Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Muftahal-Sayed al-Sherif
الكاتب الليبي مفتاح السيّد الشريف

Thursday, 13 July, 2006

     

العـوامل التاريخيّة التي أدّت إلى استقلال ليبيا ودستورها (2)

نصّ الورقة(*) التي قدّمتها لمؤتمر "الدستور الليبي" الذي انعقد بمقرّ الكونجرس الأمريكي
في الفترة من 23-24 يونيو 2006 ـ أنشرها على حلقات

مفتاح السيّد الشريف

الصراع الأممي :
وأمام هذا الفشل تقرّر أن تحال القضيّة برمّتها إلى الدورة الثالثة للجمعيّة العامّة العادية المقرّر انعقادها بباريس في 15 سبتمبر 1948. ورغم إدراجها في جدول الأعمال، إلاّ أنها لم تناقش إلاّ في منتصف الدورة الثانية لاجتماع نيويورك (ليك ساكسيس) في أبريل 1949. ولقد اتضح أن الصراع بين الدول الأربع الكبرى لم يكن مردّه إلى أمور تتعلّق بمصيرسكّان ليبيا وإعادة تعمير بلادهم التي دمّرتها الحرب تدميرا شبه كامل مع قتل وتشريد مئات الألوف من أبناء شعبها الصغير، كما لم تكن بليبيا – ومعظمها صحراء قاحلة شاسعة- موارد أو قدرات إقتصادية تُغري باستغلالها أو تقاسمها. بل كانت المصالح الجيوبوليتيكيّة لكل من الدول الأربعة هي التي تحكّمت في مواقفها. فكانت نيّة بريطانيا، دولة الإدارة العسكريّة المحتلّة في إقليمي برقة وطرابلس وتتبعها فرنسا، دولة الإدارة العسكريّة المحتلّة في إقليم فزّان، مبيّتة على ترسيخ بقائهما مع قواعدها العسكريّة التي أقامتها في البلاد لأطول مدّة ممكنة، مؤيّدتين من الولايات المتحدة التي استولت على مطار الملاّحة الجويّ في طرابلس وأصبح من أهمّ قواعدها العسكريّة في العالم. وهذه الدول الثلاث حرصت على احتفاظها بالموقع الستراتيجي العسكري لليبيا، غداة بروز نُذر الحرب الباردة، وعملت على حرمان الإتحاد السوفييتي من هذه الميزة. ولذلك فتحويل كامل الملفّ إلى الأمم المتحدة أضفى الطّابع الدولي على القضيّة، وانتشلها من دائرة المساومات والصفقات السريّة وجعلها علنيّة أمام أنظار الرأي العام الدّولي. وهنا يمكن القول إن شرارة الحرب الباردة متمثّلة في الإتهامات المتبادلة بين المعسكرين الشرقي والغربي برزت للعلن أثناء المداولات حول قضيّة ليبيا، فالتحالف السّابق بينهما أملته الحرب ضدّ المحور عام 1941، وكان إلتزاما شخصيّا من الرئيس روزفيلت لمساعدة الإتحاد السوفييتي دون أن يصوّت عليه الكونجرس. وفي مؤتمر يالطا عام 1945 شعر الجانبان بالنوايا العدوانيّة المضمرة ضدّ بعضهما البعض، فستالين رغب في نشر الشيوعيّة في البلدان المجاورة لبلاده والذي أفضى إلى تكوين (الكومنترن)، وأميريكا أخذت في تعزيز قواعدها العسكريّة وسيطرتها الإقتصاديّة في أوربّا الغربيّة، وجاء مشروع مارشال دليلا على ذلك. ولكن الصراع على المستعمرات الإيطاليّة، ومحورها ليبيا، أظهر العداء بين المعسكرين إلى العلن في أروقة الأمم المتحدة.
