Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Monday, 17 April, 2006

   

ذكرى "القرضابيّة" وخفاياها
( 1 من 3 )

مفتاح السيّد الشريف

تمهيد :
في هذه الأيّام تمرّ علينا الذكرى الواحدة والتسعين لمعركة قصر بوهادي أو القرضابيّة (28 –14 أبريل 1915)، وتعتبر أهمّ معارك الجهاد الوطني الليبي المسلّح ضدّ الإستعمار الإيطالي، إذ توحّدت فيها كتائب المقاومة من الشرق والغرب والجنوب تحت راية السنوسيّة فخلقت تحوّلا مفصليّا في مسيرة الكفاح الوطني الليبي المعاصر. وبانتصار المقاومة المذهل تكبّدت جحافل الإستعمار الإيطالي خسائر لم تكن في الحسبان، إذ سقط المئات من القتلى والجرحى الإيطاليين والمجنّدين معهم، وغنم المجاهدون منها ترسانة من الأسلحة الخفيفة والمدافع عزّزت من قدراتهم الحربيّة، وانبثقت على أثرها حركة المجاهد البطل رمضان الشتيوي السّويحلي، التي واصلت تحقيق الإنتصارات في الإقليم الغربي من البلاد حتى أسّست للجمهوريّة الطرابلسيّة. ورغم هذه الأهميّة فإننا نجد المؤرّخين الإيطاليين قد أهملوا الحديث عنها أو أخفوا معالمها، إلاّ بإشارات مبتسرة، في محاولة منهم لإخفاء إندحارهم المشين لسمعتهم، والخسائر الشنيعة والهزيمة النكراء التي ذكّرتهم بهزيمتهم التاريخيّة في عدوة بإثيوبيا، وأطاحت هزيمة القرضابيّة بسمعة أحد أبطالهم في الحرب العالميّة الأولى وهو العقيد مياني. ولكن وثائقهم السريّة حفلت بتقارير ومراسلات عن هذه المعركة الكارثة. ولقد استطعنا بعد طول بحث وتنقيب دام عدّة سنين، أن نعثر على بعض هذه التقارير التي سنعرضها في كتابنا المعدّ للطبع، ومن بينها هذا التقرير الذي وضعه العميل الإيطالي الشهير رمضان القريتلي قائد (الباندا) التي حملت إسمه، وقد رفعه إلى رؤسائه مدوّنا فيه الأسباب والمقدّمات التي مهدّت لها وتداعياتها. وكان التقرير ضمن أرشيف وزارة الحرب الإيطاليّة، وليس أرشيف الخارجيّة، إمعانا في الإخفاء والكتمان. وهو يروي بالتفصيل في سياق ما سمّاه واضع التقرير بالثورة وأدوار القادة الليبيين فيها. ولايشكّ المراقب الموضوعي في أن هذا التقرير، لأنه كّتب في سريّة تامّة من عميل مرتزق إلى أسياده المستعمرين، ينطوي على الوقائع والفاعلين فيها كما حدثت فعل، دون تصرّف أو مغالاة لمعرفته أن هؤلاء المستعمرين محيطون إحاطة كاملة بالوقائع ولذا لا يستطيع تحويرها. ومن هذه النّاحية فالتقرير الوثيقة يختلف، في بعض التفاصيل وتفسير المواقف والأحداث، عمّا رواه المؤرّخون الليبيّون لأنهم كتبوا كلّ حسب مصادره الخاصّة وميوله.
وقد حان الوقت كي نواجه تاريخنا ونستوعب دروسه ونناقشه دون حساسيّة أو تحامل. وهو ما تفعله الأمم الحيّة التي تسعى للإستفادة من هذه الدروس. وكملاحظة أخيرة نقول : إن التقرير طويل نوعا ما ومساهمتنا الوحيدة تتمثّل في تعريبه من الإيطاليّة بكلّ أمانة. وحتى نسهّل قراءته، سنعرضه على حلقات. كما ننبّه القرّاء إلى ضرورة عدم إصدار أحكامهم على المواقف المختلفة، والإنتظار حتى تُستكمل حلقات التقرير، لأن أدوار بعض القادة ستتغيّر طبقا لتبدّل الظروف الموضوعيّة عبر الصراع المرير الذي خاضوه ضد قوّة غاشمة مدجّجة بكلّ آلة البطش والمحق، وأدوات الإفساد والتخريب، . علما بأن دراستنا التي تضمّنها الكتاب بها وثائق أخرى تضيء مزيدا من جوانب الكارثة التي حلّت بقوى الإحتلال والظلم . مع ملاحظة أننا سنضع شرح الكلمات أو الأسماء بين مزدوجين : هكذا (.....) كلّما أملت الضرورة التوضيح .

