Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Omar Hussain
الكاتب الليبي محمد عمر حسين

الخميس 20 نوفمبر 2008

في ذكرى الشهيد المعلم

محمد عـمر حسين

بسم الله الرحمن الرحيم : قال سبحانه وبحمده ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) الأحزاب ، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير ، محمدٍ وآله الطاهرين وصحابته المجاهدين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..

إثر رحيل الإمام الشهيد " حسن البنا " بدأت رحلة الأستاذ " سيد قطب " إلى الشهادة ، فانضم إلى موكب الدعوة ، وقد كان لتحوله الفكري وانتسابه الحركي لجماعة الإخوان المسلمين فيما بعد ؛ كبير الأثر في تنظيم أفكاره وتطوير منهجيته وتعميق إنتمائه .. لقد عاش " سيد قطب " الفترة ما بين 1954 م إلى 1965 م ؛ حبيساً في سجنه ، ولكنه كان طليقاً في فكره وأصيلاً في انتمائه ، وحراً بعبوديته لله جل شأنه ..

إن الذي يقرأ ما كتبه وسطره الشهيد المعلم في تفسيره الحركي " في ظلال القرآن " ، ويستعرض ما خطه بنانه في المعالم ، والمستقبل لهذا الدين وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته وهذا الدين .. يشعر ويحس أنه يستعرض ملحمة إيمانية كان غذاؤها روح كاتبها وحروفها نبض قلبه .. ولعل هذا هو مكمن قدرتها على التأثير والتنوير والإستشراف ، وما تماسك الفكرة الإسلامية واستمرارها ؛ رغم الضربات وما تعاني من قيود ، إلا بفضل تضحيات أبناء الأمة المخلصين ومواقف الدعاة المشرقة المتصلة بالنبع الإلهي الكريم ..

لقد واجه الأستاذ سيد اضطهاداً حاقداً مجنوناً ، وعذب عذاباً رهيباً ، ومع ذلك فقد قدم لأمته الإسلامية وللباحثين عن الحق ما قدم من بيان وتأصيل وهداية ورشد .. لقد خيل للجاهلية يومها أنها تستطيع أن تخنق أنفاس الحق لتستريح من الشهيد ، لقد لاحقتها الهزائم متتاليات ، وكان حقاً على الله نصر المؤمنين ..

إن فكر الشهيد " سيد قطب " اليوم يغزو العالم ليرتب مدارك المصلحين ، ولتستروح في ظلاله أجيال طالما لفحتها الجاهلية بسمومها ، وتشعبت بها السبل بعيداً عن ملة التوحيد وشريعة القرآن وبركات السنة النبوية المطهرة ..

لقد بدأت علاقة الشهيد بضباط الثورة ؛ الذين تتلمذوا على بعض كتبه ومقالاته التي تبشر بالإصلاح الإسلامي للوضع السياسي والإجتماعي .. وتهاجم المسؤولين عن الفساد من رجال البلاط والأحزاب والإقطاعيين وعملاء الإنجليز .. وتوثقت العلاقة بهم بعد الثورة حيث كانت له معهم جهود إصلاحية ، والتفوا حوله واتخذوه مستشاراً للثورة في الأمور الداخلية ، وإعترافاً بدور الأستاذ في التهيئة للثورة على النظام الملكي المتعفن في مصر ؛ عقد الضباط الأحرار في عام 1952م حفلاً لتكريمه ، وألقى الأستاذ محاضرة بعنوان ( التحرر الفكري والروحي في الإسلام ) ، وكان رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الدولة يومئذ اللواء " محمد نجيب " ؛ قد أناب من يلقي كلمته التي جاء التعريف فيها بالأستاذ سيد قطب أنه ( رائد الثورة ومعلمها وراعيها وقائد قادتها ورئيس رؤسائها ) ، وقد كان مما قاله الأستاذ في محاضرته يومها ( إن الثورة قد بدأت حقاً ، وليس لنا أن نُثني عليها ؛ لأنها لم تعمل بعد شيئاً يستحق أن يذكر ، فخروج الملك ليس غاية الثورة ، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام ) ثم قال ( لقد كنت في عهد الملكية مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة ، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضاً ، فأنا في هذا العهد مهيئ نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل ) ، وهنا وقف الطاغية جمال عبدالناصر وقال ( أخي الكبير سيد ، والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثثاً هامدة ونعاهدك باسم الله ، بل نجدد العهد لك أن نكون فداءك حتى الموت ) ، وعلى هذا الأساس استمرت علاقة الأستاذ " سيد قطب " برجال الثورة بضعة أشهر ؛ كان قد تبين له فيها عداء ومكر مجموعة مقربة من عبدالناصر ؛ كانت توغر صدره بالأكاذيب على الإخوان وتوحي له بالصدام معهم ، وتجرؤه على المضي في درب الغواية ومجاهلها ..!!

