Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Wednesday, 15 March, 2006

 

كيف خاضت بنغازي تاريخها؟(*)
(1 من 2)

مفتاح السيّد الشريف

في عهد بطليموس ضُمّت برقة عام 96 للميلاد إلى طرابلس الواقعة تحت سلطة الإمبراطورية الرومانيّة ومنذ ذلك الحين تعاقب على حكمها أباطرة مشهورون هم : أغسطسAugusto ؛ كلاوديو Claudio ؛ فيسباسيانوVespasiano ؛أدريانو Aderiano ؛ أنتونيو بيو Antnio Pio. وقد شهدت مجدها الحضاري وازدهارها الإقتصادي آنذاك(1) ثم ران عليها العهد البيزنطي . وبعد الفتح الإسلامي توالت على برقة،ومعها طرابلس الغرب كما هو معروف،عهود الخلافة الأمويّة ثم العبّاسيّة. وفي ظلّها عانت بل وتمزّقت تحت حكم الإخشيديين حوالي العام 935 للميلاد . وفي فترة الحكم الأيوبي-أي قبل غزوة بني هلال وبني سليم المعروفة- كانت أوضاع المدن الخمسة ( بينتابوليس) الرئيسية للإقليم كما يلي : بنغازي ،التي شيّدها عام 515 قبل الميلاد المعمّرون الإغريق المتحدّرون إليها من شحّات والمرج كما يُعتقد،على الضفّة الشمالية لملاّحة (صبخة) السلماني. وقد حلّت محل بركة Tritonis العتيقة –أي في الموقع الحالي المقامة عليه مقبرة سيدي عبيد – وسمّوها حسب هيرودوت Euesperides (هيسبيريديس أو هيوسبيريديس) . وابتداء من العام 247 قبل الميلاد سُمّيت ( برنيق) Berenich تيمّنا باسم زوجة بطليموس الثالث PtolemyIII ملك مصر، وهي إبنة ماجاس Magas رئيس جمهورية برقة وأخ الملك بطليموس . فعندما مات ماجاس عام 259 ق. م. تزوّج بطليموس بها وضمّ برقة إلى مملكته. واستمرّ إسمها (برنيق) حتى العام 643 للميلاد،أي بداية الفتح العربي الإسلامي. ولذلك ذكر عدد من الجغرافيين والرحّالة العرب الذين مرّوا وتجولّوا في الإقليم،إسم برنيق بشكل متباين فاليعقوبي،الذي نبغ في القرن التاسع الميلادي، تحدّث عن "برنيق وهي مدينةعلى ساحل البحر المالح ولها ميناء عجيب في الإتفاق والجودة،وأهلها خليط من الرّوم القدماء والبربر" والإدريسي الذي نبغ في القرن الثاني عشر وصف المنطقة ما بين برقة إلى الإسكندرية بأنها (أرض برنيق)، كما تحدّث إبن خلدون عن (صحراء برنيق) . وقد ذكر المؤرّخ الإيطالي فالوري ، أنه كان يقيم بها - بعد الفتح العربي- أمير له إستقلال ذاتي عن مصر وإن كانت سلطته لا تتعدّى نطاق المدينة . وقد احتلّت أهمية بفضل مينائها الذي كان منفذا لتصدير منتجات جالو وأوجله.
وبعد ذلك واعتبارا من عام 643 ميلاديّة تدهورت كما يبدو أحوال برنيق وأفُل نجمها ،إذ اتّخذ الفاتحون العرب المرج وإجدابيا عاصمتين لهم في الإقليم،وإن استعادت مكانتها بعد إضمحلال مكانة إجدابيا في منتصف القرن الثاني عشر . وحوالي العام 1461 توطّننت فيها جماعات من التجّار من تاجوراء ومسلاّته وزليطن،التي كوّنت أوّل مجتمع حديث للمدينة، وسمّوها (كوّة الملح). وهو الإسم الذي سبق (مرسى إبن غازي) التسمية الرابعة،أو بالأحرى الثالثة الرئيسية،والتي تطوّرت إلى ( بنغازي) الحالية. وهذه التسمية وُجدت لأوّل مرّة – كما اكتشف المستشرق الإيطالي الشهير نالّلينو – على خريطة وضعها عام 1579 الجغرافي التونسي علي بن أحمد بن محمد الشرفي من صفاقس. وإبن غازي هو إسم وليّ أصله من مكناس بالمغرب الأقصى،ويوجد ضريحه بمقبرة (خريبيش) المعروفة ؛ المرج Barce ،وقد أجمع الرحّالة العرب على الإشادة بخصوبة تربتها ووفرة منتجاتها،ويبدو أنها كانت دائمة العمران بالإنتاج والسكّان،وتروج تجارتها مع مصر؛ فالكرخي الذي نبغ حوالي 950 يقول عنها في (المسالك والممالك) : "كان يخرج إليها عامل من مصر،إلى أن ظهر المهدي عبيد الله المستولي على المغرب، فاستولى عليها وأزال عمّال مصر " . ومنذ ذلك الوقت أصبحت مركزا أو عاصمة للحّكام الفاطميين في الإقليم ومن أعقبهم من حكّام العهود الإسلامية اللآحقة وقد نالت إجدابيا شهرة واسعة،وكانت مركزا للحكم أيضا أثناء تلك العهود ؛ طلميثة Tolemaide وكانت ميناء للمرج و مرفأ ضروريّا تلجأ إليه السفن العابرة والقادمة من مصر ؛ شحّات Cirene عاصمة الإقليم العتيقة هُدّمت وأصبحت أطلالا ؛ أما درنة فقد أضحت مهجورة من السكّان .