مفتاح السيّد الشريف

* * *

نصّ تقرير حسين العـاشور القريتلي
الملحق بالمكتب السياسي العـسكري بطرابلس حول أسباب الثورة

"حين تم احتلال الجبل وغدامس، كان علي الأشهب متواجدا في مرزق، ومن هناك كتب الى الحكومة بواسطة عمر باشا المنتصر" طالبا السلام والهدوء لسكّان تلك المنطقة" . وفي تك الفترة ترك محمد بن عبد الله المنطقة مع صهره سيدي أبوبكر البوسيفي وجميع أفراد القبيلة مثل أولاد أبوسيف والمشاشيه والآخرين، ما عدا قسم صغير من تلك القبيلة بقى مع أحمد السنّي في وادي مارسيت وزاوية القرزه .
وما أن وصل الى الشاطئ محمد بن عبد الله وسيدي أبوبكر وأقرّوا العائلات في تلك المنطقة، حتى توجّه سيدي محمد بن عبد الله الى مرزق ليتحادث هناك مع محمد علي الأشهب. وفي تلك الأثناء كان جميع رؤساء الشاطئ و فزان متفقين على التكاتف ضد الحكومة وعيّنوا محمد بن عبد الله كقائد لهم في الحرب. ومن ثم غادرمحمد علي الأشهب الى ( واو ) ليخبر محمد العابد (السنوسي) بالقرار بينما احتشد محمد بن عبد الله ورؤساء الشاطئ و الطوارق وبدو مرزق في الشاطئ ووحّدوا المقاتلين العرب هناك . وعقب ذلك حدثت مناوشة بين سوكنه والشاطئ على أثر معركة المحروقة المعروفة والتي راح ضحيتها محمد بن عبد الله، وتفرّق شمل أولئك المتواجدين هناك . وبعد هذه النتيجة السارة استسلم بدو الشاطئ مثل الزوايد والحطمان والجوايدة وكل سكان فزان والطوارق، باستثناء المقارحة، وهم قبيلة من الشاطئ، ولهذا السبب رحل الى زلّة عبد اللطيف بن عبد الله البوسيفي الأخ الشقيق لمحمد بن عبد الله ومعه خمسمائة خيمة (أي العائلات التي تسكن الخيام) ما بين أولاد بوسيف ، مشاشية، مقارحه وأتباعهم، بينما بقى أبوبكر محاصرا في احدى الجهات لا يستطيع الخروج منها حيّا، مالم يستسلم للقوات الإيطالية .
وفي تلك الأيام كان يوجد بسرت محمد بن بشير البوسيفي صديق عمر باشا المنتصر. وهذا الأخير أخذ عن طريق محمد بن بشير، ينشئ علاقة بين سيدي أبوبكر والحكومة. ولقد تمكّن عمر باشا من خلال الرائد جايتير Gaiter رئيس المكتب السياسي في سرت، أن يستدرج سيدي أبوبكر ورجاله الى سرت عن طريق إعطاء الأوامر للمواقع بإخلاء الطريق أمامه وعدم مضايقته، الى أن يعلن الإستسلام للحكومة. وبعد ذلك حطّ أبوبكر ورجاله في وادي الأحمر وبدأوا في بيع جميع مواشيهم وبقيّة ما يملكونه في سوق سرت علنا. وبذلك تسنّى لهم الحصول آنذاك على كل ما يحتاجونه للعيش والسكن من عبد القادر المنتصر التاجر وقائمقام القضاء .
وفي الأثناء أرسل سيدي أحمد الشريف مع أربعة من"المهاريست" رجال القوافل البرقاويين القادمين من طرف تجّار طرابلس، خمسمائة جنيها إسترلينيا صُرفت بواسطة أحمد بك المنتصر وصديقه الشيخ أبو سعيده الفرجاني، وألفين من الفرنكات الذهبيّة النابوليوني لسيدي أبوبكر البوسيفي لنجدة رجاله وإمدادهم بالدقيق والأرز والزيت والملابس. وفي نفس الوقت وبواسطة عمر باشا قام المذكورون بإقناع الحكومة بأنهم كانوا ينتظرون بعض مشائخ أولاد أبوسيف بغية إبرام المفاوضات النهائية . وبعد أن استحوذوا على لوازمهم حدّد المشائخ المذكورون يوم اللّقاء مع الحكومة. وما أن حان الموعد حتى غادر، على صهوات الخيل، عمر باشا والرائد جايتير والجنرال دي شاوراند Dechaurand للقائهم والتفاوض معهم، ولكن عند الوصول الى مكان الإجتماع لم يجدوا أحدا .. لقد هرب الجميع الى مراده للإنضمام للمغاربة. وقبل يومين من هروبهم قامت حامية