Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Sunday, 30 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (7)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ .‏ } (العنكبوت 45).

ذكر الله تبارك وتعـالى

ذكر الله من العبادات الواجبة لله تبارك وتعالى بل هو أفضل العبادات جميعاً لقوله تعالى { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ }، وليس من الذكر ترديد بعض صياغات الأدعية أو التسبيح أو الاستغفار بغير وَعْي ودون إدراك حقيقةِ الذكر كما هي مبينة في القرآن بياناً ضافياً، وإنما الذكر هو ما عرفه القرآن وبينه في أحكامه وفصله في آياته تفصيلاً.

وأول ما نحاول به استجلاء حقيقة الذكر أن نعيها من أضدادها في قوله تعالى { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ } (الأعراف 205). { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً } (الكهف 24). وهكذا يرد ذكر الله مضاداً للغفلة في الآية الأولى ومضاداً للنسيان في الآية الثانية وبذلك فإن الذكر هو ألا تغفل عن ربك ولا تنسى.

ولاستظهار خطورة الغفلة والنسيان على مصير الإنسان يبين الله في كتابه العزيز أن أول معصية في تاريخ البشر قد اقترفت في حالة نسيان { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً . وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى . فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى . إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى . فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى . فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى . }(طه 115-122).

كما يبين الله تبارك وتعالى أنه ما من فسق عن أمره أو انحراف عن القنوت له إلا بنسيان وذلك في قوله تعالى { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . } (الحشر 19).

وإنما يتورط الإنسان بنسيانه ويستشكل عليه الأمر بغفلته ولذلك فإن المؤمن خليق بأن يوطن ذهنه على اليقظة والانتباه والحذر وهو ما لا سبيل إليه إلا بذكر الله وتدبر آياته في السماوات والأرض وفي الكتاب المنير، وإنما يتذكر أولو العزم فيكون ذكر الله لهم عصمة من الزلل وارتقاء بهم وبتفكيرهم إلى منزلة التوحيد والإيمان بالله تبارك وتعالى فاطر السماوات خالق كل شيء ورب الإبداع كله والفكر في شموله ومنتهاه.

والغفلة هي أم المَوبِق وليس كمثلها منزلق إلى المهالك والمعاصي و الفسوق وهي من علل النفس التي قد يتورط فيها الإنسان في لحظة من لحظات ضعفه أو استحواذ الشيطان عليه. وفي القرآن الكريم دراسات مستفيضة لنقائص الإنسان التي تنتهي به إلى الغفلة فينسى ومن ثم يضل ويهوى { ‏ وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً . يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً } (النساء 27-28).

{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ . وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ . إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }(هود 9-11). { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }، (إبراهيم 34). { وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً } (الإسراء 11). { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً } (الإسراء 100). { خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ . }(الأنبياء 37). { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً . إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } (المعارج 19-23). { بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ . يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ }(القيامة 5و6). { كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى . أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى . إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } (العلق 6-8). { إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ }(العاديات 6). { إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . } (العصر 2). { قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ }، (عبس 17).

هذا بعض من كل متكامل في دراسة ضافية لأحوال الإنسان يعرضها الذكر الحكيم لما جبل عليه من ضعف وخور وكفر وجحود وظلم وطغيان، ولا سبيل له إلى القوة والصمود إلا بالذكر فإن أعرض ونسى ضل وهوى.

والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بإرادة يوجهها تفكير مستقل فهو ليس كالسماوات والأرض { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ .} (فصلت 11). وليس كغيره من الخلق الذي فرض الله عليه القنوت فرضاً بل إنه طوع إرادته يأتي قانتاً أو لا يأتي على الإطلاق فينفق عمره كله لا يكرهه على الإيمان شيء بغير وازع من ذاته أو بوحي من فكره، والله تبارك وتعالى يمنع الناس أن يكره بعضهم بعضاً على الإيمان { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .‏} (البقرة 256). { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .} (يونس 99).

وكذلك فإنه ليس للمسلم أن يخرج إلى القتال إلا دفاعاً عن النفس أو لرد العدوان، وإنما أوجب الله الدعوة إلى دينه بالحسنى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .} (النحل 125). { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .} (العنكبوت 46).

