Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Omar Hussain
الكاتب الليبي محمد عمر حسين

Tuesday, 4 March, 2008

الثقافة.. جدار ولبنات!!(*)

محمد عـمر حسين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال تبارك وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) البقرة

وبعد ،، فإن تميز المنهج الإسلامي بربانيته يترتب عليه في جوانب التأصيل أن تتميز مصطلحاته ومفرداته ودلالاته ومقاصده .

إن الإنسجام في نسيج هذا المنهج ؛ يلزمنا بإطراد خصوصية مفرداته وتعريفاته ، وأن نحذر من إدخال ما يمكن أن يشوش على أيٍ من مضامين التوحيد أو مقاصد الهداية أو غايات الإلتزام ..

إنني أستميح الكاتبين الكريمين ، شيخنا د. علي الصلابي والأستاذ إسماعيل القريتلي .. في الدعوة إلى مراجعة جدلية العلاقة المزعومة بين الديمقراطية والإسلام ، وبين أية شعارات مستحدثة ، من التي يمكن أن يستحسنها أو يتفق عليها أهل أي مجتمع في أي حقبة من الزمن ؛ فترى الإسلاميون يتلقفون الشعار ، ويضفوا عليه شيئاً من لمساتهم الإنشائية ، بحيث يتدرج الكلام إلى أن يضاف المصطلح الملغوم إلى الرسالة الربانية الخالدة بقصد التزيين والتمرير والتصدير .. الأمر الذي أدركنا جزء منه في صيغ التلبيس والتدليس بإضافة الإشتراكية إلى الإسلام ، ووصف الشورى بالشورقراطية ، واليوم تتكرر نفس زاوية الإنحراف وبواعثها .. ومصطلحاتها ..

إن الضابط لمثل هذه الإشكالات ، والمخرج من هذه المتاهات ؛ لا بد وأن يكون بإختيار ووضع الكلمات بحسب دلالاتها وخلفياتها ومضامينها ، والحذر من الترقيع والتلبيس في الإستعمال لمحاولة إغراء خصوم المنهج ومن حولنا من المحبين والمشفقين ، بتصوير الإسلام وكأنه يحمل نفس المطالب التي يتجشمون أثقالها ، في محاولةٍ منا للتقريب بين المتباعدات ، بينما الأمر في تصوري أكبر من هذا التكتيك اللفظي ؛ فالبون شاسع والعقبة كؤود ، والصراع هنا ، صراع بين مناهج وإرادات ومسالك وغايات ومقاصد ، كما هو في المصطلحات والعبارات .. سواء بسواء ..!!

قال تعالى ( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) البقرة

دعونا إذاً .. نبدأ من حيث قد نكون متفقين ، وهو كون أن الديمقراطية ثوب قشيب ؛ قد فصل على قوام واقع المدنية الغربية الفاتنة ، مع إستحضارنا لملابسات نفرتها من تسلط رجال الكنيسة وحلفائهم من الإقطاعيين السفلة ، وأن فيها من الحسنات والإيجابيات ما لا يمكن تجاوزه أو الغفلة عنه .. الأمر الذي نجزم فيه بعدم وجود المانع الشرعي من الإستفادة من حسناتها كما هو معلوم ومتفق عليه ؛ بالوقوف على سوابق الخلفاء الراشدين وسنتهم في التعامل مع تجارب من سبقهم في أمور السياسة والإدارة والحرب والتدوين ..

إن القضية التي ينبغي التركيز عليها هنا .. هي كون هذا البنيان الشاهق وهذا الثوب القشيب .. يقوم على قاعدة تتناقض تناقضاً كلياً مع قاعدة التدين التي يقيم الإسلام عليها بنيانه .. فإعطاء حق التشريع للبشر ( فيما يتعلق بثوابت الهوية والمرجعية العليا ، وفيما يتعلق بالقانون الجنائي ، ومقاصد التشريع .. ) ؛ يعتبر في الإسلام خروج وردة وكفر بواح ، فإن قال قائل بهذا - لاسمح الله - فقد تبين ووضح الحكم الذي يترتب على ذلك ؛ سواء فيما يتعلق بالأفراد ، أو فيما يتعلق بشرعية المشروع أو البديل السياسي وممثليه ..!! قال تعالى ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) الأنعام

