Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Friday, 17 March, 2006

 

كيف خاضت بنغازي تاريخها؟(*)
(2 من 2)

مفتاح السيّد الشريف

وقبل مارمول، ومنذ القرن العاشر،وصف الإقليم الرحّالة والجغرافيون العرب الذين عبروه وخاصة المرج واجدابيا وأوجله. أمّا إبن خلدون فيصف أحوال برقة، وكانت تشمل منطقة سرت، بأنها : "درست وخربت أمصارها وانقرض أمرها وعادت مجالات للعرب،بعد أن كانت دارا للواته وهوارة".(1) .إلا أنه كشف النقاب عن مجيء بعض العائلات الأندلسيّة من العرب واليهود عام 1493 ،كانت طردت من أسبانيا التي شهدت مرحلة محاكم التفتيش السوداء في تلك السنة. وقد حطّت هذه العائلات رحالها في (واحة) درنة. ولم تجد صعوبة في ذلك لأنها كانت خالية من السكّان تقريبا. وأقامت في البناء الوحيد الذي وجدته وهوأطلال كنيسة قديمة قامت بصيانتها،وشرعت في مزاولة الفلاحة وجني المحاصيل،وفق الطرق التقليدية التي كانت متّبعة في أسبانيا العربية، ممّا أشاع الإزدهار في البلدة : "وحوّلها بسرعة إلى إحدى أحسن البقاع بهجة في شمال أفريقيا."(2) كما أن العيّاشي في رحلته قال عنها: "كانت خالية منذ أزمان الى أن عمّرها الأندلس قرب الأربعين والألف..."(3) .وبعد مرور حوالي قرن ونصف من الزمن، حدث تطوّر هام في برقة لم ينفض عنها غبار السنين الذي طمرها فقط ،بل غيّر مجرى حياتها وبدّل مصيرها.. وهو تطوّر ولّدته في الواقع تطورّات أخرى حدثت في قصر الأيالة بطرابلس وسط عُنف الصراع على حكمها، لابد من إلقاء الضوء عليه ولو في عجالة :

فبعد القتلة الشّنيعة لأحمد مصطفى داي من ولاة طرابلس الغرب في العهد العثماني الأوّل، سعى إلى تولّي الحكم بعده قاسم باشا أحد المغامرين الأثرياء والذي كان يترأس الإنكشارية، وهو من أصل أندلسي، لجأ إلى الآستانه كغيره من العرب المطرودين من الأندلس، بموجب قرار ملك أسبانيا فيليبو الثالث سيّء السمعة في مايو 1609، والذي قضى بمغادرتهم في مدى ثلاثة أيام، وإلاّ عوقب بالموت كلّ من تخلّف منهم. وكان قاسم هذا محاطا بمقاتلين من أبناء عمومته الأندلسيين، وأضاف إليهم مجموعة أخرى من التونسيين. ولكن يبدو أنه لم يفلح في القفز على سدّة حكم الإيالة، وتغلّب عليه في الصراع محمد الساقزلي باشا. وعلى أثر ذلك غادر قاسم باشا عام 1632، مع جنده