Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Noureddin
الكاتب الليبي محمد نورالدين

الجمعة 1 ابريل 2011

الموت

محمد نور الدين

{عندما يغيب الموت قريب أو صديق يتذكر الإنسان الموت}
يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمـس
فلـــولا كثرة الباكين حولـــي ... على إخوانهم لقتلت نفسـي
وما يبكيــــن مثل أخي ولكــن ... أسلي النفس عنه بالتأســي
فقد ودعت يوم فراق صخـــر ... أبى حسان لذاتـــي وأنســـي
فيالهفتي عليـــه ولهــف أمي ... أيصبح في الضريح وفيه يمس

بهذه الأبيات رثت الخنساء أخاها صخرا, وبكته حتى فقدت عينيها من شدة البكاء, وفي معركة القادسية, وفي موقف مهيب, موقف القتال والموت, وقفت الخنساء وقفة عظيمة مع أبنائها الأربعة وقالت لهم : إنكم أسلمتم فلم تبدلوا, وهاجرتم فلم تثوبوا, ثم جئتم بأمكم عجوزا كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس, إنكم لبنو رجل واحد, كما أنكم بنو امرأة واحدة, ما خنت أباكم, ولا فضحت خالكم, انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره.

واستشهد أولادها الأربعة فلما بلغها ذلك قالت قولتها المشهورة, الحمد لله الذي شرفني بقتلهم, وإني أسأله تعالى أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

ما الذي جعل نظرة الخنساء إلى الموت تتغير, فبعد أن فقدت عينيها حزنا وبكاء على فقد أخاها صخر, كانت فخورة بموت أبنائها الأربعة, بعد أن جزعت من موت أخاها, تمنت أن تلحق بأبنائها الأربعة...إنه الإسلام الذي غير تصورها عن الموت, إنه الإسلام الذي جعل الموت عند المسلم هو لقاء الله المنتظر ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).

ولا ينتظر لقاء الله من لم يستعد لهذا اللقاء ويتجهز له (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) فالذي يفر من الموت إما إنه لا يؤمن بلقاء الله. ويريد أن يتمتع بالدنيا بأطول وقت ممكن, ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت, كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون, فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسألون, فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون, ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون).

وإما أنه مؤمن ضعف تذكر الله واليوم الآخر عنده, فهو غافل عن آخرته, منشغل بدنياه فإذا حضر الموت ندم وتحسر ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن, ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما).

إن المسلم يؤمن بأن انتهاء الأجل هو السبب الوحيد للموت, وهذا يجعله في حالة ترقب للموت في كل لحظة وفي كل حين, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر " إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك فإنك ياعبد الله لاتدري ما إسمك غدا" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها ثم تمنى على الله الأماني " وفي الحديث الصحيح لما سأل جبريل عليه السلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإحسان, قال " أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

ولا قيمة للإيمان بالموت مالم يؤمن بالآخرة, فالموت هو بداية الطريق للحياة الآخرة, الحياة الأبدية, الحياة التي يتقرر فيها المصير, فإما نعيم وإما جحيم.

قال عثمان رضي الله عنه في آخر خطبة خطبها في حياته (إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة, ولم يعطكموها لتركنوا إليها, إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى, فلا تبلونكم الفانية, ولا تشغلنكم عن الباقية, فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله".

فالموت يذكرنا بالآخرة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكثروا من ذكر هادم اللذات" وقال " لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا". وقال ابن عمر رضي الله عنهما : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار : من أكيس الناس وأكرم الناس يارسول الله فقال عليه السلام ( أكثرهم ذكرا للموت, وأشدهم استعدادا له, أولئك هم الأكياس, ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة". ومن تصور أن آخرته قد تحين في أية لحظة, فإنه لا بد أن يستعد لها أيما استعداد, لما حضرت أحمد بن خضروية الوفاة قال لابنه : ( يابني, باب كنت أدقه خمسا وتسعين سنة هو ذا يفتح الساعة لي, لا أدري الفتح بالسعادة أو الشقاوة".