وإن قال داعية الديمقراطية نريدها إسلامية ؛ تكون مرجعيتها العليا لشرع الله المنزل وسنة رسوله الكريم .. فإن هذا يخرجها عن كونها ديمقراطية بالمفهوم الإصطلاحي السياسي المتعارف عليه والمعمول به والمطبق بعدة أشكال وأنواع في واقعنا المعاصر ؛ حيث حكم الأغلبية وممثليها لا سقف له ولا ثبات ولا حدود ولاضوابط عملية ..!!

فإذا ما اتضح هذا أيها الإخوة والأخوات ..

فليس أمامنا إلا أن نلتزم بملة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وأن نقيم بنياننا على قاعدة التدين والعبودية الخالصة ، وأن نمكن للإسلام .. كدعوة ومبادئ ، وثقافة وسلوك ، ورؤية ومنهج ومشروع نهوض .. وأن نبذل الجهد في التمكين الإجتماعي له ؛ ببسط وتوسيع وتنشيط وتفعيل المؤسسات التي ترعى خطوات التغيير الإجتماعي المنشود ، وتستهدف على الدوام تحقيق وحماية المقاصد والكليات والمصالح الشرعية المعتبرة .. كل ذلك في أجواء من الذاتية والتميز والوضوح والتدرج الجاد .. وبما يراعي خصوصيات القضية الليبية ، وملابسات الواقع الليبي ، ومشكلات المرحلة الراهنة ، وتراكمات الحقبة المظلمة ..

قال تعالى ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام

إذاً .. إنه فرق كبير ، في أن نجعل الأصل في دعوتنا الإسلام .. بحيث تكون دعوته هي أولى أولوياتنا وقاعدة حركتنا وسقف تطلعاتنا ، بحيث نفصل رؤيته ونبين هداياته ، ونوضح في الوقت المناسب .. الإختيارات الفقهية والبدائل المنهجية ، فيما تتعدد فيه الإجتهادات وتتوسع آفاق النظر به ، وأن نستصحب أنفاس التيسير على العباد ، ونفرق بين الثابت منه وما هو قابل للتعديل أو التغيير والإنشاء ..

أقول إن البون شاسع .. بين كل هذا وغيره ، وبين أن نتنادى بالديمقراطية وكأنها هي الأصل الأصيل ، أوهي الملاذ و المخرج الذي لا ينقصنا إلا إياه ..

إنني بهذا الكلام .. إنما ألفت النظر إلى خطورة وضع العربة أمام الحصان .. فنجني على مقدراتنا وهويتنا وعمرنا وجهدنا .. ونورث أجيالنا الخطأ والخطيئة والإثم والعدوان ..!!

إن نقطة البدء من هنا .. ستؤثر تأثيراً مباشراً في طبيعة المسار ، وحجم السقف ، وآفاق التفكير والممارسة ..

إننا معاشر الأبناء وشعوبنا السليبة .. بحاجة ماسة لأن نتربى على الأمانة ، وعلى الصدق ، وعلى الإخلاص ، وعلى الهمة والجد والتجرد للعمل الذي نتحمل مسؤوليته .. فالذي ينقصنا هو الكثير من المعاني والقيم والمبادئ التي تمهد لإنجاح التغيير المنشود ، وتضمن الإرتقاء بفاعلية مؤسسات المجتمع المدني .. وإلا فكيف سنعالج ظاهرة شراء الذمم والأصوات في مجتمع ديمقراطية الوهم ، وكيف سنعالج المحسوبية والواسطة والغش والتزوير والرشوة ، وكيف سنزحزح العادات والتقاليد والأعراف الفاسدة التي سيحملها النواب في حقائبهم وضمن أجندتهم الظاهرة والخفية ، وهل ستصمد قرارات وسياسات وبرامج المجتمع الديمقراطي أمام عصبية القبيلة ومصالح الكبار ، ومنافع التافهين ؛ دون أن يسبق كل ذلك إعادة البرمجة لنفوس وطموحات ومصالح شرائح الطامحين والمستنفعين العريضة ..؟؟

