Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed al-Saiti
الكاتب الليبي محمد السعيطي

Monday, 6 February, 2006

العـقل الملحد الحاقد وأزمة البحث عـن الحقيقة..
( الزَّنيم(1) مثالا(2) )

محمد السعـيطي

بسم الله الرحمن الرحيم

ممَّا جاءَ في كتاب (وَحْيُ القَلَم) لدُرَّة تاج الأدب العربيّ مصطفى صادق الرافعيّ ـ رضي اللهُ عنه ـ تحت عنوان "كُفْرُ الذُّبابة": "قال كليلة: واعلم يا دمنة! أنه لولا أنّ هذه العنزَ الحمقاء قد كفرتْ كُفْرَ الذبابة؛ لما أخذها اللهُ أَخْذَ الذبابة...! قال دمنة: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنَّ ذبابةً سوداءَ كانت من حمْقى الذّبَّان قُدّرت الحماقةُ عليها أبديَّةً، فلو انقلبتْ نقطةَ حبر في دَوَاة لما كُتبتْ بها إلا كلمةُ سُخف. ووقعتْ هذه الذبابةُ على وجه امرأة زنجية ضخمة، فجعلتْ تُقابل بين نفسها وبين المرأة؛ وقالتْ: إنّ هذا لمن أدلّ الدليل على أنّ العالَمَ فوضى لا نظام فيه، وأنّه مُرْسَلٌ كيف يتفق على ما يتفق، عبثاً في عبث، ولاريب أنّ الأنبياءَ قد كذَبَوا الناسَ، إذْ كيف يستوي في الحكمة خَلْقي (أنا) وخَلْقُ هذه الذبابة الضخمة التي أنا فَوْقها...؟
ثم نظرتْ ليلةً في السماء، فأبصرتْ نجومَها يتلألأْنَ وبينها القمر؛فقالتْ: وهذا دليل آخرُ على ما تحقَّقَ عندي من فوضى العالَم، وكذب الأديان، وعَبَث المصادفات؛فما الإيمان بعينه إلا الإلحاد بعينه، ووَضْعُ العقل في شيء هو إيجاد الألوهية فيه، وإلّإ فكيفَ يستوي في الحكمة وَضْعي (أنا) في الأرض ورَفْعُ هذا الذبان الأبيض ويعسوبه الكبير إلى السماء...؟
ثُمَّ إنَّها وقعتْ في دار فلَّاح، فجعلتْ تَمُورُ فيها ذهاباً وجَيئةً، حتى رجعتْ بقرةُ الفلاح من مرعاها، فَبُهتتْ الذبابةُ وجمدت على غُرَّتها من أول النهار إلى آخره، كأنَّها تُزاولُ عملاً، فلمّا أمستْ قالتْ: وهذا دليلٌ أكبرُ الدليل على فوضى الأرزاق في الدنيا، فهاتان ذبابتان قد ثَقَبَتا ثُقْبَيْن في وجه هذه البقرة... واكْتَنَّتا فيهما تأكلان من شحمهما فتعظمان سمَنَاً؛ والنَّاسُ من جهلهم بالعلم الذُّبَّانيّ يسمّونهما عينين... وأنا قضيتُ اليوم كله أخْمشُ وأعضّ وألسع لأثقب لي ثقباً مثلهما فما انتزعتُ شعرةً؛ فهل يستوي في الحكمة رزقي (أنا) ورزق هاتين الذبابتين في وجه االبقرة...؟
ثم إنها رأت خنفساءَ تدبُّ دبيبها في الأرواث والأقذار؛ فنظرتْ إليها وقالتْ: هذه لا تصلح دليلاً على الكُفْر؛ فإنّي (أنا) خيرٌ منها؛(أنا) لي أجنحةٌ وليسَ لها، و(أنا) خفيفة وهي ثقيلة؛ وما كأنَّها إلَّا ذبابةٌ قديمة من ذباب القرون الأولى، ذلك الذي كان بليداً لا يتحرك فلم تجعل له الحركةُ جناحاً. ثم إنها أصغتْ فسمعتْ الخنفساء تقول لأُخرى وهي تحاورها: إذا لم يجد المخلوقُ أنَّهُ كما يشتهي فليكفرْ كما يشتهي؛ ياويحنا! لمَ لَمْ نكنْ جاموساً كهذا الجاموس العظيم، وما بيننا وبينه فرقٌ إلَّا أنَّهُ وَجَدَ مَنْ ينفخه ولم نجد...؟
فقالت الذبابة: إنّ هذا دليلُ العقل في هذه العاقلة، ولَعَمْري إنها لا تمشي مُثَّاقلةً من أنّها بطيئةٌ مُرهقة بعَجْزها، ولكنْ من أنها وَقورٌ مُثْقَلة بأفكارها، وهي الدليل على أنّي (أنا) السابقةُ إلى كشف الحقيقة...!
وجعلت الذبابةُ لا يُسْمعُ من دندنتها إلَّا : أنا، أنا، أنا،.... من كُفْر إلى كُفْر غيره، إلى كفر غيرهما؛ حتَّى كأنَّ السماوات كلَّها أصبحتْ في معركة مع ذبابة... ثمَّ جاءت الحقيقةُ إلى هذا الإلحاد الأحمق تسعى سَعْيَها؛ فبَيْنا الذُّبابةُ على وجه حائط، وقدْ أكلتْ بعوضةً أو بعوضتيْن، وأعجبتها نفسُها، فوقفتْ تحكُّ ذراعَها بذراعها ـ دَنَتْ بَطَّةٌ صغيرةٌ قد انفلقتْ عنها البيضةُ أمْس، فمَدَّتْ منقارَها، فالتقطتْها... ولمَّا انطبق المنقارُ عليها قالتْ: آمنتُ أنَّه لا إلهَ إلَّا الذي خَلَقَ البطةَ...!" انتهى كلامه ـ رحمه الله.