والدعوة إلى طاعة الله بالأسلوب الذي فرضه القرآن الكريم هي خدمة للبشر وإصلاح في الأرض. فإنك تجد كل شيء يمضي لغايته في دقة ونظام يحار له العلماء ولا يجدون له أي تفسير، دوران الأرض حركة الكواكب علاقة الأرض بالشمس وبالكواكب الأخرى حياة النبات خلق الجنين في رحم أمه وإلى غير ذلك من إبداع خلق الله مما نعلم ومما لا نعلم، ومهما أجهدت الفكر ومضيت في أسباب العلم فلا تجد إلا تفسيراً واحداً وهو أن الكون كله قد خضع لنظام الله فصلح وانتظم ولو فعل البشر ذلك بأن خضعت أعمالهم لنظام الله الذي فرضه عليهم في كتبه ورسالاته لصَلُح حالهم وانتظمت كل شؤونهم، وإنما يختل نظام البشر وتفسد أمورهم بالغفلة والنسيان وإنما يتذكر أولو الألباب. ويضرب الله الأمثال للناس في السماوات والأرض مما يخلق من الآيات لعلهم يتذكرون أنه هو وحده خالق كل شيء وهو وحده بيده نظام كل شيء ويرجع إليه الأمر كله في صلاح كل شيء وأنه لا ملجأ منه إلا إليه وأنه لا سبيل للنجاة في ملكه إلا بالقنوت له تماماً كما يقنت له كل شيء فيصلح وينتظم ويستقر له قرار ويثبت له كيان.

{ وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ . وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ . وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ .} (الذاريات 47-50).

{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ . ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } (السجدة 4- 9).

{ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ . وَمَا لَا تُبْصِرُونَ . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ .} (الحاقة 38، 42).

{ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } (غافر 58).

{ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ .} (هود 24). ويضرب الله الأمثال في سورة النحل بخلق السماوات والأرض وتنزيل الملائكة وخلق الإنسان والأنعام والزرع والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم إلى قوله تعالى { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . } (النحل 13).

وهكذا يضرب الله تبارك وتعالى الأمثال للناس لعلهم يتذكرون { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ . وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ . حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ . وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ .} (الزخرف 36-39).

وهذا هو جزاء الغفلة والنسيان في الحياة الدنيا وما يستتبعه من جزاء في الآخرة والذكر بهذه المثابة هو عتاد المؤمن في معركة عمره ضد وساوسه لا يعترض سبيله عارض ما بقى معتصماً به ولا يضل أبداً ما حافظ عليه، فإذا تسلل إليه وسواس في لحظات ضعفه أو فتنته في الحياة الدنيا عاد فتذكر فأصبح بصيراً قوياً مؤمناً { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ .} (الأعراف 200). وإذا في هذه الآية الكريمة هي إذا الفجأة التي تفيد حصول ما بعدها فوراً وفي الحال وهي للدلالة على قوة الذكر كسلاح للمؤمن في مواجهة هواجسه ووساوسه وما عساه أن يفتن به في الحياة الدنيا.

والذكر هو الصلاة وهو الحمد والاستغفار والتسبيح، وهو القرآن وقصص الأنبياء والمرسلين وما أنزل عليهم كما جاء في الذكر الحكيم مفصلاً، وهو الدعاء والتكبير وتدبر آيات الله في كتابه وفي خلقه وإبداعه وعظمة ملكه، وهو أيضاً وبصفة عامة صفاء القلب والذهن لله تبارك وتعالى والقنوت له عز وجل وإخضاع كل أمر لأحكامه التي تنزل بها الذكر الحكيم، وتوجيه الحركة والسكون والقول والصمت في طاعته وابتغاء مرضاته ورهباً من ذاته عز وعلا علواً كبيراً.

{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ .} (الحديد 16).

تلك من آيات وجوب الذكر ترد في صيغة التساؤل الذي لا يجد المؤمن اللبيب له جواباً إلا أن يقول بلى قد آن لنا أن تخشع قلوبنا لذكر الله وما نزل علينا من الحق ويضرب الله المثل الأعلى ممن أوتو الكتاب من قبل منزلاً من عند الله فنسوا الذكر واتخذوا الشيطان قريناً وطال عليهم الأمد حتى قست قلوبهم وأصبح كثير منهم فاسقين عن الحق لا تلين قلوبهم لذكر الله ولا تخضع للحق { اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ . } (المجادلة 19). { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . }(الزمر 22).

{ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ . رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .} (النور 35-38).

خلق الإنسان مجبولاً على الضعف تأخذ الهواجس بتلابيبه ويرتعد فرقاً مما حوله ولا يأمن عواقب الدهر في نفسه وفي أهله وفي ماله، ونزواته أشد ما تكون إلحاحاً عليه يميل إلى دنياه العاجلة بقدر ما يخاف منها. أما المؤمن الذي يعتصم بما فرضه الله عليه من الذكر فأولئك يقول الله فيهم { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . }(الأنفال 2-4). المؤمن الذي يعتصم بالذكر لا يجد فيما حوله ولا من بين يديه ولا من خلفه ما يرجف له قلبه خوفاً إلا أن يُذكر الله أو تُتلى عليه آياته، فهو لذلك متوكل على ربه يبصر أمامه طريقاً آخر ما فيها لقاء ربه وهو يستشعر رهبة هذا اللقاء فلا يبالي بكل ما يعترضه ويهون عليه كل ما دونه، وهو يدرك جلال ربه وعظمة خالقه فتراه خاشعاً في صلاته عاكفاً عليها، وإنه ليعرف حق السائل والمحروم في ماله فتراه ينفق منه بسخاء لا يخاف فقراً ولا خسراً، ولا يستذله متاع الدنيا لأن الذكر يكوِّن لديه ملكة تقييم الأمور وإعطائها أحجامها الطبيعية فيرى حياته كلها مطية لآخرة يترقبها ويرى الموت كله إغفاءه قصيرة من بعدها يقظة خالدة عند مليك مقتدر.

