Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Monday, 21 July, 2006

     

العـوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها (4) الأخيرة

نصّ الورقة(*) التي قدّمتها لمؤتمر "الدستور الليبي" الذي انعقد بمقرّ الكونجرس الأمريكي
في الفترة من 23-24 يونيو 2006 ـ أنشرها على حلقات

مفتاح السيّد الشريف

نُذر ومخاطر الإنفصال :

وبموازاة هذه الأحداث كانت القيادات الوطنيّة في طرابلس تنشط من جانبها وتناضل من أجل تحقيق الوحدة والإستقلال، فاستعادت الإتفاقات مع السيّد إدريس وقيادات برقة، وجرت المفاوضات ببنغازي في يناير 1947 لترسيخ الإتفاق بين "الجبهة الوطنيّة المتحدة" الطرابلسيّة و"المؤتمر الوطني البرقاوي"،وعلى الرّغم من إتفاقهما على المباديء الرئيسيّة في إلإستقلال والوحدة تحت التاج السيد إدريس وتأسيس حكومة دستوريّة ديمقراطيّة برلمانيّة،إلاّ أن الجانبين لم يتوصّلا إلى إتفاق نهائي،بسبب تمسّك الجبهة البرقاويّة بنصّ جاء فيه:"يسعى الطرفان جهدهما إلى هذه الأهداف،على أنه إذا تعذّر ذلك يُنقذ ما يمكن إنقاذه،ويسعى لإنقاذ البقيّة الباقية"،وهو ماجعل بعض الممثلين لجمعيّة عمر المختار ينسحبون من المؤتمر،وتنتقد زعامتها هذا الموقف وتطلب من الأمير في البيان الذي أصدرته في الخصوص،أن يتدخّل لحسم الخلاف والتأكيد على وحدة البلاد،ومن ناحيته أصرّ الوفد الطرابلسي على الفقرة التي اقترحها والتي تقول:"يسعى الطرفان جهدهما للوصل إلى هذه الأهداف،والدّفاع عنها بكلّ الوسائل الممكنة،ورفض أي ترتيبات تتعارض مع هذه المباديء". بينما أعلن الأمير في تصريحاته أنه لم يتدخّل في الخلاف بل التزم الحيدة. واستغلّت الدوائر الإستعماريّة الإيطاليّة التصدّع الذي حدث في الصفّ الوطني،فأوعزت بتأسيس حزب "الإستقلال" برئاسة سالم المنتصر الذي انشقّ عن الجبهة الوطنيّة المتحدة الطرابلسيّة،وكان رئيسا لها،وذلك في صيف 1949،على أثر إجتماع بين السنيور أليساندريني وزير إيطاليا المفوّض في بيروت وسالم المنتصر،طمعا في استقلال مفترض لإقليم طرابلس الغرب تحت الوصاية الإيطاليّة،وهو ما خطّط له مشروع بيفين –سفورزا. وقد تجلّى هذا في تصريح رئيس الحكومة الإيطاليّة أدلى به يوم 31 مايو 1949 غداة سقوط المشروع في الجمعيّة العامّة،والذي جاء فيه:"إن حكومته تعترف بمطامح الشعوب المشروعة في الحكم الذّاتي،وتتعهّد بتأييدها في المحافل الدوليّة،وبصفة خاصة فحكومته تحبّذ تشكيل حكومة في طرابلس الغرب تكون ممثّلة بجمعية شعبيّة منتخبة بحريّة وتمثّل الجماعات العرقيّة المتنوّعة،والتي يمكن لإيطاليا أن تنشيء معها علاقات تعاون وطيد ومثمر".