* * *

بينما كنتُ أقلِّب صفحات المواقع الليبية على "الانترنت" فإذا بكاتب يسمّي نفسه حكيم؛ يكتب - مستهزءاً - بهبَّة الأمَّة المحمدية لنبيها ـ صلى الله عليه وسلّم ـ ؛ فقلبتُ طرفي في مقالة سَوْئه، فوجدتها مكتوبةً بكلمات؛ مدادها الكبْرُ، وحبرها الزَّهْو والصَّلَف..
ثم إني صعّدت فيها نظري وصوبته، وأدرتُ فيها رأيي، فوجدتها لا تصدر إلَّا من متخلّف الذهن، مظلم البصيرة... بل هو فاسد الأهواء، قد امتلأ قلبه ضغينةً على سيد الخلائق أجمعين ـ صلى الله عليه وسلّم..
فلمَّا رأيتُ هذا الزنيمَ قد كاشفَ بالعداوة للّه ـ سبحانه ـ، وكشف عن قناعه، بل إنَّه قد تمادى في ضلاله، ولجَّ في غَوايته، وغَلَا في جهالته! قلتُ لنفسي :
أما الاعتداء على الله ـ سبحانه ـ، و الطعن في الحبيب ـ صلى الله عليه وسلّم ـ فدون السكوت عليه خرْط القتاد، وشَيْبُ الغُراب.. فاستعنتُ اللهَ سبحانه في كتابة هذا التعليق؛ متمثّلاً بقول الشاعر:
ولي فرس للحلْم بالحلْم ملجَمُ       ولي فرس للجهل بالجهل مُسْرَجُ
فمن رام تقويمي فإنّي مقوَّمُ         ومن رام تعويجي فإنّي معوَّجُ

هذا "الزنيم" أو "الذبابة الكافرة" ـ كمَّا سمَّاه الرافعي ـ قد حَجَبَهُ حقده، وكبره عن البحث عن الحقيقة.. فتراه لا يسير على منهج واضح في إثبات الحقائق.. فتارة يستدل بما لايثبت من النقل، مما لا يصلح للاستدلال أصلاً ؛ أو أنَّه صحيح ولكن يفهمه على غير وجهه الصحيح الذي فسره به العلماءُ.. وتارةً أخرى يستدل بما لا يُقبَل في ميزان العقل والمنطق؛ وهذا دليل على أنه إنما يسير في أفكاره وآرائه بدَافع من البغضاء والعداوة، وبسائق من الضغينة والغلّ، لا برغبة في الوصول إلى الحقّ...

ففي مقاله هذا وصف "الزنيم" المسلمين بأنهم غوغاء، وهذا كلام متكبر حسود قد غطَّى الحقد على عقله... كما أنه تكلم عن حرية الرأي في الغرب، وهذا شيءٌ نُقرّ به جميعاً.. لكنَّ الشيء الذي لا يذكره عاجز الرأي هذا ـ وهو يعلمه تمام العلم ـ أن هذه الحرية ليست مطلقةً. بل إنَّني أتحدى عاثر الرأي أن يكتب في أي جريدة أمريكية مناقشا مسألة تاريخية خاضعة للنقاش، ألا وهي محارق النازية ضد اليهود (The Holocaust)..فكل العقلاء يعرفون أنه سيتهم مباشرة بمعاداة السامية (anti-Semitism)..إذاً هناك حدودٌ تقف عندها حرية التعبير، حتَّى في بلاد الغرب، فلم المُكَابرة، والتلبيس؟!

ثم إنه تمادى في كذبه ـ وهذا دليل آخر على أنه لا يريد الحقّ ـ مُدَّعيا أن قادة المسلمين في الغرب عندما هدَّأوا المسلمين إنما فعلوا ذلك لأجل المصلحة لا لأنهم مقتنعون دينياً وأخلاقياً بذلك.. ولو كان لديه أدنى اطَّلاع على كتاباتهم لَوَجَد أنهم دائماً يؤكدون على حقيقة أنّ المسلمين في الغرب معاهدون، ولا يجوز لهم شرعاً عمل أي شيء يخل بأمن تلك الدول، لكن الضغينة غطَّتْ على عقله، وطمست على قلبه...

