلس] والذى كان يدخل بكارنيه (بطاقة) خاص يحمل رقم (157) صدر له من قيادة القاعدة...[19]

كما أضاف الكاتب أيضاً:           

"في ربيع 1967 انتقل المهدوى للعمل في محكمة الاستئناف ببنغازى ليكون قريباً من معسكر قاريونس الذى كان يسمى "معسكر أمريكا" حيث كان يعمل عميل أمريكا الأول في الجيش الليبي الملازم معمر القذافي والعديد من مجموعته الانقلابية (الضباط الوحدويون الأحرار) فقد كلف المهدوى بمتابعة ملف القذافي وكان يزوره بمعسكر قاريونس باستمرار لحين قيام انقلاب سبتمبر..." 

ولا يغيب على القارئ، أنه رغم غزارة "المعلومات" الواردة في هذه المقالة، إلا أنها خلت من الإشارة إلى أى مصادر تستند إليها أو وثائق تدعم ما ورد فيها[20]. 

·       ومن جهته فقد بعث القاضي/ المستشار مصطفي كمال المهدوى إلى منتقديه ردّين قام بنشرهما موقع "أخبار ليبيا" الالكتروني في 11 فبراير 2006 يعنينا منهما ما يتعلق بالاتهامات التى وُجهت إليه بشأن علاقته بالأمريكان وطبيعة علاقته بالملازم القذافي قبل قيام الانقلاب. 

وقد جاء فى الرد الأول من القاضي المهدوى المؤرخ في 2 فبراير 2006 الفقرات التالية: 

"... وقد خدمت القضاء في وطني ستة وثلاثين عاماً. ومن قبل تخرجت في المدارس الابتدائية والثانوية والجامعية الوطنية في مصر العروبة.." 

كما جاء في رده الثاني المؤرخ في 11فبراير 2006 الفقرات التالية:           

"سيرتى الذاتية سيرة قاض عادي ألحقته أمّه بكلية فيكتوريا بالإسكندرية، وبعد أشهر قليلة رأت أن  الصواب في مدرسة عربية بالمصروفات فأمرت بنقلى إلى مدرسة رأس التين حيث حصلت على الشهادتين الإبتدائية والثانوية، والشهادتان عندى شاهدتان على ذلك، ثم تخرجت من كلية الحقوق والتحقت بخدمة القضاء وكانت تقارير التفتيش على اعمالى تنتهى دائماً بتقديرى بدرجة (كفؤ) وهى اعلى درجة تمنح في هذه التقارير. ثم عُيّنت مفتشاً قضائياً...". 

ثم يضيف في الرد ذاته: 

".. وكنت قاضياً بالمحكمة الادارية لجامعة العرب الدولية[21] في الفترة من سنة 1965 إلى سنة 1972 بالاضافة إلى عملى الأصلي في القضاء الليبي فأتيحت لى مهمة في الكويت[22] في صيف 1966 فوجدتها فرصة للقيام في المسجد الأقصى فأفترصتها وأحمد الله سبحانه أننى احتفظ بجواز سفرى إذا اطلعتم عليه ستجدون تأشيرة أردنية في القاهرة[23] لزيارة الأردن 28أغسطس 1966تأشيرة جوازات مطار القدس 29 أغسطس 1966 حيث أننى لم اجد طائرة من القدس إلى الكويت في وقت مناسب تأشيرة المطار الدولي في الكويت قادماً من دمشق 31 أغسطس 1966 وهذه قصة زيارة القدس..."[24] 

ويتناول المستشار المهدوى فى رده موضوع علاقته بالأمريكان فيقول عنه: 

" وأما حقيقة علاقتى بالأمريكان فانتظروا حتى تقرأوا كتابي الجديد عن حرب العراق (850 صفحة حتى الآن) وعلى من يدعى السوء أن يقدم دليلاً على صدقه..". 

            ويتضح من هذا الرد المبتسر أن المستشار المهدوى عاكف على تأليف كتاب عن حرب العراق بلغ حجمه حتى يومذاك (850) صفحة ولم يقل متّى سيفرغ من كتابته ومتى سيتم نشره وإن كان وعد القراء بأنه سيوضح في ذلك الكتاب حقيقة علاقته بالأمريكان. ومن حق المرء أن يتساءل ما الذى منع المستشار المهدوى من تناول هذا الموضوع في عبارات مختصرة ومحددة ومباشرة ومنصّبة على الاتهام المحدد الموّجه له بشأن علاقته بالأمريكان في ليبيا خلال فترة زمنية محددة ومعروفة. إن هذه تشكّل في نظر الكثيرين تهربّا من الموضوع كما أنها تزيد من حجم شكوكهم حول هذه العلاقة.. 

            كما يتناول المستشار المهدوى في رده موضوع علاقته بالملازم القذافي ومجموعته فيقول عنها بأسلوب ينطوى على الكثير من المراوغة فيقول: 

".. وأما عن علاقتى بالضباط الوحدويين الأحرار، فإن قلت لا علاقة لى بهم فإننى أتبرأ منهم، وإن كانت لى علاقة بهم فكأننى لا أحب أن أدّعى شيئاً لا دليل عليه عندى، وأنا لا أقول كل ما يقول القائد وهو لا يقول كل ما أقول ولكننا ننهل من مدرسة واحدة...". 

            ومرة أخرى فلا يخرج القارئ من هذه العبارة بإجابة واضحة وحاسمة وهو ما يزيد في نظرنا من حجم الشك حول هذا الموضوع.. موضوع علاقة المستشار المهدوى بالملازم القذافي وبعض أفراد مجموعته قبل وقوع الانقلاب.

·        ولأن إجابات المهدوى وردوده جاءت غائمة ومراوغة بل وأهملت تناول الكثير من القضايا والوقائع التى أثارها الكاتب مفتاح فرج في مقالته المذكورة، فقد عاد هذا الأخير إلى ترديدها في مقالة لاحقة نشرها بالموقع الالكتروني ذاته بتاريخ 31 أغسطس 2006م. بعنوان "القصة الكاملة لحركة الضباط الوحدويين الأحرار في سبتمبر 1969- خفايا وأسرار" مضيفاً إليها المزيد من الوقائع والاتهامات يعنينا منها في هذا المقام[25] الفقرات التالية: 

" قامت أمريكا منذ نهاية الخمسينات بإنشاء شبكة من العملاء. و" الأصدقاء الموالين" في ليبيا!! والصنف الأخير كان يضم عسكريين من جيش وشرطة ورجال اعمال وموظفين ومحامين وسنتكلم هنا عن أخطر وأهم عميل لأمريكا في ليبيا ولربما في الشرق الأوسط ألا وهو مصطفي كمال المهدوى المحامي[26]

" بالاضافة إلى أصدقائه [ أى أصدقاء القاضى المهدوى] الضباط الأمريكان الذين كانوا يحضرون في بعض الأحيان حفلات أعياد ابنته الصغيرة..."