وفي مطلع 1953م ،، برزت فكرة تأسيس هيئة التحرير ، وهي تقضي بحل ُشعب الإخوان وتذويبهم في حزب سياسي يكون واجهة للثورة ، وقاعدة شعبية تدافع عنها وتتبنى أهدافها .. رفض الإخوان الإنضمام خصوصاً بعد ما سمعوا من منظري الهيئة .. من أن أفقها العليا لا تقصر على محمد صلى الله عليه وسلم وعمر وخالد .. بل تتسع لتشمل لينين وماركس وفرويد ..؟!

حاول الشهيد أن يمنع الصدام الذي كانت تتراءى بوادره ، ولما استيأس من الجمع والإصلاح .. فاصلهم وترك مغرياتهم ومناصبهم ، لأنها تتعارض مع تفكيره الإسلامي وهدفه السامي ، وقد تدرج في انقطاعه حتى آلت علاقته خلال شهرين للإنفصال والقطيعة ، وانحاز الأستاذ سيد للإخوان بالكامل ، بعد أن ظل صديقاً متعاطفاً مع دعوتهم لسنوات ، ولكن دون إلتزام أو إرتباط تنظيمي يجمعهم ..

إذاً .. فقد انضم الأستاذ " سيد قطب " لحركة الإخوان المسلمين ، وهو يرى أنها الحقل الصالح للعمل الأسلامي وحركة البعث الشاملة ، وأنه ليس لها بديل مكافئ للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية ، وهي السد المنيع يومها في وجه تيار الأفكار الإلحادية الوافدة والإنحلال الأخلاقي .. لقد كانت حركة الإخوان المسلمين يومها سفينة حقيقية للنجاة .. وكانت بحق تمثل الجزء الرئيس من أهم الحلول والمسارات التي ينبغي التزامها ..

لقد انضم الشهيد لإخوانه ، وهو يعلم أن سماءهم ملبدة بغيوم محنة ؛ فاقت مقادير الحقد فيها تقدير الماكرين ، وبهذه الخطوة يتبدى بوضوح معدن الشخصية المسلمة التي ترفض منطق المتاجرة بالمبادئ ، وتمتنع وتترفع عن إيثار السلامة والعافية بعيداً عن تحمل مسؤولياتها تجاه دينها ودعوتها وأمتها المنكوبة الحائرة .. لقد كان الأستاذ " سيد قطب " وفياً لمنهج ومبادئ دعوة الإخوان المسلمين ، فهل وفت له الحركة عربون تضحياته وقدرت وزن آثاره الفكرية ومنهجه الدعوي ، ومناقبه ومواقفه الإيمانية ..؟؟

كان الخلاف قد دب بين الإخوان والثورة بسبب رفض الحكومة لبرنامج الإصلاح الإسلامي ، واتسع الخرق بتوقيع معاهدة الجلاء مع الحكومة البريطانية عام 1954 م ، لكونها تراعي مصالح بريطانيا على حساب مصر والإسلام .. وبلغ الإصطدام ذروته بتلفيق حادثة المنشية ؛ التي اتهم فيها الإخوان بالشروع في اغتيال الرئيس الطاغية .. وكانت المناسبة المفتعلة التي اغتنمتها قيادة الثورة ؛ لتصفية حركة الإخوان المسلمين ، وللعبث بهوية ومقدرات الشعب المصري المسلم ، ومن ورائه أمة المسلمين كافة ؟؟!!

