Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Monday, 17 July, 2006

     

العـوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها (3)

نصّ الورقة(*) التي قدّمتها لمؤتمر "الدستور الليبي" الذي انعقد بمقرّ الكونجرس الأمريكي
في الفترة من 23-24 يونيو 2006 ـ أنشرها على حلقات

مفتاح السيّد الشريف

منجزات الكفاح الدامي :

كلّ هذه الدسائس والمناورات من قبل الدول المنتصرة والتابعة لها، والتي تقاذفت مصير ليبيا الضحيّة البريئة لكلا الإستعمار وكوارث الحرب، ما كانت لتجد نهايتها السعيدة بصدور قرار الجمعيّة العامّة باستقلال ووحدة ليبيا وسيادتها ضمن حدودها الطبيعيّة، لولا التناحر الذي اندلع بينها عشيّة الحرب الباردة، ولكن أيضا لولا النضال المرير للشعب الليبي الصغير الذي دفع فيه ثلث عدد سكّانه بين تدمير وتقتيل وإبادة وتشريد. ومن الضروري تقديم صورة سريعة لهذا النضال وما أنجزه، ليس في ساحة حرب التحرير فقط، ولكن أيضا في مضمار المكاسب الديمقراطيّة وحقوق السيادة الوطنيّة : فالمقاومة المسلّحة للإستعمار الإيطالي الذي غزا ليبيا منذ سبتمبر 1911، استطاعت إن تُلحق الهزائم بقوّات الإحتلال الإيطاليّة إعتبارا من آخر سبتمبر 1914 والتي تزامنت مع تورّط إيطاليا في الحرب العالميّة الأولى، إذ تفاقمت إنسحابات هذه القوّات بشكل متسارع في جميع مواقع القتال حتى لم تتمكّن إلاّ من التحصّن في السّاحل في كلّ من طرابلس وزواره. هذا في إقليمي طرابلس وفزّان، إمّا في إقليم برقة فأمام إنسحابات القوّات المحتلّة بدأ إقتطاف النتائج الأوليّة لهزائمها عندما تولّي السيد إدريس زعامة المنظّمة السنوسيّة، عقب رحيل زعيمها السيّد أحمد الشريف جرّاء هزيمته في المعارك ضدّ القوّات البريطانيّة على الحدود المصريّة عام 1915 . ونال السيّد إدريس الإستقلال الذاتي على واحات الإقليم وأقام مقرّ حكومتة في أجدابيا مع منحه لقب أمير، وتكوين جيش وشرطة وموّظفين، كنتيجة لمفاوضات (الزويتينة) مع السلطة الإيطاليّة في مايو ويونيو عام 1916 بوساطة إنجليزيّة، ثم في مفاوضات (عكرمة) بالقرب من طبرق في أبريل عام 1917 والتي أسفرت عن (إتفاق مؤقّت) ModusVivendi مما مهّد الطريق نحو توقيع اتفاقيّة الرجمة في 25 أكتوبر 1920 وبموجبها صدر القانون الأساسي لبرقة متضمّنا حقوقا مدنيّة مماثلة لما يتمتّع به الإيطاليون، وتشكّل أوّل برلمان لبرقة ترأسّه السيّد صفي الدين السنوسي، واجتمع خمس جلسات.
ورغم مراوغات الإستعماريين في منح الإستقلال الذّاتي الحقيقي للسلطة السنوسيّة، وتصميمهم على إحداث الشقاق والإنفصال مع الحركة الوطنيّة في طرابلس، إلاّ أنه نتجت عن الإتفاقيّات تبدّلات تاريخيّة هامة منها: 1) تحوّل السنوسيّة من حركة دينيّة محصورة في الدواخل فقط، إلى كيان زمني يمارس السلطات المدنيّة، وإن في نطاق ضيّق. 2) زادت من إبراز ملامح سياسيّة مميّزة لإقليم برقة. 3) رسّخت للسيّد إدريس مركزا قيادياّ سياسيّا ذا شرعيّة ودفعته الى خوض الغمار السياسي الذي يلائم العصر، إلى أن تحقّقت المطامح الوطنيّة في الوحدة والإستقلال في نهاية لمطاف.