" كان المهدوى كثير التردد على قاعدة الملاحة الأمريكية... كان يشترى بعض حاجياته من متجر BX الموجود داخل المطار دون أن يدفع ثمنها، فقد كان لديه حساب مفتوح بصفته ضابط التجنيد الرئيسي[؟!] كانت مهمته الأساسية هى استقطاب الضباط الليبين ثم دعوتهم للذهاب إلى القاعدة حتى يتمكن ضباط الاستخبارات الأمريكان من التعرف عليهم عن قرب، وكانت تقدم لهم المشروبات والمرطبات بالإضافة لبعض الهدايا من متجر BX." 

" في أغسطس من عام 1966 توجّه المهدوى إلى كل من الأردن والكويت والبحرين – وربما الامارات العربية التى كانت آنذاك تحت الوصاية البريطانية- برفقة وفد رفيع المستوى من المخابرات الأمريكية[27] واستغرقت الرحلة نحو عشرين يوماً وفى نفس الرحلة زار إسرائيل.. والمؤكد أنه زار القدس الغربية حيث تلقى علاجاً للأسنان في مستشفى هاداسا الإسرائيلي الكائن بمنطقة عين كريم..." 

".. ففي خريف عام 1966 وبعد رجوعه من دورة تدريبيّة ببريطانيا (التى لم يوفق في إكمالها لعدم اجتيازه الامتحانات كما يقول أحد رفاقه المقربين) وقع الاختيار على الملازم معمر القذافي ليكون المنفّذ لمآرب أمريكا في ليبيا. وكان قد تعرض للمراقبة والاختبار لمدة سنة أى منذ تخرجه من الكلية العسكرية الملكية ببنغازى. وعلى الفور بدأ الأمريكان في تدريبه وتوجيهه، وحمايته بطبيعة الحال، من أعين المخابرات الليبية والانجليزية والمصرية. وشاءت الأقدار[28] أن يكون مدرّسه وموجهه السياسي سوى العميل وخبير الانقلابات الزنديق مصطفي كمال االمهدوى". 

" وقد أطلق المهدوى والأمريكان على المجموعة الانقلابية الإسم الحركى[29] BLACK BOOTS حيث كان صغار الضباط في الجيش الليبي آنذاك يرتدون الأحذية السوداء...". 

"... تصريحات المهدوى تؤكد أن الأمريكان استعملوا أحدث الأساليب العلمية للتجنيد والسيطرة في تعاملهم مع مجموعة الضباط الوحدويين الأحرار.. ولا يخفي على المعنيين أن وكالة الاستخبارات تحتفظ بملفات كاملة بالصوت والصورة عن اجتماعات ممثليها ((CONTROLLERS بالمهدوى قبل وبعد الأول من سبتمبر 1969". 

".. وهكذا قام المهدوى باستقدام فيما بعد كلا من المقدم آدم الحواز والمقدم موسى أحمد ليكونا أعضاء في تنظيم القذافي...[30]

بصرف النظر عن الثغرات التى إنطوت عليها مقالتا الكاتب مفتاح فرج وعدم دقة بعض "المعلومات" الواردة فيهما وغياب ذكر المصادر التى استمد منها هذه المعلومات أو الوثائق التى تستند إليها، إلا أننا لا نشك – في ضوء كل ما أوردناه في هذا المبحث – أن القاضي/ المستشار مصطفي كمال المهدوى كان على علاقة برجال المخابرات الأمريكية في ليبيا، كما كان على علاقة بالملازم معمر القذافي وبعض رفاقه خلال الفترة السابقة على انقلاب سبتمبر 1969 وأنه من خلال هذه العلاقة المزدوجة قام بدور في التحضير والإعداد لذلك الانقلاب حتى وإن لم يكن بمقدورنا – في ضوء المعلومات المتاحة- تحديد طبيعة وفاعلية وحدود هذا الدور. 

(4) الملازم أول شرطة عبد الوهاب الزنتانى...! 

   يعتبر الملازم عبد الوهاب الزنتانى (شرطة) أحد العناصر التى ظهرت فجأة في أعقاب نجاح الانقلاب وقفزت من وظيفة عامة لأخرى بشكل أثار إنتباه وتساؤلات الكثيرين حول طبيعة علاقته بالانقلابيين وعلى الأخص بالرائد مصطفي الخروبى الذى ظل راعياً له ودائم الدفاع عنه. 

* ففي 29 يناير 1971      صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بقبول استقالة الملازم أول عبد الوهاب محمد الزنتانى من الشرطة. 

* وفي 31 يناير 1971     أصدر مجلس الوزراء قراراً بتعيين الزنتانى عميداً لبلدية بنغازي خلفاً للسيد محمد بن يونس الذى كان قد جرى تعيينه محافظاً لمحافظة بنغازي. 

* وفي بداية شهر مارس 1972

                                    جرى إيقاف الزنتانى عن العمل بعض الوقت بسبب اتهامات بوجود فضائح مالية بالبلدية وكان الإيقاف قد تم بقرار من عضو مجلس قيادة الثورة عوض حمزة. غير أنه أعيد إلى وظيفته بعد بضعة أيام بناء على تدخل من عضو مجلس قيادة الثورة مصطفي الخروبى

* وفي 20يوليه 1972  صدر قرار من مجلس قيادة الثورة يقضى بتعيينه محافظاً لبنغازي خلفاً للسيد محمد بن يونس الذى جرى تعيينه وزيراً للخدمة العامة. 

*وفي 2أكتوبر 1973   جرى تعيينه بموجب قرار من مجلس قيادة الثورة سفيراً بوزراة الخارجية. 

* وفي 1 نوفمبر 1973     جرى تعيينه بموجب قرار من مجلس قيادة الثورة سفيراً لليبيا لدى جمهورية قبرص. 

* وفي 27 نوفمبر 1974  صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بتعيينه سفيراً لليبيا لدى إتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية. 

* وفي 12 مارس 1975   صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بتعيينه سفيراً لدى فنلندا بالإضافة إلى عمله كسفير لدى الاتحاد السوفيتيى 

      ظل عبد الوهاب الزنتانى بعد ذلك يتقلب في عدد من المناصب وبين عدد من المهام إلى أن قرر منذ منتصف التسعينات أن يبتعد عن الأضواء وأن يعود إلى مسقط رأسه في "الزنتان"[31] بدلاً من بنغازي التى أمضى فيها شبابه حتى قيام الانقلاب. 

