Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

السبت 13 نوفمبر 2010

التعددية والأقليات

محمد نور الدين

 

التعددية في المجتمع الغربي هي تعددية حزبية حقيقية, وتعني التعددية في البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وهذه تعددية في الفكر السياسي ولا علاقة لها بالقبلية أو العشائرية, أو بالأعراق والطوائف, كما وأنها لاعلاقــــة لهـــا بالأديـــان و المذاهب. بل تسير تحت إطار المبدأ الرأسمالي. بينما عندما ننظر إلى التعددية المقترحة لشعوبنا في العالمين العربي والإسلامي نجدها مبنية على الأساس القبلي والشعوبي أو المذهبي أو الطائفي والتي كلها من شأنها إثارة الفتن والفرقة بين صفوف مواطني البلد الواحد.

 

أنظر إلى ما يجري في العراق كأسطع مثال على تناحر أهل البلد الواحد...حيث انقسمت طوائف الشعب بين سني وشيعي وكردي فأصبحت الطائفية هي عنوان التعددية. تعددية الغرب عنصر من عناصر قوة مبدئها وزيادة التمسك به, ومن عناصر قوة الدولة, ووحدتها, وتماسك مجتمعاتها, وتجانسها , بينما تعددية عالمنا هي عنصر من عناصر محاربة مبدئها, ومن عناصر ضعفها وتخلخلها, وهشاشة مجتمعاتها, وبالتالي يسهل تفتيتها...

 

وعندما جرى التفكير في إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط صياغة جديدة , على وجه يجعلها منطقة تابعة للغرب جرى التركيز على ما يسمونه ( حقوق الأقليات). فمثلا أظهرت أمريكا حرصا زائفا على الأقلية الكردية فحضنتها ومدتها بكل أسباب القوة ونراها تذرف الدمع على شيعة العراق باعتبارهم اضطهدوا في عصر صدام على الرغم من أن نار صدام لحقت كل العراقيين ولم تفرق بين شيعي وسني.

 

كذلك اهتم الغرب وخاصة " فرنسا " أشد الاهتمام بإبراز الهوية الأمازيغية في دول شمال افريقيا, وجرى احتضان الأقليات الأوزيكية والطاجيكية في أفغانستان, ويجري العمل على إثارة الأقباط في مصر, ومساندة الأقليات المسيحية والوثنية في جنوب السودان التي ستؤول في نهاية المطاف إلى فصل الجنوب عن الشمال كل هذا من شأنه أن يثير الضغائن والمنازعات بين الأقليات وبقية فئات الشعب مما يؤدي إلى التشتت والتشرذم.

 

لقد ساندت أمريكا عددا من الأقليات في المنطقة وتحالفت معها لتستخدمها كرأس حربة تحقق بها مصالحها فمثلا ساندت في أريتريا أسايس أفورقي وهو نصراني من قبيلة اليتجراي, وهي من الأقليات في أريتريا, ودعمته إلى أبعد الحدود, بالرغم من خلفيته الاشتراكية اليسارية, ومنحته دولة في سرعة قياسية, كان من الصعب إيجادها, أو تصور وجودها بمثل هذه السهولة, ثم أسندته في حربه مع أثيوبيا, ومكنته من ترسيم الحدود معها, وتثبيت هذه الدولة في القرن الإفريقي, وبعد ذلك دعمته في قمع رفاقه السابقين في الثورة لكونهم ينتمون إلى خط العروبة والاشتراكية, وظاهرته ضد الأكثرية العربية المسلمة في البلاد التي كان يتوقع لها أن تكون دولة عربية وأن تدخل في جامعة الدول العربية. وقام أفورقي بعد أن حصل على هذا الغطاء الأميركي بمحاربة العرب والمسلمين في اليمن, حيث غزا جزر عربية يمنية, وفي السودان حيث دعم مجموعات متمردة, وفي داخل اريتريا حيث حارب اللغة العربية والحضارة الإسلامية, وتحالف مع إسرائيل, واتخذ منها نموذجا يقتدى به, وتم القيام بكل هذه الأعمال المشينة, والتي يعتبر القيام بها بمثابة تمرد على الواقع, وخروج عن الصف, وانسلاخ من جسم المنطقة تم القيام بكل هذه الأعمال تحت شعار التعددية.

 

ومثلا دعمت أميركا جون قرنق في جنوب السودان وهو من قبيلة الدينكا, وهي أقلية من عدة أقليات في جنوب السودان, الذي يجمع العرب والوثنيين والمسيحيين والأفارقة في نسيج هادئ تحت  سيطرة المسلمين منذ قرون, فضخمت أمريكا دور قرنق ومدته بكل أسباب القوة وشارك عملاءها في المنطقة في هذا المخطط وكان على رأسهم امعمر القذافي, حتى صار ممثلا لكل أهل الجنوب بمختلف أقلياته علما بأن هذا الرجل تسبب في مقتل وتشريد الملايين من السودانيين.

 

ومثلا قوت أميركا مركز رئيس أوغندا يوري موسيفيني, وهو من أقلية التوتسي لدرجة أن أصبحت أوغندة تحت رئاسته, أهم دولة في وسط أفريقيا, وعندما جاء بوش إلى القارة الإفريقية انطلق من أوغندا, واستطاع موسيفيني بفضل هذا الإسناد الامريكي أن يساهم في تغيير رؤساء الكونغو, ورواندا, وبوروندي, والاتيان برؤساء معظمهم من التوتسي, وبذلك تحولت أوغندا إلى قطب الرحى في منطقة افريقيا الاستوائيـــة, والتي ما كانت لتصل إلى كل هذا النفوذ, لولا دعم أمريكا لأقلية التوتسي وللرئيس موسيفيني, الذي كان له دور مشبوه في مذابح الهوتو والتوتسي التي بلغ ضحاياها ما يقارب المليونان.