أمّا في طرابلس فإن حركة المقاومة الشعبية تعاظم شأنها بانتصارات رمضان السويحلي التي أعقبت موقعة القرضابيّة وبدعم لوجيستي تركي ـ ألماني. وأُعلنت الجمهوريّة الطرابلسيّة في 16 نوفمبر 1918 وترأسّها مجلس مكوّن من السويحلي والباروني والمريّض وبالخير، وعلى أثر ذلك لجأت الإدارة الإستعماريّة إلى المناورة، فدخلت في مفاوضات مع الزعامة الوطنيّة في مارس 1919 والذي أسفر عن صلح (بن يادم) في يونيو من نفس السنة، وبموجبه صدر القانون الأساسي الطرابلسي، وهو قد سبق نظيره في برقة، ولكنّه شبيه به يعطي بعض الإمتيازات ويحفظ بعض الحقوق، وعُيّن مجلس إستشاري من الأعيان وزّعت الإدارة الإستعماريّة اختصاصاته، دون أن يباشرها فعليّا، ضمن لعبة التسويف والمماطلة التي اتبعتها، ممّا دعا المجاهد رمضان السويحلي الى إصدار تحذير للمواطنين يدعوهم إلى التيقّظ تجاه الخديعة الإيطاليّة. وحتى يمتحن حقيقة نوايا إيطاليا الإستعماريّة أرسل خطابا شخصيّا موقّعا منه وبخطّ يده الى رئيس الحكومة الإيطاليّة جوفانّي جوليتي يسرد فيه ما مرّ بين الجانبين من أحداث مؤلمّة، ويؤكّد له فيها الرغبة في تحقيق الإستقلال مع الصلح ويختمها بقوله "أصبحنا ننظر الى حياة اتفاق بين إيطاليا والعرب مبنيّة على الإعتماد والثقة بسرور ونعدّها في حيّز الممكن، ولذلك سنصبر ونوصي بالصبر حتى يتحقّق ما ذكرناه لكم ويكون عندكم الوقت الكافي لإدراك حقيقة وطننا بعد الحرب العامة وترون بأنفسكم ضرورة المطالب التي تسعد بها بلادنا وتنالون مآربكم السياسيّة والإقتصاديّة. وتفضّل أيها الوزير الكبير فائق احترامنا ومزيد سلامنا". وكان تاريخ هذه الخطاب التاريخي الهام في 8 أغسطس 1920 قبل أيّام قليلة من وفاة السويحلي. ولكن الدوائر الإستعماريّة رفضت عروض الصلح والحلول الوسطى، ولجأت إلى بث الفتنة، وإشعال الحرب الأهليّة ليسهل عليها إحكام قبضتها الإستعماريّة.(يرى القاريء صورة من خاتمة الرسالة بخطّ يدّ المجاهد السويحلي تنشر لأوّل مرّة).(1)
وأمام هذا لم تتردّد زعامة الجمهوريّة، وعقدت مؤتمر غريان في نوفمبر 1920 برئاسة أحمد المريّض الذي تأسّست فيه (هيئة الإصلاح المركزيّة) كظلّ لحكومة مؤقتة كما قرّرت فيه بتاريخ 21 يناير 1922 "إنتخاب أمير مسلم تكون له السلطة الدينيّة والمدنيّة داخل دستور ترضاه الأمّة... ويجب إنتخاب مجلس تأسيسي من الفريقين لوضع القانون الأساسي" ثمّ ألحقته بكتاب البيعة الصريحة للسيّد إدريس كأمير على القطرين في نوفمبر من نفس السنة. وفي جوابه بقبول البيعة قال السيّد إدريس "لقد اشترطتم عليّ الشورى وهي أساس ديننا وسأعمل على قاعدتها". وقرّر مؤتمر غريان إرسال وفدين أحدهما يحمل البيعة للسيّد إدريس، والثاني إلى روما وبعضويّة فرحات الزاوي وخالد القرقني ونوري السعداوي وعبد السلام البوصيري والصادق بالحاج النائب في المبعوثان. وقد امضى الوفد هناك ستة أشهر لم يقابله فيها أحد من المسئولين سوي أعضاء من الحزبين الإشتراكي والشيوعي المعارضين، مظهرين تعاطفهم مع القضيّة الليبيّة، ونتيجة لضغط هؤلاء الأعضاء اضطرّ وزير المستعمرات لمقابلتهم.