Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

الإربعاء 9 فبراير 2011

"إنًّا لَمُدْرَكُون..."

محمد نور الدين

سيدنا موسى عليه السلام ومن معه, استضعفهم فرعون وزبانيته, ولما وصل موسى وأتباعه إلى البحر قال الذين معه : ( إنا لمدركون)، فالحسابات المادية تقول أن فرعون خلفنا والبحر أمامنا فلا مفر، ولكن موسى عليه السلام، المؤمن، رسول الله كان يرى فرعون ويرى البحر، ويرى الله أيضا، ليس ضروريا أن يعرف أو أن نعرف كيف النجاة أو كيف الخروج أو كيف النصر، ولكن أن نستحضرأمر الله ووعده وأن له جنودا لا يعلمها إلا هو، ولذلك رد موسى عليه السلام وعلى أتباعه بقوله : ( كلا إن معي ربي سيهدين). وفلق البحر ونجا موسى ومن معه وهزم فرعون ومن معه. والله تعالى يقول : (والذين جاهدوا فينا لنهيدينهم سبلنا) ويقول : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا).

سيدنا نوح عليه السلام أوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد أمن، وأمره : (واصنع الفلك بأعيننا). وجعل الكافرون يمرون عليه ويسخرون منه، إنه يصنع سفينة في مكان لاماء فيه، ولاتصل إليه البحار أبدا, ـ ولكنه عليه السلام ـ كان يقول لهم : (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون). فقد كان يرى عوامل أخرى مؤثرة في الواقع ومغيرة له وهي ليست مما يعتبر بمحض الحسابات المادية. وقد نجا نوح ومن حمل في السفينة وغرق الكافرون. أليس في هذا ذكرى وعبرة للمؤمنين (وماكان الله ليذر المؤمنون على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب).

قبيل فتح مكة أرسل الصحابي حاطب بي أبي بلتعه رضي الله عنه كتابا إلى قريش يخبرهم فيه بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم، وقد أخبر الله تعالى نبيه بذلك، وافتضح الأمر. فاعتذر حاطب بأنه أراد أن يكون له يد عند القوم إن هزم المسلمون. فهو ليس له في مكة أهل أو عصبة كما لغيره من المسلمين. فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم, وأخبره بأنه صادق فيما يقول. وأنه لم يخرج من الاسلام. وقال : ( لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اصنعوا ما شئتم فقد غفرت لكم). إن هذه الحادثة تشير إلى أن هذا الفعل ليس من أوصاف المسلمين، ومع ذلك فهو ليس تكفيرا لفاعله, ولكنه من حالات ضعف الصلة بالله. وقد نزل القرآن الكريم في هذه الحادثة ليؤكد هذا المعنى للايمان، أي دوام الصلة بالله ومراقبته. قال تعالى : ( يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق). وأمر الله باتخاذ موقف العداء والبراءة الصريحين من الكفر وأهله. قال الله تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين آمنوا معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) .

وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم تسد في وجهه السبل، ويُكَذب ويُعَذب، ويعذب صحابته، ويطلب النصر والعون فيطرد ويشرد. ويهيم على وجهه لا يجد في الدنيا أزرا ولا سندا، فهل اعتمد على هذه الحسابات وتنازل؟هل اكتفى بما يراه بحواسه من قوى مادية فييأس أو يغير ويبدل؟

إنه في أحلك الظروف وأشقها من الضعف والاستضعاف وقلة الحيلة وانغلاق السبل توجه إلى من بيده ملكوت كل شيء. ومن له الخلق والأمر, ومن بيده التيسير وفتح المغاليق : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل على سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" .

إن العقيدة إيمان ومواقف رجال ثابتين على عهد الله لا يغيرون ولا يبدلون، ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).

جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال " كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال : ما الايمان؟ قال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال : ما الإسلام؟ قال : الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال : ما الإحسان؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

بهذا الإيمان وبهذا الاحسان تهون في عين المؤمن مصائب الدنيا وأهوالها الواقعة أو المتوقعة أو المتوهمة، ويصغر كبارها ويضعف أقوياؤها ويرخص نعيمها وثمينها، فتدمع عيناه ويشتاق إلى لقاء الله، فتلازمه مراقبته ويغتنم فرصة الامتحان والبلاء ليتقرب إلى الله سبحانه، فتهون عليه التضحية بالنفس والمال، وإن خشي على ولده والضعاف من خلفه ازداد إقداما وثباثا وصبرا فالله وليهم ومولاهم : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا).

أما موقف الممالأة والموالاة للكفر وشرائعه وسلاطينه، وخشيتهم أكثر من خشية الله، فهي مواقف لا يقوم بها من يقوم بها وهو مؤمن، وتحريف الاحكام الشرعية بسبب ذلك هو من أكبر الكبائر ولو جاء ممن يسمون علماء أو كبار العلماء. وهي مواقف الزائغين والذين في قلوبهم مرض، الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وأعمى قلوبهم : ( إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

قال تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وقال جل من قائل : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في انفسهم نادمين).

