Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

الخميس 9 ديسمبر 2010

الشعـب .. حينما يثور

محمد نور الدين

في 16أكتوبر 1976 أرسل " بوك ديكي " ممثل صندوق النقد الدولي بمصر مذكرة سرية إلى الدكتور زكي شافعي وزير الاقتصاد المصري ذكر فيها أن الحاجة أصبحت ضرورية لبعض الإجراءات الاقتصادية الحازمة منها تخفيض سعر الجنيه المصري, إلى جانب رفع أو تخفيض الدعم على بعض السلع الضرورية التي كانت الحكومة المصرية تدعمها لسنوات طويلة لصالح سواد الشعب المصري منها الخبز والسكر والوقود والملابس, وكان يعني تنفيذ هذه التوصية إلحاق الضرر بملايين البشر مما يؤدي بدوره إلى أبعاد سياسية بالغة الخطورة.

وفي يوم 17 يناير 1977 خرجت الصحف تحمل في صفحاتها الأولى قوائم بخمس وعشرين سلعة ضرورية قفزت أسعارها إلى مستوى لا يستطيع تحمله المواطن العادي, وكان وقتها يتولى رئاسة الوزراء "ممدوح سالم" وهو ضابط شرطة سابق, أدرك بحكم خبرته الطويلة في الأمن أن الأمر لن يمر بسهولة فاتخذ بعض الإجراءات الأمنية لحماية العاصمة القاهرة. ومع ذلك فقد شهد الصباح الباكر ليوم 18 يناير 1977 انفجارا شعبيا هائلا بدأ أولا في الاسكندرية ثم انتقل إلى القاهرة, اندفعت إلى الشوارع في كل مكان كتل بشرية هائلة من عشرات ألوف الرجال والنساء في مظاهرات صاخبة ساخطة تعلن معارضتها القوية لقرارات انقضت على رؤوسهم مفاجئة كالصواعق, وكان من شأنها أن تجعل الحياة مستحيلة بالنسبة لهم ولأسرهم.

ولم يكد ينتصف النهار حتى كانت المظاهرات تجتاح مصر من أقصاها إلى أقصاها, كان السادات في تلك الأونة في مقره الشتوي بأسوان ينتظر زيارة ضيفه الرئيس اليوجوسلافي "جوزيف بروزتيتو", كان جالسا في شرفة استراحته المطلة على خزان أسوان القديم, وكان منشغلا بحديث صحفي تجريه معه صحفية لبنانية, وفجأة توقف عن الكلام, ولاحظت هي أنه يتطلع في اتجاه مدينة أسوان, والتفتت إلى حيث هو كان ينظر, وشاهدت عمودا من الدخان, يرتفع فوق المدينة, وقال السادات : ماهذا؟ فأجابت الصحفية اللبنانية : " ربما كانت المظاهرات في القاهرة قد وصلت إلى هنا ". وسألها مندهشا : إيه مظاهرات ؟؟. كانت الساعة الرابعة بعد الظهر ولم يكن الرئيس السادات على علم بما يجري في كل أنحاء مصر.

وما هي إلى لحظات حتى وصل محافظ أسوان مذعورا إلى استراحة الرئيس وطلب منه مغادرة الاستراحة فورا, وحذره بأن الجماهير الغاضبة تزحف في الطريق إلى الاستراحة وأنها قد بلغت نصف الطريق إليها والبوليس يقاوم لكن الخطر سوف يصبح محدقا إذا تقدمت الجماهير أكثر وقطعت الطريق بين الاستراحة والمطار, ولم يكن أمام السادات غير أن يطيع فسارع بالخروج تاركا وراءه كل شيء حتى الأوراق الرسمية التي أرسلت إليه في مشتاه للاطلاع والتوقيع.

كان الخروج مهينا, وظلت ذكرياته طويلا محفورة بمرارة بذاكرة الرئيس السادات, كان الموقف يتطور في القاهرة, فقد بدأ أن رئيس الوزراء إزاء حجم وكثافة المظاهرات وعنفها بدأ في حاجة إلى تدخل الجيش, وكان في تصوره أنه إذا استؤنفت المظاهرات في الصباح, فلسوف يكون مستحيلا على البوليس وحده أن يسيطر على الموقف. واتصل بالفريق" محمد عبد الغني الجمعي" وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة وطلب منه التدخل, لكنه رفض بشدة اشتراك الجيش في قمع المظاهرات. وذكّر "ممدوح سالم" بأنه قد طلب من الرئيس السادات بعد حرب أكتوبر وعدا أن لا يستعمل الجيش على الإطلاق في اية عمليات ضد جماهير الشعب مهما كانت الظروف, وقال وزير الحربية لرئيس الوزراء:"أنني اتفقت مع الرئيس على أن حرب أكتوبر وضعت الجيش المصري بالنسبة للشعب في موضع لائق وعزيز, ولا ينبغي بهذه العلاقة أن تشوهها أي طوارئ سياسية, وقد وافقني الرئيس وأعطاني هذا الوعد". لكن رئيس الوزراء لم يكن على استعداد لقبول شيء من هذا...لقد كانت مسؤليته عن استتباب الأمن في شوارع القاهرة وغيرها من مدن مصر شاغله الأول. وإزاء إلحاح رئيس الوزراء فقد تصور وزير الحربية بأنه وجد لنفسه مخرجا حين قال أنه على أي حال لا يستطيع أن يحرك أي وحدات من القوات المسلحة إلى الشوراع إلا بأمر الرئيس بوصفه رئيسا للدولة وقائدا القوات المسلحة. وجاء الأمر بعد اتصال بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية, ومع الأمر بالتدخل صدر قرار بإعلان الأحكام العرفية, وفرض حضر التجول, وتكليف الجيش بمسؤولية السيطرة على الموقف.