وقد قرّرت الجمعيّة العامة إحالة القضيّة إلى اللجنة الأولى (السياسة والأمن) التي طلبت من إيطاليا أن تبعث مندوبين لحضور المناقشات دون الحقّ في التصويت، وباقتراح من وفد باكستان، مدعوما بالوفود العربيّة، وافقت أيضا على الإستماع إلى مندوبي المنظّمات السياسيّة والأهليّة في ليبيا، التي حضر عنها ممثّلون من:"هيئة تحرير ليبيا"(المشكّلة من بعض زعماء طرابلس في المهجر) و"المؤتمر الوطني البرقاوي" و"الجمعيّة الوطنيّة للاّجئين من ليبيا وشرقي أفريقيا" و"جمعيّة قدامى الموظّفين الليبيين" و"ممثّلي الطّائفة اليهوديّة في طرابلس".. ولكن شقّة الخلاف إزدادت بين المعسكرين حول مصير ليبيا، لأن الإتحاد السّوفييتي طالب بانسحاب القوّات البريطانيّة منها وأن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة، ولكن بريطانيا والولايات المتحدة تعلّلتا بأن السلام لن يتمّ في المنطقة بوصاية الأمم المتحدة التي تفتقر إيضا إلى الموارد الماليّة والفنيّة اللازمة. وهنا تبلورت تكتّلات العالم الثالث آنذاك حول المعسكرين المتخاصمين: فتكتّل دول أمريكا اللاتينيّة ناور بإقتراح تأجيل النظر في القضيّة حتى الدورة الراّبعة للجمعيّة العامّة، وفي الأثناء تشكّل لجنة من بريطانيا وأمريكا وفرنسا ومصر، لتقوم بوضع مشروع قرار يحدّد الشروط والمدّة التي توضع فيها ليبيا تحت الوصاية. وعند النقاش فشل تمرير هذا الإقتراح، فتحوّلت هذه الكتلة إلى التقدّم باقتراح آخر يدعو إلى وضع ليبيا تحت الوصاية الإيطاليّة. وفي الجانب المقابل تكوّنت كتلة مضادّة من الدول العربيّة والأسيويّة مسنودة من الكتلة السّوفييتيّة تطالب بمنح ليبيا الموحّدة الإستقلال الناجز.

إنكشاف المؤامرة :
وأمام هذه الخلافات شكّلت اللجنة الأولى لجنة فرعيّة لكي تقدّم مشروعا يرضي جميع الأطراف. ولكن عندما اجتمعت هذه اللجنة الفرعيّة في يومها الأوّل، جاء الخبر بأن إرنيست بيفين وزير خارجيّة بريطانيا والكونت كارلو سفورزا وزير خارجيّة إيطاليا توصّلا إلى اتفاق تسوية في لندن حول المستعمرات تقوم على أساس الوعد الذي أعطته بريطانيا للسيد إدريس السنوسي أثناء الحرب، بألاّ يسمح لإيطاليا بالعودة لحكم إقليم برقة، الذي يوضع تحت وصاية الأمم المتحدة وتتولّى بريطانيا إدارته، وتوضع طرابلس الغرب تحت نفس الوصاية وتتولّي إيطاليا إدارته، وتوضع فزّان تحت الوصاية مع تولّي فرنسا إدارته، على أن تصبح ليبيا دولة مستقلّة بعد نهاية عشر سنوات من الوصاية المذكورة، فإذا ماوافقت الأمم المتحدة فإن إدارة إيطاليا لطرابلس الغرب تبدأ في عام 1951، وهو الموعد الذي تنهي فيه الإدارة العسكريّة البريطانيّة المؤقّتة للبلاد. ونصّ المشروع أيضا على تكوين مجلس إستشاري مكوّن من الدول التي ذكرها المشروع اللاتيني ومعها ممثّلون عن شعب البلاد، وتتحدّد مهمّاته بالتشاور مع الإدارات الوصيّة الثلاث، التي بدورها تقوم بالتعاون والتنسيق فيما بينها بحيث لا يُعرقل نيل البلاد لاستقلالها.