Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

Wednesday, 28 December, 2005

دور عبدالناصر في تثبيت القذافي (1)

محمد نور الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

أدرك المخططون الدوليون لانقلاب سبتمبر المشؤوم أن القيام بالانقلاب أمر سهل وميسور في ظل الوضع السائد لما قبل الانقلاب في ذلك الوقت، فلم تكن هناك أجهزة أمنية قوية قابضة على الأمن في البلد ولم تكن هناك رقابة من أي نوع على تحركات الجيش، ولم تتوفر أي قوة أمنية رادعة من شأنها أن تتحرك في الوقت المناسب لقمع أي انتفاضة أو تمرد.. وكان المسرح مهيئا لقيام انقلاب بمجرد تحرك طابور صغير من الدبابات أو السيارات العسكرية لتحتل المواقع الهامة في البلد التي كانت تحت حراسة فرد أو اثنين من الشرطة المحلية، بل حتى المنزل الذي كان يقطنه ولي العهد السابق، الذي أطلقوا عليه مجازا "قصرا" كان يحرسه جندي واحد يحمل مسدسا أشبه بلعبة الأطفال منه إلى سلاح حقيقي..

كما أدرك المخططون لهذا الانقلاب أن المصاعب والمشاكل ستحدث بعد نجاح الانقلاب أي تأمين الاستقرار لانهم لا يملكون عناصرا تابعة لهم في البلد للقيام بعملية استقرار السيطرة للانقلابيين، فكان لابد لهم من التفكير بالاستنجاد بقوة إقليمية عربية لتقوم بهذا الدور وكان الاختيار قد وقع على عبدالناصر ليكون الحامي والمرشد للانقلابيين.

ومنذ اليوم الأول للانقلاب قام عبدالناصر بدوره المنوط به دون تردد أو تكاسل، وسأسرد بإذن الله، عبر هذه الحلقات دور عبدالناصر الرئيسي والأساسي في تثبيت دعائم هذا الانقلاب الأسود الذي لولاه لما بقي الانقلابيون في الحكم أكثر من أسبوع واحد على أكثر تقدير.

يقول فتحي الذيب في كتابه عبدالناصر وثورة ليبيا ، "في صباح اليوم التالي (الثاني من سبتمبر 1969) وردت برقية من بنغازي التي تضمنت ما طمأن الرئيس عبدالناصر على سلامة اتجاهات مفجري الثورة والتزامهم بالخط الثوري القومي، خاصة ما طلبوه على لسان قائد ثورتهم في حاجتهم العاجلة لمن يختاره الرئيس عبدالناصر لمعاونتهم بخبراته في مواجهة الموقف بعد نجاح الثورة لتأمينها وضمان استقرارها واستمرارها. كما طلبوا توجيهات الرئيس جمال فيما يتعلق بموقفهم من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وكيفية مواجهتهم لأي تدخل من جانب الدول الثلاث من خلال قواعدهم العسكرية الموجودة في ليبيا، واستجاب الرئيس عبدالناصر وأرسل لهم رده الذي اقترح فيه الاتصال بممثلي كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإقناعهم بأن الثورة قامت لمواجهة فساد داخلي وتخلف اجتماعي فرضته السلطة الحاكمة السابقة، مع طمأنة ممثلي الدول الثلاث على مصالح دولهم ومؤسساتهم الاقتصادية ورعاياهم، ومطالبتهم بسرعة اعتراف حكوماتهم بالوضع الجديد لبدء مرحلة في التعاون البناء واتخذ الرئيس جمال قراره بتأييد ثورة ليبيا والوقوف إلى جانبها ودعمها بكل إمكانات مصر سياسيا وعسكريا كمرحلة أولى."

وهكذا فإن عبدالناصر قد استلم مقاليد ليبيا منذ اليوم الثاني للانقلاب المشؤوم ولنتابع مسرح الأحداث ساعة بساعة، ويوما بيوم منذ ذاك اليوم وإلى 28 سبتمبر عام 1970 يوم وفاة عبدالناصر.

