Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahdi al-Tamami
الكاتب الليبي مهدي التمامي


مهدي التمامي

الخميس 24 ديسمبر 2009

نحو قدسنة الأدب

مهدي التمامي

لو سألت نفسي اليوم لماذا أحب الأدب؟ فالجواب الذي يتبادر عفوياً إلى ذهني هو: لأنه يعينني على أن أحيا. هكذا يعترف "تزفيتان تودوروف" في مستهل كتابه "الأدب في خطر" بأن الأدب يفتح إمكانية التفاعل مع الآخرين، وإثرائنا بلا نهاية، لأنه يحثنا على تخيل طرائق جديدة لتصور العالم وتنظيمه. باخصار، يرى إنه يزودنا بإحساس لا يعوض يجعل من العالم الحقيقي أشحن بالمعنى وأجمل.

عرفت "تودوروف" أول مرة في كتاب "قصيدة الجنود" للكاتب "أحمد الفيتوري" حينما ذكره وهو يتناول شعرية "عاشور الطويبي" التي تتميز بتركيزها الظاهر على وصف العناصر أو أجزاء الموضوعات... ثم عرفته فيما بعد من خلال كتابه الرائع "روح الأنوار" الذي يدافع فيه عن "الأنوار" الحضارية للغرب في حقيقتها، نافياً عنها أن تكون مولدة للأنظمة الشمولية وللإيديولوجيات الاستعمارية التي غزت بها أوربا الغربية العالم. فلقد أعلى "عصر الأنوار" من شأن الإنسان والحرية والمساواة ولا يعقل أن تكون هذه المبادئ مصدراً لسحق الإنسان. لقد وجدت في نفسي ميلاً لقراءة هذا الناقد الفرنسي، البلغاري الأصل، الذي بهرته باريس مدينة الفنون والآداب فاختار العيش فيها لأن عشقه للأدب لا يعرف حدوداً، ولكي يستطيع أن يجمع بكل حرية بين القناعات الحميمة والمشاغل العامة، منفلتاً بذلك من الفصام الجماعي الذي كان يفرضه النظام الكلياني البلغاري في مطلع ستينيات القرن الماضي. بعدها بدأ حياته المهنية في فرنسا مرتبطاً بأهم نقادها آنذاك، "جيرار جينيت" وأستاذه فيما بعد "رولان بارت". من هنا كان لابد أن يكتسب أدوات جديدة للعمل، كالاستئناس لمعطيات علم النفس، والانثروبولوجيا، والتاريخ، ليتوسع موضوع الأدب عنده لعمل المعرفة... وصار يرى أن الأدب لا ينشأ في الفراغ، بل في حضن مجموع من الخطابات التي يشاركها في خصائص عديدة. وبعبارة أخرى "اتسع عنده حقل الأدب، لأنه يستوعب الآن الدراسة والبحث التأملي، إلى جانب القصائد والروايات والقصص والأعمال الدرامية، هذا المجال العريض للكتابة السردية المرصودة لاستعمال عام أو خاص".

يقسم تودوروف كتابه "الأدب في خطر" إلى سبعة أقسام، يدافع فيها عن قيم فكرية وجمالية وسياسية.. كانت تتطلع إلى هدم المجتمع الرأسمالي واستبداله بنظام جديد، لولا سيطرة ثلاثة وجوه لازمت النزعة النصية (الشكلانية، والعدمية، والذاتية) التي تتبنى التفكيك وأفكار ما بعد الحداثة مع إغفال الشرط الإنساني إغفالاً كاملاً ومميتاً، ونسيان الدور التربوي والقيمي للأدب. وهذا الحماس والصراحة لـ "تودوروف" جعلت العديد من المهتمين بالشأن الأدبي يروا فيه "صرخة شاهد من أهل النقد نفسه، النقد الذي جذبته متاهة الاختبار والعلم والتجريد، فابتعد كثيراً عن الأدب أولاً، ثم عن المؤلف، ثم عن القارئ حتى غدا في الختام أشبه بالنقد للنقد". ولأنه أنكر بشدة اختصار الأدب إلى "كيان لغوي منغلق له شكل المطلق".