إن الموت تذكرة تتبعها محاسبة ومراقبة, وليست التذكرة بالبكاء والنحيب ولؤم النفس ساعة رؤية المحتضر, أو الوقوف على الميت, أو زيارة المقابر فحسب, بل التذكرة في الموت أن يتصور المؤمن في أية لحظة أنه سيقابل ربه, وأنه سينقطع عمله, وسيعدم التوبة, فيكون متيقظا لنفسه حريصا على طاعة الله, مراقبا ربه في كل لحظة من لحظات حياته.

فمحاسبة النفس ومراقبتها عن الزلل, نجاة للمؤمنين من عذاب الله, وقد شد العزم على أن يلقى الله طائعا ملبيا, ملتزما بما أمر الله به, لم يمل ولم يكل ولم ييأس بل سار على صراط الله متحملا مفاتن الدنيا ومصائبها, زاهدا بما عند الخلق راغبا بما عند الخالق.

تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) فقال صلى الله عليه وسلم ( إن النور إذا دخل الصدر انفسح) فقيل : يارسول الله : هل لذلك من علامة تعرف؟ قال : نعم, التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله).

أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشد الناس خوفا وأكثرهم بكاء, قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوما : يارسول الله شبت, فقال صلى الله عليه وسلم " شيبتني هود وأخواتها, الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت".

ولما نزل قوله تعالى : ( أفمن هذا الحديث تعجبون, وتضحكون ولا تبكون) بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم, فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسهم بكى معهم فبكى الصحابة كلهم ببكائه, فقال : صلى الله عليه وسلم " لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية, ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم".

أما علمت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع شدته في الحق وصلابته, وقوة بأسه, كان يخر لسماع آية ويذرف الدموع عندما يذكر بالأخرة, وكان خاتمه قد كتب عليه ( كفى بالموت واعظا ياعمر). قال أحد الصحابة يصف أبى بكر رضي الله عنه : كنت إذا رأيته وهو يعد الجيوش تظن أنه لم يتكل على الله أبدا, وكنت إدا رأيته وهو يكثر من دعاء الله بالنصر وهو يبتهل ويبكي, تقول : ما أعد هذا من عدة قط.

وقد وصف الله تعالى خير خلقه بقوله ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجر عظيما".

أولئك هم القادة الذين أقاموا الإسلام وجاهدوا في سبيل الله حتى لقوا ربهم, رهبان الليل فرسان النهار, قال فيهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه واصفا " والله لقد رأيت أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام فما رأى اليوم شبيها يشبههم, لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا, بين أعينهم أمثال ركب المعزى, فقد باتوا لله سجدا وقياما, يتلون كتاب الله تعالى , يراوحون بين جباههم وأقدامهم, فإذا أصبحوا فذكروا الله عز وجل, مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح, وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم, ولله لكان القوم باتوا غافلين".

إن الدنيا بمتاعها وفتنتها تلهي المؤمن مهما كان متاعها قليلا وفتنتها تافهة, وتشغله عن آخرته إن قبل هو أن يلهى بها وينشغل بها عن آخرته قال تعالى ( اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور, سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين أمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".

ولنا في رسول الله إسوة حسنة, ولنا في صحبه الكرام رضوان الله عليهم اهتداء ورشد, ولنا فيمن سبقنا من الأخيار عبرة وعظة, فقد كانوا يحرصون على تذكر الموت ليعينهم تذكره على الاستعداد للأخرة, وإذا جاءهم الموت وجدتهم بين باك على نفسه خوفا ورهبة من عذاب الله. وبين محسن في الله أحسن الظن وراج مغفرته وبين متهيء كل التهيؤ ومستعد كل الاستعداد. فأينا استعد لهذا السفر الذي لا نعلم متى هو وإلى أين سيكون فيه مصيرنا, وأينا تهيأ للرحيل في أية لحظة...الآن...أو بعد قليل, أو في الغد أو بعده, إن هما إلا نفسين نفس تأخذه ونفس تخرجه وأنت لا تعلم مع أي النفسين ستخرج الروح اللهم السلامة السلامة يوم لقائك.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home