Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mahdi al-Tamami
الكاتب الليبي مهدي التمامي


مهدي التمامي

الجمعة 1 مايو 2009

محمد الأصفر
حديث حول هذه الظاهرة الأدبية


مهدي التمامي

كان يجب أن يأتي كتاب من صلب الثقافة المحلية يرثون الإبداع الحقيقي الذي يرتكز على المكابدة وإحالتها لنوع من البهجة الأليمة... فالنيهوم رحل منذ زمن، والفقيه والكوني سرقتهما الأجواء الاحتفائية خارج الوطن واستلذوا رفاهية الملاحق الثقافية بالمكاتب الشعبية.. لذا ظهرت عدة أسماء من الجيل اللاحق استطاعت أن تشكل حضوراً معرفياً مقنعاً وقيمة ثقافية متميزة، على رأس هذه المجموعة الشاعر مفتاح العماري صاحب التجربة الشعرية المهمة، عبدالمنعم محجوب، الكيلاني عون، سالم العوكلي، أحمد يوسف عقيلة، محمد الأصفر، أبوالقاسم المشاي، محمد العريشية، محمد زيدان، وهذا على سبيل المثال لا الحصر طبعاً، وأنا هنا سأتحدث عن الكاتب محمد الأصفر كونه صار يشكل ظاهرة أدبية ليبية بامتياز؛ ويكفي أن أستدل على ذلك من ترشحه ضمن "قائمة الكتاب العشرة" لجائزة بوكر في نسختها العربية في الأعوام القليلة الماضية، وهذه سابقة لا أعتقد أن أحداً كان يتوقعها.

"كيف تستطيع، يا صديقي، أن تتخلص من الشيطان، إذا لم تصبح أنت بنفسك شيطاناً ونصف شيطان؟" بهذه المفارقة التي وردت على لسان (زوربا) أحد أبطال كازانتزاكي، يعمّد محمد الأصفر كتاباته، متجهاً إلى أقصى حواف الصور المهذبة لشيطنتها... ، إنه كاتب "لا يعرف عن نفسه شيئاً" كما قال عنه الأستاذ عذاب الركابي و"القادم بشجاعة من كتيبة المنبوذين الساخطين في هذا العالم". لا يفكر كثيراً في المتلقي عندما يكتب، لأنه يكتب لمتلق آخر يسكنه يتماهى مع منظومة قناعاته الشخصية عن كل شيء، بل إنك لو سألته عن أنصاره أو عن خصومه فإنه لن يعرفهم، ولن تجد عنده نسخاً من كتبه يوزعها ويمهرها بتوقيع أنيق بغية الشهرة والانتشار كما يفعل الجميع، يطارد المهرجانات بنية التفعيل الإبداعي الصادق، حتى عندما تكون مهرجانات أهلية في الجبل والساحل والصحراء لا تحتوي سوى على كلمات حماسية ونصوص متواضعة فإنه يطاردها بحب وطيبة فارطة وتواضع جم، متجشماً مشقة المسافات البعيدة، وعلى الرغم من كل ذلك لا تفارقه الابتسامة الناصعة كطفل، ولا يفقد أريحيته مهما كانت حدة مشاكسيه، مستمتعاً مع أهالي القرى البعيدة بموائد (البازين والفتات والكسكسي). وفي المقابل فإن كتاباته تقوم بتعرية الواقع بطريقة فنية عامرة بخبرة ومعرفة عميقة يعجز عنها منتقدوه. صحيح ربما سعى بعض الكتاب للفت الانتباه عند حشدهم المتكلف لمشاهد الجنس في أعمالهم الإبداعية، وعادة ما يكون مشهد الجنس قد حدث في الواقع، لكني أؤيد من يقول بأن الجنس لا يمكن أن يوصف، والواجب الفني في الحديث عن الجنس هو أن تصف ما يسمى، بـ (الجانب التقني)، لأن الجنس الوحيد القابل للوصف هو الجنس الرديء، ناهيك عن وصف الحميمية التي تنتهي بك إلى أفكار مجردة.. وهذا الملاحظة ليست من وجهة نظر أخلاقية (تقليدية) لكنها ملاحظة فنية جوهرية، لأن الأصفر في بعض أعماله، خصوصاً رواية "يانا علي"، التي ابتعدت إلى حد ما عن تلقائيته الفنية المعتادة، كان (إرغام الجنس) والتكلف فيها مسيطرين. أما في العموم فإن الأصفر استطاع أن يحول يومياته المليئة بالمكابدة والكفاح المعيشي المرهق، والخصبة بالطرافة والكوميديا السوداء إلى نثر أدبي رفيع المستوى، ليكشف الخراب بالخراب والفوضى بالعبث، ليحتج ضد تابوهات اجتماعية ظالمة، ليصدم وجه الحياة المكفهر في وجه أحلامه، وليقول (لاءاته) الكثيرة في وجه الأدعياء (الدود) أصحاب السادية العاتية الذين تراجعوا أمام موهبته الأصيلة وانطفأ نقدهم أمام تدفق إبداعه المربك، الذي شكل انزياحاً واضحاً وضع عصاه في دواليب الأدب الليبي المطمئن بذائقته المتحفية..

