Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

الخميس 8 يوليو 2010

عملاء الفكر وعملاء الحكم

محمد نور الدين

في عام 1961 عقد جون كينيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ونيكيتا خروتشوف الزعيم السوفيتي مؤتمرا في فينيا كانت محصلته اتفاق الدولتين العظميين على حصر النظر في القضايا الدولية بهما, وعلى أقصاء بريطانيا وفرنسا من الحساب, كما اتفقا على أمور أخرى عديدة بعضها صدرت تصريحات وجرت أعمال كشفتها, وبعضها الأخر تسرب لبعض السياسيين في العالم (مثل جورج باباندريو) رئيس وزراء اليونان الأسبق ولمحوا إليها.

ومنذ ذلك التاريخ نشأت حقبة في العلاقات الدولية عرفت باسم الوفاق الدولي أو الانفراج الدولي, ونظرا لأن أمريكا كانت زعيمة المعسكر الغربي بينما كان الاتحاد السوفيتي زعيم المعسكر الشرقي, فقد كان ينظر للوفاق على أنه قائم بين المعسكرين وليس بين الدولتين فقط, فالعالم كله كان ينتظر الوفاق على أنه اتفاق على التعايش السلمي بين الشرق والغرب (المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي) يقضي بحل النزاعات والمشاكل بينهما بالطرق السلمية من خلال الحوار والتفاوض, وبتخفيف حدة الصراع العقيدي بين الشيوعية والرأسمالية وعدم إعطائه الأولوية القصوى كما كان الحال أبان ذروة الحرب الباردة في الخمسينات.

