Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Saad Emazeb

Sunday, 1 January, 2006

ثمن الإذاعة... دماء وأموال

محمد سعـد امعـزب

تناولت الكثير من الأقلام الصحفية مسألة التشويش الاذاعي الذي تعرضت له "إذاعة الأمل" وذكرنا ذلك بتاريخ "القذافي" الطويل في محاربته لأي صوت حر يفضح ممارساته. وقد بدأ ذلك التاريخ مبكرا منذ عام 1976م .. فبعد ان نشرت جريد الأهرام المصرية في عددها الصادر يوم 12 مارس في العام 1976م حوار دار بين رئيس تحريرها والرائد عمر المحيشي الذي كان لاجئا وقتئذ بمصر وكشف فيه العديد من الحقائق التي تفضح سياسة القذافي.

وعلى إثر نشر هذا الحديث قامت قوات الأمن الليبيبة بحملة قمع واعتقال وطرد لعد من العاملين المصريين في ليبيا بلغ عددهم نحو ستة الآف عامل، واستمرت الحملة للايام التالية حتى وصل إجمالي عدد المطرودين إلى نحو اثني عشر ألف عامل، الأمر الذي جعل السلطات المصرية تواجه هذا التكدس البشري بتوفير قطارات سكة حديدية لنقل المواطنين من منطقة السلوم إلى داخل مصر.
وحتى لا تعطي سلطات القذافي الفرصة للمواطن الليبي لقراءة أحاديث الرائد المحيشي منع القذافي دخول الصحف والمجلات المصرية بالقرار الذي أصدره يوم 13 مارس 1976م.

وكان يوم 18 مارس 1976م يوما صعبا وقاسيا على "القذافي" عندما نشرت الصحف المصرية الصادرة في ذلك اليوم أن الرائد المحيشي سيوجه حديثا إلى الشعب الليبي في تمام الساعة التاسعة والنصف مساءا على موجة إذاعة "الشرق الأوسط". إذ يقول أول سفير مصري في ليبيا بعد انقلاب سبتمبر "صلاح الدين السعدني" في مذكراته أنه في التاسعة صباحا من ذلك اليوم اتصل به تلفونيا الرائد "عبدالسلام إجلوّد" وطلب منه ضرورة مقابلته فورا لأمر هام في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء.

يقول السفير وعندما قابلني وجدته ثائرا غاضبا وحاولت ملاطفته لامتصاص هذه الثورة العارمة التي كانت بداخله وأوضح لي أنهم تلقوا صباح اليوم نبأ إذاعة أحاديث الرائد المحيشي بالراديو في مساء اليوم عينه، ولذلك فإن مجلس الثورة بالكامل يرى أن موافقة مصر على هذا التصرف يعني لهم أن مصر قد قررت إعلان الحرب على ليبيا وبالتالي فعلى ليبيا أن تدافع عن نفسها وأنها في حالة حرب مع مصر منذ أن يبدأ إذاعة الحديث.

ويواصل السعدني في مذكراته: بعد ان استمعت له حاولت من جديد تهدئته ولكنه أصر على موقفهم إذ حدد لي أن هذا القرار هو قرار مجلس الثورة الليبي وليس قراره هو وأنه مكلف منهم بنقل هذا القرار لمصر عن طريقي ورجاني قائلا بحق العلاقة التي تربط بيننا ما يقرب من سبع سنوات، أرجو أن تتصل بالرئيس السادات محاولا إقناعه بإيقاف هذه الأحاديث وأبلغني أنهم قد خصصوا لي طائرة خاصة للسفر بها إلى القاهرة للقيام بهذه المهمة حتى لاتتعرض العلاقة بين البلدين إلى تدهور لايعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى.

وبعد انتهاء هذه المقابلة التي استغرقت أكثر من ساعة ونصف الساعة عدت إلى مكتبي واتصلت تلفونيا برئاسة الجمهورية التي أبلغتني أن الرئيس السادات يقيم في استراحة الاسماعيلية فطلبت نقل المكالمة إلى هناك، فكان نائب رئيس الجمهورية أبلغته بأهم ما جاء في لقائي مع الرائد إجلوّد كما أنني جاهز للحضور للاسماعيلية بالطائرة الخاصة لمحاولة إقناع الرئيس بالعدول عن قراره، وذلك لتهدئة جو العلاقات بين البلدين حتى لايفلت زمام الأمور. طلب مني نائب رئيس الجمهورية الانتظار للحظة على التلفون ليتفاهم مع الرئيس السادات وبعد دقائق كان رده بأن لا أهتم بما قاله لي الرائد إجلوّد ولتفعل ليبيا ما تشاء ولا داعي لحضوري إلى الإسماعيلية حيث أن الرئيس السادات لن يستمع لأحد.

بعد نصف ساعة من الاتصال، يقول السعدني، اتصل بي الرائد إجلوّد ليستفسر عما قررته من ناحية السفر إلى مصر مؤكدا أن الطائرة مازالت في انتظاري في المطار وتحت تصرفي، فأبلغته أن الموقف قد خرج من يدي كلية وأني لن أسافر إلى القاهرة، ولكم حق التصرف كما تشاؤون.
وتداعت الاحداث منذ ذلك اليوم حتى اندلعت الحرب بسبب هذا الحديث الإذاعي الموجه بين قوات تابعة للقذافي والقوات المصرية في صيف سنة 1977م.