      الشكوك والتساؤلات التى حامت حول ملازم الشرطة عبد الوهاب محمد الزنتانى وطبيعة علاقته بالانقلابيين أجابت عن بعض جوانبها وثيقة سرية من وثائق الخارجية الأمريكية جرى الإفراج عنها مؤخراً تتمثل في تقرير أعده السفير الأمريكي في ليبيا المستر جوزيف بالمر JOSEPH PALMER (التقرير مؤرخ في 4/2/1972 ويحمل الرقم  A-3بالملف Pol. 18 Libya) ألقى فيه الضوء على بعض الجوانب المثيرة في خلفية الملازم الزنتانى[32] من ذلك: 

·        أن عبد الوهاب الزنتانى حصل على منحة دراسية عن طريق RADIO CORPORATION OF AMERICA  في الاتصالات الالكترونية لمدة (18) شهراً بجامعة كولومبيا بالولاياتت المتحدة الأمريكية.

 ·        أن الزنتانى أمضى في الولايات المتحدة الأمريكية ثلاث سنوات (1961- 1964) وأن شرطة مدينة شيكاغو ألقت القبض عليه لأسباب غير معروفة. 

·        عندما وقع انقلاب سبتمبر 1969 كان الزنتانى ضابطاً بشرطة المهاجرة برتبة ملازم أول. وكان من الليبيين القلائل المسموح لهم بالتحرك خلال الساعات الأولى للانقلاب (رغم حظر التجوال). كما كان يحتفظ بمكتبه في مدينة بنغازي بأجهزة إتصال وراديو مهمة. 

·        كان من بين المهام التى كلف بها خلال الأشهر الأولى للانقلاب الإشراف على عملية تسفير الأجانب من ليبيا (عن طريق بنغازي). 

·        نقل عن أحد الفلسطينيين العاملين بالسفارة الأمريكية في بنغازي أن الزنتانى قال له قبل أن يامر بطرده من ليبيا أنه قابل الرئيس المصري عبد الناصر أربع مرات خلال شهر أغسطس 1969 (!!!). 

إننا لا نشك في أن هذا التقرير يكشف عن صلة مؤكدة للمدعو عبد الوهاب محمد الزنتانى برجال المخابرات الأمريكية ولعل هذه الصلة ترجع إلى منتصف الستينات من القرن الماضى، كما تؤكد وجود صلة خاصة له ببعض مجموعة انقلاب سبتمبر وعلى الأخص الملازم مصطفي الخروبي والملازم معمر القذافي وأنه قام بدور هام في عمليات الاتصال السلكية واللاسلكية[33] التى جرت خلال الساعات الأولي للانقلاب وأمّنت نجاحه.   

عمليات رصد.. ولقاءات وتعارف.. 

يمكننا أن نزعم من خلال ما أوردناه في الفصول والمباحث الآنفة أن الملازم المخبر معمر القذافي قد دخل "دائرة رصد" أجهزة المخابرات الأجنبية في ليبيا لاسيما الأمريكية منذ سنوات دراسته بالكلية العسكرية[34]، بل لا نستبعد أن تكون هذه الأجهزة قد تعرّفت إلى حقيقة كونه مخبراً بجهاز مباحث أمن الدولة، وأن هذا الجهاز هو الذى وجّهه للالتحاق بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي ضمن طلاب الدفعة السابعة التى عرفت يومذاك بـ"دفعة البصّاصة" أى دفعة المخبرين[35]

وبطبيعة عمل الأجهزة السرية فإن "عملية الرصد" عادة ما تتبعها مراقبة ومتابعة غير مباشرة وعن بُعد للعناصر التى تثير اهتمامها وفضولها، ثم تلحقها بعملية إتصال وتعارف مباشر. وقد يشارك في القيام بمهام الرصد والمراقبة والمتابعة والتعارف أكثر من عضو من أعضاء الأجهزة السرية. إن هذه العملية عادة ما تكون "مفتوحة" من الناحية الزمنية وكذلك من حيث "ضوابط" و"قواعد" اللقاءات والتعامل خلالها. 

أما منذ يقع اختيار هذه الأجهزة على عنصر من العناصر ويتقرر تجنيده والدخول معه في "تعاون تنفيذي" يتعلق بعملية من العمليات السرية، فإن ضوابط وقواعد اللقاء والتعامل تكون على درجة عالية من الانضباط والتكتم فضلاً عن أن مدتها عادة ما تكون محدودة وقصيرة قبيل تنفيذ "العملية السرية" المستهدفة تحاشياً لاحتمالات تسرّبها وتجنباً لاحتمالات فشلها ونتائجه. 

وفي اعتقادنا فإن علاقة الملازم/ المخبر بالأجهزة السرية للمخابرات الأمريكية مرّت بطورين:

الطور الأول (الرصد والمراقبة والمتابعة) وقد أمتدت فترة هذه العلاقة   - على الأقل- منذ تخرج الملازم القذافي من الكلية العسكرية في أغسطس 1965. اما الطور الثاني فقد بدأ مع مطلع عام 1969 عندما قررت الإدارة الأمريكية إستخدام "مجموعة القذافي" - من دون بقية المجموعات والعناصر العسكرية في الجيش الليبي- "كواجهة" لعمليتها السرية التى تستهدف الإطاحة بالنظام  الملكي في ليبيا وعرفت بإنقلاب أول سبتمبر 1969. وقد بدأ هذا الطور بما اطلقنا عليه "لقاء الصحراء ..التعميد" الذى جمع لأول مرة السفير ديفيد نيوسوم (مع أحد من أعوانه المكلفين بالإشراف على هذا الطور من العلاقة حتى قيام الانقلاب) والملازم القذافي (ومعه أحد رفاقه وعلى الأرجح أنه الملازم مصطفي الخروبي) وهو اللقاء الذى جرى خلاله إبلاغ الملازم القذافي بوقوع الاختيار عليه وعلى مجموعته كشريك (وفي الحقيقة كواجهة) لعملية الإطاحة بالنظام الملكي. 

لقاء الصحراء.. التعميد! 

من يطالع سيرة كلّ من السفير الأمريكي (نيوسوم) ورجل المخابرات الأمريكي (سنوك) والملازم المخبر القذافي يكتشف أنّ بين الثلاثة "حبّاً مشتركاً للصحراء".. ويبدو أنّ هذا الحبّ المشترك قد استعمل غطاءً للقاء ثلاثتهم في أعماق الصحراء الليبية عند "آثار جرمة". 

جاء الاتّهام بوقوع اللقاء (بين نيوسوم والقذافي) على لسان الصحفي الأمريكي جون كولي John Cooly المراسل السابق لصحيفة Christian Science Monitor بالشرق الأوسط وفقاً لما نقله عنه إدوارد هيلي في الصفحة (21) من كتابه[36] السالف الإشارة إليه. 