 

وأما في الصومال, فأميركا عندما لم تجد فيه أقليات عرقية أو مذهبية, لجأت إلى تمزيقه عن طريق إشعال الفتن والحروب الأهلية, بين أمراء الحروب الذين قاموا بدور الأقليات, وبذلك تم التأمر على الصومال بحرمانه من الدولة والاستقرار, لمدة زادت على العشرين سنة.

 

وأخيرا في أفغانستان, فقد رأينا كيف استخدمت أمريكا قبائل الطاجيك والاوزبيك لمحاربة الأكثرية البشتونية, فحل في افغانستان ما حل من احتلال, وخراب, ودمار وهلاك. هذه أمثلة حقيقية على استخدام أمريكا لورقة التعددية في هذه البلدان والتي أنتجت التفتيت والتدمير, والمذابح والتشريد, وهذه هي الحصيلة الأولى فقط للسياسة التعددية التي أنتجتها أمريكا خلال العقد الأول من عصر الهيمنة الأمريكية على العالم.

 

والظاهر أن أمريكا قد أستمرأت هذه اللعبة, وبدأت بتطويرها بديباجة الديمقراطية لتسهيل تسويقها, وأصبحت التعددية بفضل الإعلام الأمريكي  هي النغمة الأكثر عزفا على لحنها. من قبل صناع السياسة الأمريكية, وصارت جزاء جوهريا من أطروحاتها الإصلاحية.

 

إن موقف كثير من النخب السياسة الفاعلة في هذه الدول سواء من الحكومات أو من المعارضة, هو من موقف انهزامي أناني يتعاطى مع هذه الأطروحات الأميركية, لا بوصفها مقنعة أو صحيحة وإنما بوصفها أمرا واقعا يستوجب الخنوع , وما يجري في العراق اليوم يعتبر أحدث نموذج لهذه الأطروحات الأمريكية حيث جرى التعامل مع العراق على أساس عرقي بين العرب والأكراد والتركمان, والاشوريين بل وقسموه أيضا على أساس مذهبي بين السنة والشيعة وهذا كله تحت ذريعة التعددية.وفي الحالة الليبية هناك ثلاث فئات كبيرة قد تشكل ما يسمى بالأقليات وهي : الأمازيغ والتبو والطوارق.

 

فبالنسبة للأمازيغ دعوتهم مبتناة على أساس أنهم سكان البلاد الأصليون, وأن العرب ماهم  إلا وافدين جاؤوا ومعهم الإسلام ورغم أن الأمازيغية حاليا في ليبيا لا تشكل أكثر من 6% من السكان إلا أن هناك أصوات كثيرة تطالب بحقوق لهذه الأقلية؛

 

وإذا فحصنا النظرة الأمازيغية للعرب لوجدنا أن هناك أولا : مغالطة كبيرة من حيث تقسيم سكان ليبيا إلى أمازيغ وهم السكان الأصليون والعرب وهم الوافدون إذ أن العرب الذين جاؤوا فاتحين بالإسلام لا يشكلون إلا أعدادا صغيرة تعد بالمئات وأما السكان الآخرين الذين هم يتكلمون العربية فهم في الواقع عرب مستعربة أي أصلهم أمازيغي...وبحكم أن الإسلام ينشر لغته مع تعاليمه فكل من اعتنق الإسلام تعلم العربية وأصبح ناطقا بها, ونستطيع أن نقول أن العربية ليست عرقا ولا مذهبا ولا طائفة ولكنها لغة...فلا يستطيع أي ليبي يعيش على أرض ليبيا أن يدعي أنه ينحذر من أصول عربية تعود إلى الجزيرة العربية وبذا فنستطيع القول وبكل ثقة أننا جميعا عرب مستعربة وهذا بطبيعة الحال ينطبق على كل سكان شمال إفريقيا. وأما بالنسبة لقبائل التبو التي كانت تتواجد في واحات الجنوب الشرقي في ليبيا وبخاصة واحتي الكفرة وتازربو فقد أصبحت غالبية سكان هذه الواحات من غير التبو وأصبح التبو يشكلون أقلية سكانية وعلى الرغم من ذلك فقد كان تعايشهم مع باقي السكان يسوده الاستقرار والاحترام ولم تظهر أية مشاكل بين قبائل التبو وقبائل أزوية خلال مرحلة العهد الملكي...

 

بقيت مسألة الطوارق والتي برزت على سطح الأحداث بعد محاولات القذافي المشبوهة لمساندتهم لإنشاء دولة طوارقية تقتطع أجزاء من ليبيا والجزائر والنيجر لتكون شوكة مدعومة من أعداء المسلمين ضد هذه الدول...وقد وقفت الجزائر ضد هذا المخطط المشبوه والذي لم تظهر كل ملامحه حتى وقتنا هذا على العلن.

 

والمفيد في كل هذه الأحداث هو التنبيه على أن التعصب للعرق أو اللون أو المذهب أو غيرها من العصبيات قد يؤدي إلى تحطيم الأوطان والسماح بثغرات تمكن أعداء الأمة من النفاذ من خلالها, وهذا لا يعني حرمان الأقليات من بعض خصوصياتهم كتمسكهم بلغاتهم وأسمائهم أو فنونهم أو حتى اختيارهم لمذاهب معينة في عبادتهم وطقوسهم الدينية...فهذه حقوق تكفل لهم بالقانون تضاف كمزايا للأقليات بجانب الحقوق الأخرى التي يكفلها القانون لكل مواطن.


mohamednouridine77@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home