وحسب رواية نوري السعداوي أبلغهم الوزير بهذا الرفض القاطع لمطالبهم قائلا "لقد كان القصد من دعوتي لكم مجرّد الإستماع لشكواكم كأفراد لا كوفد رسمي يمثّل البلاد، ومع ذلك فإني أدعوكم للعودة الى بلادكم والسعي لإقناع المقاتلين من الأهالي بتسليم ما بإيديهم من السلاح الى الحكومة المحليّة الإيطاليّة والإتفاق معها على إجراء انتخاب مجلس يمثّل الأهلين ويكون من حقّ أعضائه مفاوضة الحاكم العام الإيطالي فيما يعود على مصلحة البلاد". وتعمّدا منها لإفشال مهمّة الوفد الوطني، أرسلت الإدارة الإستعماريّة وفدا آخر من الأعيان المتعاونين معها ترأسّه حسونه (باشا) القرهمانلي عميد بلديّة طرابلس وضمّ كلا من الشيخ أبو الإسعاد العالم والحاج مصطفى بن قدارة ويوسف خربيش وموسى قراده، ومهمّته المكلّف بها من قبل الإدارة الإستعماريّة الحاكمة، هي الطعن في شرعيّة وفد هيئة الإصلاح المركزيّة للشعب، مدّعين هم تمثيله ورغبته في استتباب الأمن في ظلّ الحكم الإيطالي. وقد استُقبل هذا الوفد بعكس وفد هيئة الإصلاح استقبالا رسميّا، وأنزلتهم الحكومة في (الجراند أوتيل) بروما، وقابلهم الملك ورئيس الوزراء، وقد سبقهم في القدوم إلى إيطاليا أحمد المنتصر، الذي حاول هو الآخر تخريب مهمّة الوفد بإصدار التصريحات التي طعنت في حركة الجهاد وقائدها السويحلي(وكان قد لقي مصرعه). كما أن نفس الحفاوة لقيها السيّد إدريس كأمير والوفد المرافق له في زيارته التي سبقت ذلك وكانت في نوفمبر 1920.(2)
ومن هنا بان جليّا أن الحكومة الإيطاليّة قد قلبت ظهر المجن، فبعد أن أطلق المجاهدون سراح أسراها (بلغ عددهم 450 أسيرا بينهم 14 من كبار الضبّاط) بوساطة من الإشتراكيين الإيطاليين الذين أعطوا لهم الوعود دون الوفاء بها، وحسب شروط الصلح، إستبدّ القلق بالدوائر الحاكمة من توصّل المتفاوضين لتوحيد الجهود والقيادة، وأخذت تدبّر المؤامرات لتدمير الإتفاقات، وهكذا تلاحقت الأحداث.إذ جاء العهد الفاشيستي الذي بطش بالحركة الوطنيّة ومارس التقتيل والإبادة ونهب الأرض الزراعيّة وطرد أصحابها الليبيين إلى فيافي الصحراء، وجلب عشرات الآلاف من المعمّرين الإيطاليين ليحلّوا محلّهم، أي ترسيخ الإحتلال بل وطلينة البلاد لغة وثقافة، واعتبارها الشاطيء الرّابع لإيطاليا، إلى أن جاءت الحرب العالميّة الثانية، وكانت ليبيا مسرحا لها، وعانت منها ما عانت من البؤس والدمار.

الكفاح السياسي في المهجر:

ولكن كفاح الحركة الوطنيّة الذي أخمد الفاشيست جذوته بشنق شيخ الشهداء عمر المختارفي 16 سبتمبر 1931، إستمرّ في المهجر، خاصة مصر وسوريا وتونس، التي لجأ إليها زعماء البلاد ونخبتها المثقّفة، ففي الحجاز كان السيد أحمد الشريف يوالي إتصالاته بالمجاهدين ويقوّي من عزائمهم إلى أن قُمعت حركة المقاومة. وفي دمشق تكوّنت عام 1928 "جمعيّة الدفاع الطرابلسي-البرقاوي"بقيادة بشير السعداوي وعمر شنّيب. وفي القاهرة تمحور النشاط حول السيّد إدريس الذي جدّد زعماء الحركة الوطنيّة البيعة له كأمير يمثّلهم تمثيلا حقيقيّا "على أن تكون هيئة منتخبة شوريّة مربوطة به ومربوط بها لتكون الأداة المبلّغة والمعربة عن منتخبيها" وكان ذلك منذ أكتوبر 1939، وقد انضمّت جمعيّة الدفاع في دمشق إلى هذه الوثيقة. ثمّ بايعه الزعماء بموجب وثيقة أخرى بتاريخ 9 أغسطس 1940 "بإعلان الإمارة