Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Naser
الكاتب الليبي محمد نصر

Monday, 21 August, 2006

لنكن واقعـيين

د. محمد نصر

لا شك أن الأمال الكبيرة تحتاج الى همم عالية وأفاق واسعة ونفوس قادرة على تخطي الصعاب وتحمل أعباء السفر والصبر على المشاق والمتاعب . فكلما كبرت الطموحات تضاعف معها الجهد وتضاعف معها البذل والعطاء ، وهذا يحتاج الى صدق في الايمان وصلابة في العزيمة .. "وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" السجدة 24.

انه من المطلوب أن يرسم الانسان لنفسه آمالا وطموحات كبيرة يعمل على تحقيقها في حياته ويسعى للوصول اليها سواء أكان ذلك على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة ، ولكنه ليس من المعقول أن يظن الانسان أو الجماعة أنه بالامكان تحقيق تلك الآمال والطموحات دونما التدرج في الوصول الى ما يصبوا اليه فدلك خلاف السنن الكونية .

هذا التدرج هو الذي عناه الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله عندما قال تلك المقولة الذهبية التي يصف فيها طموحاته " ان لي نفس تواقة ما تاقت الى شيء الا ووصلت اليه ، والان وصلت الى الخلافة فانها تتوق الى الجنة" .. فالوصول الى الخلافة كان قبلها المرور باهداف دونها كثيرة وعندما وصل الى الخلافة فانه يتوق الى ما هو اعلى وادوم منها الا وهي الجنة .

بعض الناس اليوم يطالبون بالخلافة الاسلامية ولا يقبلون دونها ، وهم لم يحققوا بعد مستلزماتها ومتطلباتها ، ولم يهيؤوا الظروف المناسبة لها ، ولم يعدوا بعد قاعدتها ولا قياداتها . كل ما يملكنوه بعض النصوص ويصرفون الوقت في استخدامها في الجدال والحوار .

وبعض الناس يطالبون بفتح اقطار الدنيا بينما اقطارهم الصغيرة التي يقطنون بها لا زالت مستعمرة ثقافيا واقتصاديا بل وعسكريا. قرارهم السياسي بيد غيرهم ، وثرواتهم عرضة للنهب والابتزاز. لقد كان من الأولى أن تتوجه جهودهم اولا لتحرير بلادهم وتخليصها من قيودها قبل التفكير فيما هو أبعد من ذلك .

وبعض الناس يرفضون الديمقراطية ويعلنون الحرب عليها وهم يعيشون تحت أسوأ الدكتاتوريات التي ليس فيها مجال لتداول السلطة بالطرق السلمية ، وليس فيها مكان لحرية الراي أو التعبير . يحاربون الديمقراطية وكأنها عقيدة وينسون أنها وسيلة لتطبيق المباديء كمبدأ الانتخاب وسيادة الشعب والقانون ، وفصل السلطات ورقابة الشعب على حكامه ومسئوليه ، فهي ادأة يمكن لكل مجتمع أن يرسم لها حدودا ويضع لها ضوابط .. ففي الغرب حدودها الدساتير ومنطلقها مباديء الراسمالية .. وفي المجتمع الاسلامي حدودها نصوص الشرع وأعراف المجتمع .

وبعض الناس يرفضون تعدد الاحزاب ويعتبرونها من دواعي الفرقة والانقسام ، وينسون ما تسبب به حكم الفرد الواحد والحزب الواحد من تسلط وقهر وهيمنة واستعباد .. وكم هي الفرقة والتشرذم التي تعيشها مجتمعاتنا تحت تلك الفردية المقيتة .

ان الأحزاب لو قامت في بلادنا ستشترك كلها في الاصول ولها بعد ذلك أن تتنوع وتختلف في التفاصيل والبرامج كما هي الاحزاب في الغرب كلها تلتقي على حماية الديمقراطية والدفاع عن أمن البلاد وصيانة المصالح العامة وتختلف بعد ذلك في البرامج الاقتصادية والاجتماعية وبعض السياسات الخارجية .. وفي بلادنا يمكن أن تلتقي الاحزاب في اقامة الدين وترسيخ الحريات والعدالة ثم تتنوع بعد ذلك في البرامج التنفيذية .

ان رفع الشعارات الكبيرة بعيدة التحقيق خيالية النظرة هي التي أورثت الوهن في النفوس وايئست كثيرا من الناس في امكانية النصر وامكانية تغيير الانظمة الدكتاتورية التي سادت في منطقتنا العربية. إن ركام السنوات الطويلة من التخلف والظلم والاستعباد لا يمكن يزال بقفزة واحدة .. اننا نجب أن نسعى اليوم لارغام هذه الانظمة بأن يكون لنا رأي بين الاراء ، وحزب بين الاحزاب وأن ترفع القيود المضروبة على الحريات العامة .. ونحن على يقين بعد ذلك أنه لو ازيلت الموانع بيننا وبين الجماهير وسمح لدعوة الحق ورسالة السماء من أن تصل اليهم .. لو اتيح المجال لذلك فان شعوبنا لن تختار بديلا عن دستور السماء .. فالنخرج من دائرة الخيال ولنترك الشعارات البراقة التي قد تكسب العواطف وتحرك المشاعر يوما ولكنها لا تنتج للناس حلا ولا توفر خبزا ولن ترفع ظلما فينصرف الناس عنها مع الوقت ويستمر قيادهم في يد فراعنة الزمان .

محمد نصر
mnasr1974@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home