Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahdi al-Tamami
الكاتب الليبي مهدي التمامي


مهدي التمامي

الأحد 17 مايو 2009

شاكلة الكلاب المخنوقة

مهدي التمامي

إني لأعجب كيف يمكن أنْ يخون الخائنون؟
أيخون إنسانٌ بلاده؟
إنْ خان معنى أنْ يكون، فكيف يمكن أن يكون؟
(بدر شاكر السياب)

سأترك تأويل العنوان المستفز للذين لا يريدون علواً في الوطن إلا بقدر ما يقدمون من منفعة، كما تجدر الإحالة هنا لمن أراد أن يرغب في مواصلة البحث عن مفاتيح العلو المقصود إلى ما كتبه الراحل العظيم الدكتور الصادق النيهوم في مقالة أعتقد أن عنوانها إذا لم تخني الذاكرة "ليس العقل السليم في الجسم السليم".

نحن نعرف حسب أقوال الفلاسفة أن كل فرد عرضة للوجود الزائف إذا لم يتميز بالاستقلالية والخصوصية، مما يقوده إلى حياة التشيؤ والهامشية نتيجة تعطيل الإدراك وانعدام الوعي بقيمة الحرية في تجنب خطر الاستلاب. وهذا مانلاحظه عند عدد كبير من الأدباء والكتاب الليبيين (في الداخل والخارج)، وأنا أعني الأدباء الذين ليس لديهم أية ملامح تكشف عن مشروعهم الأدبي وهدفهم من الكتابة؛ إذا استثنينا "الوطنية" ودغدغتها الفارطة؛ إذ لا يمكن تجريد أحد من هذا الشعور الباطني المطمور.. ومع هذا صارت هذه الكلمة حمار الليبيين الذين يعانون من حالات عصابية ليس لها سبب سوى تكوينهم الوجداني المضطرب المبني على قناعات سابقة لا تستند لأية أسس منطقية، كمثل حرمان البعض من امتيازات تناوبي كان يتمتع بها، أو تحميل الأبرياء ذنوباً لم يقترفوها.. وباختصار فإن الوجود الزائف حسب أطروحة الوجود والزمان لهايدجر يعني الذوبان داخل عالم الآخرين مما يفقدهم خصوصيتهم، ومن هنا تأتي حالة الهروب من المسؤولية المبنية على الحرية وتكون (في موقف محمي من الشعور بالقلق الضروري) القلق الذي يؤدي إلى نوع من (التفاعل والترابط بين الذات الإنسانية وبين الموضوع، لأن الموضوعات تتمخض عن بناء حضاري عام). مثل هذا القلق هو الشرط الأهم الذي يحتاجه المثقف ليصوغ أسئلة المرحلة الراهنة ويدرك أهمية مواجهتها؛ وهذا النوع من الهروب الذي أشرنا إليه نلاحظه لدى العديد من كتابنا لاسيما بعض كتاب (الخارج)، وكتاب الداخل (كتاب الإنترنت تحديداً)، خصوصاً في استعراض نرجسيتهم المسنودة بخواء تكوينهم المعرفي، وتعاضدهم الساذج مع بعضهم البعض في شتى المواضيع الفضفاضة والمطاطية، كحرية الرأي والتعبير ومؤازرة قضية شخصية لكاتب متواضع؛ كأن يمثل أمام المحكمة بتهمة أكبر منه قدراً (فقد تأتي مكارم الذنب على قدر أعلى من الكرام أنفسهم).. أو كأن يحرم من نشر مقال بائس، أو أحياناً لحرمانه من مشاركة في مهرجان بسيط، أو سرقة حقه الذي هو في الأصل عبارة عن مجموعة حقوق لأدباء آخرين فضلوا التحصن خلف متاريس العفة والبساطة وتركوا له خطام البطولة يجرجرها هنا وهناك.. ناهيك عن ظاهرة "أقلام تحت الإيجار" التي يتورط فيها للأسف كتاب (نوعيون) من النخبة، أو كما يقال: "زبدة المشهد الثقافي"، وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين: قسم يتم شحنه ببعض الأفكار الانفعالية؛ الثأرية، لكي ينفثوها عادة على صفحات الإنترنت منكهة بلغة باذخة البلاغة للأسف، أو يتقيؤها كما هي.. وقسم آخر يمتلك أدواته المنهجية، لكنه يوجهها في مسارات مؤدلجة لا تضيف لاسمه شيئاً سوى الهبوط به في حضيض النفاق، وفقدان المصداقية!!! وهكذا قضايا... أهم ما يميزها هو كشف تواضع عدد كبير من الأسماء التي تدّعي الكتابة والانهمام الثقافي..