السنوسيّة والثقة التّامة في الأمير إدريس، وإعلان هيئة تمثّل القطرين وتكون مجلس شورى للأمة، وخوض غمار الحرب مع الحلفاء ضدّ المحور، وتعيين حكومة سنوسيّة تدير شئون البلاد في الوقت الحاضر" وفوضّوه "بمراجعة الدولة البريطانيّة لعقد الإتفاقات والمعاهدات السياسيّة والمالية والحربيّة التي توفي هذه الغاية وتضمن للوطن حرّيته واستقلاله". وفعلا استعانت القوّات الحليفة أثناء هجومها لتحرير ليبيا، بخمس كتائب ليبيّة قوامها 14,000 من المقاتلين المدرّبين عسكريّا. وتأسّست في 9 أغسطس 1940 وخاضت القتال وساعدت فعليّا قوّات الحلفاء حتى هزيمة المحور. وكانت شروط التعاون مع بريطانيا مقرونة بوثيقة حرّرها السيد إدريس بتاريخ 27 أغسطس من نفس السنة وسلّمها للعقيد بروميلو مساعد الجنرال ويلسون قائد القوّات الحليفة في الشرق الأوسط، إعتمادا على التفويض الممنوح له من زعماء البلاد والذي سبق ذكره. وطالب في الوثيقة بالإستقلال (الدّاخلي) لليبيا تحت حكومة يرأسها أمير، وأن تتعهّد بريطانيا بحمايتها ومساعدتها ماليا، إلى أن تصل إلى مستوى إجتماعي وثقافي ومدني أرقى". جاء هذا بعد تصريح الجنرال ويلسون في يوم 9 أغسطس أمام الزعماء والذي قال فيه "إن إشتراككم مع قوّات صاحب الجلالة في سحق العدوّ المشترك هو تحرير لوطنكم واسترداد أملاككم وحريّتكم واستقلالكم". إلاّ أن الزعماء من الجانب الطرابلسي- بإيعاز من عبد الرحمن عزّام أمين الجامعة العربيّة- أصرّوا على الحصول على وعود ملزمة بنيل البلاد لاستقلالها بعد التحرير، لعدم ثقتهم في وعود بريطانيا ـ واستحضروا هنا غدرها لزعماء الثورة العربيّة الكبرى- وكان ردّ القائد البريطاني: إن ليبيا ما زالت تعتبر تابعة لإيطاليا طبقا لقرار عصبة الأمم، وبحسب قواعد القانون الدولي ليس في الإمكان تغيير وضعيّة البلاد قبل توقيع معاهدة الصلح. والواقع أن حجج الجانب الليبي في هذا الجدل كانت ضعيفة، والحرب مستعرة، ومصيرها غير معروف، يضاف إلى ذلك أن زعماء من الجانب الطرابلسي لمّا تردّدوا في قبول الإنضواء في الجيش (السنوسي) دون التحقّق من الوعود البريطانيّة، سقطت حجّتهم حينما افتتحوا في ضاحية الحلميّة الجديدة بالقاهرة مكتب تطوّع آخر لمساعدة الزحف البريطاني أشرف عليه العقيد بروميلو، رغم استمرار غياب الوعد بالإستقلال، واستمرّ نشاط المكتب لمدّة ستة أشهر. ولكن هذا الخلاف جرّ معه إنقساما في الصفّ الوطني، أدّى إلى وضع إمارة السيّد إدريس على ليبيا بكاملها محلّ خلاف استمرّ حتى إعلان الإستقلال..
وعندما احتلت قوّاتّ الجنرال ويفيل برقة سنة 1940-41 ضغط الزعماء الليبيّون من أجل أن تمنح بريطانيا الإستقلال لبلادهم، على غرار إعترافها بهيلاسيلاسي كحاكم لإثيوبيا المستقلّة، وتصريح فرنسا الحرّة باستقلال سوريا ولبنان عام 1941، ولهذا قام السيّد إدريس باسمهم بتوجيه رسالة بتاريخ 10 سبتمبر 1941 لوزير الدولة البريطاني في القاهرة أوليفير لايتيلتون طالبا منح بلاده الإستقلال الفوري، ثمّ أردفها باتصالات شخصيّة مع المسئولين البريطانيين، ووصل به الأمر إلى تحذيرهم بأن عدم الإستجابة لرغبات السكّان، سيجعل موقفه حرجا إزاء الزعماء، ويدفعه إلى التخلّي عن التعاون مع بريطانيا.