وهو التصريح الذي علّقت عليه "نيو يورك تايمس"في عددها بتاريخ 3 يونيو 1949 ووصفته بأنه غير دبلوماسي ويكشف نوايا إيطاليا في الإنخراط في ترتيبات جديدة تفضي إلى استقلال ذاتي لدولة في طرابلس الغرب،تحقّق من خلالها مصالحها التجارية والإقامة الدّائمة للرعايا الإيطاليين في هذا الإقليم. وقبل ذلك ومنذ أكتوبر 1947،لم يُخف الإيطاليّون هذه النوايا،إذ صرّح سكرتير الخارجيّة الإيطاليّة بروساسكو مؤكّدا على أن حكومته تطالب باستعادة مستعمراتها،مماّ شجّع بقايا العناصر الفاشية من المقيمين الإيطاليين على تأسيس جمعيّات تعمل لنفس الإتجاهات،مقابل تنظيمات أخرى من الإيطاليين المتعاطفين مع المطامح الليبيّة. ولا شكّ أن التحالف مع دولة الإستعمار،قد نُظر إليه كتآمر بغيض بين أوساط الليبيين،وعمّق مخاوف التيّار الإنفصالي في برقة .. واستبدّ القلق بالزعامة الوطنيّة في المهجر ومثّلها بشير السعداوي القطب المعروف في مسيرة الجهاد،والذي عمل طويلا لتوحيد تيّارات الحركة الوطنيّة وراء قيادة السيّد إدريس أوّلا: لتداعيات فشل المفاوضات بين زعماء طرابلس وزعماء برقة،وثانيا: لحدوث هذا الإنحراف الخطير في طرابلس لصالح المطامع الإيطاليّة،وما نجم عنه من إنشقاقات في الصفّ الوطني. ولذلك بادر في القاهرة بتأليف"هيئة تحرير ليبيا" في القاهرة بدعم من أمين الجامعة العربيّة،ولكنّه حين عرض على الأمير الإنضمام إليها بخطاب مؤرّخ في 22 أغسطس 1947 أحالها الأمير إلى "الجبهة الوطنيّة البرقاويةّ" التي رفضتها لأنها لم تُستشر قبل تأليفها،ولأنها أغفلت الإشارة إلى زعامة الأمير(وهذا البند الأخير تعمّد السّعداوي إغفاله ليس لأنه يرفض قيادة الأمير التي عمل من أجلها طويلا،بل كمناورة وقتيّة لاستقطاب العناصر الطرابلسيّة المتطرّفة المناوئة للإمارة السنوسيّة). ولكن حتى القيادات في طرابلس لم تتحمّس للهيئة الجديدة،إلاّ بعد أن جاء السّعداوي شخصيّا ناقلا إليها مقرّ الهيئة الجديدة في بداية 1948،قبل وصول لجنة التحقيق الدّوليّة، وبمخاطبته للجماهير ونداءاته لتوحيد الكلمة أمام اللجنة لقي ترحيبا شعبيّا واسعا،تأتّى عنه – بعد صعوبات- دمج الأحزاب في طرابلس في "المؤتمر الوطني" باستثناء "حزب العمّال" الصغير،وخروج سالم المنتصر عن الخطّ الوطني. ورغم أن السّعداوي وُفّق في توحيد الكلمة بقبول ولاية الأمير،إلاّ أن الأمير فضّل عدم الإنغماس في جوّ المشاحنات في طرابلس. علما بأن حزب "المؤتمر"هو الذي قاد الإنتفاضة المظفّرة ضد مشروع بيفين سفورزا. وواصل السعداوي على رأس المؤتمر مسيرة الكفاح حتى تكلّلت باستقلال ليبيا الموحّدة.
ثمّ أخذت تداعيات الخلاف تتبلور،فسافر عمر منصور يوم 23 نوفمبر 1948 إلى لندن ليتفاوض مع الحكومة البريطانيّة حول إقامة كيان برقة المستقلّ ذاتيّا،ثمّ زار باريس مطالبا حكومتها بتأييد إستقلال ليبيا بكاملها،ولكنّه صرّح أيضا أنه في حالة عدم تحقيق ذلك،تعيّن على برقة أن تنجز إستقلالها. وهو التصريح الذي أثار جدلا ساخنا في الأوساط السياسيّة الليبيّة،ونشب الخلاف بين جيل الشباب الذي تمثّله جمعيّة عمر المختار والمنادي بالوحدة الكاملة،وجيل الشيوخ الذي يمثّله المؤتمر الوطني البرقاوي.
