Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Naser
الكاتب الليبي محمد نصر

Wednesday, 26 July, 2006

لنكسر حاجز الخوف

د. محمد نصر

الخوف أمر طبيعي بل وفطري في الانسان وليس مستثنى منه أحد حتى الانبياء ، فهذا موسى عليه السلام يبدي خوفه من فرعون فخاف على نفسه عندما كلفه ربه بمواجهته "قال رب اني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون" القصص 33 . وخاف من فشل مهمته بالتكذيب والعناد :"قال رب اني أخاف أن يكذبون" الشعراء 12 . ولأن الخوف أمر جعله الله فطري في الانسان لهذا شرعت صلاة الخوف. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " رواه مسلم .

والخوف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم ، فالخوف من الله وعقابه ، والخوف من الوقوع في المعاصي والمحرمات والخوف من ظلم العباد والتعدي على حقوقهم هو من الخوف المحمود ، بل والمطلوب من كل مسلم ومسلمة ، ولقد امتدح الله نبيه زكريا وأهله حيث قال : "... ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " الانبياء 90 .

والخوف المذموم هو الذي يوقع الانسان في مخافة الناس على حساب مرضاة الله وهو الذي يدفع بالانسان الى الانهزام والتخلي عن المعتقد أو الأرض او العرض ويفسح المجال أمام العدو ليعيث في الأرض الفساد . "يا أيها الذين امنوا اذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ، ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال أو متحيزا الى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير" الانفال 15,16 .

والخوف درجته تقل أو تزيد من شخص الى شخص ومن قوم الى قوم . فالخوف يزداد كلما اعتقد أو ايقن الخائف أن المخاف منه يمتلك القدرة على الحاق الضرر المادي أو المعنوي به بسبب ما يمتلكه من قوة بدنية أو مالية أو سلطوية . وتقل درجة الخوف الى أن تنعدم اذا اعتقد أو ايقن الانسان أنه يمتلك قوة موازية أو تزيد عن قوة خصمه ، أو أنه يركن ويعتمد على قوة خارجية تسند ظهره أو تدعمه في حالة الاعتداء عليه .

والخوف قد يكون ابتلاء وامتحان من الله كما ذكر في كتابه الكريم : "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين " البقرة 155 .

وقد يكون عقوبة من الله على الكفر أو على معاصي ارتكبت : "وضرب الله مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بانعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" النحل 112 .

وقد يكون الخوف من البشر حقيقي وقد يكون وهمي ... فالخوف الحقيقي يكون عن دراية وحسابات دقيقة لقوة الخصم وما يمتلكه من قدرات ، وهذا يدفع بالانسان الى أخذ الحيطة والاستعداد وعدم التهور في مقابلة الخصم . أما الخطر الوهمي فهو من اخطر أنواع الخوف على الافراد وعلى الشعوب .. لأن الخائف يتوهم أن عدوه أو خصمه هو اقوى منه ويمتلك القدرة على الحاق الضرر به دونما معرفة حقيقة بواقع الخصم . وهذا الخوف الوهمي قد يكون ناتج عن تجربة سابقة مع المخاف منه ومشاهدة ما وقع به أو بغيره من الاذاء والظلم ، ثم تستمر هذه الصورة عالقة في ذهن الخائف وتمنعه من تكرار اية محاولة جديدة لكشف حقيقة قوة خصمه . وهذا المثال واضح في قصة الجن مع سليمان عليه السلام حيث استمر الجن في العمل والعذاب المهين مع أن سليمان عليه السلام كان قد مات ، وذلك للصورة العالقة في ذهنهم بقدرة سليمان : "فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته الا دابة الأرض تأكل منسأته فلم خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" سبأ 14 .

وهذا الخوف الوهمي هو ما تسعى اليه أغلب أنظمة العالم الاسلامي من زرعه في قلوب الناس حتى تستمر شعوبهم في العذاب المهين ويستمر الحكام في البقاء على كراسي الحكم . فهؤلاء الحكام يواجهون خصومهم منذ البدء باشد أنواع التنكيل والتعذيب والقتل ، ويدعون من وقت الى آخر اكتشاف محاولات الانقلاب والتغيير ولو كان كذبا حتى يوهموا الناس أن النظام عيونه في كل مكان ويده تطول كل من فكر في القيام بأي عمل ضده . ومع الوقت يتمكن النظام من بناء حاجز الخوف والرعب في النفوس ويكون ذلك هو الاداة الوحيدة لاستحكام قبظتهم على مقاليد الحكم .

واذا تعود الناس على هذا المسلك يصبح الخوف سجية لهم ويكون خوفهم هذا ليس سببا في استمرار استعبادهم واستغلالهم من قبل النظام فحسب ، بل يكون أداة تحمي النظام الطاغي لأن خوفهم يدفعهم للوقوف في وجه كل من يحاول كسر حاجز الخوف لاعتقادهم أن أي تحرك ضد النظام سيزيد من معاناتهم ، ولهذا يكونوا عيونا للنظام وحراسا له .

وقد ذكرنا سابقا أن درجة الخوف تقل أو تزيد بحسب تقدير الأنسان لقدرته أو للقوة التي يستند اليها ويستمدها من غيره ، ولهذا فان هناك وسيلتين لكسر حاجز الخوف :

الوسيلة الأولى هي أن يبحث الفرد أو المجموعة أو التنظيم أو الدولة لقوة أخرى تمتلك من الامكانات والقدرات لدعمه واسناده من أجل كسر حاجز الخوف ودفعه لمواجهة خصمه أو محاربة عدوه .