مرحلة النضال الديمقراطي :

وعلى الرّغم من عدم الحصول على ضمانات من بريطانيا، واصلت الزعامة الوطنيّة في المهجر نضالها الديمقراطي، فشكّل السيد إدريس المجلس الإستشاري المتّفق عليه في 7 يوليو 1941 بموجب مرسوم أميري رقم واحد إعتمادا على تفويضه من زعماء البلاد في البيعات والتفويضات في 1920 و1922 و1939 و1940 المشار إليها. وقيام هذا المجلس أعطى للحركة الوطنيّة صفة تمثيليّة ومرجعيّة في غمار نضالها في المهجر وعلاقاتها مع الأطراف الدّوليّة. كلّ هذا النشاط الدؤوب جعل أنتوني أيدن وزير خارجيّة بريطانيا يصرّح في مجلس العموم بإعلانه المشهوربتاريخ 8 يناير 1942، والذي جاء فيه ـ بعد الإشادة بما قدّمه الجيش الليبي من عون في المجهود الحربي ـ أن الحكومة البريطانيّة "وطّدت عزمها على أنه متى انتهت الحرب لن تسمح بوقوع السنوسيين في برقة تحت النير الإيطالي مرّة أخرى بأي حال من الأحوال". ولكنّ هذا التصريح لا يعني إعطاء الإستقلال، كما أنه بحصره للوعد في إقليم برقة يكون قد سعى إلى بثّ الفرقة داخل الزعامة الوطنيّة، ممهّدا بذلك لمخطّط إستعماري جديد، الأمر الذي خيّب أمل السيّد إدريس، فبعث برسالة مؤرّخة في 23 فبراير 1942 إلى وزير الدولة البريطاني مكرّرا فيها الطلب: (بأن تعلن بريطانيا إستقلال ليبيا الكامل في شئونها الدّاخليّة، وأن تعترف بحاكم مسلم يرأس حكومتها ـ أن تضمن ليبيا ضدّ أي هجوم أجنبي ـ أن تبرم معاهدة مع ليبيا يتفق على شروطها ـ تعيين لجنة ليبيّة بريطانيّة مختلطة تضع أسس النظام الليبي). ولكن بعد إتمام الإحتلال النهائي لبرقة أصدر الجنرال مونتجمري قائد الجيش البريطاني بيانه في 11 نوفمبر 1942، وممّا جاء فيه "إن الحكومة العسكريّة سوف لن تدخل في المسائل المتعلّقة بالشئون السياسيّة، ولكنها ستعمل على أن تحكم بحزم وعدل، مراعية مصالح سكّان البلاد" مناشدا إيّاهم بالتزام الهدوء وإطاعة أوامره وأوامر ضباّطه!
وكان لتصريح أيدن تأثير فاعل في أحداث البلاد التي أعقبت اندحار إيطاليا وخروجها من ليبيا في فبراير 1943، إذ تعاظم الحراك الوطني من أجل إنهاء الإدارة العسكريّة الجديدة للبلاد، ونيل الإستقلال. وتكوّنت الأحزاب الوطنيّة من أجل هذا الهدف. ففي برقة تشكّلت "جمعيّة عمر المختار" في نفس عام 1943 كحزب سياسي، وإن اتخذ صفة العمل الإجتماعي تفاديا للصدام مع الإدارة العسكريّة البريطانيّة، ثمّ تبعتها "رابطة الشباب". بينما كوّن السيد إدريس "الجبهة الوطنيّة البرقاويّة" التّي ضمّت شيوخ القبائل والأعيان الموالين له. وقد نصّ ميثاقها على "إستقلال برقة الكامل، والإعتراف بالأمير إدريس كملك لدولة برقة الدستوريّة. وبالنسبة لعلاقة برقة بطرابلس الغرب، وبعد ذلك‘إذا ما رغب الإخوة الطرابلسيّون في أن ينضمّوا تحت التاج السنوسي، فإن هذا سيمكّن من توحيد أجزاء ليبيا في دولة واحدة؛وإلاّ فبرقة ستحتفظ باستقلالها الكامل" . وبعد فترة طالب الأحزاب بحلّ نفسها والتجمّع مع الجبهة في تنظيم شامل تحت إسم "المؤتمر الوطني البرقاوي" بهدف توحيد الموقف إستعدادا لمجيء لجنة التحقيق الرباعيّة.(3) وبالنسبة لطرابلس تكوّن الحزب الوطني عام 1946 وكذلك "الكتلة الوطنيّة" و"الأحرار" وغيرها. وبعد مخاض وخصومات وانشقاقات داخليّة تشكّلت "الجبهة الوطنيّة المتحدة" من كبار الإعيان. وقد أوفدت مندوبيها إلى القاهرة واجتمعوا مع السيد إدريس وممثلي الزعامة في برقة، وجرت المشاورات وتدوين الوثائق التي تؤكّد تصفية الخلافات، واهمّها الرسالتان المتبادلتان بين ممثّلى الزعامة والسيّد إدريس . وقد جاء في ردّه على رسالتهم بتوحيد الإقليمين تحت رئاسته، في ظلّ دستور تضعه جمعيةّ منتخبة، وذلك بتاريخ 14 يونيه 1946"كيف تكون أصول الحكم؟ إني أرى أنه يجب أن يكون دستوريّا، وأن تتفّق الأمّة على انتخاب هيئة تأسيسيّة تسنّ دستور البلاد الذي ينبثق عنه النظام النيابي كما هو جار في أكثر البلدان العربيّة".