كان السادات في ذلك الوقت قد وصل إلى القاهرة قادما من أسوان, وقصد إلى بيته في الجيزة, وكانت هناك طائرات هليكوبتر واقفة أمام البيت على شاطئ النيل جاهزة للإقلاع, وكانت المنطقة كلها محاطة بالدبابات, وفي مطار " أبو صوير" كانت طائرة السادات الكبيرة من طراز "بوينغ 707" رابضة على أرض المطار مستعدة للطيران, إذا حتمت الظروف والتطورات.

وكانت وجهتها المقررة ـ إذا جاء وقت الرحيل ـ إلى طهران حيث كان الشاه على استعداد لاستقبال أصدقائه إذا اضطروا إلى الهرب من القاهرة.

وفي اليوم التالي 19 يناير بدأت المظاهرات عنيفة منذ الصباح الباكر, وبدأ الجيش يتحرك مسبوقا بإعلانات متكررة في الإذاعة والتلفزيون بأن الرئيس قد أمر بإلغاء توصيات المجموعة الاقتصادية التي أدت إلى رفع الأسعار, ويشير التزامن الواضح بين هذا الإعلان وبين نزول الجيش إلى الشوارع, إلى نقطة قوية الدلالة, كان ذلك التزامن يشير ـ ولو بطرف خفي ـ إلى أن صناع القرار لم يكونوا واثقين من موقف الجنود إذا هم نزلوا إلى الشوارع للتصدي للمظاهرات, بينما قرارات رفع الأسعار ما تزال سارية. ومن المؤكد أن بعضهم ـ بعض صناع القرار ـ راودهم الشك في أن الجنود والضباط ـ وهم جزء من الشعب يعانون ما يعانيه ويقاسون ما يقاسيه, قد يرفضون أوامر التصدي للمظاهرات, وقد تتطور الأمور إلى ما هو أسوأ. وعندما انجلي ضباب هذه المواجهة الحادة التي شهدتها كل مدن مصر, كان هناك ما يقرب من مائة وستين شخصا قد قتلوا في الشوارع.

أوردت هذه الحادثة لا بين بالدليل القاطع بأن " الجماهير" إذا غضبت وثارت فلن تستطيع أي قوة مادية أن تقف أمامها...واليوم ونحن نعاني مرارة الحرمان والظلم إلى درجة وصول طبقات كبيرة من الشعب الليبي إلى حافة الجوع والفقر والعازة بينما الملازم القحصي وعائلته وأتباعه يرفلون في الحرير ويركبون الطائرات الخاصة ويملكون اليخوت ويودعون في بنوك أوربا و أمريكا المليارات من الأموال المنهوبة ويشترون العقارات والشركات في كل أنحاء العالم...والشعب صاحب الثروة يعيش جائعا بائسا مريضا مقهورا...هذا الوضع المأساوي لاحل له إلا باانتفاضات شعبية جماهيرية تخرج إلى الشوارع تحطم كل من يتصدى لها... يقول أحد كبار الصحابة رضوان الله عليهم لو كان الفقر رجلا لقتلته...ويقول أخر عجبت الإنسان يقتله الفقر ولا يتحرك...

الشعب الليبي ثرواته الهائلة يعبث بها الصبية والسفلة وشذاذ الأفاق...أصبحت ليبيا مفتوحة أمام كل المغامرين من رجال أعمال وشركات ورجال عصابات وقوادين على اختلاف جنسياتهم وهوياتهم وأطماعهم...لقد تحولت "ليبيا" إلى بقرة ترعي على التراب الليبي لكن ضروعها تمتد إلى الخارج حيث يجري حلبها هناك...ليبيا ضاعت أرضا ووطنا وثروة وبشرا...في أمس الحاجة إلى ثروة شعبها رجالا ونساء شبابا وشيوخا وحتى أطفالا...أصبحت الحاجة الأن إلى حركة الشعب لكي يزيح عنه هذا الكابوس الجاثم على أنفاسه طوال الواحد وأربعون عاما مضت...ضاع فيها أجيال بكاملها...جراء تصرفات الرعاع الفاسدين ممن يتولون أمورها...إذا أردنا أن نسقط هذا النظـــام الديكتاتـــوري القمعــــي وبفاعليـــة وبأقـــل التكاليف فعلينا أن نوجد قوة مقاومة داخلية قوية.

إن الخنوع للقمع والانصياع السلبي للحكام الدكتاتورين عديمي الرحمة الذين ارتكبوا جرائم بحق مئات آلالاف من الناس لا يعتبر عملا حكيما...إن هؤلاء الحكام يريدون منا أن نكون إما في السجون أو في القبور...إنهم لا يريدون لنا حياة حرة كريمة, ولا يريدون منا أن نستمتع بثرواتنا وأن ننعم بوطننا... واليوم ونحن نرى بأم أعيننا "كبير المجرمين" وهو هارب إلى الصحارى يبحث عن نفسه التي فقدها طوال سنوات عمره...ونحن نرى بأم أعيننا وهو يخبط خبط عشواء هنا وهناك وقد فقد بصره بعد أن فقد بصيرته ولم يبق أمامه إلا أن يظهر على شاشات التلفزة وهو عاري أمام الملأ حتى من ملابسه, أنه من المعروف أن عجائز القحوص حينما يمتد بهم العمر إلى أرذله يفقدون عقولهم ويتوهون في الصحارى مكاليب مجاذيب...فهل آن آون الملازم القحصي ليدخل في أخر مراحل عمره التعيس فيموت مجذوبا؟؟

mohamednouridine77@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home