ويكون مجلس الوصاية مسئولا عن تنفيذ المشروع. ولمّا عُرض المشروع على اللجنة أثار عاصفة من النقد خاصة من أعضاء الكتلة العربيّة الأسيويّة مؤيّدة من الكتلة السوفييتيّة، وانصبّ النقد على كون المشروع اتفق عليه خارج الأمم المتحدة، وما هو إلاّ تقاسم مصالح بين الدول الأجنبيّة، متجاهلا مطامح ورغبات أهل البلاد، وأنه وضع اللبنات لتقسيمها على الرغم من أن مبدأ الوحدة كان مقبولا من الجميع. وقدّمت الوفود المعارضة عدّة تعديلات عليه، رُفضت جميعها أثناء التصويت، ماعدا تعديل نرويجي يدعو إلى أن يكون استقلال البلاد تلقائيّا بعد مرور السنوات العشر، ما لم تقرّر الجمعيّة العامّة غير ذلك. وحين طُرح مشروع القرار على الجمعيّة العامّة للتصويت يوم 13 مايو على أساس فقرة فقرة نال الأغلبيّة لتكاتف الكتلة اللآتينيّة والأوربيّة، ماعدا الفقرة المتعلّقة بوصاية إيطاليا على طرابلس الغرب، فقد حصلت على 33 صوتا ضدّ 17 صوتا وامتناع 8 أصوات، أي بأقلّ صوت واحد عن غالبيّة الثلثين المقرّرة. وكان صوت مندوب هايتي (إميل سان لو) ضمن المعارضين، وبما أن كتلة أمريكا اللآتينيّة صُدمت لفشل التصويت على هذه الفقرة، فإنها لم تدعّم الفقرة المتعلّقة بوصاية بريطانيا على برقة، وبذلك سقط المشروع بمجمله لأنه نال 14 صوتا ضدّ 37 صوتا تمثّل الكتلة العربيّة الأسيويّة مع الكتلتين السوفييتيّة وأمريكا اللآتينيةّ و 7 إمتناع عن التصويت.
وقد أعطى ممثّل بريطانيا المستر ماكنيل أثناء تقديمه لمشروع القرار مبرّرات له، منها ما تكبّدته بلاده من خسائر لتسديد عجز الميزانيّة الذي عانته الأقاليم الثلاثة في الفترة من إحتلالها حتى 30 يونيو1949 والذي بلغ بالنسبة لبرقة 2,767,101 وطرابلس الغرب 2,588,235 جنيها إسترينيّا، مؤكّدا أن الوصاية على برقة هو تمهيد لاستقلالها مع بقيّة أنحاء ليبيا، وجاء مكافأة لما قدّمه السيّد إدريس وشعبه للحلفاء في الكفاح ضد الفاشيستيّة. وقد أيّده وزير الخارجيّة الأمريكي المستر دالاس متعلّلا بفشل الدول الأكبرى في الوصول إلى تسوية، ممّا يجعل الأمر الواقع يفرض نفسه، وهو أن بريطانيا هي القائمة على إدارة البلاد، مكرّرا الإدّعاء أن الوصاية هي لفترة مؤقتة وتحافظ على وحدة ليبيا، مؤكدّا أن بلاده تعارض الطراز القديم للإستعمار، وأن الوصاية سواء من الأمم المتحدة أو إحدى أعضائها هي خلاف ذلك.. وقد تدخّل المندوب البولندي المستر كاتز- سوشي عدّة مرّات، تساءل في إحداها إذاكان إحتلال ليبيا يكبّد الخزانة البريطانيّة مصاريف باهظة، فلماذا تستمرّ في التمسّك به؟ وكان ردّ ماكنيل هو الرّغبة في مكافأة السنوسيّة على تحالفها، وأن الإحتلال البريطاني أمر واقع أفرزته الحرب، ولا يمكن لبريطانيا ترك البلاد مدمّرة، والغرض من سرده للمصروفات أريد به تبصير الأمم التحدة بها إذا ما تولّت الوصاية.. ولكنّ المندوب البولندي فنّد هذه الأسباب وكرّر أن الهدف هو بقاء الإحتلال الأجنبي للبلاد ببقاء القواعد، ولا معنى للقول الأنجلو-أمريكي إن الوصاية تجيزها أتفاقيّة الصلح، طالما المندوب البريطاني يعيد التأكيد أنها جاءت وفاء من بريطانيا لعهودها للسنوسيّة. وكان المستر جروميكو قد تدخّل حول نفس النقاش، وخطّأ ماكنيل في مزاعمه عن التكاليف، لأن تقرير لجنة التحقيق الرّباعيّة ذكرت أن العجز في برقة وصل 1,800,000 وفي طرابلس 800,000 (وأورد الأرقام المتعلّقة بإريتريا والصومال) ليستطرد إلى القول إن بريطانيا استولت في هذه البلدان على معدّات وأجهزة ومصانع، ونقلتها غداة احتلالها، تفوق قيمتها عشر مرّات ما صرفته، متسائلا هل يعتقد المندوب البريطاني أننا لم نقرأ التقرير؟ وعمّا اتّهم به الإتحاد السوفييتي من تعاطف مع إيطاليا، متوقّعا فوز الحزب الشيوعي في إنتخاباتها، أوضح جروميكو: أن حكومته أيّدت المقترح الفرنسي بالوصاية عام 1946 ولم تجر آنئذ إنتخابات في إيطاليا، بل جرت عام 1948 أي بعد عامين. وزعماء بريطانيا وأمريكا هم الذين قاموا بالحملات الدعائيّة خلالها لصالحهما.

التصدّي الشعبي لإحباط المؤامرة :
وما أن سمع أبناء الشعب الليبي بنبأ مشروع بيفين – سفورزا حتى اندلعت المظاهرات في المدن الرئيسيّة، وجرت أعمال شغب ومصادمات دمويّة " نقلتها جريدة نيويورك تايمس في تقرير صحفي لها بتاريخ 18 مايو جاء فيه"أن عشرين ألفا من العرب (في طرابلس) شاركوا في مظاهرة ضدّ خطّة وضع طرابلس الغرب تحت الوصاية الإيطاليّة بحلول عام 1951. وقد هتف المتظاهرون بحياة الإتحاد السّوفييتي وندّدوا بشدّة بالبريطانين والأمريكيين والإيطاليين، وجاء الفرسان من الصحراء ينادون باستقلال ليبيا ووحدتها... ويوم أمس انتشرت المظاهرات إلى جادو وزنزور وزليطن ومصراته والعزيزيّة وسوق الجمعة...وبلغ عدد الجرحى ما لا يقلّ عن خمسن وأربعين جريحا، ومُنع الأمريكيّون والبريطانيّون والفرنسيّون من الخروج إلى الشوارع، ويوم أمس حُرق العلم الإيطالي، والعلم الأمريكي في اليوم الذي سبقه، وعُلم أن السلطة البريطانيّة أصدرت منشورا توضّح فيه الفرق بين جمهوريّة إيطاليا الحالية ونظام موسّوليني، متعهّدة أنه بعد ثمان سنوات ستُمنح طرابلس الغرب الإستقلال. ومن ناحية أخرى دعا ممثلو حزب المؤتمر الوطني وهيئة تحرير ليبيا إلى عدم التعاون مع السلطات البريطانيّة ورفض الإنصياع لتدابير الطواريء التي أعلنتها، وما يزال الإضراب العام مستمرّا ولا يلوح ما يشير إلى انتهائه قريبا...ورفع العلم السنوسيّ في عدّة مدن وعلى المساجد الرئيسيّة . وقد أبرقت منظّمة شباب بنغازي من أجل الإستقلال إلى وزير الخارجيّة إرنيست بيفين تصف خطّته مع الوزير الإيطالي سفورزا، بأنها غير أخلاقيّة وتتنكّر للوعود البرطانية للشعب الليبي، محمّلة الحكومة البريطانيّة مسئوليّة ما ينجم عن الإضطرابات".