Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Wednesday, 26 April, 2006

   

ذكرى "القرضابيّة" وخفاياها
( 3 من 3 )

ترجمة : مفتاح السيّد الشريف

سيف النصر :

"لقد كان هذا الرجل دوما معاديا للحكومة العثمانية،وعاش متنقلا بين الودان والهروج وقسم من قضاء سرت وقرينه،متمتّعا باستقلاليّة مطلقة تقريبا. ولم يدفع للحكومة لا الضرائب العقاريّة المفروضة ولا الرسوم،وإن كان مؤيّدا لأعمالها ولانتشار نفوذها . والأحقاد القديمة كانت تقسم بدو جنوبي سرت،أي الهماملة والفرجان والحسون،الذين طالما خاضوا الحروب ضدّ بعضهم بعضا رغم الحماية التي تحيطهم بها الحكومة العثمانية. ولهذا السبب لم تستطع أن تدرأ عنهم هجمات سيف النصر،لأنه كان قويّا يلتفّ حوله القذاذفة وفريق كبير من ورفله والتمامه والعمامرة وأولاد سليمان.
والعدو اللدود لسيف النصر ولقبيلته كان عمر باشا المنتصر قائمقام سرت في ذلك الوقت،الذي أظهر له العداء ودسّ له عند الحكومة العثمانية،أملا في أن يحطّ من سمعته. ولم يدّخر أية وسيلة للوصول إلى هذه الغاية دون جدوى. وأكثر من مرّة طالب عمر باشا الحكومة التركيّّة بتوحيد القوات النظاميّة لمواجهة تلك القبائل المعادية له بهدف القبض عليه (أيّ على سيف النصر) ومعاقبته،ولكن الحكومة التركية- لحسابات سياسية جدّية- لم تكتف بإهمال هذا الطلب،بل إنها تركت سيف النصر حرّا في سلام. والأكثر من ذلك بدأت تقرّبه منها كصديق لها، ولذا أضطر عمر باشا المنتصر إلى أن يتوافق معه ويتركه في هدوء،إلى درجة أنه،حين يودّ انتزاع شيئ من قبيلة قريبة من سيف النصر - وعمر باشا معروف لدى الجميع بالإبتزاز- كان يوسّطه لهذا الغرض. هكذا كانت الأحوال حين اندلعت الحرب بين تركيا وإيطاليا.
وخلال تلك الحرب ورغم الوفود المؤلّفة من الأعيان والمسئولين العسكريين والمدنيين الذين أُرسلوا لحثّه على الإنحياز لصفّ الأتراك،إلاّ أن سيف النصر لم يشأ مطلقا الإنضمام اليهم،الأمر الذي أرغمهم على أن يوسّطوا لديه تلك الوفود عارضين عليه مبالغ مالية طمعا في كسبه لجانب قضيتهم. ويرجّح البعض سبب هذا الرفض الحاسم والعنيد إلى القسَم الذي أخذه سيف النصر على نفسه في أن يعادي الأتراك الذين قتلوا والده . والبعض الآخر يعزوه إلى الوعود التي قدمتها له الحكومة الإيطالية بواسطة بعض أعيان مدينة طرابلس،في أن يُعيّن متصرفا لفزّان مع تمتّعه بالثروة الطائلة . وهكذا لم ينضمّ الى الأتراك في الحرب. بل إنه تحرّك ضدّهم مهاجما أيّاهم في قضاء سرت،كما نقل كلّ الأسلحة والذخيرة خارج سرت،وقتل بعض الجنود الأتراك،ومن ثم رجع سيف النصر إلى الودّان مقرّ إقامته .

السلام بين حكومتين :