إن للكتابة معنى وغاية أكبر من البهجة والنشوة التي تعقب الانتهاء من إنجاز نص أدبي معين. والكتابة ليست مجرد معاناة تؤدي بالكاتب إلى حياة القلق والصعلكة والعصاب والجشع والتطفل والتزلف الذي لايستسيغه الذوق العام ولاترضى عنه الناس كما يفعل بعض أدبائنا.. إن الكتابة في هذه الحال، أو عن تلك الحال، فعل مقاومة، صراع من أجل القيم، والمواقع والمصالح أيضاً عندما تتغول وظيفة المثقف بتسلط جائر لا مبرر له سوى الحفاظ على امتيازاته، والأنكأ من هذا كله عندما يتبنى هذا النوع من المثقفين المتسلطين عدداً من الكتّاب!! كتّاب غالبيتهم من فقراء الموهبة وباهتي الإنتاج، من "محترفي الكلام" والكولاج كما وصفهم الناقد السيميائي "محمد المالكي" في كتابه "خطاب الكلامنجية".. وكتّاب آخرون أكثر (فهلوة) هم الأسوأ.. يعيشون على مص الدماء، وعلى السرقات الأدبية، لا يفقهون أبجديات الكتابة، ليكونوا على قمة المراكز الثقافية أو إدارة المواقع الـ(ـرقمية)ـوطنية، فالوطنية، كما أشرنا سابقاً، غدت كلمة سرٍ سارية المفعول هذه الأيام، للتكسب الجشع، ومطية المتزلفقن والنفعيين من هذا النوع الأخير من الكتاب. وكان من المفروض أن تتفتق مواهب هؤلاء في سياق ثقافي عام وفق دينامية التلاقح الفاعل بين الأجيال، حتى لاتموت القيم في وجدانهم...! هؤلاء الشباب الذين كان يعول عليهم المجتمع على اعتبار أنهم يعبرون عن أشواقه البعيدة ورغبته في اللحاق بركب الحضارة والتقدم..