وما عدا تلك الإستثناءات المذكورة ؛ فإن الإزدهار الذي عمّ برقة في العهد الإغريقي الرّوماني اختفى ؛ فأشجار الزيتون أُهملت وتوقّف إنتاجها،وآلاف صهاريج المياه طمرت وعلاها التراب . وبسبب إنعدام وجود حكم مركزي وإنعدام الأمن أضطرّ السكّان لهجر الزراعة واللّجوء إلى ممارسة الغزوات والغارات كوسائل للبقاء والعيش . والتجارة الوحيدة التي بقيت كانت تصدير المنتجات الحيوانيّة الخام كالصّوف والجلود، وحيوانات الصّيد من الغابات التي كانت منتشرة في ذلك الزمن الغابر . وقد عقدت جمهورية جنوه الإيطالية عام 1216 إتفاقية مع أمير بنغازي آنذاك أبي زكريّا يحي،تمّ بموجبها إحتكار جنوه لتسويق هذه المنتجات بحكم نصوص الإتفاقيّة التي تُقصر شحنها على سفن تلك الجمهوريّة فقط ، وبفضل هذه الإتفاقية أتيح لتجّارها الرّسو في ميناء بنغازي،ومنها التوغّل في الجبل الأخضر والواحات . (3) على أن محمد بازامه في كتابه (بنغازي عبر التاريخ) يرفض هذه الرّواية ويعتبرها مدسوسة ! إذ يقول إنه اطلّع على وثيقة الإتفاقية المذكورة ولم يجد فيها ذكرا لبرنيق،وجاء خبر توقيعها في 10 يونيه عام 1236 من قبل أبي زكريا يحي أمير أفريقيا . وقال بازامة :"والحديث فيها منصبّ على طرابلس وباجه ثم سائر الساحل من غير تحديد بالإسم لأي مكان"(4) إلاّ أن المؤرّخ الإيطالي في رأينا لم يخرج عن الصواب،إذ كان كتابه مخصّصا لبرقة . وكون بنغازي ميناءها الرئيسي آنذاك،فمن البديهي أن تصدّر منه المنتجات البرقاويّة التي شملتها الإتفاقية حتى دون ذكر إسمه . يُضاف إلى ذلك أن المؤرّخ المذكور وثّق روايته بالعديد من المراجع التاريخيّة وأهمّها الكنسيّة،ومنها وثيقة نادرة وُجدت في دير سُمّي بدير درنه ونشرت عام 1929،وهذه المراجع تحدّثت عن راهب إيطالي هو Corrado من مدينة Ascoli ،قام عام 1274 ،محتميا بنصوص الإمتيازات الممنوحة بموجب الإتفاقية،بالرسوّ في برنيق أو جاءها برّا من طرابلس أو الإسكندرية . ثم عبر الجبل الأخضر إلى أن وصل واحة سيوه،ليكون أوّل أوروبّي تطأها أقدامه حتى نهاية القرن التاسع عشر . وزعم أنه استطاع أن يُنصّر 6468 فردا (إستهزأ المؤرّخ بالدّقة في إيراد هذا الرقم!) واستغرقت رحلته ثلاث سنوات ، إلا أنه استُدعي على عجل وعُيّن قاصدا رسوليا لدى البلاط الفرنسي. وسبب التعجيل بعودته هو إستيلاء المماليك على حكم مصر وبرقة معها إعتبارا من عام 1275 .
وبعد أن استولى عليها هؤلاء المماليك (البحريّون)،وأعقبهم المماليك الشركس عام 1382،جاء العهد العثماني الأوّل حين احتل سليم الأوّل مصرعام 1517 . ثم احتل العثمانيّون طرابلس الغرب عام 1537 أي أن برقة،وقد وقعت بين هذين الإحتلالين لمصر وطرابلس الغرب،اعتّبرت في الفلك العثماني ولو من الناحية النظريّة،إذ لم يعثر المؤرّخون على أي دليل يؤكّد وجود سلطة عثمانيّة فعليّة فيها . وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن الحكم العثماني يميل بطبعه إلى التمركز في سواحل البلدان المزدهرة التي يبدأ في احتلالها،إضافة إلى ذلك أن أوضاع برقة الإقتصادية كانت متدهورة . وقد ضربها الجفاف المزمن وحوّلها إلى صحراء شبه قاحلة لا تدرّ شروى نقير للخزانة العثمانية التي تتهافت على جمع الضرائب والأعشار .. كما لم تمارس المدن والثغور البرقاوية – على العكس من طرابلس وبقيّة مدن الساحل المغربي – عمليّات وتجارة القرصنة وما تعود به من غنائم وإتاوات،لعدم تمركز الحاميات العثمانية فيها - وبذلك مرّت القرون على برقة وقد كانت فيها نسيا منسيّا،مجهولة حوادثها والوقائع فيها من المؤرّخين لحياة بلدان البحرالأبيض،ما عدا ما استنبطوه من أن الإقليم كان تحت هيمنة وسلطة القبائل ، التي ساد بينها قانون الإغارة وأخذ الثأر والإنتقام والتناحر على ملكيّة الأرض والمرعى .
وخلال الحقبة التي بسط العثمانيون خلالها حكمهم على مصر وتونس والجزائر، كانت برقة من منظور آخر، مستقلّة ذاتيا من أية سيطرة أجنبيّة. ولعلّ أقدم وأدق وصف لها آنذاك ما كتبه بالأسبانية المؤرّخ (مارمول) عام 1573 حيث قال :"إن عرب برقة الواقعة بين بربريا –غربي مصراته حتى المغرب – وبين مصر، كانوا على درجة بالغة من الفقر تضطرّهم إلى رهن أطفالهم للتجّار المسيحيين من صقلية حتى يحصلوا على القمح . وأنهم قلّما كانوا يقدرون على الوفاء بالرهن فيظلّ أبناؤهم عبيدا بصقلية ويعتنقون في الغالب الدين المسيحي" . ويؤكّد المؤرّخ أنه شاهد عددا كبيرا منهم في تلك الجزيرة . ثم يتحدّث عن عرب برقة فيصفهم بأنهم قطّاع طرق يعترضون القوافل المتّجهة من المغرب أو سواحل الشمال الأفريقي إلى مصر. (5)