في ذلك الوقت كانت ورفلّه منقسمة إلى فريقين؛أحدهما برئاسة عبد النبي بالخير يريد الحرب،والآخر برئاسة عبد الهادي بن قطنّش يرغب في الصلح والسلام. وقد أشعل هذا الانقسام حربا ضارية بين الفريقين،على أثرها لجأ بالخير مندحرا إلى سيف النصر في الودان تاركا رجاله في وادي سوف الجّين . وبعد اللقاء قرّر الإثنان التوجّه إلى هذه المنطقة باعتبارها موقعا مركزيّا،وذلك للتشاور مع جميع قبائل ورفله حول مواصلة الحرب أو عقد السّلم مع الحكومة.
وفي الأثناء قام سليمان الباروني بإرسال ألف ليرة تركية مع خمسين جملا محمّلة بالدّقيق إلى سيف النصر قصد تقويته وتشجيعه لمواصلة شنّ الحرب. وسيف النصر،في الوقت الذي سعى للحصول على الهدنة،فإنه تابع مفاوضاته مع الأعيان والشيوخ المتواجدين في سوف الجّين بدعوة منه. وبعد نقاش طويل تقرّر إيقاف الحرب والمطالبة بعقد السلم تجنّبا لسفك الدماء دون طائل،ومنعا للهلاك جرّاء إستمرارالمقاومة،ومن ثمّ كُتب خطاب إلى الملازم نيغري Negri المقيم في ورفله،بقرار التوقّّف عن الحرب. ولهذا الغرض أوفد سيف النصر إلى طرابلس عبد النبي بالخير ومعه أحمد الصغيّر (المريّض) -والذي كان بدوره مبعوثا من طرابلس إلى سيف النصر- ليعقد باسمه الإستسلام والتوقّف عن الحرب.
وهكذا رجع سيف النصر إلى الودّان لكي يوفد أبناءه إلى سرت ومنها إلى طرابلس،غير أن عمر باشا المنتصر شرع في شن الحرب على سيف النصر وأبنائه وقومه،بأن أوفد إلى طرابلس شخصين عدوّيين لهم،هما أحمد الضبيع وآخر إسمه محمد الحمروني. والأول أُعطِى منصب مدير الودّان،والثاني رئيس لبلدية نفس الناحية نكاية بسيف النصر. بيد أن الجنرال راني Ragni الذي كانت لديه معلومات دقيقة عن نفوذ كلا الفريقين وأبلغ بها طرابلس،تيقّن من أن سيف النصر وأتباعه هم الأسياد الوحيدون المسيطرون على تلك المنطقة،ولذا استقبل إبني سيف النصر ورحّب بهما دون أن يعير إهتماما لأقوال الآخرين.
وبهذه السياسة استطاعت الحكومة ان تحتل بونجيم وسوكنه بواسطة الملازم هيركولاني Herkulani والذي كان برفقته كلّ من عبد الجليل وعمر إبني سيف النصر. وخلال رحلته وإقامته في بونجيم قابل هيركولاني سيف النصر هناك إذ كان رئيس المحلّة،ليتوجها معا لاحتلال سوكنه،والذي تمّ بكل هدوء وسلاسة يبعثان على الإرتياح.
ولسوء الحظ فعداء وكراهيّة عمر باشا لسيف النصر جعلته يواصل الدسّ له عند الحكومة مُظهرا إيّاه كونه شخصا لا يؤتمن جانبه. وفي نفس الوقت أوعز إلى الأشراف الذين كانوا في خدمة الحكومة مثل : أحمد الضبيع قائمقام سوكنه (ذكر قبل ذلك أنه مدير الوادّان) بأن ينقلوا إلى الحكومة بيانات تجعلها تستريب منه. وبما أن الملازم هيركولاني يصدّق كل ما يقوله عمر باشا،فقد عامل سيف النصر بجفاء،إلى درجة اعتباره عدوا سيقوم يوما ما بالتمرّد ضد الحكومة. ولكن الحقيقة كانت عكس هذا الاعتقاد .
هكذا اذن سارت الأمور الى أن وصل مياني بحملته متّجها إلى فزان. وفي الحقيقة فان سيف النصر كان في غاية اللّهفة لتعيينه متصّرفا على فزان،وهو ما وعدته به الحكومة فعلا، وشعورا منه بأن غالبية سكان فزان كانت تضمر له العداء،وأن تعيينه في هذا المنصب كان سيثير الإنتقام ضده،فقد طالب الحكومة عدّة مرات بوضع الإمكانيات الضرورية تحت تصرّفه حتى يستطيع مع أتباعه السيطرة على المنطقة. ولكن مطالبه ذهبت سدى . وفي الوقت نفسه فان عمر باشا،وهو الآخر يحرّكه الطمع كي يحصل على وظيفة متصرف فزان،طالب الحكومة بأن تسمح له بتجنيد المقاتلين حتى يتمكّن من التغلّب عليه حين يأتي الوقت الملائم. ولكن هذه المحاولة لم تكن أسعد حظّا من الأولى،وكان الرفض الذي قوبل به طلب عمر باشا قد أثلج صدر سيف النصر،الأمر الذي حمله على إيفاد عبد الجليل ليقوم بهذه المهمة. وهذا بدوره قام في الحين بجمع الإبل المجهّزة للحملة،بعضها تمّ شراؤه والبعض الآخر بالإيجار.