لقد لاقى " الإخوان المسلمون " في سجون الطاغوت عبدالناصر أبشع ألوان التنكيل والإضطهاد ، مما لا يمكن تصوره إلا في الأمم الغابرة ، أو في تاريخ التتر الوحوش ، أو الإضطهاد الديني ومحاكم التفتيش في العالم الصليبي المظلم .. وقد كان من مشاهد تلك المحنة ، أن أصر قضاة المحكمة في إحدى جلساتها على الأستاذ " سيـد " ليقول الحقيقة كما يريدونها ؛ فأقدم على تمزيق قميصه بجرأة في قاعة المحكمة ، وكشف عن آثار السياط ، والكي بالنار ومواضع نهش أنياب وقواطع الكلاب البوليسية المتوحشة في جسده الصابر ، ثم أدار ظهره للحضور ليشهدوا ‍‍‍..!؟

لقد كان كتابه " معالم في الطريق " هو أبرز بؤر التوتر في محاكمته الأخيرة ، وذلك بسبب تعرضه فيه لمقاتل تفضح الجاهلية المعاصرة ، وتبين مفاهيم الإسلام الربانية وتعرض منهجه في الحياة ..

وفي 21 أغسطس من عام 1966 م ، حكم على الشهداء " سيد قطب ومحمد يوسف هواش وعلي عبدالفتاح إسماعيل " بالإعدام شنقاً .. فقامت إثر ذلك مظاهرات إستنكار عمت أنحاء العالم الإسلامي ، وخاطب كبار العلماء والوجهاء والزعماء الرئيس الطاغية جمال عبدالناصر ليثنوه عن عزمه ومخططه ، ولكن سولت له نفسه أن يتجاوز تلك الإلتماسات ، وأن يقترف الخطيئة ويهدر الدم الحرام ، وأن يضيف المزيد إلى سجل خطاياه المشؤوم .. لقد كان موعد التنفيذ قبل بزوغ فجر 29 أغسطس 1966م ..

يقول الشهيد المعلم ( لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاءني اللحظة ، لقد عملت بقدر ما كنت مستطيعاً أن أعمل ، هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو مد لي في الحياة ، ولكن الحسرة لن تأكل قلبي إذا لم أستطع ، إن آخرين سوف يقومون بها ، إنها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء ) أفراح الروح ، وعندما ألقي عليه القبض في المرة الأخيرة قال ( لقد عرفت أن الحكومة تريد رأسي هذه المرة ، فلست نادماً لذلك ولا متأسفاً لوفاتي ، وإنما أنا سعيد للموت في سبيل ذلك ، وسيقرر المؤرخون في المستقبل من كان على الصراط المستقيم ، الإخوان أم نظام الحكم القائم ) من الميلاد إلى الإستشهاد الخالدي 151 ..

لقد كان في قتل الشهيد شعاع فجر وشموخ حق ونصاعة حجة ، وقد سجل التاريخ أنه سقى تربة الدعوة بنجيعه ، ولون طريق الدعاة بلون دمه بعد أن خط لها فقهاً للدعوة ومنهجاً للتأسيس والبناء .. لقد رحل الشهيد سيد قطب ، بعد أن خلف آثاراً كتبها مرتين .. مرة ببنانه ومداده ، والأخرى بدم الشهيد ونجيعه ..