وفي 1 يونيو 1949 أعلن الأمير إستقلال برقة من قصر المنار وبحضور (دي كاندول) المعتمد البريطاني لبرقة وأعضاء المؤتمر البرقاوي،وردّ عليه المعتمد بموافقة حكومته على الإعتراف به أميرا على حكومة برقة المستقلّة ذاتيا. وازداد الخلاف عُنفا بين المؤيّدين والمناوئين كما هو معروف،وكان له صداه في محافل الأمم المتحدة . وهكذا فبريطانيا تشبّثا منها بفرض سياسة الأمر الواقع،بادرت قبل مجيء مفوّض الأمم المتحدة باتخاذ الترتيبات بالإتفاق مع الأمير الذي شكّل بتاريخ 5 يوليو 1949 هيئة تنفيذيّة مؤقّتة برئاسة فتحي الكيخيا مع خمسة أعضاء يتولّون شئون الإدارة كوزراء مرشّحين،إلى حين عودته من زيارة لندن للتشاور مع حكومتها. وفعلا غادر يوم 9 يوليو يرافقه فتحي الكيخيا. وفي الطريق مرّ على طرابلس،حيث دُبّرت حادثة تفجير صغيرة استهدفت حياته من قبل عناصر مناوئة للإنفصال،ولكنها لم تمسسه بضرر،بل كانت حفاوة الجموع به غامرة. وأعطى الضمانات لزعماء طرابلس بنيّته في نقل رغباتهم إلى الحكومة البريطانيّة. وفي لندن اتفق مع المسئولين على الخطوات القادمة،وعند رجوعه إلى بنغازي صدر قرار المعتمد دي كانول بتاريخ 8 سبتمبر 1949 بنقل السلطات إلى الحكومة الذّاتيّة،وكذلك مرسوم من الأمير بدستور برقة الذي أصبح نافذا في نفس اليوم،ومرسوما آخر بتاريخ 9 نوفمبربتعيين أعضاء الحكومة،وبه ثُبّتت نفس المرشّحين كوزراء في مناصبهم،ولكن تولّى رئاستها عمر منصور الكيخيا والد فتحي الكيخيا الذي بعث باستقالته من باريس،حيث جاءها للعلاج بعد زيارته لندن. وفي شهادته لمجيد خضّوري مؤلّف كتاب (ليبيا العصريّة) أرجع فتحي الكيخيا أسباب إستقالته إلى تقييد صلاحيّاته الشديد،وهو لا يريد أن يكون رئيسا بالإسم،وكذلك لم يتوفّر كادر وطني للإدارة التي ستعتمد على المستشارين الإنجليز. ولكنّه تعلّل بعدم تحمّل زوجته العيش في بنغازي. بينما باطّلاع محرّر هذه الورقة على وثائق الخارجيّة البريطانيّة،وجد أسبابا إضافيّة،مثل إستياء فتحي من عدم استقباله كرئيس وزارة دولة مستقلّة،كما أنه تصلّب مع الجانب البريطاني أثناء مناقشة وثيقة الدستور البرقاوي.
وحسب تحليل كتبه لاحقا أدريان بيلت مفوّض الأمم المتحدة،فقد جاء فيه:"إن الإستعداد الذي أظهرته بريطانيا بإذعانها لإصرارالبرقاويين على الإستقلال،كان مفهوما في ضوء مستقبل وماضي الأسس التاريخيّة،لأن رفض خطّة بيفين- سفورزا نسف إمكانيّة وصاية بريطانيا على برقة،وحفاظها على علاقات صداقة مع السنوسيين أملى عليها قبول طلبات الأمير. وبنفس الدرجة فالبرقاويّون المحتاجون للمساعدة الماليّة كانوا مستعدّين كي يسمحوا للقوّات البريطانيّة بالبقاء على أراضيهم. ولكن بقدر ما يتفهّم المرء هذه الرغبة المتبادلة لاستقلال برقة من وجهة نظر الجانبين،إلاّ أنها شكّلت للمفوّض عقبة جديّة في طريق الإضطلاع بالواجبات التي أناطه بها قرار 289(IV) كما يفهمه". وعندما زار المفوّض برقة لأوّل مرّة في نهاية يناير 1950،قابل كلا من الأمير والمعتمد البريطاني،و تبيّن له أن الأمير كان يلحّ على أن تنقل بريطانيا إليه مزيدا من الصلاحيّات؛وفي تصوّره أن تكون ليبيا دولة فيدراليّة،مع سلطات واسعة داخليّا لكل من الولايات الثلاث وحكومة