إن هذه الأمراض تحتاج منا إلى الكثير من الوقت والجهد والتوفيق .. لكي نتخفف من أثقالها ، ونتربى على خلافها ومخالفتها ، وأن نبذل الغالي والنفيس لإعادة تشكيل وعي الجيل وإدراكه ، وتقويم ثقافته وسلوكياته وأخلاقياته على مقتضى الإستقامة والتزامات التوحيد وإلزاماته ؛ وما دمنا سنتربى عاجلاً أم آجلاً على هذه المعاني ، ومادمنا بحاجة إلى ترسم خطى الفضيلة في تصوراتنا لمجتمع الإستقرار والتوازن والقيم والأمن والإرتقاء ؛ فإنه من الأجدر بنا أن نؤسس لهذا التغيير الكبير .. وألا نستعجل قطف الثمار بمعسول القول وزخرف الكلم ..

كما ينبغي أن نستصحب أن مهمات التغيير .. لا تستهدف فقط حل أزمتنا السياسية ومشكلاتنا المالية .. إننا بحاجة ماسة لتعميم وتعميق سلوكيات الثقافة الإسلامية لنتمكن من إدارة خلافاتنا ، وبلورة مشروعاتنا ، وإعادة ترتيب بيتنا الليبي وفق برنامج واضح وهوية راكزة ، وشخصية متكاملة .. تنصبغ بملامح الجدية في العمل والصدق والإرتقاء في الأداء ، والإستشراف لآفاق الفكرة واستلهام هداياتها ..

إنه بحق مشروع كبير .. لا يمكن أن نختزله في صناديق ووريقات ملونة .. وصور وملصقات وشعارات مزورة .. إنها ستكون مراهقة فكرية ؛ أول ضحاياها الشعوب المنكوبة ومن لا يتعظ بالسنن ودروس التاريخ والحياة

إن هذا الشكل من التسول الإصطلاحي لا يليق بحملة الدعوات .. إلا إذا اعتبرنا أن مقدمات الهزيمة وخطوات الإرتهان ، وبرامج التبعية والوهن .. هي مخرجنا ومنقذنا من واقع الذل والإستضعاف والإنحراف والتضييع !!؟

وكما لا يخفى .. فإننا نعيد ونكرر .. أن رؤيتنا إنما تقوم على قاعدة ( ربانية القيم وبشرية الممارسة ) وعلى هذا الأساس قد قام تفريقنا بين الدين كرسالة سماوية كاملة ، وبين التدين كجهد بشري يعتريه النقص والتقصير والخطأ .. ولكن ضمن الإتجاه المفروض والإرتقاء المستهدف والمعاني السامية ..

إن الخلاف المحمود الذي نخوض اليوم بعضاً من ضروريات مباحثه .. ينبغي ألا يُفهم منه أبداً .. أننا يمكن أن نرضى بالإستبداد ، أو نقبل بالظلم ، أو نروج للتخلف والتحكم في مصائر وأرزاق وكرامة أمتنا السليبة وشعبنا الأبي ..!!

إنني أذكر إخوتي .. بأننا حين نعرض هذا النهج الذي نقدمه كمقتضى من مقتضيات الإيمان وإلزام من إلزامات كلمة التوحيد وأخلاقياتها .. فإننا نؤكد على أنها مسؤوليتي ومسؤوليتكم ومسؤولية كل مسلم صدق إيمانه بالله رب العالمين ..

نسأل الله المجيد .. أن يعيننا على صدق الوفاء بالعهد والميثاق الذي أُخذ ..

قال سبحانه وبحمده ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) الأنعام

محمد عـمر حسين
________________________

(*) على هامش المقالة 17 من سلسلة الثقافة الدستورية للصلابي والقريتلي
http://www.libya-alyoum.com/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=1&NrArticle=13878&NrIssue=1&NrSection=14


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home