وهكذا يصل المؤمن بذكر الله إلى التسامي بذهنه والاستعلاء بفكره فتصفو نفسه ويهدأ خاطره ويلين قلبه وترق مشاعره ويصلح باله، ويصبح أقوى على مواجهة الحياة وأقدر على الانطلاق فيها وأبعد نظراً وأحدّ بصيرة بشؤونها {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . }(الرعد 28).

إن القرآن لهو الذكر {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ .} (آل عمران 58).

{ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ.} (الأعراف 63).

{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ .} (يوسف 104). { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . }(الحجر 9).

ولقد أنزل القرآن جامعاً ومفصلاً للذكر في التوراة والإنجيل وفي رسالات الأنبياء والمرسلين فيما أورده من قصصهم ونضالهم ودعوتهم وما جاؤوا به من الحق وما كان من أمر أقوامهم ثم ما حل بهم من الرحمة أو من العذاب في بيان ضاف حفظت هذه الرسالات وبينت ما اختلف فيه الناس من قبل الذكر الحكيم ليؤمنوا بها وليحذروا الاختلاف عليها من بعد { هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ .} (الأنبياء 24). وإنك لتجد الوصايا العشر بتمامها كما أوحى بها إلى موسى عليه السلام ليبلغها إلى قومه من بني إسرائيل في سورة الأنعام في آياتها الرقمية 151و152و153.

وإنك إن شئت من الذكر ما أوجز وأضفى فاقرأ سورة (ص) بآياتها الثماني والثمانين في حديث حلو عن الذكر موجزاً وضافياً، فإن شئت تفاصيل الذكر كله فعليك بالقرآن كله فذلك الذكر مفصلاً من لدن عليم حكيم خبير.

والصلاة في ذاتها ذكر { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي .}، (طه 14). { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ }، (الجمعة 9). ومع تلاوة القرآن في الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها ومن بعد ذلك ومن قبل يعرف المؤمن قيم الذكر فلا يكف عن ذكر الله في حديثه وصمته في حركته وسكونه في عمله وفراغه في قومه وفي بيته في طعامه وشرابه وغدوه ورواحه وفي كل شأن من شؤونه ثم يزداد إيمانه وتقوى فطنته ويشتد حذره فإذا نسى عاد فتذكر وإن غافلته المعصية عاد فتذكر ثم استغفر ربه وأناب.

وليست هنالك مواقيت محددة للذكر بل إن وقت الإنسان كله ذكر من قبل شروق الشمس وقبل غروبها ومن بعد الصلاة ومن قبلها بالغدو والآصال والعشي والإبكار ولا يليق بالمؤمن أن يغفل عن ذكر ربه إلا في نوم أو في غيبوبة من مرض { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً .} (الفتح 8، 9). { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ.} (النور 36). {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ .} (الأنبياء 19، 20). { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى } (طه 130). { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ . }(ق 40).

ثم مناسبات ورد النص عليها في القرآن بوجوب ذكر الله فيها باسمه تبارك وتعالى أو بتسبيحه أو بحمده أو بما يجب له من الثناء والإجلال والإكرام، ولا حصر لهذه المناسبات إلا بالذكر الحكيم كله فيما أورده من الآيات والذكر وإنما نقدم من ذلك الأمثلة الآتية :-

أولاً :- إنك إذا نسيت وذهبت بك الهواجس بعيداً عن الرشد وجب عليك أن تذكر الله وتسأله أن يهديك لأقرب من هذا رشداً { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً .} (الكهف 24). وإنك إذا أحسست أن شيطاناً من الإنس أو من الجن قد تظاهر على حجب الرؤية الصادقة عنك وجب عليك أن تذكر الله مستعيذاً به متوكلاً عليه { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ .} (الأعراف 201).

ثانياً :- النوم من آيات الله الكبرى وإنك لتغفو فيه إغفاءة أشبه ما تكون بإغفاءة الموت وما يزال العلم في حيرة منه لم يصل بعد إلى حقيقته ولا يعرف عنه إلا ظناً وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً وقد وصف في القرآن بأنه الوفاة { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ } (الأنعام 60). ولقد أوجب الله تعالى تسبيحه حين تقوم من نومك { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ . }(الطور 48).