هذه هي مواقف الثبات التي نحتاجها اليوم، وشعبنا يمر عبر سنين من الظلام الحالك بعد أن غشت سماؤه وتلوث هواءه وتلطخت أرضه من جراء السموم والهموم التي جاءت مع مجيء (الفئة الضالة) من مدعي الثورية الكاذبة الزائفة، يحملون أمراضهم وأحقادهم ويبثون أنفاسهم اللعينة في وسط شعب امتاز بالبساطة والطيبة...صدّقهم في أول أيامهم، فسار معهم، وهتف لهم...وأعطاهم "فرصة العمر" لكي يبنوا حاضرا ومستقبلا لهم ولشعبهم تتحدث له الاجيال..ويفتخر به الابناء والاحفاد...ولكن لسوء سريرتهم ولدناءة أخلاقهم ولقبح نواياهم أبوا إلا أن يلطخوا جدران الوطن بسوء أفعالهم وأعمالهم...

ولما امتـــدت سنوات القهــــر والظلــــم..وأصبحت عقــودا من الزمن داخل إحساس " اليأس" إلى نفوس الكثيرين فدخلوا في متاهات ما يمكن أن نسميه ( باالهرولة التطبيعية)..إذ أنهم لم يشأوا أن يتعاملوا من الموقف كأفراد...ولكنهم أثروا أن يتعاملوا مع الواقع (كبرنامج) .

ولأن العدو الماكر يعرف ما يريد...فقد نصب لهم مصائده واوقعهم في فخاخه فوقعوا في مصيدته واحدا بعد أخر..وجدوا أنفسهم في موقف من باع دينه في سبيل دنيا غيره، من أجل أن تمتد السنوات بالطاغية...زين هؤلاء أعماله وافعاله...وصبغوها بصبغة شرعية ما أنزل الله بها من سلطان..ولكن لأن العدو الماكر الخبيث لم يستطع أن يخفي مأربه لوقت طويل سرعان ما كشف عن نفسه وظهرت عورته وانقلب السحر على الساحر...وأصبحت حقيقته أشد وضوحا وسطوعا لكل ذي بصيرة...ولم يبق له من سترة يخفي بها عوراته...فبانت نواياها الخبيثة ولم يبق لأي عاقل من عذر يعتذر به من اجتهاداته الخاطئة للسير في هذه المسيرة الزائفة عن طريق الحق من أول يوم لها.

بقي من حق شعبنا ـ على هؤلاءـ أن يعلنوا بصراحة حقيقة ما حدث لهم لكي يكون عبرة لمن يريد أن يعتبر، وبقي ـ لشعبنا ـ حق على هؤلاء أن يعلنوا عن أنهم قد اجتهدوا وأخطأوا...وأما الاستمرار والامعان في السيرفي ركاب المسيرة الفاشلة بعد أن انكشفت وانفضحت لكل ذي بصيرة فما هو إلا خداع للنفس وأتباع للأهواء ومكابرة عن الحق...

وتبقى هناك فئة من الناس وهم المحرفون والزائفون الذين ينظرون إلى قوى الطغيان نظرة ذل وانصياع اعتقادا منهم بأن قوى الهيمنة هي قوى صامدة هائلة لا يمكن أن يتصور في أي وقت من الأوقات أنها ستنهار وتتلاشى...لذلك فهم متمسكون بها، ملتصقين حولها...حياتهم مرتبطة بها، مصيرهم مرتبط بمصيرها...سيجدون أنفسهم يوما ما وقد انكشف الغطاء وتلاشت قوى الظلام وانبثق الفجر الساطع...نراهم وقد راحوا ضحية سوء تقديرهم للمواقف الصحيحة من الخاطئة..فيدفعون الثمن مرتين...مرة عندما رضوا بأن يكونوا عبيدا أذلاء للطاغية يفعل بهم ما يشاء ومرة أخرى عندما تحين ساعة القصاص العادل من كل ظالم امتدت يداه بالظلم لأي من أبناء شعبنا، وبعد هذا ينتظرهم العذاب الأكبر يوم العرض على ملك السموات والأرض حيث (كل نفس بما كسبت رهينة) وحيث (يوم يعض الظالم على يديه ويقول ياليتني لم أتخذ فلانا خليلا) وحيث ينال كل إنسان جزاءه العادل (ومن يعمل مثقال ذرة خيــــرا يراه ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)...وحيث ] إن جهنم كانت مرصادا، للطغين مابا، لبثين فيها أحقابا، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، إلا حميما وغساقا، جزاء وفاقا، إنهم كانوا لا يرجون حسابا) .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home