Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Naser
الكاتب الليبي محمد نصر

Tuesday, 29 August, 2006

 

الإختلاف : أسبابه ودوافعه (1)

د. محمد نصر

الإختلاف ظاهرة طبيعية ومتكررة عبر التاريخ، دائرته تشمل الأفكار والتصورات والمعتقدات والمصالح.. ويقع الإختلاف بين الأفراد والجماعات والدول، وإن كان أكثر وقوعا وأكبر أثرا يكون داخل دائرة العمل السياسي والصراع الحزبي والقومي. والإختلاف ظاهرة طبيعية "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم.." هود: 118- 119 .. فالله سبحانه وتعالى الذي خلق الشر كان قادرا على أن يجعل الناس كلهم على نسق واحد ، وباستعداد واحد ، ولكنه أراد لحكمته أن تتنوع استعدادات البشر واتجاهاتهم وتختلف مشاربهم واذواقهم ، ووهب لهم سبحانه القدرة على حرية الاختيار ، وأن يتحمل بعد ذلك كلٌ نيتجة اختياره.
ورغم أن الاختلاف طبيعي وفطري ومطلوب في بعض الأحيان، إلا أنه في كثير من الأحيان يعتبر ظاهرة خطيرة قد تؤدي بالأفراد والأمم والجماعات الى عواقب وخيمة وتكون سببا في إضعاف قوتها فلا تعد قادرة على تحقيق أهدافها أو مواجهة خصومها ، وقد حذر القرآن من هذه النوع من الاختلاف: "فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" الأنفال46، وهذا خطاب موجه الى الأمة الاسلامية ولجماعة المسلمين ، وتحذيرا من أن يدب بينها الخلاف والنزاع فيفشلوا وتذهب قوتهم ويتغلب عليهم عدوهم ، وهذا ما نشهده اليوم من ضعف وهوان بسبب كثرة الاختلاف والتنازع بين الدول الاسلامية ، وبين الجماعات والتنظيمات العاملة على الساحة العربية ، حتى يكاد أن يكون هذا الأمر ظاهرة بارزة داخل كل قطر وداخل كل جماعة أو تنظيم أو حزب... وفي هذه المقالة القصيرة سنحاول باذن الله القاء بعض الضوء على أسباب الخلاف داخل مؤسسات وقوى العمل السياسي ، لعلنا بالتعرف على بعض تلك الأسباب نحاول إيجاد العلاج الواقي من الوقوع في هذا الوباء الخطير.
والإختلاف الذي نقصده هو ذلك الإختلاف المؤدي الى احتداد الخصومة والى التنازع الذي ينتهي الى التشرذم والفرقة ، بل قد ينتهي الى العداوة والاقتتال ، وليس الاختلاف في وجهات النظرأو في الاجتهادات ، والذي هو مطلوب من أجل التعرف على الصالح وتجنب المخاطر.

إن الذي يدرس تاريخ الانقسامات والمنازعات داخل صفوف العمل السياسي يجد أن هناك أسباب بينة وواضحة تسوق للقوعوع في ذلك المنزلق ولعل من أبرزها الاتي :

1. عـدم وضوح الوجهة وغـياب التصور

فعدم وضوح الوجهة وغياب التصور يدفع ببعض الأفراد داخل التنظيم على عدم الثقة في الإطار السياسي المنتسبين اليه ، والى الشعور بأن الطاقات والإمكانات المادية والبشرية تهدر في غير ما هدف واضح.. وهذا أمر طبيعي ، فالإنسان حريص على أن يعرف أن جهده وعمله السياسي ومخاطرته لن تذهب سدى ، وأن عمله وجهده لن يستغل من أجل مصالح شخصية أو مكاسب لبعض قيادات العمل السياسي فقط. فعدم وضوح الهدف من الجهد المبذول هو الذي دفع بموسى عليه السلام أن يعترض أو على الأقل يتساءل عن جدوى ما يقوم به العبد الصالح "الخضر" لأن موسى عليه السلام لم يكن يعرف الهدف من وراء ما يقوم به الخضر ، رغم ثقته به ومعرفته أنه عبد صالح. وكانت النهاية أنهما تفارقا ، وما كان ذلك ليحدث لو عرف موسى عليه السلام مسبقا الدافع من وراء كل عمل قام به الخضر... فاذا كان هذا هو الحال مع موسى عليه السلام وهو نبي مرسل مع الخضر وهو عبد صالح ، فكيف يكون الحال مع أعضاء وقيادات العمل السياسي اليوم؟ إن وضوح الوجهة والاتفاق على الهدف بين كافة أعضاء الحزب أو التنظيم الواحد لهو من أكبر الضمانات لحفظ وحدة الصف وتماسكه .

