Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahdi al-Tamami
الكاتب الليبي مهدي التمامي


مهدي التمامي

السبت 19 ديسمبر 2009

حنجرة رقمية لعبدالكافي*

مهدي التمامي

قبل أيام أرسل إلي الكاتب أحمد يوسف عقيلة رسالة قصيرة عبر الهاتف يعلمني فيها بأنه أطلق مدونة خاصة بالمبدع الشعبي الذائع الصيت في المنطقة الشرقية "عبدالكافي البرعصي"، أو بمعنى أدق "الغناي" عبدالكافي البرعصي الذي تتوحد حول "غناويه" ذائقة الناس القاطنين على امتداد المسافة الفاصلة بين الهيشة غرباً وحتى امساعد الحدودية شرقاً.. والغناي هنا تعني "شعبياً" المتخصص في أداء "غناوة العلم". أطلق الكاتب أحمد يوسف عقيلة هذه المدونة بمناسبة ذكرى رحيل هذا الفنان المبدع الذي غادر الدنيا يوم الثلاثاء 22-11-2005 مسيحي كنوع من عرفان الجميل والوفاء، هذا المزمور الذهبي الذي كان مسكوناً بالشعر إلى درجة الهوس.. أو كما قال عنه أحمد يوسف نفسه: "كان عبدالكافي غناوة تمشي على قدمين".. أما محتوى المدونة يشتمل على إنتاج الشاعر وصوره وسيرته الذاتية. طبعاً اطلعت على المدونة وشكرت جهد الكاتب المهـ(ــووس)ــموم بالبحث في التراث والتقاط درره من مظانها بغية دراستها ونشرها للناس المتعطشة للجمال في مكامنه الفطرية التي لم تلوثها المحاكاة البليدة.. فالكاتب أحمد يوسف عقيلة يرى البحث في التراث والأدب الشعبي نوعاً من تنمية القطاع الإنساني والثقافي، وظاهرة حضارية تدل على مستوى الوعي والرقي الثقافي والنضوج الفكري. لكن من الغريب أن البعض ينظر لهذه الآداب على أنها رموز تخلف ينبغي تجاوزها ونسيانها، ولا تستحق العناية أصلاً. هذا الازدراء به شيء من الخلل من وجهة نظري؛ لأنه في الوقت الذي يهمش فيه بعض أدبائنا (غناوة العلم) نراهم يلهثون وراء النصوص المترجمة من الشعر الحديث الغربي الذي جاهد أهله وعلى رأسهم رامبو للوصول إلى منابع الشعر الفطرية في اختزالها الباذخ الذي تمثله أيما تمثيل "غناوة العلم"... التي وصفها الناقد خليفة التليسي بأنها الصياغة الشعرية التي تتساوى فيها مساحة الكلمة بمساحة الانفعال.. نعم "فغناوة العلم" قادرة على استنفاد اللحظة الشعرية والإحاطة بها.. كما أنه من حقنا أن نفتخر ونقول بأن "غناوة العلم" هي قصيدة ومضة بامتياز.. تضاهي في كثافتها (الهايكو) الياباني الشهير... إنها كما يراها "عقيلة" كلمات قليلة مثقلة بالمعاني الكثيرة.. تبتعد عن التبذير اللغوي.. هي الشيء المركز.. الرمز.. الإيحاء.. الومضة.. الإيجاز.. الاختزال.. الخلاصة.. فن الارتجال، حيث عزز هذا التعريف باقتباس هام للروائي "ميلان كونديرا" الذي يرى في فن الإيجاز ضرورة، لأنه يتطلب الذهاب دوماً إلى قلب الأشياء مباشرة.

هذه الغناوة لم تستورد، بل نبتت وأينعت في الشرق الليبي بعيداً عن أزهار الشر وإشراقات رامبو، وبعيداً أيضاً عن فصول وغايات المعري ومواقف النفري .. إنها مدينة لفرسانها من البدو الذين استطاعوا ترويض أنفسهم بها، بعدما عجزت كل أساليب الترفيه عن ذلك.. من هنا جاءت "غناوة العلم" لتقلب موازين منظومة القناعات البدوية الجامدة، إذ جعلت الفارس الذي يكابر في البكاء أمام الناس مهما بلغ مصابه، ينهمر- فنياً- أو قل روحياً أمام الحبيبة وقسوتها وهجرها وساديتها اللذيذة... بل ويعد ذلك منتهى النبل.. فبقدر ما كانت الغناوة وسيلة تسلية وترفيه إلا أنها كانت بمثابة "متنفس للرغبات النفسية والنزعات المكبوتة" لمجتمع واصل إصراره على الانغلاق الجسد/ظاهري الضاج...

ما زالت "غناوة العلم" صامدة بنفس الطزاجة الخالدة.. تمارس نشوتها على وجدان إقليم كله يغني العلم، قياماً، وقعوداُ وعلى جنوبهم.. لقد أصبحت "غناوة العلم" ديوان الجبل الأخضر... ترددها جبال الكوف، كأغنيات الغجر الذين قالوا ذات تجل إنساني باذخ: ابق حيث الغناء، فالأشرار لا يغنون!
______________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "الجماهيرية"،


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home