ثالثاً :- ما كان لبشر أن يؤتى العصمة إلا قليلاً، ولذلك يجعل الله باب التوبة مفتوحاً لا ينغلق على الإنسان إلا إذا حضره الموت { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً . }(النساء 18). وسبيل المؤمن إلى التوبة كلما ارتكب فاحشة أو اقترف ظلماً أن يذكر الله ويستغفره { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .} (آل عمران 135).

رابعاً :- ويجب أن تصغي أفئدة الناس إذا ذكروا بآيات ربهم ولا يكونوا كالذين قال الله عز وجل فيهم { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ . وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ . وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ . }(الصافات 12-14).

خامساً :- ولقد رأينا من قبل أن ذكر الله تبارك وتعالى يجب عقب الفراغ من كل صلاة كما يجب في الحج وبصفة خاصة في عرفة وفي المشعر الحرام وعقب أداء مناسك الحج والعمرة بالخلود إلى الذكر لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام أو ليومين لمن تعجل بسبب العذر.

سادساً :- وعند لقاء العدو الذي يرفع السلاح على المؤمن أو يظاهر على إخراجه من دياره أو يعمل على الفساد في الأرض يجب الثبات كما يجب الذكر { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ .} (الأنفال 45).

سابعاً :- ولا يحل لك أن تأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه فإن النعمة من الله تبارك وتعالى ويجب ذكره كلما رزق الإنسان شيئاً منها لطعامه، كما يجب ذكره من باب أولى كلما رزق شيئاً من النعمة لشرابه أيضاً لأنك لا تصبر على الظمأ كما تصبر على الجوع { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ . } (الإنعام 121).

ثامناً :- وحين يدخل المؤمن بيته ليسكن فيه ويركن إلى الراحة فيما أنعم الله به وتفضل عليه من الخير يجب عليه أن يذكر الله بقوله : ما شاء الله لا قوة إلا بالله { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ } (الكهف 29).

تاسعاً :- وكلما يتدبر المؤمن آيات ربه في السماوات والأرض وما فيهن من خلق الله الذي أتقن كل شيء خلقه وخفق قلبه لعظمة ربه فإنه يقول : ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .} (الأعراف 54). وكذلك حين ينظر في أمر نفسه وعظمة تقويم خلقه، أو حين ينظر إلى خلق ذريته والناس أجمعين ويستشعر قلبه قدرة الخالق العظيم الذي أتقن كل شيء خلقه فإنه يقول : تبارك الله أحسن الخالقين { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ .} (المؤمن 12-14).

عاشراً :- وإذا شد المسلم الرحال مهاجراً أو مسافراً فعليه أن يعتصم بالله ويسلم أمره إلى الله ويقتدي بنوح عليه السلام حين أمره الله إذا استوى هو ومن معه على الفلك أن يقول {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ . }(المؤمنون 29).

الحادي عشر :- وإذ يتعاقد المسلمون أو يتعاهدوا فعليهم أن يتوكلوا على الله ويقولوا: الله على ما نقول وكيل اقتداءً بموسى عليه السلام { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ . }(القصص 27، 18).

الثاني عشر :- وإذا خشيت على أبنائك أو على أهلك أو قومك فإنك تقتدي بيعقوب عليه السلام إذا أسلمت وجهك إلى الله وقلت : فالله خيرُ حافظاً وهو أرحم الراحمين { فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .‏ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .} (يوسف 63، 64).

الثالث عشر :- وإذا أصابك البأس أسلمت وجهك لله وعلمت أنها فتنة بما قدمت يداك ليطهرك الله بها، أو الفتنة يبتليك بها ليبلو من أخبارك وقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . } (البقرة 155-157).

الرابع عشر :- وإذا كنت في عصبة تلوك ألسنتهم أعراض الناس بالباطل وتأتي الإفك دون أن يأتوا عليه بأربعة شهداء ويحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وجب عليك أن تستعيذ بالله وتقول : { مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ .} (النور 16).

الخامس عشر :- وقد تتطلع إلى زينة الحياة الدنيا فتجد إنك قد حرمت شيئاً منها وما أكثر ما تتطلع إليه النفس الأمّارة بالسوء من زينتها، فإذا كنت من أولي العزم واجتهدت فيما تتطلع إليه نفسك بما أمر الله وجب أن ترضى نفسك بما آتاك الله من فضله وقلت : {حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ } هكذا كان يقول السلف الصالح ممن اهتدوا بما جاءهم من العلم، تجد ذلك في قوله تبارك وتعالى { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } (التوبة 58، 59).

السادس عشر :- وحين تكتب لصاحبك أو لعدوك فلك القدوة الحسنة بسليمان عليه السلام، إذ كان يستهل كتبه باسم الله الرحمن الرحيم { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .} (النمل 29، 30).