بغضّ النظرعن خلوّ تصريح إيدين من تعهّد جوهري بالإستقلال، إلاّ أن السيّد إدريس وأعوانه اتّخذه منطلقا لمواصلة السعي إلى الحصول على السيّادة الوطنيّة، لما رأوه من مماطلات ومناورات في الأمم المتحدة، وصراع المطامع الإستعماريّة، وخاصّة رغبة إيطاليا رسميّا في عودة ليبيا تحت الوصاية الإيطاليّة بشكل من الأشكال؛وقد ظهرت هذه الرّغبة جليّا أثناء اجتماع وزراء خارجيّة الدول الأربع في 10 أغسطس 1946 إذ عبّر فيه رئيس الوزراء الإيطالي دي جاسبيري عن أمل حكومته في إشراك الموظّفين الإيطاليين في حكم البلاد، حتى وهي تحت سلطات الإحتلال متبجّحا بالقول :"نحن نصرّ على أن يسمح لعشرات الألوف من اللاجئين من ليبيا، أريتريا والصومال ـ الذين يعيشون الآن متقلقلين في إيطاليا أو في معسكرات إعتقال في روديسيا وكينيا- بالعودة إلى وطنهم"! وفي 23 سبتمبر عبّر إيفانو بونومي رئيس الوفد الإيطالي إلى مؤتمر الصلح عن الأمل في ألاّ يطلب من إيطاليا أن تتنازل عن منجزاتها في المستعمرات بعد أن بدأت تُعطي أكلها، وأن يُنصف العمّال الإيطاليّون إقتصاديّا واجتماعيّا، وأن يؤخذ رأي أولئك الذين مكثوا في المستعمرات. وبعد أن ادّعى مشاعر الصداقة التي تكنّها حكومته للأقطار العربيّة، طالب بوصايتها على ليبيا "لأن قواعد القانون الدولي تبيح استمرار الإدارة المحليّة تحت الإشراف العسكري للقوّة المحتلّة، بينما الإدارة العسكريّة البريطانيّة حلّت محلّ الإدارة الإيطاليّة بالكامل"! ونفس الإدّعاءات كرّرها ألبيرتو تاركياني السفير الإيطالي لدى واشنطن في مذكّرة لمؤتمر الوزراء بتاريخ 4 نوفمبر من نفس العام. أي كأن ليبيا التي كانت ضحيّة إستعمار أجنبي ثمّ مسرحا لحرب مدمرة، أصبحت الآن مثار نزاع بين من يحكمها : المستعمر القديم أم المنتصر عليه الجديد؟ تجاهلا لرأي ممثّليها في أن تعود إلى أهلها، بعد التنازل الرّسمي عنها من قبل الدولة المستعمرة. والأخطر من ذلك أن بريطانيا صاحبة وعد "أيدن" والمسيطرة مع فرنسا على البلاد كانت هي التي نسجت خطة بيفين - سفورزاّ وتبنتها رسميّا، ممّا يكشف حقيقة نواياها في مواصلة إحتلالها للبلاد بصيغة أخرى. وليس أدلّ على ذلك من أن مندوب بريطانيا في الأمم المتحدة قدّم يوم 5 نوفمبر 1949 مشرع تعديل على نصّ قرار الإستقلال مكوّنا من أربعة نقاط تهدف جميعها إلى إضفاء الغموض على الفقرات المتعلّقة بالإستقلال الناجز ووحدة البلاد، تسهيلا للتآمر فيما بعد على إفراغ المضمون من محتواه الحقيقي والعبث بالمفهومين! ولكن هذا التعديل لقي معارضة من الأغلبيّة لحسن الحظّ .(4)