يؤكّد الصحفي جون كولي إنّه وفقاً لما ورد في مجلة The New Yorker  (الأمريكية) فإنّ السفير نيوسوم التقى على الأقل مرّةً واحدةً بالقذافي قبل الإنقلاب، ويشير على وجه التحديد إلى ما ورد في ذلك المقال بشأن وصول السفير الأمريكي نيوسوم في زيارةٍ غير معلنة إلى معسكر إحدى شركات البترول في الصحراء الليبية كدليلٍ على حدوث ذلك اللقاء.. 

وبالرجوع إلى مقالة مجلّة "النيويوركر" الصادرة يوم 2/6/1980 (الصفحة 72) نجد أنّه قد ورد فيه بهذا الخصوص: 

".. في إحدى المناسبات سافر نيوسوم بمفرده (؟!) في الصحراء (الليبية) لمدّة خمسة عشر يوماً، ووصل في إحدى الليالي أشعث أغبر إلى معسكر سكنيّ تابع لإحدى شركات البترول. ولدى وصوله بوابة المعسكر أعلن نيوسوم أنّه السفير الأمريكي وأنّه يرغب في قضاء الليلة بالمعسكر. وبعد نقاش قليل سُمح له بدخول المعسكر وسمع أثناء مروره بالبوابة حارس البوابة يتمتم باللغة العربية إذا كان هذا هو سفير أمريكا فأنا إذن الملك إدريس (نظراً للحالة المزريّة التى كان عليها السفير)". 

ويؤكّد ادوارد هيلي في الصفحة (21) من كتابه أنّ السفير نيوسوم اعترف خلال مقابلةٍ أجراها معه في (21/2/1981) بوقوع الرحلة لكنّه أنكر أن يكون قد التقى بالقذافي في إحدى رحلاته بالصحراء الليبية أو أن يكون له أي علمٍ مسبَق بالانقلاب الذي كان القذافي يحضّر له.. 

" إنّه لا يوجد أيّ دليل، ولو صغيراً، يشير إلى وجود علمٍ مسبَق لدى الولايات المتحدة أو صلةٍ مبكرةٍ لها بالقذافي وبانقلابه..". 

وبالطبع فنحن لا نتوقع – للأسباب التي أشرنا إليها في فصل سابق – من السفير نيوسوم سوى الإنكار والإنكار على الدوام.. فلا نحسب أنّ أحداً يملك الجرأة لتحمّل المسؤولية الأخلاقية والسياسية والتاريخية التي تترتّب على ادّعاء أنّه ساعد الملازم القذافي في الوصول إلى الحكم في ليبيا.

وقد لا يكون نيوسوم قد قابل الملازم القذافي فعلاً خلال هذه الرحلة (غير معروفة التاريخ) رغم أنّه لم يوضّح ما الذي كان يفعله طوال تلك الأيام الخمسة عشر منفرداً في الصحراء الليبية؟!.. إلا أننا نزعم أنّ نيوسوم التقى بالقذافي وعلى الأرجح بحضور المستر سنوك مرّة وتحديداً خلال الربع الأول من عام 1969. 

ولا نملك في هذا الشأن وللتدليل على صحّة هذا الزعم سوى أن نضع بين يدي القارئ ما يمكن للباحث أن يعثر عليه من مصادر المعلومات المنشورة المتعلقة بتحرّكات هؤلاء الثلاثة؛ نيوسوم وسنوك والقذافي، خلال تلك الفترة. 

o       ولنبدأ بتتّبع تحرّكات السفير نيوسوم[37] خلال تلك الفترة (يناير وفبراير من عام 1969) 

·        أوردت مجلة "المعرفة" التي تصدر عن المركز الثقافي الأمريكي في ليبيا في عددها رقم (401) تقريراً صحفياَ جاء فيه: 

" ومؤخراً عاد سعادة ديفيد نيوسوم سفير الولايات المتحدة في ليبيا ليستأنف عمله في طرابلس بعد ان قام برحلةٍ عبر بحر الرمال. فقد رافق فريقاً علمياً قام بعملية مسح أولية للآثار في المناطق الجنوبية من المملكة الليبية تحت إشراف وزارة السياحة والآثار، وتراس الفريق (الدكتور محمد أيوب) مدير السياحة والآثار لمحافظة الجنوب وشمل المسح المنطقة التى تبدأ من سبها وتنتهي بالكفرة مروراً بجبال تبستي.." 

وتمضي مجلة "المعرفة" في تقريرها:

" واستغرقت رحلة الفريق التي بدأت من سبها حتى الكفرة عبر (واو الناموس) وجبال (تبستي) وبحر الرمال في (ربياته) ثمانية أيام قطعت خلالها مسافة ألفي كيلو متر واستعمل الفريق أربع سيارات لاندروفر...". 

" هذا وقد وصف السفير الأمريكي الرحلة بأنها كانت تجربة مثيرة وممتعة، وهذه رابع مرّة يقوم فيها المستر نيوسوم بزيارةٍ للمحافظتين الجنوبيتين، بيد أنّ هذه الزيارة هي أكبرها وأوسعها إذ قطع فيها منذ غادر طرابلس إلى أن عاد إليها (4300) كيلو متر". 

            ما لم تُشر إليه "المجلة الأمريكية" ولا نستبعد أن يكون ذلك عن عمد،  التاريخ تحديداً الذى وقعت خلاله الرحلة التى قام بها السفير.. "ومؤخراً عاد..". 

أنّ الفريق العلمي الزائر هو من "جامعة بنسلفانيا" الأمريكية التي سلفت الإشارة إلى أنّ الملحق (ج)[38]الذي أرفق بتقرير "لجنة دريبر" 1959 هو من إعداد "مركز البحوث السياسية" فيها. 

كذلك تجدر الإشارة بشأن هذه الرحلة "المثيرة والممتعة" التى قام بها السفير نيوسوم إلى أنّ الملفات السرّية لوزراة الخارجية التى جرى الإفراج عنها حتى الآن (عام 2007م.) قد خلت من أيّة تقارير تتعلق بها عدا إشارةٍ عارضة عنها وردت في التقرير السرّي الذي بعث به السفير نيوسوم إلى واشنطن بتاريخ 24/2 /1969 [39]  (والذي تضمّن بياناً عمّا دار بينه وبين الملك إدريس خلال لقائه به في قصره يوم 19/2/1969). ولا يخفى أنّ هذا الإغفال لموضوع الرحلة في تقارير السفير نيوسوم لا ينسجم مع اسلوبه المعتاد في التقرير والإبراق المفصّل والعاجل عن كلّ شاردةٍ تتعلّق بنشاطه في ليبيا[40]. 