الملتفّين حوله، متّجها إلى الآستانه. وفي طريقه مرّ على برقة وتوغّل فيها حتى مرسى سوسه، وكان يطلق عليه باللآتينيةCapoPonamdrea،وقد هالته وأعجبته خصوبة التربة وعدم وجود من يُدير حكما فيها، ولذلك طرأت لديه فكرة الإستقرار فيها مع أهله الأندلسيين، كبديل له عمّا فقده من حكم طرابلس. وفعلا سافر شخصيا إلى الآستانه، واستطاع أن يحصل من (الصدر الأعظم) على فرمان مؤرّخ في مايو 1634 بأن يوضع إقليم برقة تحت سلطة السلطان العثماني آنذاك مراد الرابع، وان يتولّى هو حكمه لما له من سابق خبرة حين تولّى حكم طرابلس الغرب، ولو لفترة قصيرة قبل أن يخسر الصّراع للإحتفاظ به. وشرع قاسم باشا مع مجموعته في العمل بأن شيّد حصنا بالقرب من شحّات تمهيدا لبناء مستوطنة فيها(4) وقضى عامين يعمل مع قومه في جوّ من الهدوء والسكينة بفضل استمالته للقبائل في المنطقة. وعندما حضرته الوفاة وهو في حصنه أوصى إبنيه مصطفى وإسماعيل بالإستمرار في المشروع متعاونين مع نائبه موسى الطنجاوي(5) .غير أن القبائل التي لا تطيق وجود سلطة عليها تريد إخضاعها أو حواليها تسعى لمنافستها، هاجمت المعمّرين وقُتل مصطفى في إحدى المعارك. أما أخوه إسماعيل فقد اتّصل بداي تونس يوسف باشا واقترح عليه إرسال المزيد من المعمّرين. وقد استجاب الداي لهذا الإقتراح وأرسل أربعة مراكب تحمل ثمانمائة مزارع كانوا أيضا من أصل أندلسي ومقيمين بتونس،ووجّههم إلى درنه حيث رست فيها ثلاثة مراكب إنصرف ركّابها إلى فلاحة الأرض، ومدّوا قناة طولها ثلاثة أميال تقريبا تحمل المياه إلى البلدة ( وهي ساقية درنه المعروفة )،كما شيّدوا عددا من المبانيء.(6) .وقاموا بتسييج المزارع ممّا زاد من انتاجها حيث سهّل تنظيم الريّ فيها. أمّا المركب الرابع فقد هبّت عليها عاصفة هوجاء قبالة مرسى بنغازي أثناء شهر أغسطس 1637، فأجبرته على اللجوء إليه. ولقي ركّابها ترحيبا من السكّان الذين دعوهم إلى الإقامة معهم، فقبلوا الدعوة بتحفّظ. وأخذا منهم بالحيطة كأغراب،شرعوا في إقامة حصن يلوذون به إذا ما داهمهم الخطر من القبائل المغيرة. ولمّا دعاهم موسى الطنجاوي إلى الإلتحاق ببقيّة إخوانهم في درنه استجاب أغلبهم ولبّى الدعوة،لاسيّما وقد أرسل إليهم كتيبة من فرسانه لحراستهم في الطريق. وبذلك فلم يكملوا بناء الحصن (7)