مركزيّة. وهو ما سمعه (بيلت) من المسئولين البريطانيين عندما زار لندن. واعتبر أن هذه التدابير تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة بتحديد إختصاصات الفرقاء،فالحكومتان البريطانيّة والفرنسيّة فسّرتا الفقرة في القرار التي تقول"عليهما أن تديرا شئون البلاد بغرض المساعدة في إقامة وحدة ليبيا واستقلالها" هي فقرة تعطيهما الحريّة في البدء – كخطوة أولى- بإنشاء ثلاث حكومات مستقلّة،أو ذات إستقلال ذاتي يمكنها أن تتّحد فيما بينها إن رغبت في ذلك. بينما استند مفوّض الأمم المتحدة على الفقرة التي تقول"البدء فورا في اتخاذ الخطوات الضروريّة لنقل السلطة في حينه إلى حكومة دستوريّة مستقلّة" بأنها تعني تكوين حكومة واحدة وليس ثلاث حكوملت! كما ذكر بيلت في تقريره الأول إلى السكرتير العام "لقد اتضح لي أن النيّة متجهة إلى عقد إتفاقيّة تنقل بموجبها السلطات المحتفظ بها للمعتمد البريطاني إلى الأمير. وفي مقدّمتها إنشاء جيش كبير يقوده ضابط بريطاني ممّا لا يتناسب مع ميزانيّة الإقليم. ومن رأي أن إبرام هذه الإتفاقيّة يعطي لحاكم هذا الجزء من ليبيا درجة كبيرة من السلطة يترتّب عليها الإضرار بقضيّة وحدة البلاد بأسرها وسيادتها خلافا لقرار الأمم المتحدة". وقد عدل الأمير فيما بعد عن فكرة تأسيس الجيش. ولكنه مضى في تنفيذ المشروع،إذ جرت انتخابات لأول مجلس نيابي إفتتحه الأمير في 12 يونيو 1950 . وقد تألّف من خمسين عضوا منتخبا،وعشرة أعضاء معيّنين. ورغم إعادة توزيع الدوائر الإنتخابيّة التي أصدرها محمّد السّاقزلي رئيس الوزراء الجديد،بهدف تقليص عدد نوّاب جمعيّة عمر المختار لصالح ممثّلي القبائل والمحافظين،إلاّ أن عشرة نوّاب منهم رئيسها مصطفى بن عامر عن بنغازي وإبراهيم أسطى عمر وعبد الرّازق شقلوف عن درنة،والبقيّة شخصيّات متعاطفة مع الجمعيّة قد نجح جميعهم في تلك الإنتخابات. ورغم قصر أعمال المجلس الذي استمرّ لسنة واحدة،قبل إعلان الدولة اللليبيّة الفيدراليّة،إلاّ أن مناقشاته اتصّفت بحريّة التعبير والنقد للحكومة وسياستها. وفي خطاب الأمير الإفتتاحي عبّر عن رغبة حكومته في إزالة القيود التي تحدّ من إستقلالها في الحكم،كما أعلن رئيس الوزراء في خطابه أمام المجلس :"إن برقة أنشأت أداة للحكم قبل أن تتخذ الأمم المتحدة قرارها،وبذلك أظهرت مقدرتها على تصريف شئونها الداخليّة وأنها جديرة بأن يكون لها مركزها الممتاز عند النظر في مستقبل ليبيا". وهو بذلك أكّد المخاوف التي ساورت الأمير وأنصاره من أن تعصف المناورات الدّوليّة وقتذاك باستقلال البلاد.