وعلى الرغم من التعتيم المتعمّد الذي مارسه السفير نيوسوم بشأن التاريخ الذي وقعت فيه هذه الرحلة فإنّه بمقدورنا أن نستدلّ عليه على وجه التقريب من خلال: 

1-     التاريخ الذي صدرت فيه مجلة "المعرفة" حاملةً على صفحاتها تقريراً صحفياً عن الرحلة وهو 10/3/1969م. 

2-   التاريخ الذي قابل فيه السفير نيوسوم الملك إدريس في قصره وأطلعه فيه على بعض الصور الفوتوغرافية التى التقطت خلال تلك الرحلة (وربما بواسطة المصوّر كازيلا) وهو 19 فبراير 1969م. 

من هذين التاريخين، وفي ضوءالمعلومة المتعلّقة بمدّة الرحلة (ثمانية ايام)، يمكن أن نستنبط أنّ هذه الرحلة قد وقعت على الأرجح خلال الفترة ما بين الأسبوع الأخير من شهر يناير والأسبوع الأول من شهر فبراير من عام 1969م.

وخلاصة ما توصّلنا إليه من الفقرات السابقة أنّ السفير نيوسوم قام بصحبة فريق علمي من "جامعة بنسلفانيا" وفي الفترة ما بين أواخر شهر يناير وبدايات شهر فبراير 1969 برحلةٍ إلى الجنوب الليبي استغرقت ثمانية أيام وكانت "مهمة" الفريق هي القيام بمسحٍ أوّلي للآثار في المناطق الجنوبية للمملكة وقد ترأس الفريق الدكتور محمد أيوب مدير السياحة والآثار لمحافظة الجنوب، ولم تحظ الرحلة – على غير المعتاد-  بأيّة تقارير عنها من السفير نيوسوم إلى واشنطن[41]. 

o    من هو الدكتور محمد أيوب الذي أشار إليه تقرير مجلّة "المعرفة" بأنّه ترأس "الفريق العلمي" الزائر وأنّه مدير السياحة والآثار بمحافظة الجنوب؟ 

يقول المعاصرون لتلك الفترة أنّه من أصل سوداني وعمل مدرّساً لمادّة التاريخ بمعهد محمد بن علي السنوسي بباب قرقارش بطرابلس في عام 1959. انتقل بعد ذلك إلى العمل بمراقبة الآثار بولاية فزان وعمل بها كمراقب آثار ثمّ مديراً لآثار فزان بعد إعلان الوحدة في ليبيا عام 1963. وقد التقي مع البعثات الأثرية الأجنبية كلّها التى حضرت إلى جنوب ليبيا للاستكشاف والمسح للآثار وبخاصّة بعد إعلان سلسلةٍ من الاكتشافات المهمّة لحضارة "الجرمنت" التي كانت أهمّ مدنها مدينة "جرمة" الواقعة بالقرب من سبها. 

في ضوء هذه الخلفية كان "طبيعياً جداً" أن يلتقي مع السفير الأمريكي نيوسوم خلال الرحلة التي قام بها الأخير بصحبة الفريق العلمي القادم من جامعة بنسلفانيا يناير/ فبراير للقيام بسمحٍ لآثار الجنوب الليبي. 

غير أن "المصادفة" المريبة هي أن يظهر في الفترة ذاتها للمستر سنوك هو الآخر اهتمامّ بالآثار الليبية، وبآثار "جرمة" والجنوب الليبي على وجه الخصوص. فقد تبنّت "شركة أسّوليبيا" التي أصبح المستر سنوك يشغل منصب رئيس العلاقات العامّة بها، فكرة إصدار تقويم سنوي   calendarبإسم شركة اسّو يشتمل من ضمن ما يشتمل عليه مناظر للآثار وللاكتشافات الأثرية لمنطقة فزان (التي كانت موضوع اهتمام علماء الآثار في حينها). وكان تنفيذ هذا المشروع يقتضي أن يقوم المستر سنوك بالتردّد على منطقة آثار "جرمة" لدرجةٍ يصبح معها تردّده عليها أمراً معتاداً ومألوفاً، ويتمّ في بعض الأحيان بصحبة المصوّر الليبي الذي اختاره للاعتماد عليه في تنفيذ هذا المشروع[42]. وقد ترتّب على هذه الزيارات المتكرّرة أن توطّدت الصداقة بينه وبين الدكتور محمد أيوب الذي كان قد تعرّف عليه خلال زياراته السابقة (أيام عمله بالمركز الثقافي الأمريكي) إلى ولاية فزان.. 

إنّنا نميل إلى الاعتقاد أنّ هذا الأمر لم يأت مصادفة.. وإنّما جاء وفقاً لترتيبٍ وتخطيطٍ مسبقيْن بين سنوك وبين السفير نيوسوم حتى إذا ما دعت "الحاجة" للقاءِ به وربّما مع أطراف أخرى فسيبدو اللقاء في ظاهره عادياً وفي إطار "المصادفة الحسنة" و "العشق المشترك للصحراء وللآثار الليبية" وكذلك في إطار قيام كلْ منهما بمهام منصبه بطريقة مبدعة وغير تقليدية، وفي النهاية فإنّ كلاّ منهما يبدو مهتماً بالدعاية للمملكة الليبية. 

ومن ثمّ فإنّنا نكاد نجزم – وإن لم يكن بين أيدينا دليل مباشر ملموس – أنّ دونالد سنوك رجل المخابرات الأمريكية الشهير والذي كان يعمل تحت غطاء رئيس قسم العلاقات العامّة بشركة اسّو الأمريكية في ليبيا كان موجوداً بمنطقة آثار جرمة (فزان) عندما كان السفير نيوسوم يقوم مع "الفريق العلمي" الأمريكي بزيارة المنطقة ذاتها في الفترة ما بين منتصف شهر يناير ومنتصف شهر فبراير من عام 1969م

o       ماذا عن تحركات الملازم معمر القذافي خلال تلك الفترة؟ (بين منتصف يناير ومنتصف فبراير 1969).

 يقول العقيد القذافي في "الحلقة السادسة" من "قصة الثورة" كما رواها بلسانه يوم 9/3/1970:[43]

 " وفي شهر يناير 1969... وعليه أخذت أوّل إجازة سنوية منذ التحاقي بالجيش وقدرها (45) يوماً، حيث عقدنا العديد من الاجتماعات الموسّعة إذ ضمت الكثير من الضباط من خارج اللجنة المركزية ومختلف الرتب الحرّة.." 

