Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

الثلاثاء 9 نوفمبر 2010

السياسي والسياسة

محمد نور الدين

 

أضحت كلمة السياسة مرتبطة بأذهان الكثيرين بأعمال الدهقنة والمكر والخبث والكذب للوصول إلى أهداف ظاهرها يخدم المصلحة العامة وباطنها يذهب لمصلحة السياسيون ولقد نجح المستعمر الغربي حينما قام بالغزو العسكري لبلادنا بأن يزرع مفاهيمه السياسية في أوساط شعوبنا فأصبحت تنظر إلى السياسيون بعين الريبة والشك. ولما حصلت هذه البلدان على استقلالها المزيف ووقعت تحت استعمار غير مباشر عن طريق انقلابات عسكرية أتت "بعساكر" لم يمارسوا العمل السياسي من قبل وأحاطوا نفسهم بمجموعات من الساسة الانتهازيون النفعيون. نفضت كل فئات الشعب يديها من العمل السياسي عندما شاعت صوره القبيحة وأصبح من يعمل في السياسة مثلا للمنافق والدجال والنصاب.

 

وفي المقابل عندما نبحث عن مفهوم السياسة في الإسلام، نجد أن ديننا أعطى لهذا المعنى مكانة عظيمة لا تعادلها إلا مكانة المجاهد في سبيل الله. فرسول الإسلام عليه الصلاة والسلام يقول " من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" والاهتمام هنا يعني التدبير أي رعاية الشؤون، فالمعنى من الحديث أن المسلم الذي يأتي عليه الصباح ولم يفكر في رعاية شؤون المسملين. فقد أصبح خارج دائرتهم. وتبدأ رعاية المسلم بدرجات مرتبة واحدة تلو الأخرى فالإسلام جعل " لنفسك عليك حقا" أي أن تبدأ أولا بالاهتمام بذاتك من ناحية العناية المظهرية : أي أكل وشرب وملبس ونوم وفسحة وغيرها من الأشياء الدنيوية التي يحتاجها الإنسان في معيشته، والعناية الداخلية أي بالنفس والعقل والروح وذلك بالثقافة والعلم وشتى أنواع المعرفة لكي تتكون الشخصية الإسلامية التي هي نتاج العقلية والنفسية.

 

ثم تتسع دائرة رعاية  المسلم إلى أهله : زوجته وأولاده ووالديه وإخوته وأخواته وهكذا حتى تسع جميع أقاربه أو ما يطلق عليه في شريعة  الإسلام "الأرحام".

 

وتتسع هذه الدائرة لتشمل حقوق ورعاية الجار والعشيرة والأصدقاء وتزيد اتساعا للوطن وللأمة الإسلامية إلى أن تصل حد الرعاية إلى أعلى درجاتها السامية لتشمل كل البشرية وذلك بدعوة الكفار إلى الإسلام وأعطائهم حقهم في معرفة دين الله العظيم.

 

هذه الرعاية في الإسلام هي ما نطلق عليه اليوم " السياسة"...والذي يختلف المسلم فيه عن أصحاب الفكر الغربي أو أصحاب الفكر السياسي إن الإسلام نبه إلى أن هذه الرعاية واجبة وليست منه من أحد وأنها عمل يقوم به الفرد للآخرين وأنه لا يرتضى به إلا وجه الله، فلذا لا بد أن يكون خاليا من أي غش أو تدليس أو نفاق أو كذب أو نصــب أو حصول مصلحة دنيوية وراءه.

 

ولذا فإن المسلم وهو يمارس عمله السياسي اليومي برعاية نفسه وأسرته وأقاربه وجيرانه وعشيرته وشعبه وأمته والبشرية كلها إنما يقوم بذلك حسب قوانين الإسلام وليس حسب شرائع الشيطان.

 

فالله سبحانه وتعالى وصف الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر :" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (أل عمران 110) . "، والله سبحانه وتعالى طلب من الأمة الإسلامية أن تفرز مجموعات وتكتلات تتولى المحاسبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك بقوله " وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (أل عمران 104) ".

 

فهؤلاء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر كما وصفهم صاحب الجلالين، هم في الواقع الأحزاب والحركات السياسية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند القرطبي هو رأس الأمر، وعند الغزالي هو القطب الأعظم في الدين، لذلك فالمحاسبة السياسية بهذا المعنى ليست أمرا مبتدعا عند المسلمين، بل هو في صلب حياتهم وشرعهم وأعمالهم، ومهما حاول الكفرة والفجرة من الحكام الظالمين تقليل هذه المحاسبة وتحويلها إلى أعمال ( مطوعين ودردشة وفقهاء للسلطان) فلن يفلحوا في إلغاء واقع هذه المحاسبة، عند الواعين والمخلصين من أبناء الأمة.

 

روى أبو داود عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كلا والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولـتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا" وهذا الحديث من أبلغ ما ورد في المحاسبة السياسية، حيث جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتعلق بالأخذ على يد الحاكم الظالم، أو كل ظالم، ويحبسها على الحق ويجبرها علىه حبرا، فالأصل أن تكون المحاسبة السياسية أصلا من أصول الدين، وعرفا عاما شرعيا عند العامة والخاصة. ومن هنا يتبين لنا كيف أن حياة المسلم كلها "سياسة" وليس كما حاول الغزو الفكري وما تبعه من استبداد أن يصور في أذهاننا أن العمل السياسي عمل قبيح لا يجدر بالإنسان المسلم العفيف الطاهر ذوالاخلاق الرفيعة أن يخوض فيه...بل السياسة بمفهوم الإسلام هي رعاية النفس والأهل والعشيرة والشعب والأمة بالعالم بمفاهيم الإسلام الحقة الناصعة التي لا غبش عليها ولاضلال...وإذا سارت هذه المفاهيم فلن يجد الغوغاء والثوريين والهمج طريقا للتحكم فينا ويصبح أمثال القذافي وأحمد ابراهيم والبغدادي هم قادتنا وحكامنا وسادتنا ويصدق فينا قول الرسول عليه الصلاة والسلام : " سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة" قيل وما الرويبضة؟ قال : الرجل التافه في أمور العامة".

 

صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام وأننا نعيش هذا الزمن حيث كم من رويبضات يحكمون بلادنا ويعبثون فيها فسادا وإفسادا.


mohamednouridine77@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home