وفي مدن برقة اندلعت يوم 15 مايو مظاهرات حاشدة، حُرق فيها العلم البريطاني في اجدابيا. وفي درنة توجّه المتظاهرون وفي طليعتهم قائد جيش الجهاد ضدّ الإيطاليين السيّد صفي الدين السنوسي، وعميد البلديّة وقاضي المدينة حاملين اللافتات المندّدة بمشروع بيفين سفورزا إلى مقرّ الحاكم البريطاني. وفي بنغازي قامت مظاهرة ضخمة صاخبة تقدّمها قادة الجمعيّة : محمود مخلوف ومهدي المطّردي، وكذلك عمر شنّيب الذي عاد لتوّه من اجتماعات الأمم التحدة، وقائمقام المدينة عبد السلام بسيكري ورمضان الكيخيا وصالح بويصير رئيس تحرير (برقة الجديدة) والصحفي محمّد بن صويد. وقد توجّهوا إلى قصر الأمير فعلموا أنه غائب في مقرّه بالليثي، ولذلك احتشدت المظاهرة في ميدان البلديّة، وهناك خطب فيها عمر شنّيب مندّدا بالمشروع وطالبا من المتظاهرين الإنصراف بسلام، وفقا لرغبة الأمير. ومن ناحية أخرى كان زعماء الجمعيّة بشير المغيربي وشاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي ومحمّد السعداويّة قد عادوا من طرابلس التي توجّهوا إليها وشاركوا في تظاهراتها، وجاء معهم أحمد الحصائري وسليمان دهان من قادة الحركة الوطنيّة في طرابلس(1). كما انهالت برقيّات الشجب والإستنكار من الأحزاب والشخصيّات الليبيّة، على مقرّ الأمانة العامّة للأمم المتحدة والجامعة العربيّة ووزراء خارجيّة الدول الكبرى، وهدّد بعضها (من منصور بن قدارة ومصطفى ميزران) بالعودة إلى الكفاح المسلّح لمنع عودة الإستعمار الإيطالي، وتحقيق الإستقلال. وإضافة إلى رفض الوفود العربيّة ومعها الكتلة السوفييتيّة للمشروع، ندّد به أيضا ظفر الله خان وزير خارجيّة باكستان، ولو أنه، خشية تقسيم ليبيا، طالب بحلّ بديل وهوالوصاية الدّوليّة عليها تمهيدا لمنحها الإستقلال كدولة موّحدة. كما أن وفد هيئة تحرير ليبيا الذي جاء برعاية جامعة الدّول العربيّة والمكوّن من منصور بن قداره ود. علي العنيزي والمستشار د.فؤاد شكري قام بجهد مكثّف دؤوب، ومعه وفد المؤتمر الوطني البرقاوي المكوّن من عمر شنّيب وعبد الحميد العبّار (رفيق الشهيد عمر المختار في المقاومة معتمرا الزيّ الوطني) وخليل القلاّل. وقد توصّل الوفدان إلى صياغة مذكّرة مشتركة تؤكّد إجماع ممثلي الشعب الليبي في الأقاليم الثلاثة على الوحدة والإستقلال تحت تاج السيّد إدريس السنوسي وُزّعت على جميع الوفود قبل طرح القضيّة على الجمعيّة العامّة. وواضح من هذه المذكّرة الموقّع عليها أن الوفدين أحسّا في تلك الفترة الخطيرة التي تتقاذف فيها المطامع الأجنبيّة مصير البلاد بضرورة توحيد الموقف بالتأكيد على وحدتها واستقلالها تحت تاج السيد إدريس السنوسي، فسدّ هذا الموقف الموحّد الثغرات أمام المناورات الغربيّة. والجدير بالذكر هنا أن الوفد الليبي توجّه أيضا نحو الناشطين في حركة الأمريكيين السّود، فعقد بمعيّة ممثّلين من مصر وموريشيوس(2) والصومال وأريتري، إجتماعا سرّيّا يوم 4 مايو 1949 – في غمرة النقاش المحموم حول مؤامرة بيفين–سفورزا مع زعماء "الحركة الوطنيّة الأفريقيّة المتحدة" بفندق (تيريزا) بحي هارلم، نيويورك، وكان يمثّلها: Grover Jhons-Al Stevens-AI.Jhonson-Arthur Reid-James R.Lawson واتخذوا القرارت التالية:
1. فلتخرج إيطاليا من أفريقيا !