السابع عشر :- ومن ذكر الله أن تذكر نعمه فما من نعمة إلا من الله رب العالمين {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ }(النحل 53). وقد فرض الله تبارك وتعالى على عباده أن يذكروا نعمه { وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . } (البقرة 213). وينبغي أن يقترن ذكر النعم بشكر الله رب النعم { فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } (النحل 114). ولقد كان من دعاء الصالحين أنهم يقولون كما كان يقول سليمان عليه السلام { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ .} (النمل 19). ويضرب الله لعباده الأمثال بما كان يذكر به الصالحون أنعمه تبارك وتعالى بدعاء يوسف عليه السلام {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ .} (يوسف 101).

الثامن عشر :- وينبغي للإنسان أن يذكر دائماً أنه يعيش حياة المتاع فهي في مجموعها ومهما طالت الأعمار فيها في الخير أو في الشر على السواء لا تعدو أن تكون في الآخرة ساعة من نهار، والنتيجة المنطقية لهذا الفهم ألا ييأس الإنسان على ما يصيبه فيها من شر ولا يفرح بما يناله فيها من الخير { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .} (الحديد 22، 23). كتاب الله هو أعظم ما يفرح به المسلم في الحياة الدنيا { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ .} (يونس 57، 58) { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ .} (الرعد 36).

التاسع عشر :- وإذا ركبت سفينة أو طائرة أو قطاراً أو غير ذلك مما يسره الله لك في سفرك ذكرت الله وشكرت أنعمه واقتديت بنوح عليه السلام وقلت { بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (هود 41).

العشرون :- وإذا ركب المسلم دابة أو سفينة أو سيارة أو طائرة أو غير ذلك مما سخره الله له لتيسير مواصلاته وجب عليه ذكر الله بقوله : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون { وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ . لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ .} (الزخرف 12، 13).

وليس فيما تقدم ولا فيما سيرد بعد بياناً للذكر أو تفسيراً له فليس بقادر على بيانه وتفسيره والإحاطة به إلا الذكر الحكيم ذاته كما حفظه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، وإنما هي تذكرة بأنه لا ينبغي للمؤمن أن ينشد الذكر إلا بقرآن وألا يستنبط حكماً أو يكون له رأي إلا بقرآن { أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . }(الأنعام 114-117).

الذكر هو ألا تغفل عن ربك ولا تنسى فهو عمل ذهني يمارسه المسلم في نفسه لا يعقد به حلقات ولا يمشي به في مواكب، يتضرع به إلى الله من خيفته ورغباً في رحمته ورضوانه ويتقي به من سخطه وهو صلة القلب والروح بالخالق المبدع في عبادة متصلة لا يقطعها إلا الموت أو النوم أو غيبوبة من مرض، فإذا لم يكن بد من الذكر بالقول لتنظيم هذا العمل الذهني والتركيز عليه والبحث فيه فإنه يجب أن يكون ذلك دون الجهر به أي همساً أو بصوت خافت.

وأفضل الذكر تدبر القرآن فهو الذكر الحكيم من لدن حكيم خبير، وذلك بفهم الآية بأختها، أما تأويل القرآن فذلك هو الغيب الذي لا يعمله إلا الله.

تأويل الحديث هو الحقيقة التي سوف يؤول إليها { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } (الأعراف 53) كان يوسف عليه السلام صبياً عندما رأى تلك الرؤيا المباركة، فلما رفع أبويه على العرش وخر له أخوته سجداً { وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّ} (يوسف 100) فهذا هو تأويل الحديث أن يصبح حقيقة بعد إذ كان حديثاً.

تأويل القرآن ليس تفسيره ولا بيانه، وإنما هو الحقيقة ذاتها التي سيؤول إليها يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير أو في الحياة الدنيا عزة ورخاء أو هوناً وضنكاً. ذالك من الغيب لا يعلم تأويله إلا الله، والإيمان بالغيب هو أول صفة من صفات المؤمن التقي يصدق بكلمات ربه ولا يجد له من دونه ملتحداً، لا يسأل دليلاً على الغيب بل يجعل كلمات الله دليلاً على كل شيء، فما صدق الله بكلماته فهو الصدق المطلق لا ريب فيه { ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . }(البقرة 2-4).

يقول الشاطبي رحمه الله المتوفي سنة 790 هـ، في كتابه الفتاوي، تحقيق فضيلة الشيخ محمد أبي الأجفان، مطبعة الكواكب، تونس، طبعة سنة 1985، في صفحة 195 (حكى عياض عن التنيسي قال : كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال له رجل من أهل نصيبين : يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيراً ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون؟ قال مالك : أصبيان هم؟ قال : لا ، قال : أمجانين هم؟ قال : لا قوم مشايخ وعقلاء، فقال مالك : ما سمعت أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا ولو فعلوه على جهة اللعب كما يفعله الصبي لكان أخف عليهم من إسقاط الحشمة وإذهاب المروءة وترك هدى أهل الإسلام وأرباب العقول، لكنهم يفعلونه على جهة التقرب إلى الله والدعاء به وهذا أدهى وأمر حيث يعتقدون أن اللهو واللعب عبادة وذلك من أعظم البدع المحرمات الموقعة في الضلالة المؤدية إلى النار).