2. غـياب الشورى وعـدم رد أسباب التنازع الى القواعـد

إن الشورى والديمقراطية لازالت شعارات نظرية لدى أغلب التنظيمات السياسية في العالم العربي ، ولم يحصل بعد تأصيل لهذه المعاني وإنزالها على الواقع على شكل مؤسسي ومنظم. إن أغلب الاختلافات التي تحصل داخل الإطار السياسي الواحد هي اختلاف في الاجتهادات وفي تقدير المصالح والمفاسد ، ولو وجدت أجهزة شورية أو ديمقراطية حقيقية لتناول مثل هذا النوع من الاختلافات والبت فيها بشكل ديمقراطي ، لما حصل التنازع المؤدي الى الانقسامات والانشقاقات . ثم أن أغلب هذه الاختلافات تحصل داخل الصف القيادي الأول ، فلو كانت هناك مشاركة فعلية من كافة أعضاء التنظيم السياسي وارجعت اليهم هذه القضايا المختلف فيها لحسم الأمر إما باختيار أنسب الاجتهادات المتنازع عليها أو المختلف عليها من قبل الصف القيادي ، وبذلك يحسم الأمر بأخفف الضرر.. ولكن الذي يحصل أن القواعد في أغلب الأحيان مغيبة عن الصورة ، وليس لها مشاركة إلا في التنفيذ ، ولذلك يستمر التنازع في الاجتهادات والتطاحن على الأفكار داخل إطار ضيق هو إطار الصف القيادي الأول ، فإن استمر ذلك دون حل فإنه يؤدي الى انقسام التنظيم من قبل قياداته ، وحيث أن القواعد مغيبة عن الصورة فإنها في الغالب تنقسم وكل يتبع طرف من أطراق القيادة المتنازعة .
إن تأسيس الشورى وتطبيقها وجعلها قيمة أخلاقية متعارف عليها وملتزم بها ، وإشراك القواعد في المعلومات الأساسية والرجوع اليها لحل التنازع القيادي لهو من الأمور التي تخفف بل توقف النزاع والخلاف.

3. عـدم تداول السلطة والمسئوليات

إن شعور الطاقات العاملة والفاعلة في التنظيم أنه ليس لها دور في قيادة العمل ، وأن القيادة مرتبطة بفئة معينة تتبادل بينها الأدوار في أحسن الحالات ، وأن النظام المتبع والأعراف السائدة لا تمكن للعناصر الجديدة من استلام المسئوليات الكبرى لهو أحد الدوافع للثورة والانقسامات.
فالمراقب لأغلب التنظيمات السياسية في عالمنا العربي يجد أن قياداتها تكاد تكون ثابتة وغير متجددة رغم وجود الانتخابات ، وهذا هو الذي يحصل في القيادة الحاكمة في العالم العربي والذي تريد تلك التنظيمات تغييرها. وقد يبرر أن القواعد هي التي تختار قياداتها وهي التي ترتضي هذا الاستمرار.. وفي حقيقة الأمر فإن هناك انتخابات ونعتقد أنها غير مزورة عند التنظيمات السياسية غير الحاكمة ، ولكن هناك أعراف وتقاليد وقيم مؤصلة بالخطأ تجعل الناس يختارون نفس القيادة في أغلب الأحيان مع اعتقادهم أنها ليست الأفضل ولا الاصلح للمرحلة.. من ذلك الأسباب الاعتقاد السائد أن الذي يبعد عن القيادة هو شخص غير صالح ، وأن إبعاده يعتبر إهانة وتقليل من شأن وقيمة القيادات التاريخية وأن ذلك يؤدي بالتالي الى التقليل من شأن التنظيم وزعزته أو حياده عن مبادئه.. رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نصح أبا ذر بعدم استلام أية مسئولية لأنه شخص ضعيف ، ولم يكن ذلك ليطعن في ايمانه ولا في قيمته أو مكانته الكبرى بين الصحابة الكرام.
إن الاعداد الفكري والتربوي للأفراد داخل هذه التنظيمات ، لابد أن يتغير ليوجد ويبني تلك الشخصية التي تقدر المصلحة العامة وتجعلها فوق كل المصالح وفوق كل الأشخاص.. وأن يكون احترام الأفراد ليس فقط بالنظر الى مسئولياتهم القيادية ، وإنما بالنظر الى أعمالهم وأدوارهم في العمل السياسي أو الدعوي.
وحتى يتحقق ذلك لابد أن تصاغ النظم والقوانين واللوائح داخل الإطارات السياسية بحيث تجعل تداول السلطة والمسئولية أمر يستوجبه الدستور أو القانون ، وبذلك تمكن للعناصر الجديدة من الارتقاء في السلم القيادي ، ويهيء ذلك لإتساع دائرة الصف القيادي ، ويصبح خروج القائد من المسئولية هو بحكم القانون وليس لأنه غيرصالح أو لأنه غير محل الثقة أو التقدير. وبذلك يرفع الحرج ويقل التنازع القيادي ، وتقل تبعا لذلك اسباب الاختلاف.
وفي الحلقة القادمة سنتحدث باذن الله عن بقية أسباب الخلاف وهي : ضعف القيادة ، غياب المرونة ، عدم إدراك قوة الخصم ، الأهواء وحب الزعامات والخوف على فقدان المصالح الشخصية.

د. محمد نصر
mnasr1974@yahoo.com


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home