إلاّ أن الأعداء الكثيرين لسيف النصر،وأصدقاء عمر باشا المنتصر تمكّنوا من تخويف سكان سوكنه،كما قرّ في نفس هيركولاني أن سيف النصر نوى أن يتمرّد ضدّ الحكومة،وهو يتحرّك لشنّ الحرب على الحملة المتجهة لاحتلال فزان. وحتى مياني أصغى مصدّقا أولئك الذين لا يروق لهم إلاّ زرع بذور الشِّقاق. ولو أن تحقيقا دقيقا أُجرى آنذاك لما تم اعتقال عائلة سيف النصر، غير أن مياني بدأ يصدّق الأقاويل دون تمعّن وتحقيق،وهو ما حمله على إعطاء الأوامر بإلقاء القبض على عائلة سيف النصر . وكان عبد الجليل حينئذ في معيّة السلطات في سوكنه،أمّا والده فكان في الودّان منهمكا في جمع أربعمائة من الإبل من قبيلته،الاّ أن القبيلة سبق لها أن أرسلت خمسمائة منها إلى مياني. ولم يعد لديها ما تستطيع تقديمه،لذا توقّف سيف النصر عن البحث عن الحيوانات لدى اتباعه،وسعى بدلا من ذلك لدى أهالي سوكنه لتوفير أربعمائة جمل. ولكن هؤلاء - مدفوعين بعدائهم ضدّه ـ أشاعوا أنه لم يشأ كراء الجمال لحساب الحكومة لأنه يضمر خيانتها.. وهذه الأقاويل هي من صنع عرب سوكنه وبعض أشراف الودّان أعداء سيف النصر وأصدقاء عمر المنتصر الذين عينّهم في وظائف مدير ورئيس بلدية ومأمور وقائمقام في سوكنه وغيرها برضى الحكومة. وما أن ترامت إلى سمع الكولونيل حتى طلب أن يوجّه إلى الودّان قوّة للفتك بكامل قبيلة سيف النصر. أو على الأقل محاصرتها ومنعها من الحركة. أمّا الملازم هيركولاني الذي كان مقيما في سوكنه،فلم يشارك العقيد الرأي. وعندما طالبه بضرورة إعتقال عائلة سيف النصر أوضح هيركولاني أنه من المستحيل اعتقال تلك العائلة بالقوة. وبدلا من ذلك ينبغي إستعمال الحيلة،وعرض أن يقوم هو بنفسه بهذه المهمة.
ولذلك كتب رسالة إلى سيف النصر الذي كان في الودّان،داعيا إيّاه وأبناءه وشيوخ الأشراف للقدوم إلى سوكنه لتوديع مياني وحملته قبل توجّهها نحو فزان. وحين تسلّم سيف النصر رسالة هيركولاني تجمّع مع أبنائه وشيوخ الأشراف الذين حضروا مع رجالهم وخيولهم. وبينما كانوا مجتمعين في بيت سيف النصر وكان يتناول وجبته،وصل هيركولاني بسيارته المصفّحة مصحوبا بمترجم وجندي آخر. وحين دخل البيت ذكر بأنه جاء بسيارته المصفّحة إختصارا للوقت قبل أن تغادر الحملة. وبعد أن تناول معهم الطعام توجّه الجميع رأسا بالمصّفحة إلى سوكنه. وبمجرّد وصولهم على مقربة من تلك البلدة،هوجموا وأوقفوا من قبل خمسين من الجنود الأريتريين الذين كانوا يعسكرون على بعد خمس كيلومترات من سوكنه،وقاموا بربط وثاق إبني سيف النصر وشيوخ الأشراف. ومن هناك اتّجهت المصفّحة إلى مصراته . أمّا بالنسبة لعبد الجليل والذي كان نائما في بيته بسوكنه فقد تمّ أيضا إعتقاله وأرسل مقيّدا الى زواره مقرّ سجنهم. وأمّا بالنسبة لقبيلة سيف النصر فقسم منهم إنضمّ فورا إلى المغاربة، وقسم وصل الهرّوج والآخر حطّ بزلّه."
( حسين العاشور القريتلي )

تعريب : مفتاح السيدّ الشريف


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home