وعندما ترامت هذه الأحداث إلى أسماع محمد الساقزلي، زادت من قلقه وحفّزته أكثر على ضرورة الإسراع بالإستيلاء على إقليم برقة، بدأ ببنغازي، وحكمه بشكل مباشر، فأوفد معاونيه القويّين : عثمان الساقزلي ـ السالف ذكره ويوسف بك وهو علج من نفس الأصل ـ على رأس حملة توجّه فيها الأوّل يقود خمسمائة فارسا، والثاني أقلع بحرا بإثني عشر مركبا تحمل ثلاثمائة من السبايا النصارى. وفعلا استطاع عثمان المذكور أن يقتحم بنغازي ويحتلّها. وعلى الفور أخذ الأسرى النصارى في استكمال بناء حصنها(8) الذي بدأه الأندلسيّون،ونصب المدافع فيه، كما نُصّب يوسف بك المذكور نائبا للوالي وحاكما للمدينة. أمّا شارل فيرو فإنه يقدّم تفصيلات إضافية عن عدد ونوع أفراد الحملة ويذكر أن محمد باشا السّاقزلي والي الولاية اضطلع شخصيّا بقيادتها مبدئيا، وأنه ركب البحر وبصحبته: "ألف وخمسمائة من جند الإنكشارية واقترب من شواطيء بنغازي، حيث استعرض قوّاته التي أصبحت تقدّر بألفين وخمسمائة من المشاة وثلاثة آلاف وخمسمائة فارس ومائتين من الأسرى النصارى الذين أُوكلت إليهم مهمّة ريادة الطريق، ومن ستّ قطع مدفعية صغيرة. وكان ذلك في حوالي شهر سبتمبر سنة 1639. وإذ تراّس الداي بنفسه مراسم رحيل هذ الجيش نحو وجهته التي لم يُطلع عليها أحدا، فإنه صعد إلى سفينته وقفل راجعا إلى طرابلس بحرا". (9) وقد أجمع المؤرّخون الذين قصّوا أخبار الحملة المذكورة أنها ضمّت كلّ مشايخ عرب غريان وترهونه وبني وليد ومسلاّته ومصراته متبوعين بأفراد من القبائل الأخرى،خاصة أولاد سالم أو (السوالم) وأولاد سليمان القاطنة شرقي طرابلس الغرب (منطقة سرت والقبلة). ومنذ ذلك الوقت،كما يذكر روسّي(10) استقرّ كثير من سكّان مصراته في بنغازي،مكوّنين (مستوطنة). بينما يستند بازامة على الرواية الشعبيّة في ذكر الصراع الذي نشب بين تلك القبائل الوافدة من الغرب، والذي تبلورفي التطاحن بين صفّين منها هما: صفّ الطواهر المكوّن من التواجير وأهل مسلاّته وأهل زليطن، وهم الذين سبق وأن استوطنوا بنغازي منذ القرن الخامس للميلاد كما أسلفنا، وصفّ أهل مصراته وحلفائهم، وهم الوافدون حديثا إلى المدينة. ونتج عن هذا الصراع تزحزح الطواهر إلى ناحية (برسيس) ـ حوالي أربعين كيلو مترا شمال شرقي بنغازي ـ ثم أجلتهم قبائل مصراته إلى درنة التي أقاموا وبقيوا فيها حتى الآن. وبدا أن هذا الصراع في مدينة بنغازي بين الوافدين اليها، لم يخمد أواره. فبعد أن غلبت مصراته لكثرتها تجدّد الصراع بين قبائلها نفسها، وانقسمت إلى تكتّلين يرأسهما شيخان هما: فكرون الذي سُمّي التكتّل بإسمه وانضوت تحته العائلات المنبثقة عن قبائل (يدّر) و(الكوافي) و(قزير) و(زمّورة) و(قصر حمد) و(خدّام الزرّوق)، ثمّ عُرف هذا التكتّل فيما بعد بالحاشية وأخيرا (بالأهالي). أما التكتّل الثاني فقد انضمّ تحت زعامة الشيخ دغيم، وهومكوّن من عائلات وقبائل: (بلاّلة) و(صور جابر) و(اليعاقيب) و(الشويخات)، وانضمّ إليهم (الكولوغليّة) ـ بعد السيطرة العثمانية على المدينة ـ وقد عُرف هذا التكتّل فيما بعد (بالذكيران) وأخيرا باسم تكتّل (الحكومة)(11) ،وقد عيّن بازامه أسماء الشوارع والأحياء العتيقة التي سكنت فيها هذه العائلات في المدينة، كما ذكر وجود أقسام أخرى من السكّان خاصة من أهل البادية الذين استقرّوا بها، وبعض العائلات الأندلسية، إضافة إلى أفراد الطّائفة اليهودية التي تكاثر عددها حتي بلغت حوالي ثلث السكّان في أواخر العهد القرهمانلي. ونضيف من ناحيتنا ما لاحظناه في التنافس الإنتخابي أن عائلات ورفلّة كانت تميل إلى التكتّل الثاتي. وقد استمرّت ظلال هذا التقسيم في الشعور الجمعي لأهل بنغازي،وتحوّل إسم (أهالي) و(أهلي) في لغتهم االدارجة كناية عن كلّ من هو مناويء للحكومة أو القريبين منها حتى يومنا هذا. أمّا (فالوري) فيعمّم هذا الصراع على جميع أنحاء برقة ويجعله بين فريقين يسمّى أحدهما (النوّاب) أي الممثلين للسكّان البرقاويين المتوطّنين، والثاني (الإخوان) أي أولئك الذين زحفوا مع عثمان ويوسف الساقزليين مكوّنين أغلب جنود جيشهما - كما سبق القول ـ وساعدوا في الإستيلاء على الإقليم (12)