ويؤكّد هذه الرواية مؤلّف كتاب "رئيسي ابني"[44] في الصفحة (89) منه بقوله: 

" أخذ معمر إجازة مدّتها خمسة وأربعون يوماً. وكانت أوّل إجازة له منذ التحاقه بالجيش، فما أن عاد حتى استبان له أنّ الموقف مشحون بالتوتّر، فازداد عدد الاجتماعات وكثرت لقاءات الضبّاط الوحدويين الأحرار"[45]

إذاً فالملازم معمر القذافي كان خلال الفترة المعنيّة في إجازةٍ طويلة مدّتها (45) يوماً وهي أوّل إجازة يأخذها منذ التحاقه بالجيش؟ 

لم يقل لنا القذافي لِمَ قرّر فجأةً أن يأخذ تلك الإجازة؟ ولمَ قرّر أن تكون الإجازة في شهر يناير وليس في غيره؟ 

حاول القذافي أن يوحي بأنّ السبب في أخذ تلك الإجازة هو الرغبة في عقد العديد من الاجتماعات الموسّعة بالضباط.. ولكن يبدو أنّه غاب عنه أنّه كان يتحرّك في إطار تنظيم عسكريّ سرّي.. كما غاب عنه أنّه استطاع – وفقاً لمزاعمه – أن يعقد قبل تلك الإجازة وبعدها - ودون الحاجة إلى أخذ إجازة – عدّة اجتماعات ضيّقة مع أعضاء تنظيمه.. ويبدو أنّ العقيد اكتشف أنّ السبب الذي أورده في الحلقة المذكورة غير مقنع فعدل من ثمّ عن صياغته في المادّة التى قدّمها لمؤلف كتاب "رئيسي ابني" وجعل الاجتماعات مع الضباط نتيجة لإجازة وليست سبباً لها. 

ومع ذلك فيبقي السؤال الهامّ معنا.. لِمَ اختار القذافي شهر يناير 1969 موعداً لبدء تلك الإجازة الطويلة؟ وكيف تزامنت تلك الإجازة مع مجئ "الفريق العلمي" الأمريكي وزيارة السفير الأمريكي نيوسوم لمنطقة الجنوب الليبي وآثارها؟ 

وقد يقول قائل إنّ ذلك مجرّد "مصادفة" وأنّه لا أهمية لهذا الأمر ما لم يثبت أنّ الملازم القذافي قد قام فعلاً بزيارة المنطقة نفسها خلال تلك الإجازة. 

وللأسف، فإن القذافي لم يحدّثنا أين قضي تلك الإجازة وأين عقد تلك الاجتماعات المزعومة مع ضباط تنظيمه، كما لم يُشر من قريب أو بعيد إلى أنّه قضى جزءاً من تلك الإجازة على الأقل في سبها حيث الأقارب والأصدقاء والتنظيم المدني وذكريات الصبا...

وظلّ هذا الأمر محجوباً ومعتَّماً عليه إلى أن شرع النظام الانقلابي، في عهد وزيرة إعلامه الثورية النشطة "فوزية شلابي"، بتقديم برنامج "شهادات للتاريخ"[46] عبر قناته الفضائية. ففي الحلقة الثالثة من ذلك البرنامج، والتى جرى بثها مساء يوم 31/8/1998، جرى تقديم الرائد السابق بالجيش الليبي (السيّد عبد السلام الفار) وهو من الضبّاط الذين كانوا يتعاطفون مع الملازم القذافي وبعض رفاقه ليتحدّث عن شهادته للتاريخ، فكان ممّا قاله.. 

"كان هذا في عام 1969.. أذكر أنّه مرّه جاء [معمر] إليّ.. طلب منّي إجازة هو باعتباره صديق [لي] وباعتباره يعرف أني نعرف المدفعي [المقدم أحمد المدفعي آمر سلاح الإشارة بمعسكر قاريونس] .. هو طلب منّي إجازة.. وأنّه يريد إجازة لكي يذهب إلى سبها لأنّه يحبّها كثيراً.. [نبغي؟؟] إجازة أنا ومصطفي [الملازم مصطفي الخروبي][47]..."

 إذن وفقاً لهذه التي بثّتها فضائية النظام كان الملازم القذافي في عام 1969 يريد الحصول على إجازة لكي يقضيها في فزان التي يحبّها كثيراً[48]، وكان حريصاً على أن يشرك معه في تلك الإجازة زميله مصطفي الخروبي الذي لم يكن من فزان، ولم يقل لنا القذافي ما إذا كان هو الآخر يحبّ سبها كثيراً... 

إذن في ضوء كلّ ما ذكرناه بشأن تحرّكات أولئك الثلاثة، نيوسوم وسنوك والملازم القذافي، خلال تلك الفترة، فمن حقّنا أنّ نفترض أنّ هناك اجتماعاً سرّياً وقع في الفترة ما بين أواخر يناير وبدايات فبراير من عام 1969 في منطقة آثار جرمة بين هؤلاء الثلاثة، وربّما حضره أحد أعضاء "الفريق العلمي الأمريكي" الذي التحق بالفريق خصّيصاً لهذا الغرض، وربما حضره أيضاً أحد رفاق الملازم القذافي الذين كانوا قد رجعوا منذ عام من دورةٍ تدريبيةٍ في الولايات المتحدة الأمريكية..

ما هي طبيعة هذا اللقاء؟ وما هي أهمّيته؟ 

إننا نتصوّر أن الإدارة الأمريكية[49] في هذه اللحظة الزمنية قد فرغت - في ضوء التطوّرات السياسية والأمنية التي شهدتها الساحة الليبية منذ عام 1967 [50]- من اتِّخاذ قراراها بضرورة التعجيل بتنفيذ الخطة الرامية إلى استبدال النظام الملكي الدستوري القائم في ليبيا بآخر عسكريّ. 

كما نتصور أيضاً أنّ الإدارة الأمريكية قد قرّرت، من خلال التقارير المختلفة المتجمّعة أمامها بشأن مختلف "البدائل العسكرية" الممكنة، أن يكون "الملازم القذافي" وجماعته[51] هم البديل المقبول لديهم كواجهة ليبية "للعملية العسكرية" التي سوف تنفّذها أجهزة المخابرات الأمريكية من أجل الإطاحة بالنظام القائم في ليبيا يومذاك. 

ونحسب أنّه في هذا السياق، قد تمّ اللقاء السرّي بين نيوسوم وسنوك والقذافي في الفترة يناير/ فبراير 1969 عند مشارف آثار جرمة بغرض: 

1-         إخطار القذافي بمباركة الإدارة الأمريكية لحركته وتأييدها لها، وبعبارةٍ أخرى وقوع الاختيار عليه وتعميده كعميل للمخابرات الأمريكية. 