وفي الواقع فإن ضيق القذافي وردود فعله الحانقة تجاه أي رأي معارض لاتعرف الحدود وله في هذا الباب وبخاصة مع البرامج الإذاعية الموجهة إلى داخل ليبيا تاريخ حافل وطويل.
فالمعروف أن عروض القذافي المالية السخية للرئيس السوداني السابق جعفر النميري من أجل أقناعه بإيقاف برنامج "جبهة الإنقاذ" المنطلق من الأراضي السودانية لم تتوقف على امتداد الفترة منذ انطلاق ذلك الصوت في سبتمبر عام 1982م حتى إبريل عام 1985م.
ففي فبراير 1984 سجل القذافي احتجاجا رسميا لدى جامعة الدول العربية ضد السودان لسماحه للجبهة ببث برنامجها الموجه إلى ليبيا عبر الإذاعة السودانية.
وفي مارس من العام 1984 نفسه قامت إحدى الطائرات العسكرية الليبية بضرب مقر الإذاعة السودانية بأم درمان بالقنابل، الأمر الذي أدى إلى قتل وجرح عدد من المواطنين السودانيين.

وبعد تحول البرنامج الإذاعي من السودان إلى العراق في العام 1985م، ظل المطلب الرئيس والثابت للقذافي خلال جميع محاولات التقارب والمصالحة بينه وبين العراق، هوالإيقاف الفوري من قبل العراق لبرنامج "جبهة الإنقاذ" المنبعث من بغداد. وعندما شرعت "جبهة الإنقاذ" في توجيه برنامجها الإذاعي من داخل الأراضي التشادية في العام 1987م استأنف القذافي تقديم عروضه المالية السخية على الحكومة التشادية من أجل إيقاف البرنامج الإذاعي ولم يتردد "القذافي" في إحدى المرات عام 1989م في توسيط ياسر عرفات في هذه المهمة حيث حمل هذا الأخير عرضا ماليا مفتوحا للرئيس السابق حسين حبري مقابل قيامه بإغلاق برنامج الجبهة الإذاعي المعروف بـ"صوت الشعب الليبي".
كما قام فضلا عن ذلك بانفاق عشرات الملايين من الدولارات على بناء محطات التشويش الإذاعي في عدد من دول أوروبا الشرقية وفي ليبيا وعلى استئجار سفن التشويش الإذاعي العائمة، وفي اقتناء العشرات من سيارات التشويش ونشرها في نواحي البلاد.

وفي 21 مارس 1994م قام وزير خارجية القذافي عمر المنتصر بزيارة إلى تركيا استمرت ثلاثة أيام عرض فيها على الحكومة التركية إيقاف البث الإذاعي "لجبهة الإنقاذ" مقابل صرف الديون البالغة 600 مليون دولار المستحقة على لليبيا للمقاولين الأتراك، وتمنح الشركات التركية وكذلك العاملين الأتراك الأولوية في مشاريع البناء داخل ليبياِ. وفي حالة عدم استجابة الحكومة التركية لهذا المطلب فإن ليبيا ستقطع كامل صلاتها وعلاقاتها التجارية وتمنع أي مساعدة عنها، كما وأن الشركات التركية والعاملين الأتراك سوف يعودون إلى بلادهم دون مستحقاتهم المالية، وأن ديون شركات المقاولات التركية لن تدفع لهم.
ومن المعروف أن إذاعة الجبهة قد استأنفت بث برنامجها الإذاعي الموجه إلى داخل ليبيا أوآخر شهر فبراير 1994م عبر الأقمار الصناعية.

ولم يكتف "القذافي" في حربه غير المقدسة ضد أصحاب الرأي بالاتصال بالدول وإغرائها بالمال وتهديدها بالمقاطعة وإعلان الحرب إن هي رفضت عروضه بل وصل الحد إلى إرسال فريقا من العملاء قاموا باغتيال الإذاعي الشهير المرحوم محمد مصطفى رمضان في لندن خلال شهر أبريل عام 1980م، وكذلك محاولة إغتيال الأستاذ محمود رضا البرجيني صاحب شبكة الإذاعة والتلفزيون العربية في روما يوم 15 فبراير عام 1986م، وكذلك إرساله لفريق من العملاء إلى الخرطوم لنسف إذاعة "جبهة الإنقاذ" في عام 1984م.
ولذلك لم يكن غريبا علينا من تاريخ القذافي الحافل بالإجرام والإرهاب والعنف الداخلي، والخارجي أنه لن يتوان في رصد الملايين من الدولارات للتشويش على صوت "إذاعة الأمل" والدفع بالأموال الهائلة لإغراء وشراء الذمم، فالتشويش معركة بالنسبة "للانقلابي" الذي جاء تحت جنح الظلام، ويفتقد للشرعية الدستورية، وهو قضية حياة أو موت، بقاء أو زوال، إستمرار لباطله وتدجيله على الناس.. لأن الطفيليات الليلية لا تستطيع أن تعيش تحت ضوء الشمس ووضح النهار، ولذلك لم يستطع "القذافي" أن يصبر حتى على "همسات تجريبية" لصوت إذاعة كانت ستصدح بحقيقة تاريخه المظلم والدموي في حق شعبنا الليبي الأبي الصابر، "ويمكرون ويمكر الله والله خيرالماكرين".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home