يقول فتحي الديب في كتابه "في اليوم الثالث من سبتمبر عام 1969 اتصل بي سامي شرف سكرتير الرئيس عبدالناصر تلفونيا ليخطرني برغبة الرئيس جمال في لقائه فورا لأمر هام، وتوجهت على الفور لمقابلة الرئيس الذي فاجأني بقوله: أنا أخترتك للقيام بهذه المهمة ومافيش أمامك غير حل واحد من اثنين، إما النجاح وتأمين الثورة أو أذبحك بيدي شخصيا، وأنا كلفت محمد فوزي ليحرك القوات اللازمة من الطيران والمدرعات والمشاة والميكانيكية إلى الحدود الليبية، ويستطرد عبدالناصر في حديثه إلى مندوبه في ليبيا إلى أن يقول: ركز اهتمامك على تأمين الوضع الداخلي في البداية. ووصل فتحي الديب إلى مقر القيادة في بنغازي ليباشر مهامه في إدارة شؤون حكم ليبيا نيابة عن عبدالناصر فيقول في الصفحة 20 من نفس الكتاب" بادرت بالاتصال بعد ظهر اليوم الرابع للثورة بالمقدم آدم الحواز مبديا رغبتي في سرعة الاتصال بالأخ معمر القذافي لأطلب منه البدء في تخفيف فترة حظر التجول (كانت في بداية الانقلاب 24 ساعة) ليشعر أبناء الشعب أن الثورة مستقرة ومسيطرة على زمام الأمور."
وكانت الاستجابة فورية حيث إمتدت فترة رفع حظر التجول إلى خمس ساعات. كما تمم تكليف أمين بسيوني للتوجه إلى محطة الإذاعة ليعاون الملازم عبدالفتاح يونس ـ المعين من قبل مجلس الثورة لتولي شؤون الإعلام .

الآن أمن لهم عبدالناصر بالتوجيه السياسي كيفية مواجهة الدول الثلاث وبالتحرك العسكري للاستعداد لأي طارئ قد يحدث ثم بتخفيف ساعات حظر التجول يزيد من التفاف وشعبية الثورة والمساهمة الإعلامية المصرية بالإشراف على البرامج الموجهة للشعب.

ثم ينتقل دور مندوب عبدالناصر الى درجة النزول للشارع الليبي لمعرفة مدى درجة تفاعله مع الإنقلاب. يقول فتحي الديب في كتابه: قمت بتوزيع بعض أعضاء الوفد المرافق وبعض العاملين بفرع السفارة لتأدية صلاة الجمعة بمختلف مساجد بنغازي لمراقبة الموقف. ويستطرد الديب فيقول "أكد لي آدم الحواز أن الموقف في جميع أنحاء ليبيا هاديء، وأشار الى إطمئنانهم للموقف الشعبي إلا أن الشكوك تحوم حول القواعد البريطانية واستفسرت منه عمّا اذا كان يوجد ضابط إتصال ليبي بالقاعدة البريطانية موثوق به من طرفهم لضمان رقابة أي تحركات من وإلى القاعدة، مع إبلاغي فوراً في حالة حدوث أي تحركات مشبوهة لسرعة التصرف. ةحتى كتابة البيانات كانت من ضمن أعمال مندوب عبدالناصر، ولنقرأ ما يقوله الديب في كتابه المذكورفي الصفحة 25 ما يلي: طلب مني المقدم آدم الحوازبعد إخطاري بما تم بالنسبة للوفد العراقي أن أعد له بياناً للأعتراف بدولة موريتانيا وقمت على الفور بأعداد البيان.
ولتأمين قاعدة شعبية للثورة يقول فتحي الديب قمت بالأتصال بالأخ امعمر فوراً وأبلغته نص رسالة جمال وتوصيته بضرورة التركيز على عنصري الطلبة والعمال واحتضانهم ليضمنوا سلامة الجبهة الداخلية".

ثم يقدم فتحي الديب تقييما لأعضاء مجلس قيادة الثورة نلخصه فيما يلي:
1- أنعدام خبرتهم في كيفية ممارسة السلطة .
2- أنشغالهم بأعباء كثيرة ومتنوعة ليست في إيطار تخطيط متكامل.
3- أستنفاذهم لةقت طويل في دراسة ومناقشة المقترحات فيما بينهم لقلة خبرتهم.
4- كان أعتراف بريطانيا وأمريكا شغلهم الشاغل طيلة الفترة السابقة.
5- ليس لديهم أية صورة من المعرفة أو الإلمام بما كان يجري في الجهاز التنفيذي.
وبشأن مساندة الوزارة بعد تشكيلها فقد اقترح الديب إيفاد مندوب اقتصادي ملم بكل إجراءات التعامل المصرفي والرقابة على النقد للاستفادة به في وضع التشريعات الخاصة بهذه الشؤون وأساليب التنفيذ على أن يستمر المندوب للعمل معهم كمستشار اقتصادي.

وتنفيذا لتوجيه عبدالناصر بضرورة احتضان الشباب من الطلبة والعمال عُقِدَ مهرجان مشترك في أحد الميادين العامة بالمدينة لاتخاذ قرارات تأييد الثورة.