وتفاعلا مع هذه الأحداث فضّل السيد إدريس عدم المجيء إلى البلاد طالما ظلّت تحت سلطة الإحتلال الأجنبي، لسببين : الأولّ ـ لتأكيد إمارته على برقة وهو اللقب الذي حصل عليه بموجب إتفاقاته مع الإدارة الإستعماريّة الإيطاليّة، ورفضت السلطات البريطانيّة الإعتراف به، بحجّة عدم جواز إحداث تغيير في حكم البلاد إلاّ بعد تحديد مصيرها بموجب إتفاقيّة الصلح،والسبب الثاني ـ خشيته من أن تستغلّ الإدارة البريطانيّة وجوده ونفوذه في تمرير مخطّطات أو ترتيبات خاصّة بها، وهو لا يريد أن يرتبط مع سلطة عسكريّة أجنبيّة. إلاّ أنه ولقناعته بضرورة التفاهم مع بريطانيا التي "حرّرت" بلاده من براثن الفاشيست العدوّ المشترك، وتفاديا لحدوث تطوّرات خارجيّة ربّما تضيع معها أهداف الإستقلال، لذلك استجاب لنصيحة مستشاريه وأرسل ستة من أفراد عائلته برئاسة إبن عمّه السيد صفيّ الدين، حيث وصل إلى بنغازي في 29 نوفمبر 1943 وطاف الوفد بأنحاء برقة طيلة شهر ديسمبر، وقوبل بحفاوة من الجماهير أينما حلّ دليلا على الولاء للسنوسيّة، ولكن الوفد التزم الحرص ولم يخض في الأمور السياسيّة. ثم قام السيّد إدريس بالخطوة الثانية فزار البلاد في يوليو 1943 مصحوبا بطائفة من رفاقه في المهجر، وهي الزيارة الأولى له بعد 22 سنة من حياة المنفى. وفي الإحتفالات الشعبيّة الضخمة التي أقيمت له في بنغازي وغيرها، كان يُخاطب من مسئولي الإدارة البريطانيّة بلقب "النبيل" و "الحسيب النسيب" وغيرها، تمسّكا بالحجّة البريطانية المعروفة (عدم المساس بالوضع الرّاهن قبل إتفاقيّة الصلح) والتي كرّرها الجنرال (كومينج) حاكم البلاد في بيان له نشرته جريدة "بنغازي" يوم 30 يوليو 1944. ولكن الجماهير كانت تناديه بسموّ الأمير اينما حلّ موكبه، ورغم إصرار السلطة على ضرورة رجوعه لحاجتها لنفوذه والتشاور معه لمعالجةّ كثير من المشكل المحليّة، غير أنه فضّل البقاء في القاهرة. وفي الأثناء واصل تنفيذ برنامجه بالتعاون مع مساعديه، فعلى أثر عودة أحدهم، وهو عمر منصور (باشا)الكيخيا من منفاه في إيطاليا واسئنافه لنشاطه السّياسي في 25 فبراير1945، ألقى خطبة في "الجامع العتيق" ببنغازي في ذكرى المولد عبّر فيها عن مطامح البلاد في الإستقلال، وقرأ نصّ رسالة بعث بها في هذا الصدد إلى ونستون تشرشيل رئيس وزراء بريطانيا، ثم سافر إلى القاهرة للتنسيق مع "الأمير" الذي شكره على جهوده وأرسل خطابا إلى تشرشل أيضا يؤكّد فيه مطامح الإستقلال، كما كتب عمر منصور إلى إدوارد جريج وزير الدولة البريطاني في القاهرة مفصّلا المطالب فييما يلي :"أن تعترف بريطانيا بإدريس كأمير على برقة—أن يتمّ الإعتراف ببرقة كدولة مستقلّة، على أن تكون حكومتها تمثيليّة وديمقراطيّة يساعدها مستشارون بريطانيّون.—أن تساعد بريطانيا برقة في تنظيم جيش، وأن تمدّ خطّ سكك حديد على طول السّاحل، وأن تعينها ماليّا—ستعطى بريطانيا حقّ تمركز قوّاتها في الأراضي البرقاويّة لفترة محدّدة، بشرط أن تعيد لبرقة كل المعسكرات ومنشآتها بعد جلائها عنها ـ ستكون برقة حليفة لبريطانيا العظمى". وفي نفس اليوم ثنّى السيّد إدريس في رسالته إلى نفس الوزير على هذه المطالب"لأنّها جاءت طبقا لرغباتنا ورغبات وطننا البرقاوي". وقد سبق للسيّد إدريس أن ذكرها في خطابه أمام الجماهير في بنغازي بتاريخ 30 يوليو 1944. ولكن لم يصدر من السلطات البريطانيّة أي موقف حيالها، لأن