بقيادة العقيد ريفيري Riveri بالتوغّل حتى النوفليّة للإاستطلاع في تلك المنطقة مع أولئك السنوسيين الذين أشاروا عليهم بالاستسلام والانضمام للحكومة- بدافع المصلحة الكبرى التي لهم في سرت - حيث أن المركز الرئيسي لقضاء سرت يعوّل عليه كثيرا، ففي سوق سرت يقتني أحمد الشريف جميع المؤن والملابس التي تلزمه، بالإضافة الى ذلك فإن استسلام المغاربة كان مشروطا بعدم إرسال قوات عسكرية الى منطقتهم. وفي الحقيقة وعدت الحكومة بعدم إرسال قوات الى النوفلية . ولكن بما أنها أرسلت تلك الحامية بقيادة العقيد المذكور الى المنطقة المأهولة باؤلئك البدو المغاربة، فقد استقبلوا تلك القوّات بالرصاص. وهكذا اتّقدت نار المعركة.وقد تمكّنت القوات من إحتلال الزاوية واستحكمت فيها، وبما أن الاتفاق المشار اليه عقده المغاربة بأمر سيدي أحمد الشريف وتمشيّا مع تعليماته، فإن هذا بعد أن رأ ى ان الزاوية قد احتُّلت، أوفد الى الناحية صالح الأطيوش كقائمقام وأحمد أفندي الربيعي الضابط الطرابلسي السابق في الجيش التركي، ومعه أربعون جنديا سنوسيّا، كما أرسل السنوسي (أي أحمد الشريف) الى زلّه ضابطا آخر إسمه عمران أفندي من أصل سوري مع السيد عبد الله بن ادريس شيخ زاوية النوفلية، وأنهمك هذان الشخصان في ترويج الدعاية لكسب قبائل سيف النصر لصالح القضية. وأخيرا وبعد مقابلات كثيرة وطويلة بينهم، توصّل المغاربة وشيخ أولاد بوسيف الى الإتفاق، غير أن السبب الذي جعل قبائل سيف النصر تقرّر الإتحاد مع بعضها البعض، هو إعتقادها أن الحكومة تسعى الى اغتيال شيخها (سيف النصر) وأولاده . ومن الطبيعي ان ييسّر هذا الاعتقاد الإتفاق بين قبائل سيف النصر والثوّار الآخرين ويعزّز الروابط بينها. وهكذا عمدت هذه القبائل بعد اتحادها الى زيادة أعمال قطع الطرق (القرصنة) المعوّقة للقوافل، بالإضافة الى نهب السكان العرب الذين استسلموا للحكومة. ووصل الأمر بلصوصيّتهم الى حدّ استحال معه قيام القوافل بالرحيل من مصراته أو سرت أو ورفلّه الي سوكنه، ولا من سوكنه الى فزان. فكل القوافل ـ بلا استثناء ـ تعرّضت للغارات. وبذلك تعذّر على أية قافلة أن تتحرّك بين سرت والنوفلية. وحدثت معارك كثيرة نُهبت أثناءها قوافل تابعة للحكومة في فزان وغيرها، وقامت قبائل سيف النصر بتدبير المكائد إنتقاما من سكان سوكنه والودان . ووصل الأمر الى وقوع معارك ضارية بين أهل الودان وأولاد سليمان قُتل خلالها ست عشرة شيخا من أهل الودان، وانتُزعت قافلة كاملة مكوّنة من ثلاثمائة جملا محمّلة بمؤن في طريقها الى الودان. وكان المعتدون من أولاد سليمان الذين أغاروا على القافلة بعد مغادرتها سوكنه. وكل هذا وقع انتقاما من أهالي الودان . وهكذا سارت الأمور، حين انقطعت، أو كادت، العلاقات بين سوكنة وسرت ومصراته، بسبب أعمال قطّاع الطرق الذين ازدادت سطوتهم بما غنموه من القوافل المحمّلة بالبضائع وبالأموال. وازاء هذه الحملة أُجبرت الحكومة على اتخاذ الأساليب الضروريّة لمعالجتها، فشرعت في إجراء المفاوضات مع سيف النصر وأولاده في محاولة لتهدئة ثائرةالعرب. وفعلا أرسلت عبد الجليل وأحمد (إبنا سيف النصر) بصحبة الملازم فابري Fabri الى سرت ومن هناك الى ناحية سلطان، حيث توجّهوا على صهوات الجياد الى البدو التابعين لهم، ودعوا الى الإجتماع أغلب شيوخ القبائل، وجمعوا في نفس الوقت حوالي أربعمائة شخصا مسلحا من بين التابعين لهم للإلتقاء مع المغاربة وأولاد بوسيف والعرب