إضافة للمثقف المتسلط فإن هناك فئة أخرى من أصحاب النفوذ السابق التي تضم أسماء أدبية مكرسة يحمل لها الجميع مشاعر الود والتقدير، الذين تغلغلوا في النخب الثقافية على اختلافها. أولئك كانوا ومازالوا يغذون شرذمة مارقة، بأنانيتها، وهم من سبق ذكرهم من عديمي المشاريع الذين لا يجيدون شيئا سوى زرع الفتنة حيثما حلوا وتصويب السهام على كل من يختلف معهم حول أفكارهم البالية التي لا يعرف انتماؤها لأي اتجاه معروف: توهان/ تخبط والتباس قيمي/ فقر معرفي... والشيء المضحك/المبكي في آن عندما يفقد هؤلاء مناصبهم التي كانت تضمن لهم تغليب فئة على فئة أخرى من حقها أن تأخذ مكانها في المشهد الأدبي- ما أن يفقدوا الامتيازات المادية والرمزية التي كانوا يتمتعون بها، ليس لتفوقهم أو لخبراتهم النادرة، بل لقدرتهم على الدهاء والمداهنة- ما أن يفقدوا تلك الامتيازات حتى تراهم يملئون أروقة الثقافة بالعواء، في تناوب عجيب لدور الضحية والجلاد، صاعدين على خطاب ديماغوجي متخف بدقة تحت ستار القيم الذي يجيدون الاختباء خلفه، كحالة تمويه وتلميع لسرائرهم المريضة... بعدها يبدأ مسلسل استغلال فضاءات النزاهة أو حرية الرأي أو (الشفافية) هذه المفردة المفضلة لديهم ضمن قاموس ينضح بمفردات المجتمع المدني الذي يروجون له كرسالات الأنبياء! فلا يتركون صحيفة (إصلاحية) ولا برنامجاً إعلامياً ولا موقعاً رقمياً إلا ونفثوا فيه سمومهم، في ظهور مرعب ومتقن، بغية جلد أصحاب الحق الثقافي الذين جلهم من المواهب الصاعدة أو من الأدباء الحقيقيين الذي أدمنوا القراءة والكتابة والفقر...! وقد حدث هذا فعلاً معي حين حذفت إحدى الصحف الداعية للإصلاح اسمي من مقال نشره أحد الأصدقاء مستشهداً بمقتطفات للشاعر الكبير أدونيس من حوار كانت قد نشرته مجلة شعريات التي أرأس تحريرها بإدارة الشاعرين، صلاح عجينة، والشاعر محمد زيدان. وفي المقابل فإن لهذا الطفح العصابي لهؤلاء المأزومين تأثير سلبي؛ إذ يجعلهم يتقهقرون على مستوى القيم الإبداعية... ترى ماذا سيحدث لو وصل هؤلاء الجلادون إلى المناصب الثقافية؟؟؟ حتماً ستتضاءل دائرة الأمل وتنحسر، وما كنا لنرى هذه المواهب التي بدأت تزهر هنا وهناك.. ولغابت المشاركات الثقافية إلا لفئة معينة، وذلك بسبب سادية (المكرسين) واتقانهم لدور الضحية والجلاد. ومن يدري فقد يتغلغل هؤلاء الجلادون في هيكلية الثقافة الجديدة كتروس معطوبة تعرقل مسيرة النجاحات الثقافية التي بدأت حينما تولى الأستاذ نوري الحميدي منصب أمين اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام، سابقاً، وهو الآن يقود مؤسسة واعدة بكل ما هو مفيد لهذه الشريحة الحساسة. فهذا الرجل ما يزال يواصل النجاحات بمعية الأوفياء الذين أظهروا براعة تامة في تسيير دفة العمل لبعض المؤسسات الثقافية، ورفع مستوى أدائها، وتطويرها فنياً وتحسين ظروفها العاملين بها، وخير شاهد على ذلك ما آلت إليه الهيئة العامة للصحافة بعد تولي الأستاذ محمد عمر بعيو منصب أمين لجنة إدارتها.. إننا كصحفيين مسؤولون بدرجة كبيرة عن نشر الوعي الجماهيري ومساعدة هذا المجتمع للمضي به، ومعه، نحو غد ليبيا المشرق، الغد الذي سخر له المهندس سيف الإسلام كافة الإمكانيات ليعيشه الليبيون حقيقية في أقرب وقت ممكن!!! إننا الآن بالذات في حاجة ماسة للتسامح والتعاضد ونسيان الضغائن السلبية التي لا تستند لأي منطق مقنع، لأن الضغينة غالباً ما تخلق ذرائعها الخاصة، إذاً علينا تركيز الجهد للاستفادة من هذه الفرصة المتاحة.. ويطيب لي أن أعترف هنا بأن مساحة الحرية الصحفية المتاحة في ليبيا لا تنقص عن المساحة المتاحة في أغلب الدول العربية التي زرتها المتشدقة بحريات زائفة للصحافة الإعلام، بل إن حرية صحافتنا تفوقها إذا ما تمت مقارنة عادلة بعيدة عن تقارير منظمات المجتمع المدني (الغربي) التي تدعي الشفافية ولا تعمل بها، هذا إذا استثنينا بعض الكتابات الحاقدة وعديمة الجدوى التي يطلقها أصحابها من بعض المنصات الغربية؛ والتي لا تعيرها السياسات الغربية البراغماتية المتخفية خلف قناع إنساني زائف أي اهتمام، والتي تقف وراءها أصلاً وتساندها دول عربية رجعية تناصب دولتنا العداء..

أقول قولي هذا كمواطن صالح لبلد الطيوب يرصد المشهد الصحفي والثقافي بعيداً عن أية قناعات مسبقة تجاه أي اسم كان، بالداخل أم بالخارج، وهذه حقيقية يشهد بها كل الذين عرفوني عن قرب.. فأنا الجنوبي الطيب القادم من وطن الرؤى السماوية، وحامل عراجين المبادئ والأخلاق الشهية والمروءة، وسارق خميرة الإبداع من ملاعب الجن في مدارها المرعب؛ هناك في عبورها الشعري المطلق.. أنا الجنوبي الذي لا يجرح الأرض..لأني أحب الجميع.. بما فيهم الكلاب المخنوقة التي لن تتوانى- إذا ما وجدت الفرصة السانحة- في وضع الحجر في طريق الثقافة ورجالها الأوفياء!!!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home