Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mohammed Mlaitan
الكاتب الليبي محمد مليطان


محمد مليطان

Friday, 26 January, 2007

الدنقلي .. شاعـر وليس حاكياً

محمد مليطان

من الشعر ما لا تنتهي غوايته بالقراءة الأولى، ولا تنقضي لذاته عند القراءة الأخيرة.. لا يشعرك أبدا أنه بلغ البداية، حتى تبحث عن نهايته؛ لأنه يغرقك في المتعة حتى فروة الرأس.. هذا من حيث العموم، أما من حيث الخصوص، فإن الكتابة الإطرائية هذه مدفوعة بالإعجاب الشديد بشاعر ليبي (لهجيّ) تميّز، واستطاع أن يجتاح الأطر المعنوية، والشكلية، للنص الشعري الشعبي الليبي، بعد أن كادت النمطية الموضوعية والشكلانية أن تذهب بريقه وجاذبيته.

فقد استطاع الشاعر محمد الدنقلي، ذلك الأسمر النحيف أن يرفع من قيمة ما عجزت عنه المؤسسات الكبرى بأعمدتها الخرسانية الضخمة، حيث صار الشعر اللهجي (الشعبي) محبوبا ومفهوما ومقبولا من كافة المستويات الاجتماعية المختلفة والمتفاوتة ثقافيا وفكريا.

ولابد هنا من وقفة عند النص الذي يكتبه الدنقلي من حيث التصنيف، حيث تقضي التقاليد بأن يوصف هذا اللون من الشعر بما يتناسب مع طرحه الجديد للجملة الشعرية الشعبية اللهجية، ويتناسب في الوقت نفسه مع تناوله للتفاصيل الموضوعية غير المعتادة في شعر اللهجة العامية..

ما أستطيع تأكيده في هذا المقام هو أن الأستاذ المحامي عبد الباسط أبومزيريق هو من أطلق مصطلح (الشعر المحكي) على شعر الدنقلي تحديدا، ثم شاع هذا المصطلح حتى صار - أو كاد أن يصير - عنوانا رئيسا لكل الأمسيات التي تحتضن الشعراء المنتمين لهذا النوع من النصوص، واعتمدت هذه التسمية على النسبة إلى مصطلح (الحكي) الشائع في المناطق الشامية المقابل للـ(الهدرزة) أو (الدوة) عندنا في محليتنا الليبية.

غير أن (الحكي) أو (الدوة) أو (الهدرزة) ليست وتيرة مثالية يمكن الاعتماد عليها في تصنيف المادة الشعرية؛ لأنها مادة لا تعتمد على أي منها بشكل مباشر على أي حال، ولأن هذه النسبة (المحكي) تقليل من قيمة المكتوب الشعري أكثر منه تصنيف يراد به تمييزه - وربما الرفع من قيمته- ، ولو راجعنا المشهد الشعري مرة أخرى لوجدنا أن هناك جامعا يشترك فيه كتاب هذا النوع - تقريبا - ، فأغلب من يخيط هذا النسيج الشعري هم من الذين يطمحون إلى الثورة على النص الشعبي، [الشعر الشعبي]، الموغل في شعبويته، سواء من حيث المادة (الموضوع)، أو من حيث الطرح والتناول، أو من حيث التقنيات الشعرية والبناء عامة (الموسيقى والصورة والإيحاء) .

فالنصوص الشعبوية نادرا ما تكون عميقة الدلالة، حيث تستغرقها تفاصيل خد المحبوبة وسواد عينيها و...و.... لكن نصوص الدنقلي - تحديدا - تحمل على أجنحتها وفي جوانحها دلالات أعمق من مجرد السطحيات هذه، وربما أوهم بذلك أن هذه النصوص توسلت الكلمات والصور والموسيقى ذاتها في مناسبات عديدة، ولذلك فإن مصطلح [المحكي] المنتزع من الحكاية ليس وسما صحيحا، ولا صالحا، ليكون دالا على شكل من الشعر المحلي المختلف عن الشعر التقليدي بأنماطه الشكلية المعهدوة المعروفة والمستغرقة في البداوة.

هذا من حيث البناء، ولا أعتقد أن لدينا شعراء شعبيين يتناولون قضايا فكرية بالغة العمق وشديدة الدقة والحساسية؛ لأن أدوات النص جزء من قضيته وموضوعه، غير أن الدنقلي استطاع أن يسحب بعض القضايا الفكرية غير الشعبية شعريا، ولا تفتن الشاعر الشعبي عادة، حيث الشاعر الشعبي المفتون بالجسد الأنثوي، أو الشكلانية العاطفية المتمثلة في (الملابس المهترئة - الجسد الهزيل - الدموع - الشحوب ) كأهم مظاهر الإنسان الفقير مثلا..

وعلى هذا فإنه لا يمكن تصنيف ما يكتبه الدنقلي بأنه (محكي) ولا يمكن أيضا وضعه في سلة الشعر الشعبي السطحي الدلالة، وصار على النقاد أن يجتهدوا لتصنيف وتنظير الأدبيات التي يمكن أن يتم من خلالها الولوج إلى عوالم هذه النصوص المتميزة، وهنا يجدر التذكير بثورة الشعر الحر التي أحدتث تغييرا كبيرا وجذريا في عالم الشعر العربي الفصيح، والتي يمكن أن تكون هذه الثورة في الشعر الشعبي بعضا منها.

الدنقلي الذي اختار التمرد على النمطية في الشعر الشعبي وضع نفسه في بين مطرقة التجديد، وسندان الأطر المتأبية على المطاوعة، فظل يصرخ مناديا بإيجاد لغة أخرى جديدة تنقذه من هذه الورطة، لغة لا تستخف بالشاعر والمتلقي للشعر الشعبي العصريين:

نريد لُوغَة .. بلا لُوغَة .. ولا باء .. بلا .. آليف .
نريد لُوغَة .. تْجْي هكي .. بلا صوت ، وصدى ..
بلا... مانيش عارف كيف .

المعجم الصوفي يسجل حضوره بشكل ملفت للانتباه في نصوص الدنقلي، فالجمل الصوفية الشاعرة ببنياتها اللغوية العميقة، وبصورها المتجاوزة للمتوقع تتردد في أرجاء نصوص الدنقلي، وهو ما استفاده - ربما- من مصاحبة الراحل الكبير الشاعر لطفي عبد اللطيف أحد أهم شعراء الصوفية المعاصرين.

ولعل المعلم الشاعر (لطفي) هو من أوحى للدنقلي بتوظيف الأدوات اللغوية والصورية والموسيقية في نصوصه لتكتسب تميزا يصعب على كتاب الشعر اللهجي - الأميين في الغالب، أو من غير المثقفين ثقافة لغوية وأدبية ونقدية في الأغلب- أن ينحتوا تحفا نصوصية تستحق الاهتمام والاحتفاء.

ولذا فإنه بإمكان أي ناقد أكاديمي أو محترف أن يكتشف التوظيف الجيد للموسيقى والصورة والبناء اللغوي سواء على مستوى المفردة أو الجملة أو تناسق التراكيب، ما يدفع بالقول إلى أن الدنقلي لا يكتب من مجرد العاطفة البدائية التي يتوسل بها أغلب شعراء النص الشعبي، بل يكتب بمرجعية ثقافية وفكرية متميزة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home