إنه كاتب حقيقي، والحقيقي لا يمكن أن يكتبه أحد آخر غيره، الحقيقي يولد بأبجديته، ولا يكون بدلاً عن... (فالتشبه تشوه). من هنا كتب الأصفر نفسه مبتدعاً بلاغة كيميائية تعتمد في تفاعلاتها على الشوائب (الهوامش) وتحويلها إلى نسيج مذهب لا يشبه نسيج أحد، واقترض من الأنواع كلها (مسرح، شعر، تاريخ، أساطير، حكايات شعبية،،،)، فامتص قطرات الشعرية من أعماق مسامها، نائياً بتلك الشعرية عن الكتابات الساكنة؛ الشبيهة بالواجهات البلورية الباهتة؛ شعرية قلما استطاع القبض عليها الكتاب الكبار، أو من نظنهم كذلك... مع احترامي الشديد للكتاب الذين يرون في شعرية الأصفر شعرية مستعارة من لغة القصيدة الغنائية التي مهما كانت حلاوة مذاقها فإنها ستنقضي فور الانتهاء من القراءة. لكن الأصفر يحافظ مع كل ذلك على المناخ العام في المجمل كـ(إيقاعات السرد الداخلية) و(شعرية المواقف المتتابعة)، فروايات الأصفر كما رآها الناقد الشهير صبري حافظ "تفتح أمام قارئها عوالم ثرية وفريدة، تتجاور فيها البلاغة التقليدية مع التعبيرات المباشرة أو الصادمة بتدفق سردي تتغير إيقاعاته مع تبدل الأحداث وتغير المشاعر، بصورة يصبح لإيقاع السرد نفسه ولبنيته اللغوية والشكلية محتواها الدال، وقدرتها الرهيفة على التواصل والتأثير" وهذه شهادة ناقد كبير له وزنه الخاص بين النقاد العرب، أمضى سنوات عديدة أستاذاً في جامعات الغرب، لهذا فالأصفر في غنى عن انطباع متواضع كالذي أكتبه، لأن الأصفر يمثل بحق (ظاهرة أدبية) في المشهد الثقافي الليبي ويحتاج لمزيد من تسليط الضوء على تجربته المختلفة عن الجميع. إنه يكتب يومياته بطريقة (السهل الممتنع) مما جعل شاعراً كبيراً كالشاعر العراقي سعدي يوسف يبدي إعجاباً صادقاً بإحدى نصوصه في نقد الثقافة السوداء وأتباعها، فعدم رضوخ الأصفر للمقولات النقدية الجاهزة، وتركيزه على المطالعة وتكثيفها، مكنه من تثبيت جذوره في تربة ليبية خالصة حرثتها القامات العالية، كأمثال خليفة الفاخري، وكامل المقهور، ولم يركن للاستسهال والتطفل على كتابات الآخرين وسرقة ثمار مجهوداتهم...

