Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Suhaim
الكاتب الليبي محمد سحيم


محمد سحيم

الإربعاء 27 يناير 2010

الزقاق الرائع*

محمد سحيم

إذا كنت أكثر تواضعاً وأقل نرجسية لكنت بدأت كلماتي بأشياء لشاعر شاب ، فقط لا مفر من أن أبدأ من عند عقلي ! ( فياترينو ) ... أحد شوارع بنغازي أو لعله زقاق أكثر من كونه شارع ، يبدأ من عند البحر - فياترينو- وينتهي عند شارع جمال عبد الناصر ، كم أكره أفعال هذا الرجل- عبدالناصر- .. .. فقط ما علاقة "فياتريونوا" بكلماتي الغير متواضعة و عبد الناصر "الكريه" والبحر؟ ما علاقة كل ذلك بالشاب الشاعر حسام الوحيشي؟ ؟ يقول حسام :
لم أعد أفكر! ولم أعد أقرأ !....ولم أعد أبتسم ...
أجدني ضائعا
الخراف أكلها الذئب ، يا ابنتي العزيزة لقد خسرت كل شيء.
الحاشية تبكي لأن المراسم تقتضي ذلك .
الملك الميت يتأهب لمعركة السبات الأخير.
الصولجان ينفرد بكلام
بلا معنى.
أريد أن أنام
دعيني أنام يا بلادي

لن أدخل بحسام الشاعر وشعره إلى مسارب تضعه في حرج مع سلطتنا الفاشية ، أيضاً لن أسطِّح الموضوع وأربطه كما يفعل"السباك" بكل ما سبق ..... لن أكون فجاً مثل الأب الذي ذهب يخطب لابنه وقال لوالد الفتاة (جئناك نطلب يد ابنتك لترتاح يدُ ابننا ) أحب هذه المباشرة وهذا النوع من الصراحة لكنها تفُشل ما أذهب إليه ، سألتزم كلمات أدونيس : ( الشعر "لغة" ينبغي تقويمه جمالياً فنياً وليس عملاً لكي نقومه أخلاقياً ). سأترك التقويم الجمالي والفني لأجل شارع "فياترينو" ...ما علاقة كلمات "حسام" بشارع فياترينو ؟؟
كما قلت ، يبدأ "فياترينو" من عند شارع "عبد الناصر" وينتهي قبل البحر ، عند تقاطعه بشارع (عمر المختار) تقف عمارة "السقرزيوني" ... تحفة معمارية بناها المستعمر الإيطالي ، كانت تشغلها مكاتب الإدارة الإيطالية في مدينة بنغازي ، بعد أيام ستهدم السلطة الحالية في ليبيا عمارة الاستعمار .
"السقرزيوني" تشبه مبنى السرايا الحكومي في بيروت حيث مكتب رئاسة الوزراء ، وحيث الديمقراطية المخنوقة في بحر الديكتاتوريات ، سنتحصل قريباً على فراغ بحجم مبنى لحكومة ديمقراطية ...... يقول حسام الوحيشي: أجدني ضائعاً .. أليس الضياع منطقياً وسط هذا الفقد؟؟ .
الشارع به كاتدرائية صغيرة بابها أخضر ومغلق في أغلب الأوقات ..... محلات ..محلات .. محلات وأزقة تصل إلى شارع "مصراتة" وشارع "العقيب" .... تبيع محلات "فياترينو" الملابس و"الإكسسوارات" ومواد التجميل .... الشارع يحفل بفرصة جيدة للتسكع ....الفتيات العابرات خلال الشارع أقل حدة وأرثوذوكسية من غيرهن في المدينة ..... كثيراً من أتحصل على ابتسامة على اثر غمزة هادئة دون التورط في علاقة باهتة أو زواج ممل ..... أصبح - بمعية الإبتسامة- "أقل خفة" على رأي "ميلان كونديرا" بمزاج نصف دسم وأقل حزناً لأقول : (الخراف أكلها الذئب) حيث أن الذئاب الآكلة للخراف لم تعد موجودة حتى في قصص الأطفال يا حسام ، حالة الذعر من غدر السلطة أعادت خلق صورة الذئب والخراف .
حين انتفضت بنغازي العام 2006 في وجه الحذاء العسكري ، كان "فياتريونو" أقل انزياحاً إلى الإنغلاقات وإلى الدم في مقابل الحذاء ، كان الشارع أقل صخباً ، أشبه بمعترضٍ على الجميع وعلى كل ما يحدث..أغلقت المحلات في سكينة مثل صلاة بوذية..... بعض الغوغاء رموا باب الكنيسة بزجاجة حارقة وفروا!! ، سارع الجيران إلى إطفاء النار ....بعد انتهاء الأحداث قام أحد الجيران بإعادة طلاء باب الكنيسة ، دون تسيير أو دفعٍ من أحد ، حتى وإن كان الشاعر في هذه الأيام يقول : (الحاشية تبكي لأن المراسم تقتضي ذلك) هناك ضروب من الحياة القائمة خارج حدود المراسم.
في أول الشارع من جهة -عبدالناصر- تجلس عمارة "السفينة" ....هندسة أخرى خارج المراسم وزهرة وحيدة في بحيرة قبيحة منتنة ، سمعت أن المهندس الذي صمم هذه العمارة "أفغاني" ، قَدمها على ورق وترك ليبيا إلى مكانٍ ما .
على يمين السائر فيه -فياترينو- باتجاه البحر بعد عمارة "السفينة" دكان للثياب الرسمية لشاب ليبي تخرج من أحد الجامعات الكندية ، يحمل شهادتين في الفيزياء والإحصاء .. داخل "الدكان" كل شيء مميز وجميل من بدلة العرض الرئيسية إلى إطار الشهادات المعلقة على جدار المحل .
في دكان صغير عند زقاق ضيق بمدينة مغضوب عليها قد تحفل الجدران بتعليق أرقى الشهادات الجامعية ، ثمة حياة حيث " اللاحياة" .... لقد صرت أسخر من عدمية كلمات "عمر الكدي" عن ليبيا حين قال : (بلدٌ أشبه ما يكون بمحطة صغيرة ، على طريق صحراوي ، يمر بها المسافرون متعجلين ، لا يتركون خلفهم إلا الضلال) ..... أسخر ... لأن من يقول هذه الكلمات هو شخصٌ قطّعت قلبه جزيرة استهلاكية باردة ، ليست صحراء يقبع على ساحلها الشرقي زقاق عظيم مثل "فياترينو" .
لماذا يتحدث شخص ما عن الشعر وعن شارع أو زقاق في مدينة ما ؟