وبهذه المناسبة اعتبر المؤرّخ الشهير للتاريخ الليبي الدكتور نقولا زيادة في كتابه (ليبيا في العصور الحديثة) الدستور البرقاوي "وثيقة هامّة من وثائق التاريخ العربي الحديث" فهو: في الموادّ (2 و 4 و 6 و 7 و 8 و 9 و 10) كفل حريّة العقيدة والفكر والحريّة الشخصيّة وحريّة المُلكيّة واعتماد اللغة العربيّة اللغة الرسميّة. وفي المادّة11) ) المساواة بين السكّان بقطع النظر عن الدّين أو الجنس أو اللغة. والمادّة 12)) سموّ الأمير محمّد إدريس المهدي السنوسي هو أمير برقة،والإمارة وراثيّة. والمادتانّ (28 و 29) مجلس الوزراء مسئول بالتضامن أمام الأمير،وللأمير أن يقيل رئيس مجلس الوزراء إذا رأى ذلك في مصلحة البلاد. والموادّ من 30)– (52نصتّ على أن حكومة برقة حكومة دستوريّة قوامها مجلس نوّاب منتخب من المواطنين البرقاويين الذكور البالغين الحادية والعشرين سنة. والموادّ من (54--58) تنشيء في البلاد محاكم أهليّة تمارس القضاء المدني والجنائي،ومحاكم إسلاميّة شرعيّة،ومحاكم دينيّة أخرى إذا اقتضت الحاجة. والمادّة (66) تجيز للأمير تعطيل الدستورإذا نشأت حالة تفرض ذلك. ولا شكّ أن الذين صاغوا دستور ليبيا استرشدوا بما ورد فيه من موادّ تتعلّق بالحريّات وحقوق الإنسان.
وبالنسبة لطرابلس واصلت الحكومة البريطانيّة تطبيق مخطّطها في فرض الأمر الواقع،إذ أرسلت مذكّرة إلى مفوّض الأمم المتحدة تبلّغه بالرغبة في إنشاء حكومة ذاتيّة لتصريف الشئون الدّاخليّة مكوّنة من مجلس تنفيذي مختلط من الليبيين والبريطانيين وإيطالي واحد. كما اقترحت تشكيل جمعيّة تشريعيّة منتخبة ويعيّن بها بريطانيّون. وفي فزّان قامت الإدارة الفرنسيّة بالمثل إذ أنها قرّرت في 18 يناير 1950 تأليف حكومة فزّانيّة ذاتيّة على نفس النسق في طرابلس،والمعروف أن فرنسا طيلة مناقشة مصير ليبيا في المحافل الدوليّة قد تشبّثت بموقف متصلّب يجعلها تحتلّ هذا الإقليم عسكريّا لأمد غير محدود. واستطاعت تضليل الرأي العام العالمي بأن مجمل سكّانه – وهم في مجموعهم لا يتجاوزون خمسين ألف نسمة-يفضّلون بقاء حكمها لهم،على الرّغم من أن من أيّدوا هذا الإتجاه كان معظمهم من قبائل التوارق الرّحل،وكانوا في تلك الفترة لا يعترفون بحدود الدّول،فوطنهم هو الصحراء الشاسعة. غير أن أدريان بيلت،حين زار الإقليم في بدء مهمّته،لاحظ القبضة الحديديّة والخشونة التي يحكم بها الجيش الفرنسي البلاد،وأرجع السبب في ذلك إلى ما تنامى إليه من حادث وقع في المركز الرئيس "سبها" وفي مقرّ قلعة (القاره) بالذّات،ففي أحد أيّام 1948 قامت مجموعة من القرويين قادمة من قرية (الجديد) بالإستيلاء على القلعة،وكان يقودها شخص تقيّ (مرابط يدّعي النبوّة) وزعم أنه تسلّم رسالة جاءته بها الملائكة وتدعوه إلى الإستيلاء على القلعة. واعتبر الفرنسيّون أن الرجّل مختلّ عقليّا وغير مؤذي. والقرويّون الذين تظاهروا بأنهم عمّال جاءوا لأداء الواجب فجرا،صعدوا بهدوء الدرجات الموصّلة إلى القلعة،واستداروا على الحرّاس في المدخل واقتحموها عندما كانت الكتيبة نائمة وبنادقها مخزّنة،وتمكّنوا من التغلّب على أفراد الفرقة الأجنبيّة النيام،وقاموا برميهم خارج القلعة بعد الإستيلاء على بنادقهم. ولكن الكتيبة طوّقتهم من الخارج،وتسلّل أفراد منها إلى القلعة وقتلوا غالبيّة المقتحمين. وساق أدريان بيلت هذه الحادثة للتدليل على الإحتقان الذي يشعر به أهل فزّان ووصفهم "بأن عقولهم مهيئّة لأفكار الثورة"حسب تعبيره.