قضيّة ليبيا كانت بين أيدي الدول الكبرى تتنازعها الخلافات كما رأينا، ممّا أثار خيبات أمل بين الأوساط المقرّبة من الأمير وشيوخ القبائل في برقة، الذين انتهزوا مجيء الأمير في يوليو 1946 فأصرّوا، في بيان نشرته (برقة الجديدة) بتاريخ 11 أغسطس 1946، على أن تقوم بريطانيا "بتنفيذ الوعود المعطاة لأميرنا وهي الحريّة والإستقلال للبلاد حيث شارك شعبنا في الحرب وساهم بخدمات قيّمة لصالح الحلفاء"، وعندما عاد الأمير إلى القاهرة على أثر أنباء فشل الدول الكبرى في الوصول إلى تسوية، اعتقد هؤلاء الشيوخ أنه مستاء من موقف بريطانيا، فاجتمعوا في مدينة البيضاء يوم 22 يوليو 1946 ووقّعوا "مضبطة" طالبوا فيها بريطانيا "بالتسليم بالإستقلال وتشكيل حكومة دستوريّة ـ الإعتراف بالإمارة السنوسيّة تحت السيّد إدريس- تحويل شئون الإدارة فورا إلى البرقاويين". وقد قامت الحكومة البريطانيّة بإيفاد بعثة من العسكريين التابعين لوزارة الحرب إلى بنغازي سمّي (فريق العمل) التي وصلها نهاية 1946 بهدف دراسة وضع البلاد السياسي، وتقديم مقترحات لمستقبلها، وفعلا قدّم الفريق توصياته في يناير 1947 . ومن ضمنها ضرورة مجيء السيد إدريس وإقامته في البلاد، مع إعطائه صلاحيّات في التصرّف الدّاخلي والتعامل مع شخصيّات البلاد، حيث أُخذ بمشورته في تعيين شيوخ القبائل وإعتماد بعض الشخصيّات كمستشارين لتسيير الأمور الداخليّة ، أي أنها مهّدت لتنفيذ مشروع الحكم الذّاتي لبرقة. وهو ماجعل السيّد إدريس يقبل العرض. ولمّا أن اصطدمت جمعيّة عمر المختار بالإدارة العسكريّة، وشنّت هجماتها الإعلاميّة وعن طريق المظاهرات والإضرابات منتقدة أيضا الإتجاهات المحافظة وميولها الإنفصاليّة، كان أوّل عمل قام به الأمير إبّان رجوعه أن حلّ الأحزاب القائمة- وكان يعني جمعيّة عمر المختار التي لقّبت نفسها بإسم الجمعيّة الوطنيّة وقصرت نشاطها الظاهري على الأنشطة الثقافيّة والرياضيّة- وبحجّة إبراز موقف موحّد أمام العالم الخارجي، وقضية مصير ليبيا مطروحة للبثّ فيها من الدول الكبرى، أصدر الأمير بتاريخ 7 ديسمبر 1947قرارا بتأسيس (المؤتمر الوطني البرقاوي) كما سبق الذكر محلّ الجبهة، على أن يضمّ جميع التيّارات السياسيّة، والذي تألّف رسميّا إعتبارا من يناير 1948 .

مفتاح السيّد الشريف


السيّد إدريس السنوسي ودي مارتينو والي برقة يوقّعان أتفاقيّة (الرجمة)
والواقف على يسار الصّورة هو عمر منصور الكيخيا.

(*) سيلاحظ القاريء أن هناك بعض الإضافات والتعديلات الطفيفة أُدخلتها في النسخة المعدّة للنشر، لمزيد من الإيضاح.
(1) نصّ الرسالة الكاملة سننشرها في الكتاب المعدّ للطبع.
(2) هذه إضافة في النصّ المنشور لمزيد من التوثيق التاريخي.
(3) جرت هنا إعادة صياغة للفقرة الواردة في ورقة المؤتمر بهدف التوضيح.
(4) هذه أيضا إضافة إلى الورقة المقدّمة إلى المؤتمر. كما قمنا بتنقيحات في النصّ المنشور.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home