"فياترينو" حين أسير باتجاه البحر منطلقاً من عمارة السفينة أو من" السقرزيوني" صوب شارع عبدالناصر الفاشل ، يصادفني فيه -غير عامة الناس- شخصيات أخرى :
عطية الأوجلي ، أحمد الفيتوري ، الحبيب لامين ، رمضان جربوع ، رجب الشلطامي، محمد الأصفر ، زياد العيساوي .
عند الربع الأخير من الشارع يمر الراجل بقوس يذهب إلى (مسجد) ومنه إلى (ميدان الخالصة) ثم إلى قصر المنارة (الجامعة الليبية سابقاً).
المسجد -السابق- يحمل فكرة هندسية فرضها المكان .. لا أدري ربما فكرة المكان... صحن المسجد حيث تقام الصلاة هو في الطابق الثاني على غير عادة مساجدنا المتطابقة حد التناسخ .

على ذكر من أصادفهم في شارع "فياترينو" فقد جاء بي إلى هذا الشارع - أيام المرحلة الثانوية- مطاردة لفتاة عراقية كانت تسكن في هذا الشارع ، كنا ثلاثة أصدقاء نخرج من مدرسة "شهداء يناير" نتبع "الحسناء العراقية" حتى بيتهم في زقاق "فياترينوا" ، بعد انتهاء حكم صدام حسين عادت العراقية إلى بغداد مع أسرتها ، وصرت أداوم على المرور من الشارع حيث الكثير مما يعوز فكرة ليبيا .
على ذكر من أصادفهم في الشارع ، لم أصادف يوماً عبر "فياترينو" : رجب بودبوس أو المهدي امبيرش أو مصطفى الزائدي أو أحمد إبراهيم الفقيه أو أمين مازن ، إطلاقاً وإن مروا فلن أراهم أو يراهم أحد ، سيخرجهم الشارع من أول زقاق فرعي أو ينتهي بهم إلى البحر ، فلماذا ينام حسام الوحيشي؟
(أريد أن أنام
دعيني أنام يا بلادي )......هكذا يقول !
لقد كتب حسام كلماته مربوطاً إلى أزمة وقاعداً أسفل ثقب يقطر باليأس وداخل "شيلة" في سجوننا الفكرية التي تفوق ما أنجزته السلطة من سجون ومساجين ، أحسست بحاجة أن أقرأ كلماته في رحلة عبر مكانٍ يستعصي على الموت وضمن كثافة منتصفة وفي هواءٍ طلق ، القول لنيتشه : (لا تثقوا بأية فكرة لا تولد في الهواء الطلق و لا تصاحب حركة الجسم الحرة ولا تثقوا بأية فكرة لا تحفل فيها عضلاتكم بالعيد )
فكرة صغيرة كـ (شارع فياترينوا) قد تقلب "طنجرة" طبخ الحجارة على رؤوس طابخيها ، والإنسان المقرفص داخل صندوق أسود ، المرغم على التهليل لرب الناس لأجل فسحة المكان يلزمه أن ينطلق من عمارة السفينة صوب البحر باتجاه "السقرزيوني" حتى على صهوة عقله.
ليس أي شاعرٍ يحسن قول ما قاله حسام ، لكن الأثر العظيم يكمن في الكلمات المنجزة في بحبوحة الهواء الطلق. يحتاج هذا الشاب إلى تقييم شعره (جمالياً وفنياً) الأمر متروكٌ لمن يحسن هذا الأمر.

قرأت كلماته عبر الشارع هذا هو فقط ما حدث قبل كلمات. So7aim@yahoo.com
_________________________

(*) * على هامش (SMS) وصلتني من هاتف الشاعر (حسام الوحيشي)


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home