مفتاح السيّد الشريف
________________________________________________

(*) مقتطفات من فصل في كتاب للمؤلّف سيصدر قريبا. وقد قصرنا الحلقتين على نشأة بنغازي العريقة دون الإسترسال الوارد في الكتاب.
(1) أورد محمد بازامه - مرجع سابق بدءا من ص 136 –145 أقوال الجغرافيين العرب المشهورين لهذه المدن ، كما أننا اعتمدنا على كتاب ( ليبيا في كتب الجغرافية والرحلات ) من تصنيف د. محمد يوسف نجم و د. إحسان عباس – دار ليبيا للنشر والتوزيع بنغازي ، 1968 الذي جمعا فيه أغلب ما أورده هؤلا ء الجغرافيون وهم، إضافة الى إبن خلدون : اليعقوبي وإبن خرداذبة وقدامة والكرخي و وإبن حوقل والمقدسي والبكري والإدريسي وياقوت الحموي والقزويني وإبن سعيد وأبو الفدا . إضافة الى روايات الرحّالة : إبن العربي والعبدري والتيجاني وإبن بطوطة وإبن ناصر و بيرم والحشائشي . وقد احتوت رواياتهم على وصف جغرافية واقتصاديات هذه البقاع ، ومنشأ سكّانها وقبائلهم العربية والبربرية،وطبائعهم وسلوكهم . لذا يُنصح بالرجوع إلى الكتاب للإستزادة
(2) فالوري – نفس المصدر ص 87
(3) ليبيا في كتب الجغرافيا والرحلات ) - مرجع سابق ص 224
(4) روفيري – مرجع سابق ص 91 . وكما ذكر بازامه – مرجع سابق ص 209 يرجّح أن يكون المكان الذي شيّد فيه الحصن هو ( قرنادة ) حاليا ، فإسمها شبيه بإسم مدينة غرناطة المشهورة في الأندلس ، تيمّنا بها من قبل هؤلاء المعمّرين،وقد اصابه تحريف طفيف في النطق
(5) ذكرالمعرّبان، التليسي نقلا عن روسّي، وبرنيا والوافي نقلا عن فيرو، أن.إسمه هو موسى تاغارين . أما بازامه فلم يهتد إلى أصل الإسم وظنّ أن يكون التوجار وهم من أهل طرابلس . إلاّ أننا نجد أن الإسم الصحيح كما رواه روفيري – مرجع سابق ص 91 هو Tangarino أي الطنجاوي أو الطنجي ( من أهل طنجة ) وهو أقرب إلى الترجيح .
(6) شكّك بازامه – مرجع سابق ص 217 فيما رواه صلاح محمد جبريل في كتابه (تجريدة حبيب ) من أن أحد أسباب تمكّن هؤلاء المعمّرين من البقاء،هو كونهم أربعين حاجا حطّوا رحالهم بناحية (غوط الركاب) بالقرب من العزّيات ،وقام شيخ الرّكب منهم،وهو إمامهم الفقيه عزّوز،بمداواة إبنة أحد رؤساء القبائل ونساء أخريات ،فسمح لهم بالبقاء . وفي ص 220 أن بعض أسر درنه المعروفة يرجع أصلها إليهم مثل : آل عزّوز وآل المؤدّب وآل بن فاضل وآل سرقيوة . ونضيف نحن إليها آل البنّاني المعروفة .
(7) فالوري – مرجع سابق ص 92 . والواقع أن برنيا الذي أرّخ بالتفصيل لهذه الوقائع ، ذكر في ص 153 أن المراكب الأربعة رست جميعها في درنة ، وأن العاصفة هبّت عليها قبالة بنغازي وهي في طريق الرجوع إلى تونس وعلى ظهرها مجموعة لم يحدّد عددها من المعمّرين المذكورين . إلاّ أن موسى الطنجاوي حثّهم على عدم تلبية دعوة أهالي بنغازي للإقامة لعدم ثقته فيهم ولذلك تخلّوا عنها . أمّا بازامه فقد اعتمد هذه الرواية،وأخذ في تحليلها مطوّلا، بدءا من ص 216-225 مشكّكا فيها ومستنتجا – استنادا على ما ذكره أغوسطيني – أن جزءا من هؤلاء المعمّرين االأندلسيين أقاموا في بنغازي ، ومشيرا إلى أن غائلة القاضي مثلا كانت منهم،وهي التي شيّدت الجامع العتيق فيها . وخلاصة القول إن ما أورده فالوري – في رأينا – من رسوّ المركب الرّابع ببنغازي ونزول ركّابه للإقامة هو أقرب إلى الصواب والمنطق طالما أن قبائل البدو فيها رحّبت بوصولهم منذ البداية .
(8) عيّن بزامه ( برقة في العهد العثماني الأول ) ص 224، مكان الحصن بأنه موضع سينما البلدية والمحكمة العليا سابقا والثلاّجة ودار الجمارك .
(9) فيرو – مرجع سابق ص 186.
(10) روسّي - مرجع سابق ص 233 .
(11) بازامة في (بنغازي عبر التاريخ) ص255 .
(12) فالوري (قصّة برقة) - مرجع سابق ص 96 .


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home