يتحدث "تودوروف" عن صدمته من نظرية التعليم والتعليمات الرسمية المؤطرة له، على الرغم من أنه كان قد شارك مابين عام 1994 و2004 ضمن المجلس الوطني للبرامج، في لجنة استشارية متعددة التخصصات، تابعة لوزارة التربية الوطنية في فرنسا. حيث يكتشف من خلال متابعة دروس أولاده في المدرسة وإرشاداته لهم في واجباتهم تنتج عنها درجات تميل إلى دون المتوسط. مما جعله يكتشف بدهشة، أن الدور الرفيع الذي كان يسنده للأدب لم يكن الجميع يعترف به. وما ذاك؟ إنها لطامة كبرى أن يكون الأدب مجرد متعة للمتعلمين فقط، وأن تنصب أهداف العملية التعليمية للأدب في خانة التفكير في مفاهيم نقدية وماذا يقول النقاد، بدل مقاصد العمل الأدبي. مبتعدة بذلك عن التفكير في الوضع الإنساني، والفرد والمجتمع.. ثم يسأل المؤلف "هل نحن ندرّس معرفة تتناول المادة التعليمية نفسها أم تتناول موضوعها؟" لأنه لاحظ أن المادة الأساسية التي تعطى للطالب في المراحل الثانوية هي أبنية مجردة، كأصول دراسة السيميائيات والتداولية مثلاً أو كالبلاغة والشعر... ولا علاقة لها بما تتحدث عنه الأعمال نفسها، ومعناها، والعالم الذي تستحضره. كما لا ينبغي للوسائل أن تكون غاية، بل لابد من التساؤل عن القصدية النهائية للأعمال الأدبية، وعموماً فإن القارئ غير المتخصص، دائماً، يقرأ العمل الأدبي ليس بهدف إتقان منهج نقدي، بل ليجد فيه معنى يتيح له فهماً أفضل للإنسان والعالم، وليكتشف فيه أيضاً جمالاً يثري وجوده.

لقد كانت الفترة التي قدم فيها تودوروف إلى فرنسا تشهد وجود سيطرة لعدة اتجاهات تختلف عن الاتجاهات اليوم. لقد كان الطلبة أصحاب الرسائل الجامعية، بدل أن يتساءلوا طويلاً عن معنى الأعمال الأدبية، يقيمون جرداً شاملاً لكل ما يحيط بها: سيرة المؤلف، النماذج الأصلية، الاختلافات بين النسخ وروايات العمل الأدبي، ردود الفعل التي أثارها عند المعاصرين... ولهذه الغاية عمل "تودوروف" مع "جينيت"، على دراسة خصائص الخطاب الأدبي. وأن تكون المقاربة الداخلية (دراسة علاقة عناصر العمل الأدبي فيما بينها) مكملة للمقاربة الخارجية (دراسة السياق التاريخي، والإيديولوجي، والجمالي). ولكن ما زالت المشكلة قائمة في الجامعات، لأنهم ينظرون هناك بارتياب إلى دراسة المعنى. إذ إن العمل الأدبي معروض باعتباره موضوعاً لغوياً مغلقاً، مكتفياً بذاته، مطلقاً. ومن هنا تأتي الكارثة! حيث تترسخ في ذهن الطلبة العقيدة القائلة "بأن الأدب لا صلة له بسائر العالم ويدرسون علاقات عناصر العمل الأدبي فيما بينها وحدها. كما لا ينكر "تودوروف" وجود اتجاهات ومدارس شديدة التنوع في الجامعة، لكن السيطرة للثالوث الذي أشرنا إليه سابقاً. ثالوث ذو نزعة ترى في العمل الأدبي حتماً غير متسق، فلا يتوصل إذن لإثبات شيء وهو يقوم بتشويش قيمة ذاتها.. كما تفعل التفكيكية، ناهيك عن تيار العدمية الذي يرى أن البشر أغبياء، وأن الحياة هي طروءٌ لكارثة. وتيار الذاتية الذي ينبثق من نظرية "الأنانة" الفلسفية، وفيه يكرس المؤلف نفسه دائماً بنفس القدر لاستحضار أطوار مزاجه، بعد أن يتحرر من كل قيد مرجعي. وعلى الرغم من غرابته، إلا أنه لا شيء يمنع من أن يصير برنامجاً للإبداع الأدبي.

