Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Suhaim
الكاتب الليبي محمد سحيم


محمد سحيم

الإثنين 28 ديسمبر 2009

قالت لي فتاة

محمد سحيم

كل شاة معلقة من عرقوبها ، هذه الحكمة "المجزراتية" معطلة بشكلٍ فعلي خارج أسوار السلخانة ، إنساننا تتحكم به وتتعلق بجثته سلطات لا حصر لها و الجزار البسيط الملوث بدماء ذبائحه وحده أنجز هذه العبارة لتنتشر على هذا النحو ، النغم في العبارة والصورة المضرجة بالدم وسعر كيلو اللحم أعطيا آفاقاً وأسماعاً أبعد لهذه الكذبة ، رغم أن الجزار لا يهتم بغير انجاز القتل على نحو أسرع ظلت حكمته عن التعليق من العرقوب دارجة بين الناس بشكل ملفت ، كثيراً ما تسمع زاعقاً بين الناس : (كل شاة معلقة من عرقوبها) .

يا للخجل فالكلام غير صحيح وكل ما يحيط بالإنسان يحد من حريته ويضيق من مساحة تطلعاته ويرفعه من عرقوبه في زحمة العيون وكل أشكال الرقابة ، قد تنعم الذبيحة بخصوصية التعليق في محل الجزارة لكن الإنسان يخضع للكثير من دوائر التضييق والكثير من الانتهاكات لخصوصيته ، حتى حين يموت لا يحظى بتعليق مماثل بل يتعرض لأبشع أنواع التطفل والفضول والحرص على توجيه بقايا لحظاته نحو نقطة معينة .

الدين والأخلاق من جهة والانقلاب عليهما و إقامة فهم جديد للقيمتين أو البدء من نظائر أخرى (العقل ، التجربة) كلها مبادئ لأفكار تمايزت في المضامين لكنها تماثلت إلى حد النسخ في العمل على نقاط محددة بذات السلوك . الإنسان لا يشقى ويحترق مفكراً أو متفلسفاً أو فاعلاً على ساحة الأحداث لأجل أن ينتج ذات القيود بألوان جديدة – نظرياً!!-

ما يحدث هو أنه يساهم في تجديد قشرة قيده مع الإيغال في تفاصيل اللون ، والفرق بين اليوم والأمس هو إعادة تسويق السلطة وتدوير السلطان في غسالة أوتوماتيك بمسحوقٍ معزز بأفكار حديثة تنتهي دائماً و في كل عصر إلى : قواعد ، قيم ، قوانين ، مواثيق ، أعراف ، فرائض دينية ، قيود من معادن أخف ، أغلال حريرية ، أصفاد مذهبة.. (حقيقة) : الإنسان أسير قاعدة (إله) بذراعين "يجب" و "لا يجب" أو "يصح" و "لا يصح" هذا ألإله الفكرة هو ساحة عمل الدين والعقل وكل ما يدور و يجول قبل وبعد هذه المنطلقات : الأخلاق القديمة والمستنبتة .. العرف والقانون العصري المحدث ... كلها مفعولٌ بها من طرف "ما يصح" و "مالا يصح" و"ما يجب" و"مالا يجب" حتى أن ديناً لا يحشر أنفه في أدق أمورك الشخصية قد يفقد ولاء أتباعه ويتهم أنه دينٌ ضعيف وغير متكامل و العكس جائز. العقل يذهب في اتجاه إنجاز ذات الخطوات من منطلقات رومنطقية لكنه يخلص دائماً إلى قاعدة عقلانية تبدأ "بما يجب" وتنتهي إلى "ما لا يصح" وبالمحصلة قيدٌ جديد لمرحلة جديدة .

نحن لا نملك إلا البحث عن أفكار جديدة تساعدنا في زراعة قيود جديدة ، لأن الإنسان لا يخشى مطلق الحرية ولا يملك القدرة على التخلص من أي جذب جبري إلى قاعدة ما ، مشكلته أنه يخاف من الخفة وانعدام الوزن ونصف الدسامة ويخشى من أن يبتعد عن مركز قيده ، يخشى من أن يرتفع إلى أبعد من حد القيد أو الحاجز.

نحن نخشى من الحرية لأجل ذلك نبالغ في زركشة القيود ، كل ما ننجزه لأجل هذا الإنسان ينطلق من مبدأ الخوف من حريته ، لأجل ذلك خلق الإنسان فكرة "العيب" وإذا جلس بجوار دينٍ أو عقل وقال:

حدثني عن" العيب" سيكلمانه عن كائنين منفصلين ، عن كتلتين قد لا تتشابهان إلا في التسمية ، العيب هو الحرية وهو الخروج عن دائرة الحد المسموح به وهو الرفض "لما يجب" وفعل "ما لا يصح "وهو التحرر من القيود ، الجميع يضعه كفكرة خارج أسوار القانون المسبوك وفق قيدٍ ما.

فما يسميه الإنسان الليبي عيباً قد يكون أمراً عادياً أو حتى فرض عند الإنسان الأمريكي ليس لأن الأمريكي معلقاً من عرقوبه وبعيداً عن متناول العيون والتدخلات والسلطة بل لأن قيده يحمل عدداً أكبر من الحلقات المعدنية المزركشة بفعل التجارب وتدوير السلطة مراتٍ أكثر ، لكن القيد يضل فكرةً قائمة لأجل التخلص من رهبة الحرية فالقيود لا تنتهي فاعليتها إذا طالت حلقاتها المزركشة.

الدخول في جدل لأجل تحديد معنى واضح وصريح للعيب –معنى إنساني- أمر غير مجدي يبدأ بالجدال مع كل أنواع السلطات وينتهي إلى فراغ ، العيب مساحة خلقها الإنسان تشابه منطقة الظلام الأبدي التي تنتهي عند حدودها أشكال الحياة ، فعلى الرغم من الاتفاق على سلبية الدخول في تلك المنطقة إلا أن حدودها تختلف من ثقافة إلى أخرى ومن إنسان إلى إنسان آخر الإجماع فقط على سوء الوصول إلى تلك النقطة.

سلًط مصباحاً عظيماً على منطقة الظلام الأبدي –حدود العيب- ستجد أنها مساحة "من الممكن " اقتطعتها السلطة من مساحة حرياتنا ، السلطة تعيد تدوير نفسها وترجع بحدود العيب على نحو تكتيكي ، والإنسان لا ينعم بتعليقة من عرقوبه داخل هذا الصندوق الزجاجي ووسط كل هذا الرصد المادي والمعنوي .

الجزار قاتل وغبي ولا يملك قدرة التنظير لمجتمعٍ كامل ، ولا يملك القدرة على ترك الشاه معلقة من عرقوبها إلى الأبد ، يزعجها باقتطاعاته كل حين حتى تحين ساعة شاة أخرى تعلق في نفس المكان. الحرية مساحة مسطحة تماماً .

محمد سحيم
So7aim@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home