الآخرين، وبعد هذاالاجتماع عادوا أدراجهم مع بعض رؤساء المغاربة والفرجان والحسون والآخرين ما عدا أولاد بوسيف . وفي الوقت نفسه توجه بعض رؤساء المغاربة مثل عبد الهادي البرّاني والشيخ بهيج والشيخ نوفل مباشرة الى أحمد الشريف الذي تعهّد باستضافتهم لمدة خمسة وعشرين يوما تقريبا، بينما عقد المشائخ الذين كانوا في النوفليه إجتماعا مع العقيد فاليا سيندي Vagliasindi وهيركولاني Hercolani وفابري Fabri . وكان هؤلاء المشائخ الذين أضمروا الرغبة الصادقة في السلام يتوجسون خيفة من أحمد الشريف. غير أنهم انتظروا رجوع المشايخ الآخرين الذين أرسلوا للتفاهم معه، وما أن عاد هؤلاء حتى صرّحوا بأن سيدي أحمد لم يكن راضيا عن المغاربة بل كان ساخطا عليهم أشدّ السخط، وأرسل إليهم خطابا عاجلا يأمرهم فيه بألاّ يقبلوا الإتفاق مع الحكومة، وأن يرفضوا كافّة مقترحاتها المقدّمة إليهم. واذ ذاك فإن عبد الجليل إبن سيف النصر، ومعه رجاله من بين المغاربة المنسحبين الى جهة قرينه، أراد أن يبرهن على قوّته ليخيف أولئك العرب، فطلب من الحكومة أن تمدّه بالجنود لتؤازره ضّدهم . وكانت جميع قبائل سيف النصر موجودة بالقرب من سرت أين ترعى قطعانهم. وعلى أية حال فالحكومة بدلا من أن تستجيب لطلب عبد الجليل، سحبت قوّاتها من مرسى العوجه حيث كان يعسكر، فازداد سخطه حدّة، وأبلغ الحكومة أن إنسحاب قوّاتها من تلك المحلّة ألحق ضررا جسيما به وبقبيلته الأمر الذي لا يقبل به. وحتى سيف النصر، الذي كان حينئذ، بسرت لم يرض عن ذلك، وقد أبلغ هيركولّوني بهذا الشعور. ولكن كل ذلك لم يجد فتيلا . وبعد أن غادر سيف النصر إلى قرينه طلبت الحكومة منه ـ تمشّيا مع الاتفاق المبرم ـ أن يكوّن فرقة باندا (مرتزقة) لا يقلّ عدد أفرادها عن مائتي شخص، وتكون تحت إمرة إبنه محمد. وقد تجمّع هؤلاء الأشخاص، ما بين مسلّح وأعزل من السلاح، ومكثوا خمسة عشر يوما منتظرين دون القيام بأي نشاط، بينما عبد الجليل ما برح يتوسّل لهيركولاني كي يُرسل الفرقة الى الوجهة المطلوبة. ولكن هذا كان يجيبه بأن عليهم انتظار مجيئ سيف النصر، فردّ عليه عبد الجليل" بأن والدي عجوز هرم ، فلماذا تصرّ على مجيئه بينما أنا الذي أمثله ؟" واضاف عبد الجليل : " إذا ما قدّر لوالدي أن يموت فلا أحد حينئذ سوف يكنّ أحتراما للحكومة". وفي الواقع فعبد الجليل وهيركولاني كان يكره أحدهما الآخر، وكان الأخير قد عامل الأوّل أكثر من مرّة باحتقار. وطالما تظلّم عبد الجليل لدى الحكومة التي لم تعر تظلّمه أي اهتمام. ولذا اضطر الى الإنشقاق وقام بكتابة رسالتين وضّح فيهما أسباب هذا الإنشقاق .
وهكذا كان سبب إنشقاق عائلة سيف النصر يكمن في الموقف والأعمال العدائية التي قام بها ضده هيركولاني. وفي الواقع فكثيرا من أفراد سيف النصر، مثل عبد الجليل، أعلنوا أكثر من مرّة أنهم لا يستطيعون الإستمرار في خدمة الحكومة طالما بقي هيركولاني من بين مسئوليها، وهو كما يقولون عدوّ دائم لهم، وسبّب الهلاك لعائلتهم . ولسوء الحظ كانت الحكومة لا تصغي لشكاواهم . ولذا شاهدنا عبد الجليل، بعد أن ترك سرت قد توجّه إلى طرابلس ليقول للحكومة إن هيركولاني رجل غليظ متغطرس ويكنّ الصداقة لعائلة المنتصر، وبالتالي فهو عدو لعائلة سيف النصر، ولذا لا يستطيع أن يكون على وفاق معه. ومن ثم استُدعى هيركولاني الى طرابلس. إلاّ أنه ما لبث حتى عاد مجدّدا إلى سرت .


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home