Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahdi al-Tamami
الكاتب الليبي مهدي التمامي


مهدي التمامي

السبت 1 نوفمبر 2009

خرافة عقيلة *

مهدي التمامي

في آخر زياراتي له في قرية "عمر المختار" قال لي: " لو سألتني كيف تكتب القصة القصيرة؟ لأجبتك بك عفوية بأنني لا أعرف.. أنا أكتبها وكفى.. استغرب من بعضهم يتحدثون عن خطوات كتابة القصة كأنها رياضيات".

كيف تستطيع الحديث عن إنسان بمثل هذا التواضع الجم؟ إنسان يقدم الآخرين على حساب نفسه مع علمه التام أحياناً بتواضع مواهب وقدرت الغالبية؛ لكنه هكذا مع كل زواره الكثر... وهذه أيضاً كانت قناعتي الشخصية؛ بأن المبدع الأصيل لا يسعى لإلغاء مبدع آخر يماثله في نفس المجال، بل المبدع الأصيل يؤكد تميز وحضوره بين المبدعين. إنسان طافح بالعذوبة وبالغ الهشاشة كطفل لفرط حساسيته الدائمة؟! وكاتب يخاف من الكتابة بالمقدار الذي يجعله يدخل المنطقة اللاواعية؛ التي تجعل من كل هذه الهشاشة والحزن والوحشة منعرجاً للوجع... فهو ليس كالغالبية الذين عجلوا إلى غير ذواتهم فكانت الكلفة والابتسار مصيراً بائساً لما كتبوا...!

يبدو أمام أية تجربة جديدة، كأنه يكتب للمرة الأولى والأخيرة في آن.. تصير الورقة بين يديه بيضاء، ويصير اليوم على امتداده، جنازة رغبة... ينظر برهبة لبياض الورقة، ولسان حاله يقول: يا لفراغها المرعب! امنحيني أيتها "الخروبة" يا أرجوحتي الخالدة فهرس أشياء فاتنة لأعبر حافة القول.. ذلك لأنه يرى في الطبيعة من حوله طاقة يتوجب فك قيودها.. يبدو لك أليفاً وبرياً في نفس الوقت.. بدوي حتى النخاع في تجل عصري محير، وفخور بمسبحة الشعراء الشعبيين من سلالته.. الذين يتجاوز عددهم ثلاثة وثمانين شاعراً؛ على رأسهم "ارحيّم جبريل" الممتلئ بالروح المبدع على مدار الوقت!!!

كاتب مولع بالعزلة في قريته.. يترك كل شيء في مكانه: الشهرة، المال، الحب، الكره، وبقية الحسابات التي يرى فيها غيره متكأ قيمة... كأنه يكتب ليبتعد؛ لينقطع عن الناس في ذرى الجبل.. الكتابة عنده انزواء حاضر!!! عندما تقرأه تشعر بأنه مغامر شرس؛ وعندما تقابله تجده محافظ في دعة.. لا تعرف إن كان متمرداً أم قديساً!! إنسان يهرب من الأمكنة ليظل في البيت، هذا هو المبدع الوديع "أحمد يوسف عقيلة" رجل كأنه في خطر ويحمي نفسه بالكتابة!!!

كاتب لا يخدع نفسه.. ولا يلتقي "بالحقيقة بصورة عابرة" على رأي "نيتشة" كأنه منفي في الكتابة، ليس أمامه من درب آخر يختبره... مهمته أن يكتب.. مثله في ذلك مثل الكاتب "محمد الأصفر" الذي ذهب هذه المرة إلى الشرق البعيد، إلى (تايلند) تحديداً ليكتب عملاً جديداً من وحي وسحر المكان هناك... إن أقصى ما يطلبه كاتب بطبيعة "أحمد يوسف عقيلة" براح من "الحرية الحرة" التي نادى بها "رامبو" ليرحل نحوها عبر الحواس المتداعية كالذبذبات... نحو أقصى حدود ممكنة للخيال... كاتب يعيش متقشفاً في كل شيء سوى الكتابة، فهي الوحيدة التي تجعله يتفجر كل يوم ويفيض كم تفيض النار من موقد.. ومن هناك؛ من القرية يسعى لتحرير القصة من الاكليشيهات التي وقع في شراكها أغلب ساردي المدن "العصرية"، فهو يبحث مع عدد قليل جداً من كتاب السرد عن (لغة وسطى) كما يسميها الروائي "عبدالرحمن منيف"، لغة تزخر بالحياة وتنقل ما ينبغي نقله مسكوباً في قالب جميل وجلي.. يحايثه هذا التضفير اللغوي الرائع عند الكاتب "محمد الأصفر" مثلاً..

عندما دخلت حجرته الخاصة وجدتها من الأناقة بمكان يفوق عدة متاحف شاهدتها في أماكم مختلفة، وعلى بساطتها كانت ساحرة (أصداف وقواقع، درقات سلاحف، أعشاش مختلفة مأخوذة بآخر هيئتها قبل مغادرة الفراخ لها، شيص، صور فوتوغرافية، منسوجات يدوية...) لقد وجدت أيضاً طمأنينة ترفض أن تستيقظ من "نطوعها" الوثيرة.. كل ذلك يدل على أن متعة الكتابة أن تكون جميلاً.. الكتابة بحث دائب عن الجمال، ومن لم تكن كتابته كذلك فليس بكاتب بل هو مجرد حاو ألوانه وهم!!

كل الذين اقتربوا من "أحمد يوسف عقيلة" يعرفون بأنه لم يفرط في إخلاصه للإبداع؛ ولم يهدر من وقته وجهده في أماكن بلا قيمة؛ كالعلاقات الاجتماعية والثقافية التي لا تتقاطع مع انهماكه المؤلم في اجتراح قنديل لعتمة القصة القصيرة والكتابة عموماً... والبحث التراثي المدهش الذي شهد له مبدع أصله في البدو وفرعه في المدينة هو الشاعر "سالم العوكلي"... وها أنا أيضاً أضع نفسي في شغاف ذلك الانخطاف مستسلماًُ لما لا يقبل أقل من تلك "الغناوي" و"الخراريف" لذة وفتنة!!
______________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في الملحق الثقافي لصحيفة "الجماهيرية"،


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home