2-         تقديم سنوك للملازم القذافي – ولعلّ هذا اللقاء كان الأوّل بينهما – باعتبار أنّ الأول سيكون حلقة الاتصال بين القذافي والإدارة الأمريكية، وبعبارة أصحّ سيكون هو العقل المدبّر أو المدير التنفيذي الميداني للانقلاب (العملية السرّية)[52]

ومنذ ذلك اللقاء لم يمكث نيوسوم طويلاً في ليبيا حيث غادرها في النصف الثاني من شهر يونيو 1969 ليستلم مهام منصبه الجديد في واشنطن في منتصف شهر يوليو 1969، وهو منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية الذي يمكّنه من متابعة "الملفّ الليبي" والإشراف على العملية السرّية الغادرة عن بعد وليتأكّد من اتّخاذ كافّة الخطوات الأمنية والسياسية التي تضمن لها النجاح[53]

أمّا سنوك والملازم المخبر/ العميل القذافي فقد تواصلت بينهما اللقاءات السرّية – وفي بعض الأحيان بحضور أطراف أخرى (أمريكية ومن رفاق القذافي) – وقد تمّ عدد منها في منطقة البريقة/ سرت والبعض الآخر في طرابلس وفي بنغازي. 

وفي نظرنا، كانت مهمّة العقل الأمريكي المدبر مع القذافي وإلى حين قيام الانقلاب ذات شعبٍ ثلاث:

 الأولي: القيام بتلقين الملازم العميل القذافي الدروس الضرورية التى تعلّمتها المخابرات الأمريكية من تجارب الانقلابات السابقة في المنطقة، وبطبيعة العلاقة الجديدة بينه وبين الأجهزة السرّية الأمريكية وحدود هذه العلاقة؛ مباحاتها ومحظوراتها، ما يجوز فيها وما لا يجوز.. 

الثانية : إخضاعه لعددٍ من الاختبارات الضرورية، الشخصية والتنظيمية، من أجل الاطمئنان ميدانياً إلى توفّر الصفات التي تتطلّبها المخابرات الأمريكية في العميل الجديد، ومن أجل الاطمئنان إلى إخضاعه بالكامل لسيطرتها وتوجيهها..

 الثالثة:  تقديم كافّة الخدمات الضرورية الأمنية والسياسية على مستوى الساحة الليبية.. من أجل ضمان حماية وسلامة ونجاح "العملية السرّية"/ الانقلاب. 

   وتجدر الإشارة إلى أن عمليات " التلقين" و "الاختبارات" و " الخدمات الحيوية" التى تتم عادة بين "رجّال المخابرات الأمريكية" وبين " المجموعات الانقلابية" التى يقع عليها الاختيار من قبلهم، وهو ما يطلق عليه عادة "التعاون التنفيذي" قبل الانقلاب ويوم الانقلاب، يظل دوماً سراً من الأسرار غير القابلة للافصاح عنه أو الاعتراف به من قبل أى من الطرفين. اما بالنسبة للطرف الأول وهم رجال المخابرات الأمريكية لأن مفردات ذلك "التعاون" تشكل أخص خصوصيات نشاطهم وهو بالنسبة لهم أشبه بأسرار صناعة القنابل الذرية. اما بالنسبة للطرف الثاني وهم العملاء من الانقلابيين فلأنه ليس في تفاصيل هذا "التعاون" ما يشّرفهم أن يبوحوا به أو يتحدثوا عنه فضلاً عن الثمن الفادح الذى يمكن أن يدفعوه فيما لو فكروا حتى مجرد التفكير في نشره. وعلى الرغم من هذا التعتيم والحظر على تسريب أى معلومات بشأن "التعاون التنفيذي" الذى جرى بين رجال المخابرات في ليبيا وبين العملاء المتآمرين من مجموعة الملازم القذافي قبل انقلاب سبتمبر وليلة ذلك الانقلاب وصباحه، إلا أننا سنحاول كشف بعض جوانب هذا التعاون من خلال ما صدر من القذافي وبعض رفاقه من أقوال دون قصد وما تسّرب من بعض المصادر والوثائق السرية الامريكية المفرج عنها دون قصد أيضاً.. وذلك ما نحاول القيام به في المبحثين التاليين "الاختبارات" و" خدمات حيوية.."


[1] التقرير حمل رقم (178) بالملف المركزى بالخارجية الأمريكية رقم 3159-  1 / 773.00.

[2] راجع ملحق الصور.

[3] يحمل التقرير الرقم الإشارى A- 22 بالملف المركزي Pol. 2 Libya.

[4] يلاحظ أن المشاركين في الرحلة هم أهم عناصر البعثة الدبلوماسية الأمريكية في ليبيا.

[5] ينبغى ملاحظة أن السفير الأمريكي ورفاقه كانوا خلال جزء من الرحلة بدون أى مرافقين ليبيين.

[6] راجع ملحق الصور.

[7] راجع الملحق رقم ( 7 ).

[8] راجع فصل "الطالب المخبر بسبها ".

[9] عندما وقع انقلاب سبتمبر 1969 كان خالد غريبة برتبة عقيد وكان من بين كبار ضباط أمن الدولة القلائل الذين لم يجر اعتقالهم فور قيام الانقلاب. للمزيد حول شخصية العقيد غريبة راجع مبحث "كيف دخل القذافي الكلية العسكرية؟" بفصل "الطالب المخبر بسبها ".

[10] لا توجد قرابة بين غريبة، والطالب معمر أبو منيار أو أية صلة أو زمالة دراسة أو جوار في السكن.

[11] راجع مباحث فصل "الضابط المخبر بالجيش الليبي ".

[12] أحيل على التقاعد بعد الانقلاب بتاريخ 2 مارس 1970 ضمن قائمة ضمت (28) ضابط شرطة الملحق رقم (8)

[13] أحيل على التقاعد بعد الانقلاب بتاريخ 31/5/1970 ضمن قائمة ضمت عقيدين و(46) ضابطاً من ضباط الأمن. راجع الملحق رقم (9).

[14] قتل المرحوم على الوريث في حادث سيارة يوم 15أغسطس 1970.

[15] يقصد لجنة البترول وقد تولى د. أنيس القاسم رئاسة تلك اللجنة.

[16] لم يحدث أن تولى السيد مصطفي بن حليم رئاسة لجنة البترول إطلاقاً.

[17] للأسف فلم يقدم الكاتب مفتاح فرج للقارئ أى إشارة للمصدر الذى استقي منه هذه المعلومة الهامة حتى يستطيع أن يحكم على مدى صدقيتها.

[18] يقصد العقيد إسماعيل التويجرى الذى أحاله الانقلابيون على التقاعد بتاريخ 1/4/1970 ضمن قائمة ضمت (37) عقيداً من ضباط الأمن كان من بينهم أيضاً العقيد خالد يوسف غريبة.راجع الملحق رقم (2)

[19] للأسف فلم يوضح الكاتب كيف عرف أن القاضي المهدوى قام بتلك الزيارة بأوامر من المخابرات الأمريكية؟

[20] راجع الملاحظة (ج) الواردة في التعقيب الذى نشره أحد ضباط الجيش الليبي بموقع "أخبار ليبيا" الالكتروني بتاريخ 13/9/2006.