جاء في أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية (الجزء الثاني صفحة 197) عن الشافعي رحمه الله أنه قال : (مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري)، وفي ذلك يقول فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله : (إن نزعة التقليد متغلغلة في نفوس الناس توجههم وهم لا يشعرون، وإن سلطان الأفكار التي اكتسبت قداسة بمرور الأجيال تسيطر على القلوب فتدفع العقول إلى وضع براهين لبيان حسنها وقبح غيرها. ويستطرد من ذلك إلى القول في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية، دار الفكر العربي، صفحة 7) : (ومن الطبيعي أن يدفع ذلك إلى الاختلاف والمجادلة غير المنتجة لأن كل شخص يناقش وهو مصفد بقيود الأسلاف من حيث لا يشعر. ورحم الله النيسابوري إذ يقول : بل إن مقلد الحق يدخل في قوله تعالى { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ .‏} (البقرة 169 والأعراف 33) لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق ثم إنه قنع بالظن والتخمين).

وجاء في أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية : (إن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو التقليد)، وينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال : من لم يُقنط الناسَ من رحمة الله تعالى ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى ماسواه، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا علم ليس فيه تفهم ولا قراءة ليس فيها تدبر). هذا من الحديث الذي يصح في الإفهام ويدعو إلى العلم وتدبر القرآن، أما تقليد الأسلاف فليس من العلم ولا من الذكر في شيء، وقد اتفق العلماء على أن المقلد ليس معدوداً من أهل الذكر ولا هو من العلماء.

وكذلك فإن الذكر عمل علمي من حيث هو تدبر آيات الله وبحث متصل في شؤون خلقه، ومن هنا كان العالم المسلم عالماً غير متخصص فكان طبيباً ومهندساً وفلكياً وكيميائياً وأديباً وفقيهاً وقاضياً، لأنه لا ينشغل إلا بالذكر ولا يستعين عليه إلا بالقرآن فيقرأ فيه الفلك فيبحث في الفلك ويقرأ فيه الطب والسياسة والحرب فيكون طبيباً وسياسياً ومحارباً ويقرأ النبات والحيوان فيبحث في شؤونهما بمنطق القرآن العلمي حتى يصبح عالماً في النبات والحيوان ويستخلص منه الأحكام فتراه قاضياً ومشرعاً وهكذا في كل ما تنزل به الذكر الحكيم تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ .} (ص 29). { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .} (الرعد 19). { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ .} (الزمر 9). { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ .} (آل عمران 7). { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .} (البقرة 269)، وهكذا فإن الذكر هو عمل ذهني وهو شغل العلماء أولي الألباب ممن يؤتون الحكمة والمقدرة على إخضاع أذهانهم لمن هو أجدى وأحق بها.

والذكر هو عمل الأتقياء الذين ينيبون إلى ربهم ويخشونه بالغيب { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ .} (غافر 13). { سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى . إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى . وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى . فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى . سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى . وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى .} (الأعلى 6-11).

والتذكير بالذكر من القدوة الحسنة التي يجب اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام فيها فقد كان سنة من سننه صلى الله عليه وسلم {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ .} (الغاشية 21). {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى.} (الأعلى 9). { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .} (الذاريات 55، 56)، وليس كالقرآن تذكير بالله فهو الذكر الحكيم من لدن عزيز حكيم { وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ . يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ . إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ . يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ . نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ .} (ق 41-45).

تلك هي محاولتنا لفهم الذكر بوجه عام وذلك من خلال دراستنا لما سلف ذكره من آيات الذكر الحكيم، ولا نزعم بذلك أننا قد أحطنا بالأمر من جميع جوانبه وبما ينبغي له من الدرس والتحصيل وما يجب له من الفهم والاستنباط، فكما ذكرنا من قبل ليس فيما نثبته في هذا الكتاب تفسيرٌ للقرآن أو بيانٌ له أو شرحٌ لأحكامه وآياته وذكره فليس كالقرآن بيانٌ للقرآن وتفسيرٌ له، ولا نقصد بهذا الكتاب إلا إلى التنبيه بأنه لا ينبغي لنا أن نفهم القرآن بعيداً عن القرآن ويجب علينا أن نكتفي به ولا نرفع إليه أي حديث أو تفسير أو اجتهاد.

ومن خلال تلك المحاولة رأينا أن الذكر هو ألا تغفل عن ربك ولا تنسي وأن يعمر قلبك بنور الله تستشعره بفؤادك يغمر صدرك بوجوده وعظمة وقوة آياته فلا يغيب عنك هذا النور ما دمت حياً فإذا رأيتك قد ابتعدت عنه بغفلة أو نسيان عدت فاستغفرت ربك وسبحت بحمده ودعوته أن يهديك لأقرب من هذا رشداً.