وهي ـ أي الذبابة الكافرة ـ تزعم أن المسلمين ليس لديهم سوى سلاحي المقاطعة والإرهاب.. هكذا زعمتْ.. أمَّا سلاح المقاطعة فلا يجادل عاقل في أنه حق مشروع، باعتبار أنّ كل إنسان حُرٌّ في أنْ يشتري ممَّن يشاء، فهذا أمر شخصيٌّ صرْف ـ ومع ذلك فقد أثبت جدواها؛ فها هي حكومةً الدانمارك وجريدتها تعتذران لأمة محمد (صلى اللّه عليه وسلم) !

ولكن لتَقُلْ لي تلك الذبابة الملحدة: هل الاستهزاء حُجٌّة، حتَّى تُقابَل بالحُجَّة؟! وهل يملك المسلمون الأسلحة الكيميائية التي اعترفتْ أمريكا (دولة الحرية التي تقيم فيها الذبابة الملحدة) أنَّها ألقتها على المدنيين في الفلوجة حتَّى يلقوها على مبنى الجريدة!!!

إنَّ سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمداً (صلى اللّه عليه وسلم) من الثوابت التي لا يقبل المسلمون فيها طعنا ولا غمزا.. لأنه رمز الشريعة، ومبلغ الوحي، ورسول الله؛ فلا نقبل فيه لمزاً ولا استهزاءً لا من صهيونيّ حاقد يتستر بستار حرية التعبير، ولا من ذبابة ملحدة مثلك أنت!

لقد كان حُبُّ أصحاب النبي (صلى اللّه عليه وسلم) له واقتداؤهم به هو الذي جعلهم ينشرون الإسلام في الشرق والغرب(3) ؛ وإنَّ هذه الأزمة قد برهنتْ من جديد على أنَّ مكانته (صلى اللّه عليه وسلم) لا تزال هي هي في قلوبنا، رغم أنوف الحاقدين والحاسدين..

أمّا محمد ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ فعندنا هو رسول الله وخير الخلائق أجمعين... وعند المنصفين من فلاسفة الغرب ومفكريه هو عبقريٌّ من العباقرة، و مُصلحٌ من المصلحين في تاريخ البشرية(4) .. كان وسيبقى هكذا إلى يوم القيامة... وأمَّا الملاحدة الحاقدون فلا يغتر بقولهم إلا من كانت عاقبته وخيمة.. ولن يذكرهم التاريخ والبشرية إلا كما يذكرون ذبابة الرافعيّ تلك؛ أو ذبابتنا الزنيمة النكرة!!!

إنَّ أمة الإسلام لن تزال تردّد قول البوصيري ـ رحمه الله ـ في "البردة" :
محمد سيد الكونين والثقلي           ن والفريقين من عرب ومن عجم
نبينا الآمر الناهي فلا أحد            أبر في قول لا منه ولا نعم
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته      لكل هول من الأهوال مقتحم
دعا إلى الله فالمستمسكون به         مستمسكون بحبل غير منفصم
فاق النبيئين في خلق وفي خلق       ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس          غرفا من البحر أو رشفا من الديم
وواقفون لديه عند حدهم               من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهو الذي تم معناه وصورته           ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسم

وقوله في "الهمزية" :
لا تَخَلْ جانبَ النبي مُضَاماً            حينَ مسّتْهُ منهمُ الأسْواءُ
كلُّ أمْر نابَ النبيين                     فالشدةُ فيه محمودةٌ والرخاءُ
كم يد عن نبيه كفَّها                     الّلهُ و في الخَلْق كَثْرةٌ واجتراءُ
إذْ دعا وحده العبادَ وأمْسَتْ             منه في كلّ مُقْلَة أَقْذَاءُ
هَمَّ قومٌ بقتله فأبى السيف               وفاءً وفاءت الصَّفْواءُ
وستبقى أنتَ أيها الزنيمُ في مزبلة التاريخ تقتاتُ من فضلاتها...

مولايَ صلّ وسلّم دائماً أَبَداً             على حبيبك خير الخلق كلهم
زدْ إلهي حبيبَنا صلوات                 معْ سلام لا يَعْتَريها انتهاءُ.

محمد السعـيطي
________________________________________________

(1) الزنيم :اللئيم المعروف بلؤمه وشرّه ؛قال تعالى{ مَنَّاع لِلخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيم، عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ} ؛وأعني به هنا من يسمي نفسه حكيم.
(2) تعليق على مقال "الدانمارك ومحنة العقل المسلم".
(3) قال رسول الله: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
(4) يقول جوتة الأديب الألماني :"إننا أهل أوربة بجميع مفاهيمنا ، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد ، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان ، فوجدته في النبي محمد … وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد".
وقال برناردشو الإنكليزي ، له مؤلف أسماه (محمد)، وقد أحرقته السلطة البريطانية ، يقول :
"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها"..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home