[21] لماذا لم يوضح المستشار المهدوى كيف جرى تعيينه بهذه المحكمة؟ وهل كان فيها قضاة ليبيون غيره؟!

[22] للأسف فلم يوضح المستشار المهدوى ما هى طبيعة هذه المهمة ومن كلّفه بها؟! هل هى الحكومة الليبية أم جهة أخرى؟

[23] لماذا لم تكن التأشيرة للأردن من ليبيا؟.

[24] لايخفى أن الرواية يكتنفها الغموض وأن صياغتها كما نشرت بدت ناقصة وغير واضحة.

[25] لا تخلو هذه العبارة من مبالغة شديدة وبخاصة أنه لم يقدم أسانيد أو يشر إلى وثائق تدعم هذه الأوصاف الكبيرة التى استخدمها بحق المستشار المهدوى.

[26] لدينا عدد من التحفظات على بعض الموضوعات التى أثارها الكاتب مفتاح فرج في مقالاته بحق المعارضة الليبية والجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا ولكن ليس هنا مجال أو أوان تناولها. وتجدر الإشارة إلى أن ضابطاً ليبياً سابقاً نشر بموقع أخبار ليبيا الالكتروني بتاريخ 13/9/2006 رداً تناول فيه بالتصويب والتصحيح بعض المعلومات الواردة في مقالة الكاتب مفتاح فرج المنشورة بتاريخ 31/8/2006 وهناك غيرها العديد.

[27] هذه معلومة خطيرة إن صحّت وتحتاج إلى ما يدعمها من شهادة شهود أو وثائق..

[28] مثل هذه القرارات لا تترك لمشيئة الأقدار.. لايخفى أن هذه اللغة لا تنم عن موضوعية لدى الكاتب.

[29] ربما غاب عن الكاتب مفتاح فرج أن هذا المصطلح BLACK BOOTS يطلق من قديم على صغار الضباط في كافة الجيوش وليس الجيش الليبي وحده كما أن المصطلح ليس من إختراع المهدوى وزملائه الأمريكان.

[30] للأسف فإن الكاتب لم يقدم للقارئ أى شيء يثبت صحة هذه الواقعة وقيام المهدوى بهذه المهمة رغم أهمية الموضوع.

[31] أفاد عدد من سكان الزنتان أن عبد الوهاب الزنتانى أصبح يعيش فيما يشبه "الخلوة الروحية" وأنه يقوم بالخطابة في أحد المساجد كما أنه يردد السباب والانتقادات لانقلاب سبتمبر؟!

[32] راجع ملحق الوثائق الأمريكية.

[33] راجع مبحث "خدمات حيوية" تحت عنوان "إستكمال شبكة الاتصالات اللاسلكية" بهذا الفصل.

[34] راجع مبحث "سنوات الكلية العسكرية الملكية " بهذا الفصل.

[35] راجع مبحث "كيف دخل القذافي الكلية العسكرية" بفصل "الطالب المخبر بسبها".

[36] " Qaddafi And The United States Since 1969" مرجع سابق.

[37] عُرف عن السفير نيوسوم أنّه كان يصحب معه في تنقلاته في طرابلس وخارجها أخوين من اصلٍ إيطالي مقيمين في ليبيا أحدهما يُدعى كازيلا (مصور) والآخر يُدعى كرّارو، وقد غادرا ليبيا فور وقوع الانقلاب وحصلا على الجنسية الأمريكية.

[38] اقترح هذا الملحق إقامة نظام عسكريّ في ليبيا بديلاً للنظام القائم فيها.

[39] التقرير يحمل الرقم الإشاري (A- 41).

[40] راجع على سبيل المثال التقرير السرّي رقم A- 40 المؤرخ في 18/5/1967 الذي بعث به السفير نيوسوم إلى واشنطن حول رحلةٍ صحراوية سابقة قام بها إلى واحة الكفرة مع فريقٍ من عشرة اشخاص أمريكيين (؟) في الفترة من 16 إلى 23 أبريل 1967.

[41] وفقاً لما نشِر حتى الآن (عام 2008م.) من الوثائق السرّية للخارجية الأمريكية.

[42] اختار سنوك لمهمّة التصوير المواطن الليبي عبد المنعم بن ناجي، وهو مصوّر ممتاز يملك معملاً للتصوير بمدينة طرابلس مزوداً بتقنيات متطورّة في ذلك الوقت. والمصور المذكور هو قريب المقدّم محمود بن ناجي (ضابط سابق بالجيش) الذي ورد اسمه ضمن قائمةٍ وردت برسالةٍ سريةٍ بعث بها وزير الخارجية الأمريكي دين راسك في 18/4/1968 يطلب فيها من السفارة الأمريكية في طرابلس تزويد الوزارة بكلّ المعلومات التي تتعلّق بها. راجع مبحث "القاضى مصطفي كمال المهدوى".

[43] راجع السجل القومي / المجلد الثامن. الصفحات (97- 100).

[44] فريدريك موسكات. مرجع سابق.

[45] يلاحظ أنّ التاريخ الذي أخذ فيه القذافي إجازته قد اسقط من هذه الرواية، كما أسقِط من النصّ الذي ورد حول هذا الموضوع في الصفحة (29) من كتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّي". مرجع سابق.

[46] يقوم بتقديم هذا البرنامج الثوري ميلاد الفقهي.

[47] مصطفي الخروبي من منطقة "المطّرد" القريبة من طرابلس وليس من سبها.

[48] أين كان هذا الحبّ الكبير لفزان مدفوناً منذ تخرّج القذافي من الكلية العسكرية في عام 1965؟

[49] متمثّلةً في تلك اللحظة في "لجنة الأربعين" التي كان يرأسها يومذاك الدكتور هنري كيسنجر.

[50] راجع الفصل السابق " أمريكا الحليف المتآمر".

[51] كانت الأجهزة الأمنية الأمريكية في حالة رصدٍ ومتابعة للقذافي وجماعته مثل بقيّة المجموعات العسكرية الأخرى، وربّما أخضعتهم بطريقٍ مباشر أو غير مباشر لعددٍ من الاختبارات الأوّلية..

[52] سنشير إلى سنوك وفريقه فيما بقي من مباحث هذا الفصل  بـ "العقل المدبر".

[53] من المرجّح أنّ نيوسوم لم يقابل الملازم القذافي بعد ذلك اللقاء إلا في شهر يونيو من عام 1979 عندما قام بزيارةٍ سرّيةٍ إلى ليبيا في عهد الرئيس كارتر وكان يشغل يومذاك منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية.

 


الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home