فعلى مستوى الفرد مثلا نجد أنه في بلادنا اذا اعتدى أو تسلط عليك أحد رجال الأمن أو المخابرات أو أحد المسئولين فان الوسيلة الوحيدة للتخلص من هذا الاعتداء ليس هو القانون أو التصدي للظالم بل يكون بالبحث عن "واسطة" ، أي البحث عن مسئول اخر اقوى نفوذا من المعتدي لتخليص المعتدى عليه أو لرد حقه وان لم يجد ذلك المعين أو الوسيط فان حقه يضيع .

وعلى مستوى الجماعات أو التنظيمات فاننا نراها تسعى للبحث عن سند خارجي لمواجهة خصمها . وهذا ما يجعل الكثير من التنظيمات والاحزاب ترتمي في احضان قوى كبرى أو دول أخرى قد تكون أشد ظلما لشعوبهم من النظام الذي تريد مواجهته . وعلى مستوى الدول والحكومات فانها تستنجد في حالة الأزمات ر بالأمم المتحدة أو الى الدول الكبرى أو الدول المجاورة ، وهذا ما فعلته الكثير من الدول في السابق وتفعله اسرائيل في عدوانها على الدول العربية وفعلته الكويت وافغانستان والعراق وكثير من دول المنطقة .

وهذا الدعم أو الاسناد قد يكون دافعه المعتقد الديني أو الايديلوجي و قد يكون دافعه المصالح المادية والاستراتجية ، وفي الغالب لن يخلو هذا الدعم أو الاسناد من ثمن يدفعه المستنجد ولسنا في حاجة للتفصيل في هذا الأمر فالواقع خير شاهد .

أما الوسيلة الثانية فهي الالتجاء الى قوة الله وعونه ثم الاعتماد على النفس واعداد القوة المطلوبة والأخذ بالاسباب ، وهذا هو مسلك الأنبياء والصالحين . فقوة الله هي الوحيدة التي تبدد وهم الرعب وتكسر حاجز الخوف في النفوس كما قال ابراهيم عليه السلام : " وكيف أخاف ما اشركتكم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا فاي الفريقين أحق بالأمن ان كنتم تعلمون" الانعام 81.

وهذا موسى عليه السلام تبدد خوفه وانطلق الى مواجهة فرعون وجنوده بعدما ايقن من معية الله : "قال لا تخافا انني معكما أسمع و ارى" طه 46 . وبعدما أخذ بالاسباب حيث طلب من الله أن يرسل معه أخاه هارون سندا له : " وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني اني أخاف أن يكذبون " القصص 34 .

وهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام طرحوا الخوف خلفهم واعتمدوا على قوة الله في مواجهة عدوهم رغم عدم تكافي القدرات ولم تثنيهم الحملة الاعلامية والحرب النفسية على مهمتهم : "ان الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" آل عمران 173 .

ولا شك أن هناك ثمن يدفع حتى في اتباع هذه الوسيلة بالركون الى قوة الله ، ولكن هذا الثمن مقابله الجنة ورضوان الله كما في الحديث عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام الى امام جائر فأمره و نهاه فقتله " .

وشتان بين هذا الثمن و الثمن الذي يدفعه الأول من الارتماء في احضان البشر واستبدال سيد بسيد وطاغية بطاغية .

ان امتنا اليوم تعيش في معظمها في وهم الخوف .. الخوف من العدو ، والخوف من النظام ، والخوف على الحياة ، والخوف على الارزاق ، والخوف على الأهل والأولاد .. الخوف من كل شيء الا من الله ، لأنها لم تركن الى قوة القوي ولم تطلب العون من ملك الملوك ، فهي تفر من ظالم الى أظلم ومن جور حاكم الى جور قوى كبرى هي أشد بطشا وحقدا وتنكيلا .

ان الظلم الذي نعيشه اليوم ليس له من دون الله كاشفة ، وكسر حاجز الخوف الرهيب الذي اصابنا لا يمكن أن يتم الا بالعودة الصادقة الى الله وبالصبر والمصابرة ، ولنا فيما يجري في لبنان و فلسطين دروس وعبر لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد . وكسر حاجز الخوف يمكن أن يتمن بتدريب النفوس وتطويعها ، ولقد قراءت في بعض أدبيات الثورة الايرانية أن الخميني كان يأمر أتباعه وأنصاره في ايران الذين اشتد خوفهم من الشاه ومخابراته "السفاك" القوية ، كان يأمرهم أن يقوم كل فرد في ساعة معينة وفي يوم معين بفتح ناقذة بيته ثم يصرخ بأعلى صوته " ليسقط الشاه " عدة مرات ثم يغلق عليه نافذة بيته ، وهذا يجعل من الصعب على أجهزة الأمن والمخابرات اقتحام كل البيوت واعتقال افراد الاسرة أو الحاق الضرر بهم لأنهم ليسوا في مواجهة مباشرة معهم ، ولكنه في نفس الوقت يدرب النفوس لتتمكن من كسر حاجز الخوف الذي زرع في قلوب الايرانين طوال عدة عقود .

فهل نجرؤ نحن في بلادنا عـلى الأقل بفتح نوافذ بيوتنا ونصرخ بأعـلى أصواتنا : ليسقـط.....؟‼

محمد نصر
mnasr1974@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home