وقد رثاه الشاعر أحمد محمد الصديق في قصيدة جاء فيها :
قف هكذا كالطود في إصرار ... تحدياً تسمو على الأخطـار
متجلداً رغم العذاب مصابراً ... كالنسر يحطم جبهة الإعصار
أقبلت نحو الله جل جلالــه ... متجرداً والناس في إدبـــار
وأنرت للأجيال خير معالــم ... للدرب هادية لخير منــــار
وجعلت وارفة الظلال معارجاً ... ترقى بهن منازل الأبــــرار
باقٍ على الأيام ذكرى خالـد ... في أفضل الأعمال والآثــــار

زاره يوماً في منزله ؛ سفير إحدى الدول العربية الثرية ، وعرض عليه مبلغاً معتبراً من المال ليستعين به على أعباء حياته ، ويمول به مشروعاته الأدبية والفكرية ، لكن سيداً رد عليه مكتئباً قلقاً وهو يقول ( لا أبيع نفسي وفكري وعقيدتي بأموال الدنيا كلها ، فأعد أموالك إلى حقيبتك ) ثم استلف من صديقٍ له بضعة جنيهات ليشتري بها الدواء ، وقد كانت هذه تجربة فريدة للسفير فقال وقد أحاط به العجب ( إن كثيراً من قادة الرأي والفكر والأدب يأخذون من دولتي هدايا مالية باستمرار ، ولكن سيد قطب طراز وحده ) من الميلاد إلى الإستشهاد الخالدي 184 ..

أذكر هذا الخبر مذكراً به عمائم السوء ممن امتلأت جيوبهم ، ونما لحم أكتافهم من فتات موائد أهين على حوافها الإسلام ، وضيع الحق ودنست الفضيلة .. ثم يأتي متشدقاً من لاخلاق له ليستدرك لفظاً وهو للمعاني مضيع ، وللأمانة خائن ..!!؟

لقد غيب يومها جسد الشهيد الحي ، وحضر اليوم فكره وجهاده ومواقفه لتكون زاداً للسالكين ونبراساً للسائرين ..

وبهذا أسدل الستار على أكبر مهزلة قضائية عسكرية شهدها التاريخ المعاصر ، وعلى أدمى ملحمة خاضها أبناء الإسلام في سبيل عزة دينهم وكبرياء عقيدتهم وشرف مسعاهم ، ودون اسم " سيد قطب " مع الشهداء في الصفحات المشرقة من تاريخ أولي العزم من الأئمة والدعاة المجاهدين .. نحسبه كذلك ولانزكي على الله أحداً ..

قال تبارك وتعالى ( إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) آل عمران

أيها الأبناء الأوفياء ..

لقد علمتنا الأيام .. أن أصحاب المشروعات هم صناع الحياة ، وأن اجتماع الناس على الأصول والمبادئ والعقائد ، خير لهم وأصلح من أن يتشتتوا بين زخارف القول الذي يُنسي بعضه بعضاً .. وقد كان مما تعلمنا أيضاً أن أصحاب المبادئ لا بد وأن يدفعوا ثمن الإنتساب لها ، وأن للإنضواء تحت لوائها ثمن هو بقيمة الحرية الحمراء ..

لقد علمتنا الحياة أنه كلما اقترب الناس من العمل الجاد كلما قل عددهم ، وأن الكثير منا قد يحسن ترتيب الكلام وصياغة الجمل ؛ إلا أنه ثمة مواطن في معركتنا تتطلب القليل من الحكاية والمزيد من الجهد والإنفاق ، وقد ينجح بعضنا في الإختبار الأول ، ولكن ينبغي أن نتذكر أنه ثمة عقبات تلي ذالك الإمتحان وتتالى بعده ..

لقد علمنا القرآن أن محبة الله عاطفة شريفة ، ومن الخير أن نعرف أنها مكلفة ولها تبعات ..

إنني إذ أقرر هذه المعاني ، فقد خطر ببالي أن نصف الحيرة والضلالة التي تشيعان في أرضنا اليوم ؛ إنما يحمل أوزارهما القادرين والعالمين ، ممن فرطوا في ميراث النبوة ، وساهموا بصمتهم في تشويه الحق والحقيقة ..!!

قال عزوجل ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) البقرة

محمد عمر حسين


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home