Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Naser
الكاتب الليبي محمد نصر

Monday, 12 June, 2006

الدمار الحقيقي

محمد نصر

عندما تتحدث الى الكثير من الليبيين وتتحاور معهم في اوضاع البلاد فانك تجد أن شكواهم الرئيسية هي فيما لحق البلاد من دمار في مجال الخدمات العامة كالصحة والتعليم والنقص في الاحياجات والمستلزمات التي يتطلبها الناس من أجل البناء والاعمار وصعوبة الحصول على وسائل النقل وغلو الاسعار وتدني مستوى الدخل وما الى ذلك من الامور.. وكل تلك القضايا مهمة لاستمرار الحياة والاستقرار النفسي ، فعندما لا يجد المواطن مكان يتداوى فيه من امراضه ويضطر للسفر الى بلاد اخرى متحملا اقصى التكاليف والمشاق من أجل عزيز أو قريب له ، وعندما لا يجد الأب مدرسة أو معهد به مستلزمات نجاح التعليم مما يدفعه بارسال ابنه أو ابنته الى دولة اخرى للحصول على التعليم المطلوب ، وعندما لا يجد المواطن سهولة في الحصول على المركوب أو الملبس أو حتى المأكل في بعض الاحيان مع توفرها في دول مصادرها المالية أقل بكثير من بلاده ، فانه يصاب بخيبة الأمل والحسرة على ذلك .. وعندما يجد الانسان نفسه يسبح في بحر من المياه لسقوط اقل الامطار أو محاط بالقذورات والأوساخ لعدم توفر الخدمات المطلوبة للنظافة ، فان ذلك يعكر صفو حياته ويساعد على انتشار الأمراض والاوبئة. وعندما يجد الموظف أو العامل أن دخله الشهري لا يغطي أقل احتياجاته المعيشية مما يضطره لمزاولة اكثر من مهنة أو عمل فان ذلك يؤثر على دوره في البيت ومع المجتمع وقد يصاب بالقلق والتوتر والتعب النفسي والبدني .. كل تلك الشكاوى حقيقية ومهمة وتحتاج الى وقفة جادة من أجل علاجها والحيلولة دون تفاحلها وتعاظمها ، الا أن كل تلك القضايا والهموم ليست هي وحدها الدمار الحقيقي الذي يجب أن يشغل جل وقت الناس واهتماماتهم ، فهناك دمار هو اشد وطأة من ذلك الا وهو دمار النفوس وفساد الذمم وهبوط مستوى الأخلاق وغياب روح المحبة والتعاون بين الناس .. فهذا هو الدمار الحقيقي.

ان الدمار المادي يمكن علاجه في سنوات قليلة اذا توفرت العزيمة وتغيرات اهتمامات الساسة وافسح المجال امام رجال الاعمال واصحاب المهن والحرف واطلقت الحريات الاقتصادية .. فهذه اليابان تكاد تكون دمرت بالكامل في الحرب العالمية الثانية ، وما هي الا سنوات بعد ذلك وقد اعيد اعمارها بل وأصبحت في مصاف الدول الصناعية المتقدمة في العالم . وكم من مدن في العالم دمرت بالزلازل أو الحرائق أو الفيضانات وما هي الا شهور أو سنوات قليلة وقد اعيد اعمارها وبناءها وعادت فيها الحياة كما كانت ، بل افضل مما كانت.
ولكن الذمم التي فسدت فاصبحت لا تتعامل الا بالرشوة والمحسوبية والوساطة .. والنفوس التي تعودت على الذل والتزلف والمداهنة والتملق والنفاق ، والقلوب التي تعلقت بالمادة فاعمتها عن كل القيم والاخلاق الحميدة حتى اصبحت مستعدة لبيع اخرتها بدنيا غيرها .. والاخلاق التي انغمس اصحابها في الرذيلة أو المسكرات أو المحدرات أو تعود اصحابها على الغش والخيانة والخداع .. هذه هي الأمراض الحقيقية التي تدمر الأمم وتأتي على الاخضر واليابس ويجتاج علاجها الى اجيال واجيال وليس شهور أو سنوات. وهذا هو الدمار الحقيقي الذي يجب أن يشغل بال المصلحين ، وأن يحتل المساحات الكبرى في كتابات ومقالات المؤيدين والمعارضين. ولقد صدق شوقي عندما قال :