2. فلينته الإستعمار الأوروبّي !
3. أفريقيا للأفريقيين !
4. لا للوصاية الأوربيّة مطلقا!
5. على الموفدين إبلاغ جماهير هارلم يوم 29 مايو. كما قرّر المؤتمر متابعة قضيّة المستعمرات الإيطاليّة كلّ يوم جمعة". (يظهر ذلك في الصورة المنشورة)
وكذلك الإتصال مع الوفود، لا سيّما الوفد الأمريكي لكسب تأييده، وتعبئة المواطنين السّود الأمريكيين للتضامن مع إخوانهم الأفارقة. وفعلا أثّرت هذه الإتصالات في تعديل مواقف الوفد الأمريكي.أثناء المداولات الكثيرة. ويذكر هنا أن الوفد الليبي كثّف من نشاطه ببقيّة الوفود، وفي لقائهم مع وزير الخارجيّة الأمريكي دالاس حاول تبرير موقف حكومته في تأييد المشروع بعدم الحكمة من منح الإستقلال لبلدان صغيرة الحجم غير مؤهّلة له إقتصاديّا. وكان جواب الوفد المفحم أن دولة أيسلاندا وعدد سكّانها لايتجاوز مائة وعشرين ألفا نالت إستقلالها وكانت من مؤسّسي الأمم المتحدة، فكيف لا يحقّ ذلك لليبيا وعدد سكّانها يتجاوز المليون. والمعروف أن صوت (إميل سان لو) ممثّل هايتي كان حاسما في أفشال مشروع بيفين –سفورزا، وبالإضافة إلى الإتصالات التي أجراها معه الوفد الليبي، وخاصّة د.على العنيزي، فالرجل لم يفاجيء أحدا بموقفه النبيل، فقد اطّلع محرّر هذه الورقة على محاضر الجلسات في اللجنة المختصّة والجمعيّة العامّة، وقرأ المداخلة الحارّة التي ألقاها إميل سان لو يوم 5 مايو 1949، والتي رفض فيها قبول مشروع أمريكا اللآتينيّة وهي التي تنتمي إليها بلاده، وكذلك المقترح البريطاني لأنهما تجاهلا رغبات الشعب الليبي كما عرضتها وفوده في المداولات، وتتعارضان مع مباديء الميثاق. ومن بين أقواله :"إنني كممثّل لشعب مضى متقدّما في مسيرته دون توقّف، من حالة العبوديّة إلى حالة الإستقلال الكامل، يعتقد بأنه لا يمكن للجمعيّة العامّة، إن التزمت العدل، أن تتنكّر لمطالب أمّة مهيّئة للإستقلال".

مفتاح السيّد الشريف


(*) سيلاحظ القاريء أن هناك بعض الإضافات والتعديلات الطفيفة أُدخلتها في النسخة المعدّة للنشر، لمزيد من الإيضاح.
(1) الفقرة عن مظاهرات اجدابيا ودرنة وبنغازي أضيفت إلى النسخة المنشورة، وهي مستقاة من تقرير للسفارة البريطانيّة. كما أن صور نشاط الوفد الليبي في الأمم المتحدة أضيفت أيضا.
(2) ورد في ورقة المؤتمر ذكر إثيوبيا خطأ. والواقع أن الدول الأفريقيّة الأعضاء في الأمم المتحدة آنذاك ـ باستثناء النظام العنصري في جنوب أفريقيا ـ هي : إثيوبيا (وكان موقفها منصبّا على الحصول على الوصاية على إريتريا ولهذا استبعدت من مؤتمر الأمريكان السود)، وليبيريا المؤيّدة لها، ومصر وموريشيوس.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home