ولقد رأينا فيما سلف أن الصلاة ذكر وأن الحج ذكر وأن تلاوة القرآن ودراسته هي الذكر، كما رأينا أن التسبيح والحمد والاستغفار والدعاء من الذكر. وسوف نتناول فيما يلي دراسة خاصة لذكر الله بالصلاة وبالتسبيح وبالحمد وبالاستغفار وبالدعاء وبتلاوة الذكر الحكيم، ولك من بعد ذلك ومن قبله في القرآن الكريم الذكر كل الذكر، فبتلاوته وحفظه ودراسته وتدبر آياته وبالصلاة به والحج بمقتضاه والاعتصام به يبني المسلم لنفسه قلاعاً حصينة لا ينفذ منها شيطان من إنس أو جان، وأبراجاً يسمو بها على كل فتنة، ووقاية يتقي بها أي غفلة أو نسيان.

أولاً :- الصلاة بالذكر

{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ . فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ .} (البقرة 238، 239).

أشرنا فيما سلف إلى أنه ليس ثَم ما يجيز تأخير الصلاة عن أوقاتها المحددة لها وتناولنا في دراستنا للصلاة تحديد مواقيتها وكيف يبدأ كل وقت بانتهاء الوقت الآخر وأوضحنا أنه لا ينبغي للمسلم أن يؤجل صلاته.

غير أنه قد تعتري المسلمين ظروف تحول دون أداء الصلاة على وجهها بقيامها وركوعها وسجودها كمن يمشي في قافلة مترجلاً أو راكباً دابة فيها ولا قبل له بوقف سيرها أو كمن يركب سيارة أو طائرة ولا يجد متسعاً فيها لركوعه وسجوده، ويخاف إن مضى في سيره في تلك القافلة أو بقى جالساً في سيارته أو طائرته أن يفوته ميقات الصلاة.

في هذه الحالات وفي غيرها من الحالات المشابهة يجوز للمسلم أن يصلي بالذكر راكباً دابته أو جالساً في سيارته أو طائرته أو مترجلاً في سيره حين يحل ميقات الصلاة، فيعكف عليها خاشعاً ببصره وفؤاده وهو يتلو من الذكر ما ينبغي له في الصلاة من القرآن راكعاً بقلبه ساجداً بجناحه من الذل، كل ذلك بغير تيمم أو وضوء لأن التيمم والوضوء هو شرط إقامة الصلاة ولا يشترط شيء من ذلك لصلاة المسلم راجلاً أو راكباً { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ . فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }، أي إن خفتم ألا تتمكنوا من المحافظة على الصلاة فصلوا راجلين أو راكبين ولو أراد الله تيمماً أو وضوءاً لهذه الصلاة لفرضه كما فرضه في إقامة الصلاة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } (المائدة 6).

والتاء في قوله تعالى { فَتَيَمَّمُواْ }، تفيد عموم الصعيد الطيب وإطلاقه دون تخصيص كما في قوله تعالى { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } (النحل 28)، وقوله تعالى {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ } (النحل 32)، الآية الأولى أفادت عموم الظالمين دون تخصيص، والآية الثانية أفادت عموم الطيبين على وجه الإطلاق، وبمقارنة ذلك بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}، (النساء 79)، لم يظهر حرف (التاء) في هذه الآية لتفيد التخصيص، لأن الخطاب فيها موجه إلى طائفة المستضعفين في الأرض من الظالمين بغير تعميم أو إطلاق.

ويقول الله تبارك وتعالى { وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ.} (النساء 2) ويقول سبحانه { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } (الأحزاب 52) {تَتَبَدَّلُو} في الآية الأولى على عموم التحريم حماية لأموال اليتامى على وجه الإطلاق، {تَبَدَّلَ} في الآية الثانية على وجه التخصيص بغير عموم ولا إطلاق، وذلك بحكم خاص بالرسول دون غيره من الناس.

{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا } (فصلت 30) { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم.} (القدر 4) { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ } على عموم المؤمنين الذين استقاموا لربهم وعلى وجه الإطلاق، { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ } على وجه التخصيص لليلة واحدة هي ليلة القدر.

{ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } (الشورى 13) { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } (آل عمران 103) {وَلاَ تَفَرَّقُو} في الآية الأولى بخطاب عام مما أوحى إلى الأمم كافة في كل الرسالات من فترة نوح إلى فترة محمد والرسل من قبله على وجه الإطلاق، {وَلاَ تَفَرَّقُو} في الآية الثانية على وجه التخصيص في رسالة محمد والذين آمنوا بما أنزل عليه.