لقد وعى الأصفر منذ بداياته بأن النقد لا يصنع مبدعاً، متمثلاً شروط (جيوفاني باييني) الذي يؤكد على ضرورة ثقة المبدع في نفسه وعبقريته، وأن يكون مؤمناً بأن لديه شيئاً جديداً، وأنه من معدن غير معدن الناس، أما بدون هذه الشروط فلا يمكنه أن يكتب أو يبدع..

ليس على (تاجر شنطة) سابق ومغامر كالأصفر الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها صعوبة في أن يسلك دروب الكتابة الوعرة المحفوفة بمخاطر الفشل، لا زاد له سوى خيال وثاب، وأقنعة المجاز... ليقبض قبضة من أثر (الوقاحة الطائشة) كما عبر نيتشة، وينفخ بها في عروق اللغة، لتأتي كتاباته حرة، منفلتة من كل الألجمة، متبعثرة، لا نهائية... هو مقذوف فيها، وهي مقذوفة به دفعة واحدة... كتابة مستبطنة مع كل قراءة جديدة، لا تجمد، عروقها أجراس تؤكد براءة الخرق، تقول مع باشلار "أيها الخطأ لست شراً"، وحتى يكتم غضبه فوض حرفه للصدق، محاولاً فض بكارة المستحيل، ليجترح بهذا (التضفير) الرائع قاموساً يؤسس من خلال مفرداته عالماً من العبث الطازج، وفضاء من حرية رامبو (الحرة)، لكنه ليس من (الفضاءات الفاضحة)، ففضاء الأصفر "صناعة محلية" بعيداً عن (لعبة الفرانكفونيين العرب) الذين رأى فيهم الشاعر الكبير مفتاح العماري "صنّاع خزف الغرائبية والتهتك" والمستمرئون "بشهية ماكرة تكريس لعبة المجون".

إن محمد الأصفر كثير الشبه بالأستاذ علي مصطفى المصراتي في دأبه على اقتناء الكتب والمطالعة المضنية وارتياد المكتبات العامة والخاصة، الشهيرة والمجهولة. أما منتهى عبقريته فتكمن في إحالة أية (هدرزة) إلى عمل فني مذهل، كما حدث له مع الشاعر الراحل الجيلاني طريبشان الذي حول لقاءه العابر معه إمام مكتبة الثورة الشعبية إلى قطعة فنية رائعة، وهو في ذلك يشبه إلى حد كبير الشاعر والناقد الإنجليزي الشهير (كوليردج) الذي كان يعرّج على بعض المكتبات المحلية وهو في طريقه إلى البيت فيقرأ حكاية في كتاب متواضع، ثم لا تلبث أن تتحول على يديه إلى قصيدة رائعة، تصعب إحالتها إلى مرجعها الذي أتت منه أصلاً لكثرة ما طرأ عليها من تحول، حتى أصبحت إيحاءً جديداً له معالمه التي لا تتطابق مع الأصل.

هكذا هو محمد الأصفر منذ أن عرفته، مجبر في كل شيء (حياة.. وموتاً) كما جاء في (سرة الكون)، لقد أعتاد على وضع أيامه في كيس متين ليدخل يده مع كل يوم جديد في ذلك الكيس ويلتقط منها يوماً يعيشه على طريقته الخاصة، لا يهم هذا اليوم إن كان صيفياً أو شتائياً أو ربيعياً أو خريفياً، كل ما يهمه في اليوم هو عدد ساعاته الأربع والعشرين وأن يغمض عينيه ويحلم... إضافة لحرصه الكبير على الانتباه والتمسك برفاقه الأربعة: هاتفه الخلوي، وكوب قهوة مرة من مقهى لبدة الشهير في بنغازي، وحاسوب محمول، وحفنة من المسودات، على أن يكون هو نفسه بحذافيره... كأنه في محاكاة مع الشاعر الأسطوري المشاء آرثور رامبو، ذلك "العابر الهائل".. "بنعال من ريح" الذي كتب لأخته إيزابيل من الحبشة بعدما اشتد به المرض وصار شبه مشلول: (من يستطيع الإساءة إليّ، أنا الذي لا يملك شيئاً غير شخصه)!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home