انما الامم الاخلاق ما بقيت       فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

ان المستوى الذي وصل اليه المجتمع اللييي في كثير من فيئاته ينذر بالخطر العظيم والوبال الماحق اذا لم يتدارك بسرعة .. لقد انتشرت امراض لم تكن معروفة ولا مألوفة في المجتمع الليبي وحصل تفكك في مستوى العلاقات بين الناس ، بل حتى بين الاقارب ما كان يعتبر من المستحيلات في السابق. انك تجد اليوم التطاحن دخل الاسرة الواحدة على عرض الدنيا الفاني .. فهناك تقاتل على الاموال وعلى الميراث وعداوات بين الاخ واخيه والجار وجاره . وهناك الوشاية بين الصديق وصديقه وبين القريب والقريب من أجل التملق للسلطان والتزلف لاصحاب المناصب وحرصا للوصول الى الأهداف والغايات. لا شك أن البطالة والحاجة المادية والظلم الاجتماعي والقهر السياسي ساعد على اتساع دائرة هذه الأمراض وانتشارها بين فيئات واسعة من المجتمع . اذ وجد كثير من الناس أنه لا سبيل للوصول الى الأهداف والحصول على الوظائف ونيل المراتب الا من خلال التزلف والتملق للنظام السياسي أو من خلال سلوك طريق الرشاوي بل حتى السرقات من المال العام والخاص ومع الوقت اصبح هذا السلوك عادة وخلق يصعب التخلص منه.
وفي الحقيقة هذه الظاهرة ليست في ليبيا وحدها ولكن في اكثر دول العالم الثالث التي ابتليت بانظمة سياسية همها الوحيد البقاء على الكراسي والمحافظة عليها فقدمت الولاءت على الكفاءات وشجعت المداحين والطبالين وضيقت على الناصحين والمصلحين ، فلم تعد تسمح لصوت غير صوت المدح والتبجيل حتى انك عندما تستمع أو تشاهد أي محطة من محطات تلك الدول لا تسمع الا عن اخبار الزعيم ولا ترى الا صورة القائد في كل مادة ومع كل برنامج. بينما هموم المواطن في وادي النسيان والتغافل .. وهذه السياسة يعتقد اصحابها انها ستغسل عقول الناس وتجعلهم يصدقون ما يقوله الاعلام وتغرس في نفوسهم حب الزعيم أو القائد أو الرئيس أو الملك، ولكن الحقيقة عكس ذلك.. فهذه السياسة زادت من كره الناس لهؤلاء الزعماء ، وان كنت لا تصدق فاستمع الى تعليقاتهم ونكاتهم. فالصورة الجميلة التي ينقلها الاعلام الزائق والاقلام المأجورة والنفوس المريضة يكذبها الواقع الذي يشهده المواطن العادي وتكذبها الحقيقة التي يلامسها الناس ويصطدم بها في كل يوم عندما يعيش حياة الكد والنصب والتعب ثم يرى أن الوحيد الذي ينعم بتلك الخيرات ويعيش تلك الصورة الجميلة هم الذين يزيفون الحقيقة وهم الذين ينقلون تلك الصورة الكاذبة الخادعة.

اننا اليوم في اشد الحاجة لتوعية الناس بخطر التدني الخلقي وفساد الضمائر وغياب الواعز الديني والخلقي. اننا في حاجة الى أن ينبه المصلحون والكتاب والدعاة على أهمية بناء النفوس وترسيخ القيم والاخلاق التي بها حياة الأمم وسعادتها في الدنيا والاخرة. وعلى الساسة والحكام وكتاب الاعلام الرسمي أن يدركوا أن هذا التزييف لن ينطلي طويل على الناس ، فعليهم أن يؤبوا الى رشدهم ويفكروا في مستقبل الاجيال القادمة وأن يصححوا مسيرتهم قبل فوات الاوان. فباب التوبة مفتوح مادام في الحياة فسحة والا ستحلقهم لعنة الله ولعنة التاريخ ولعنة شعوبهم. فهل من متعظ؟

محمد نصر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home