كما بدأت التجمعات العمالية في القيام بمظاهرات لكل فئة من فئات العمال. ويواصل مندوب عبدالناصر ممارسة مهامه في إدراة حكم ليبيا فيقول "وبالنسبة للجيش ركزت منذ البداية على أهمية ضمان وحدة الجيش وترابطه الكامل كقاعدة انطلاق وتأمين للثورة مع إبداء النصح للاستفادة من كافة العناصر التي ليس لها اتجاهات حزبية أو مواقف عدائية من صغار الضباط لتخفيف العبء عن أعضاء التنظيم الثوري واحتواء هؤلاء الضباط الصغار ضمن إطار الثورة".

وفي إطار متابعة الموقف الداخلي ساعة بساعة ويوما بيوم ، جرى إبلاغ مندوب عبدالناصر عن أول محاولة انقلاب مضاد وقعت في اليوم السابع من سبتمبر قام بها قائد معسكر البركة الرائد صالح الذي قام بتحريك كتبية المشاة التي كانت موجودة في المعسكر والتي كان قد حضر بها النقيب بشير هوادي من منطقة فزان في أول سبتمبر فقد حركها الرائد صالح ليخلي منطقة معسكر البركة من أي قوات ولاطلاق الضباط المعتقلين بالمعسكر ليقوموا بالقبض على أعضاء مجلس الثورة في بنغازي وإعادة سيطرتهم على قوات الجيش، وأن أحد أعضاء التنظيم الوحدوي اكتشف التآمر وتسلل من المعسكر دون علم الرائد صالح وأسرع بإبلاغ النقيب بشير المسؤول عن أمن بنغازي وبمجرد علم بشير، قام الملازم عوض حمزة بالتحرك إلى معسكر البركة وتمكنوا من القبض على الرائد صالح والعناصر الموالية واعتقالهم وسيطروا على الموقف وقد أصيب الضابط الذي أبلغ عن المحاولة فيما بعد بلوثة عقلية جعلته يهدد بالاستيلاء على الإذاعة فقام أحد الحراس بقتله فورا، بناءا على تعليمات بشير هوادي.
ويواصل مندوب عبدالناصر عمله دون كلل أو ملل فيعد تقريره الثاني عن الأوضاع في ليبيا، ويحلل شخصيات أعضاء مجلس الانقلاب واحدا بعد آخر، فيقول عن مصطفى الخروبي:
مندفع لنقص خبراته في التعامل السياسي مما يجعله يتسرع في الحكم على الأمور، محب للظهور والتفاخر، يدين بالولاء الكامل والإعجاب لمعمر القذافي، وحدوي ناصري متطرف.
ويقول عن آدم الحواز: هادئ الأعصاب، شخصية محببة تدعوا لاكتسابه لثقة محدثه، يعمل بجهد واضح لاكتساب خبرة الآخرين يؤمن بالعمل الإيجابي القائم على الحساب الدقيق، أخلاقياته في التعامل مع أعضاء مجلس الثورة أكسبته ثقتهم واحترامهم، ومن ثم ضمه إليهم قبل قيام الثورة مباشرة (كان القائد المباشر لمعمر القذافي قبل قيام الثورة).
ويقول عن معمر القذافي: إنه يميل إلى الاستماع أكثر من الحديث الأمر الذي يظهره بمظهر الإنسان الغامض، ويصعب الحكم على أفكاره لأول وهلة.
ولنقرأ معاً ما ورد في الصفحة 41 ما كتبه الديب عن هذه الفترة الحاسمة في تاريخ ليبيا، وبذلك بدأت تتضح شيئا فشيئا نية القذافي في التسلط والانفراد بالسلطة فيقول "فبينما كان المقدم آدم مجتمعا بي في مبنبى السفارة فوجئنا بإذاعة طرابلس تذيع قرار مجلس قيادة الثورة بترقية الملازم القذافي لرتبة عقيد وتعيينه قائدا للقوات المسلحة، وتلاه قرار مجلس الثورة بتشكيل الوزارات رغم اتفاقنا على ضرورة إذاعة الإعلان الدستوري أولا باعتباره يحدد شرعية كل القرارات التي يصدرها مجلس قيادة الثورة، ووضح لي أن التشكيل انفردت به مجموعة طرابلس، ومعمر شخصيا."

وهكذا تتوالى الأحداث لتشكل مستقبل ليبيا لمدة ثلاث عقود قادمة... وإلى اللقاء في حلقة قادمة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home