الدستور كان الحلّ!
وهكذا واجه مفوّض الأمم المتحدة الصعاب التي وضعتها في طريقه الدّولتان المحتلتّان للبلاد،لتحقيق مآربهما في التحكّم في مصير البلاد،رغم فشل مشروع الوصاية والإنتداب. ولهذا فإنه كما قال "بعد شرح الخطط البريطانيّة بتأسيس مجلس إستشاري في طرابلس الغرب،مع عواقبه الخطيرة على الوحدة الليبيّة،إختمرت في ذهنه فكرة إنشاء لجنة تحضيريّة للجمعيّة الوطنيّة. وقد سبق له أن طرح هذا الإجراء في لندن وباريس ولقي معارضة قليلة. واللجنة المقترحة تتكوّن من عدد قليل من ممثّلي الأقاليم على قدم المساواة،وربّما كانت إبتكارا جديدا في الحياة الليبيّة،ولكنها بإمكانها تعويض الفشل في تحقيق الوحدة والذي منيت به المفاوضات بين طرابلس وبرقة. وهو سيجعل الليبيين يتبادلون وجهات النظر كمخطّطين للجمعيّة الوطنيّة القادمة،ويضعون هيكلها وتركيبها وأسلوب عملها،بدلا من الدفاع عن مصالحهم الإقليميّة الضيّقة. وقد لقي تشكيل اللجنة موافقة الأمير،إذ بدت له أنها أقصر طريق لبلوغ الهدف".
وبعد مفاوضات مضنية تكوّنت لجنة الواحد والعشرين التي بدورها تغلّبت على عقبات كثيرة،إلى أن تشكّلت الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة من ستّين عضوا برئاسة الشيخ أبو الإسعاد العالم،والتي اتفقت على النظام الإتحادي للدولة الجديدة قبل الشروع في إعداد الدستور. وقد كلّف بيلت لجنة خبراء لصياغته تتألّف من 18 عضوا(ترأسّها عمر شنّيب وقام بأمانتها سليمان الجربي،واعتمدت على الإستشارات القانونيّة لعمر لطفي- وكان مندوب مصر لدى الأمم المتحدة التي خاض فيها معركة إستقلال ليبيا،وعوني الدجّاني الذي كان أيضا مندوب السعوديّة-. وقد انبثق عنها فريق للصياغة عقد ما مجموعه 96 جلسة عمل كان يقدّم خلالها ما يصيغه فصلا فصلا إلى لجنة ال 18 التي عقدت 25 إجتماعا . وأحيل مشروع الدستور كاملا إلى الجمعيّة الوطنيّة،التي وافقت على الفصول المتعلّقة بتوزيع السلطات بين الولايات والحكومة الإتحاديّة،ثم انتقلت الجمعيّة بكامل هيئتها إلى بنغازي لتقرّ بقيّة الفصول بالتشاور مع الملك (وهو لم يُعلن بعد كملك بطلب منه حتى تتمّ صياغة الدستور). وكان السيّد إدريس يُسدي نصائحه في الأمور التي تطرح أمامه دون فرض رأيه. وقام بيلت بتقديم تقريره مع المجلس الإستشاري الى الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة،مثمّنا روح التعاون التي لقيها من قبل الجمعيّة التأسيسيّة،حتى وافقت بإجماع أعضائها الستّين على مشروع الدستور. والجدير بالذكر أن أدريان بيلت كان يحبّذ أن تصيغ الجمعيّة الوطنيّة الدستور كمشروع يُحال إلى البرلمان الليبي بعد انتخابه للمصادقة عليه،ولكنه بعد المداولات سحب هذا الإقتراح خشية نشوء طواريء أو خلافات تؤجّل موعد الإستقلال،علما بأن قرار الأمم المتحدة لم يشترط ذلك .
وفي جلستها يوم 13 مارس 1951 أقرّت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة دستور المملكة الليبيّة المتحدة. وقد عُدّل الدستور بالقانون رقم (1) لعام 1963 حيث أُلغيت منه المواد المتعلّقة بالنظام الفيدرالي،وبموجبه أصبحت ليبيا تسمّى المملكة الليبيّة.
(إنتهى البحث)

مفتاح السيّد الشريف


الوثيقة الأصليّة لفشل محادثات الوحدة عام 1947 وهي موضوع الفقرة الأولى في هذه الحلقة
ومن بين وثائق أخرى ستنشر في كتابنا المقبل.


الزعيمان بشير السعداوي ومصطفى بن عامر
قادا المعركة من أجل الوحدة

(*) سيلاحظ القاريء أن هناك بعض الإضافات والتعديلات الطفيفة أُدخلتها في النسخة المعدّة للنشر، لمزيد من الإيضاح.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home