ويرى أبعاض أن إقامة الصلاة بهيئتها التي عرفها المسلمون قياماً وركوعاً وسجوداً ليست هي الصلاة المفروضة، بل هي بإقامة القرآن تلاوة وذكراً وتدبراً، وذهبوا إلى أبعد من ذلك فقالوا إن الحج ليس بشعائره التي عرفها المسلمون ومناسكه المعروفة، بل هي الحج إلى القرآن فريضة وحكماً!؟ ولا شك أن الأمر قد اختلط عليهم فلم يتبينوا الفارق بين الصلاة بمفهومها المطلق، وبين إقامة الصلاة بهيئتها التي فرضها الله على عباده المؤمنين {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } (النساء 102) وفي ذلك بلاغ للذين يجادلون في هيئة الصلاة، بقيامها وركوعها وسجودها في أوقاتها لذكر الله حتى يكون المسلم موصولاً بربه ولا يكون من الغافلين، وأنظر إلى المؤمنين الذين يصلون وراء رسول الله في الركعة الأولى وقد أمروا بأن يأخذوا أسلحتهم، فإذا فرغوا من سجودهم انطلقوا إلى مواقع إخوانهم الذين كانوا يحرسونهم ليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، وكانوا في خشوعهم في الصلاة لا يستطيعون حراسة ولا حذراً. ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة عن ابن أبي حاتم : (الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، فكانت لرسول الله ركعتان، وللقوم ركعة ركعة).

{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } (الحج 26) وهذا هو الحج عند البيت الحرام، ومن مناسكه الطواف به والصلاة فيه قياماً وركوعاً وسجوداً بهيئتها التي يعرفها المؤمنون أمراً مقضيا، ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلاً.

فإذا انقضت الصلاة بانقضاء وقتها فلم يدركها المصلون على وجهها إقامة ولا قصراً ولا ذكراً، فتلك سيئة ولا سبيل في القرآن إلى استدراكها إلا بالحسنة تمحها، { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ .} (هود 114) صلاة خالصة لوجه الله ابتغاء عفوه، وليس فجراً بفجر وظهراً بظهر وحساب كحساب الديون.

جاء في كتاب أبي الفرج الجوزي رحمه الله المتوفى سنة 597هـ، الصادر عن المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة، بعنوان (الموضوعات)، الجزء الثاني صفحة 102 ، تعليقاً على ما نبأ به محمد بن ناصر عن عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده عن أبيه عن أبي محمد سلمة بن عبد الله الزاهد عن القاسم بن معن عن علاء بن المسيب عن عطاء بن أبي رباح قال : (قال رجل يا رسول الله إني تركت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاقضي ماتركت، فقال : يا رسول الله كيف أقضي، فقال : صلي مع كل صلاة مثلها، قال : يا رسول الله قبل أو بعد، قال : بل قبل).

هذا هو الحديث الذي يستندون إليه في فتح حسابات الصلاة المتروكة عمداً أو سهواً، أثبته أبو الفرج الجوزي، ثم قال : (هذا حديث موضوع، والمتهم بوضعه سلمة بن عبد الله كان من المتزهدين الذين يقولون : ما فاتته صلاة صلى مع كل صلاة صلاة، سمع هذا فجعله حديثاً، وقال أبو حاتم بن حيان : يروى سلمة عن القاسم بن معن ما ليس من حديثه).

فاستدراك ما فات من الصلاة بصلاة مثلها مردود بوجوب الصلاة لوقتها { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً .} (النساء 103)، ولو أراد الله سبحانه استثناء من ذلك لفرضه كما فرضه في الصيام { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } (البقرة 184).

وكذلك فإنه لا يجوز استدراك ما فات الغير من العبادات، وقد أثبت الشيخ محمد أبو زهرة بحق في كتابه (مالك حياته وعصره) الصادر عن دار الفكر العربي صفحة 257 (أن الإمام مالك ردّ حديثاً عن ابن عباس أن امرأة أتت رسول صلى الله عليه وسلم، فقالت : يا رسول الله إن أبي مات وعليه صوم شهر، قال : أفرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، قالت : نعم، قال : فدين الله أحق أن يقضى). ولقد اختلف في رواية الحديث فروى على أنه في الحج، وروى على أنه في النذر، ولقد رفضها الإمام مالك جميعاً وردّها رداً قاطعاً مستمسكاً بالقاعدة المستمدة من قوله تبارك وتعالى { وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . }(النجم 38).

وسأل سائل بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم -الظهر والعصر جمعاً وقصراً في يوم عرفة، وأكاد أقسم أنه ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقصر من الصلاة وهو مطمئن في حجه لا يحذر عدواً ولا يخشى، ولا أن يصلي صلاة في غير وقتها، ولا أن تفوته صلاة من بعد نحرها، ولا أن يقرب شيطاناً في منى وقد علم من كتاب ربه أنه ليس له فيها من مناسك حجه شيء {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ .}، (الأعراف 3).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home