مفتاح السيّد الشريف
________________________________________________

(*) مقتطفات من فصل في كتاب للمؤلّف سيصدر قريبا. وقد قصرنا الحلقتين على نشأة بنغازي العريقة دون الإسترسال الوارد في الكتاب.
(1) فراننشيسكو فالوري Sansoni,Firenze 1933– Stoia della Cirenaica ص 45 بنغازي
(؟) يعتبر كتاب محمد بزامه ( بنغازي عبر التاريخ ) - دار ليبيا، بنغازي 1968 أغزر مرجع عن تاريخ المدينة وتطوّرها إعتمد فيه على مراجع هامة عربية وإيطالية وإنجليزية، وهناك أيضا دراسة Goodchild ( بنغازي قصّة مدينة ) – بالإنجليزية – إصدار مصلحة الآثار بشحّات ليبيا 1962 . وكلاهما ذكر أن أهل أوجله ما زالوا حتى اليوم يستعملون إسم برنيق حين يعنون بنغازي!.
(3) فالوري – مرجع سابق ص 80 –83
(4) بازامه (تاريخ برقة في العهد العثماني الأول) ص 239 دار الحوار 1994
(5) إتّوري روسّي (ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911 ) تعريب خليفة التليسي،دار الثقافة بيروت 1974ص 232 .أما بزامه – مرجع سابق ص 151 فينقل رأسا عن رواية مارمول في أصلها،ويضيف أن سكان برقة " كانوا يرهنون أطفالهم مقابل ما كانوا يحصلون عليه من قمح للتجار اليهود والأوربيين . ولما كانوا غالبا ما يعجزون عن سداد ما عليهم من تلك الديون،فإن الرهينة تظل في أيدي أولئك التجار الذين كانوا يعرضونها في أسواق النخاسة في صقلية ويبيعونها رقيقا بها . "


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home