أما عن كيفية نشوء علم الجمال الحديث فيشير "تودوروف" إلى أطروحة مفادها أن الأدب ليس مرتبطاً بعلاقة ذات دلالة مع العالم، ولفهم أفضل يستحضر "تودوروف" مراحلها الرئيسة. فمن المؤكد أن العلاقة بالعالم الخارجي قوية جداً فيما يسمى عن حق النظرية الكلاسيكية للشعر، ونستطيع أن نلخص هذا في ما ذهب إليه أرسطو من أن الشعر محاكاة للطبيعة، وأن وظيفته هي المتعة والفائدة. ومن هنا نستنتج أن علاقة الشاعر بالطبيعة موجودة، وهي علاقة ضمنية، إذ كيف سيحاكي الشاعر العالم إذا لم يكن مطلعاً على حقائقه؟ لكن هذا سيتزعزع لاحقاً في العصر الحديث، بطريقتين مختلفتين، ترتبطان بالنظرة الجديدة إلى العلمنة المتزايدة للتجربة الدينية وإلى قدسنة للفن ملازمة لها. الطريقة الأولى تقوم على إضفاء القيمة على صورة قديمة (الفنان/المبدع) الشبيه بالله الذي هو لا متناه يخلق عالماً متناهياً. أي أن العبقرية الإنسانية تسعى لمحاكاة العبقرية المطلقة، ولنا في "برومثيوس" مثلاً. وبصورة أخرى الاحتفاظ بفكرة المحاكاة، ولكن هذه المرة ستكون بين إنتاج عالم كبير (هناك)، وعالم صغير (هنا). لكن دون التزام بالتماثل في النتائج، فالمطلوب هو اتساق الإبداع، وهذا بفضل تأثير فلسفة "ليبنيتز" الذي أدخل مفهومي الجوهر الفرد والعالم الممكن؛ ويبقى الشاعر أفضل من يمثل هاتين المقولتين، لأنه يبدع عالماً موازياً للعالم الطبيعي الموجود، عالماً مستقلاً لكن بنفس القدر من الاتساق. أما الطريقة الثانية فتقوم على قطع الصلة بالرؤى الكلاسيكية، وتستبعد المحاكاة، وتحل بدلها هدفاً آخر هو "إبداع الجمال". لأن الجمال يتصف بكونه لا يفضي إلى شيء يتجاوز ذاته. وواضح هنا أن هذا التأويل هو نفسه علمنة لفكرة الألوهية. وهذا ما دعا إليه أفلاطون قبل اثنين وعشرين قرناً حين دعا للتأمل المنزه للمثُل. ونتيجة هذه التحولات في القرنين السابع والثامن عشر، سيتشيد التأمل الجمالي، والحكم القائم على الذوق، وحس الجمال ككيانات مستقلة بذاتها. كما صار لهذا التحول نتائج عديدة من أبرزها، أنه فصل كل "فن" عن الفاعلية التي لم يكن ذلك الفن إلا درجتها العليا؛ وبذلك صار الفنان ليس سوى صانع حرفي ذي جودة أفضل، الفنان لا ينتج أشياء للمنفعة، بل ينتج أشياء للتأمل من أجل المتعة الجمالية وحدها. وهذه الأشياء تطلبت بدورها أماكن حيث يمكن استهلاكها. فمثلاً إبداعات التشكيليين، ستشيد لها صالونات، وأروقة، ومتاحف، وهكذا...

صار الفن يجسد حرية المبدع وسيادته، واكتفائه بنفسه، وتعاليه بالنسبة للعالم، وصار غياب القصدية الخارجية يوازنه على نحو ما كثافة القصديات الداخلية، بفضل الفن يمكن للفرد البشري بلوغ المطلق. لكن القطيعة الحاسمة لم تحصل إلا في مطلع القرن العشرين. وهي ناتجة من جهة عن تأثير اطروحات نيتشة الجذرية، التي تضع موضع السؤال الوجود ذاته للوقائع معزولة عن تأويلاتها ووجود الحقيقة، أياً كانت. وهذه القطيعة ستتأثر بدورها نتيجة لمذابح الحرب العالمية الأولى، وسيتوجه الفن بإرادة قوية لخدمة مشروع يوتوبي من أجل صنع مجتمع جديد كلياً وإنسان جديد. ولا أحد ينكر أن المجتمعات الغربية تتميز اليوم بالتعايش السلمي تقريباً بين إيديولوجيات مختلفة، وأيضاً بين تصورات متنافسة عن الفن، وغير ذلك، لكن ممثلي ثالوث الشكلانية والعدمية والأنانة، يحتلون مواقع مهيمنة إيديولوجياً، فلهم الأغلبية في هيئات تحرير الجرائد الأدبية، وبين مديري المسارح المدعومة أو المتاحف، تلك الأغلبية التي تسعى لاستبعاد العواطف الطيبة عن العمل الأدبي، لأن الصلة الظاهرية بالعالم للأعمال الأدبية ما هي إلا وهم. وهذا ما يجعلهم ينتجون صورة مهزولة بشكل فريد عن الفن والأدب.

إن مثل هذا الانحراف يجعلنا نجدد الثقة في الأدب على أنه يتيح فهماً أفضل للوضع الإنساني ويحول من الداخل كينونة كل واحد من قرائه. ولابد أن يأتي هذا التحول من التعليم المدرسي. فلا ينبغي أن يكون هدف تحليل الأعمال الأدبية في المدرسة هو إيضاح المفاهيم التي قد استحدثها هذا العالم أو ذاك، وأن نقر بأن دراسة الأدب تعني دراسة الإنسان، علاقته بنفسه وبالعالم وعلاقته بالآخرين. لأن موضوع الأدب أصلاً هو الوضع الإنساني نفسه، فالذي يقرأ الأدب ويفهمه سيصير، لا متخصصاً في التحليل الأدبي، بل عارفاً بالكائن البشري.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home