أما حقيقة الوفاق وجوهره فإنه اتفاق سرى بين العملاقين على معالجة جميع القضايا الخلافية بينهما بالحوار, وعلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بينهما, والتعاون على استئصال الاستعمار الأوربي التقليدي من مختلف بقاع العالم, وعلى الضغط على الصين داخليا وخارجيا حتى تقبل بالتعايش السلمي بمفهومه الرأسمالي, وعلى قلع انجلترا بوجه خاص من الشرق الأقصى ومن الشرق الأوسط ومن افريقيا, كما اتفقا على مساعدة كل دولة منهما للأخرى في مناطق نفوذها. وبذلك فإنهما صارا حليفين يشكلان قوة عالمية واحدة, الأمر الذي غير وضع العالم, وغير الموقف الدولي. بحيث لم يعد ( كما كان الحال قبل 1961 ) معسكرين يستعدان للدخول في صراع عسكري مصيري, بل ظل المعسكرين قائمين فكريا فقط, وزال وجودهما الفعلي دوليا, وأصبح العالم كله قوة واحدة تتمثل في أميركا والاتحاد السوفيتي, وهذه القوة هي التي تتحكم بالعالم كله, وتحصر معالجة القضايا والمسائل الدولية بها وحدها, وبالفعل شهدت الثلاثون عاما ( حتى انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991 ) من الوفاق اتفاقات متنوعة بين العملاقين, من بينها اتفاقات حول التجارب النووية وأخرى حول الحد من التسلح النووي, إلى جانب اتفاقات تجارية وغيرها, كما لعب الوفاق دورا بارزا في تحجيم الصين وحصر مجالها الحيوي في أضيق نطاق, مما اضطرها في النهاية إلى القبول بمبدأ التعايش السلمي حسب المفهوم الرأسمالي. وأما الاستعمار الأوربي التقليدي في أسيا وافريقيا فإنه انتهى تماما, وخسرت فرنسا وبريطانيا معظم نفوذهما في القارتين وكان من أبرز المؤشرات على ذلك ماقررته بريطانيا عام 1968 من الانسحاب من شرق السويس, وتخليها عن مستعمرتين استرتيجيتين هما سنغافورة وعدن. وكأن الدولتان تتعاونان بشكل لانظير له في السياسات الدولية, لدرجة أن الاتحاد السوفياتي لعب دورا مهما في التغطية على عملاء أميركا وخاصة في الشرق الأوسط (كما حصل مع عبد الناصر) وافريقيا كما في حالة عميلي أمريكا هايلي مريام, وانغولا دوس سانتوس. وكان لتظاهر العملاقين بالعداء أثره في حصر القضايا الدولية بينهما, على اعتبار أن الاتحاد السوفياتي يمثل المعسكر الشرقي, بينما مثلت أميركا دور خصم الاتحاد السوفيتي كزعيمة للمعسكر الغربي, مع أن بعض القضايا لم يكن للاتحاد السوفياتي فيها لاناقة ولا جمل كقضية الشرق الأوسط, وبذلك أبعدت أميركا الدول الغربية الأخرى ذات العلاقة بهذه القضية وبغيرها عن معالجتها, واستفادت كثيرا في جعل القضية عمليا بيدها وحدها, وإن كان الاتحاد السوفياتي في الظاهر شريكا لها في المعالجة. واستفادت أميركا من جو العداء الظاهري مع الاتحاد السوفيتي وتضخيم خطره العسكري على الغرب في إبقاء أوربا تحت حمايتها, نظرا لحاجة الأخيرة للمظلة النووية الأميريكية, وفي تقليص أدوار دولها في السياسات الدولية, وترتيب أوضاع هذه القارة بما يخدم مصالحها, فأوربا كما هو معلوم تظل مصدر الخطر الوحيد في العالم على زعامة أميركا الدولية, لأن لديها الإمكانات الاقتصادية والعسكرية والتقنية إلى حد ما لتشكل فيما لو هيمنت فيها قوة واحدة على القارة, ندا لأميركا. كذلك فإن أميركا عملت منذ القرن التاسع عشر على الحيلولة دون هيمنة قوة أوربية واحدة على القارة كلها, لأن أمن أميركا يعتمد على أوربا متوازنة, ومن ثمرة هذه الاتفاق بين العملاقين أميركا والاتحاد السوفيتي إخراج النفوذ البريطاني من "ليبيا" إذ أنه على الرغم من وجود عسكري للولايات المتحدة الأمريكية ممثلا بأكبر قاعدة عسكرية في المنطقة في ذلك الوقت (قاعدة ويليس) إلا أن النفوذ السياسي كان حكرا على بريطانيا وحده فلما قررت أمريكا جعل ليبيا تحت نفوذها بالكامل وكسح النفوذ الإنجليزي بدأت في خطواتها العملية نحو ذلك منذ العام (1967) والذي أسفر عن وقوع انقلاب سبتمبر في العام 1969 تحت قيادة الملازم القذافي...الذي أوعزت إليه بالاتصال بعميلها في مصر الرئيس عبد الناصر ليرسل له أقرب المقربين له في ذلك الوقت محمد حسنين هيكل...ومنذ اليوم الأول للانقلاب بدأت قناة اتصال خاصة وسرية بين هيكل والقذافي تخللتها زيارات إلى ليبيا بعضها سري وبعضها علني إحداها كانت عقب سقوط صدام حسين في أيدي الأمريكيين مما أصاب الملازم القذافي بذهول وصدمة استمرت معه أسبوعا كاملا إذ لم يستوعب كيف أن أمريكا تضحي "بعملائها " بهذه السهولة...فطلب من ابن عمه "أحمد قذاف الدم" أن يحضر له "محمد حسنين هيكل" والذي أحضره بدوره في طائرته الخاصة وبقي مع القذافي يوما كاملا يقدم له التحليلات والأراء والإرشادات التي أسفرت عن إعلان الملازم القذافي تسليم " خردته النووية" لبوش الابن حتى ينال الرضى الأمريكي وبذا فقد قدم هيكل النصيحة التمينة التي أنقذ بها رأس الملازم امعمر من المصير الذي كان ينتظره...وعندما ضاقت الحال بالقذافي ورأى أن صورته قد اهتزت لدى الرأي العام الليبي والعربي جراء انتكاسته وتخادله وأنانيته وطغيانه أوعز إلى هيكل بوضع مساحيق من شأنها أن تغطي على عوراته وفعلا أدخل هيكل تعديلا على رواياته من خلال ما تبثه قناة الجزيرة حين أفردت "حلقتان كاملتان"يتحدث فيهما هيكل عن الانقلاب المعجزة وكيف أن مصر وعبد الناصر فوجئوا بما حدث...وكيف أن بريطانيا العظمى حارت ولم تدر ماذا تفعل بل وأن جولدا مايير طارت في 25 سبتمبر إلى وشنطن تحتج على ماحدث في ليبيا وتطلب السلاح والمال...وكيف أنها وجدت نيكسون وكيسنجر يضربون أخماسا في أسداس وأنهم في حيص بيص مما أوقعهم فيه الملازم امعمر أبو منيار القذافي...

وهكذا رسم هيكل الصورة التي يعشقها القذافي ويتمنى أن يراه العالم بها..وهو أي هيكل يعرف أن كل ما قاله ليس فيه حرفا واحدا صادقا..وإنما هي الحقائب الممتلئة بملايين الدولارات التي قفل بها راجعا إلى مصر..باع فيها ضميره كما كان يبيع قلمه قبل ذلك لعبد الناصر في مقالاته الأسبوعية التي كان يصمخ بها أذان العرب كل يوم جمعة وكلها أباطيل وأضاليل ظهر عليها صباح يوم 5 يونيو 1967 فظهرت حقيقة "عبد الناصر"وحقيقة " الناصرية" وتهاوت معها أكاذيب "هيكل"...

فهل ينتبه العرب إلى حقيقة هذا "الكذاب" ولا يخدعهم كما خدعهم طوال 60 عاما مضت...هل نستفيق..؟

mohamednouridine77@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home