Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 28 June, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (18)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

موانع الميراث

تساءل الفقهاء عن حكم من يقتل أباه هل يرث منه شيئاً, وأجمعوا على أنه لا يرث منه شيئاً ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا رأي للخوارج يورث القاتل من المقتول. وزعموا أنهم اجتهدوا هذا الرأي دون أن يكون له سند في كتاب الله, ولم يجد بعض الشيوخ من سند إلا فيما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس للقاتل ميراث.

وإنما يرث الوارث من مورثه كما رأينا بسبب البنوة أو الأبوة أو الأخوة أو الزوجية, والأبناء يرثون من آبائهم والآباء يرثون من أبنائهم ويرث الإخوة بعضهم من بعض كما يرث الأزواج بعضهم بعضاً. وأضعف أسباب الميراث الإرث بالزواج, لأنها صلة قابلة للانحلال بالطلاق ويقول الله تبارك وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهاً } (النساء 19).

فإذا قتل الرجل زوجه حرم عليه أن يرث منها شيئاً وكذلك يتسع حكم هذه الآية الكريمة ليشمل جميع صور إكراه الزوجة على إرثها كما لو ذهب الرجل بزوجه إلى أمة نائية لتتيه فيها. وينطبق هذا الحكم من باب أولى على حالات المواريث الأخرى سواء كانت بالبنوة أو الأبوة أو الأخوة فلا يرث أحد من أحد كرهاً أياً كان هذا الإكراه بالقتل أو بغيره على سواء.

وقالوا بمنع الإرث في حالة اختلاف الدين, فلا يرث المسلم من أبيه إذا كان كتابياً ولا يرث المسلم من زوجه إذا كانت كتابية كما لا يرث الابن الكتابي من أبيه المسلم ولا ترث الكتابية من زوجها إذا كان مسلماً واستندوا في ذلك إلى أن الإرث أساسه التناصر والتعاون ورأوا بزعمهم أن التناصر والتعاون أمران متنافيان بين المسلم وغير المسلم.

ويرد على هذا الرأي بأن الميراث هو في حقيقته سبب من أسباب كسب الملكية يتحقق بوفاة المورث أباً كان أو ابناً أو أخاً أو زوجاً, تماماً كما يتحقق كسب الملكية بالبيع أو بالوصية أو بغير ذلك من الأسباب. ولم يقل أحد بعدم جواز انتقال الملكية بالبيع أو الوصية إذا اختلف دين البائع عن دين المشترى, كما لم يقل أحد بعدم جواز انتقال الملكية بالوصية إذا كان دين الموصى يختلف عن دين الموصى له.

إن أحكام الله تبارك وتعالى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها, ولا قبل للإنسان أن يتحايل عليها دون الوقوع في معصية ظاهرة. وأيما رجل أراد أن يورث أمه أو أباه أو أخاً له أو زوجه فبوسعه أن يوصى لأي من هؤلاء بثلث ماله ولو لم يكن الموصى له من هؤلاء مسلماً, ولسوف تنفذ وصيته دون أن يعترض أحد عليها, وقد يكون الثلث الموصى به أكبر من نصيبه الذي فرض له بالميراث ولن يحتج عليه أحد بالإثم أو المعصية فيما أقدم عليه فذلك حق له لا ينازعه فيه أحد.

والقول بأن التناصر والتعاون أمران منتفيان بين المسلم وغير المسلم حجته داحضة, إن الله تبارك وتعالى لم يقطع وشائج الرحم والبر والمودة بين المسلم وغير المسلم خاصة إذا كانت تجمع بينهما رابطة الأبوة أو البنوة أو الأخوة أو الزوجية يقول الله تبارك وتعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . } (لقمان 14، 15) ويقول سبحانه وتعالى { عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .} (الممتحنة 7، 9).

لقد فرض الله للأبوين أن يرثا من أبنائهم وللأبناء أن يرثوا من أبويهم وللأزواج أن يرثوا من بعض وللأخوة أن يرث بعضهم بعضاً دون قيد, فيجب أن يورثوا بغير قيد إلا في حدود ما شرع الله لعباده في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم حميد.

ميراث الغرقى

ينعقد رأي الفقهاء على أن الغرقى ومن في حكمهم ممن يتوفون جميعاً ولا يعلم أيهم سبق الآخر إلى الموت, لا يرث بعضهم من بعض وإنما تقسم تركة كل واحد منهم على ورثته الأحياء باعتباره أجنبياً عن الآخر الذي توفى معه. ويستند هذا الرأي إلى ما روى عن أبي بكر وزيد بن ثابت, ويقال أن زيداً قضى بذلك في قتلى اليمامة في عهد الصديق وفي موتى طاعون عمواس في عهد عمر وفي قتلى الحرة ونقل عن على أنه قضى به في قتلى الجمل وصفين. وقيل في تبرير هذا الرأي أن سبب استحقاق كل واحد منهم ميراث صاحبه غير معلوم على وجه اليقين, والاستحقاق ينبنى على تيقن السبب فإذا لم يثبت السبب على وجه اليقين فلا يثبت الاستحقاق إذ لا يتصور ثبوته بالشك.

وعلى هذا الرأي نصت المادة الثالثة من قانون المواريث المصري رقم 77 لسنة 43 على أنه (إذا مات اثنان ولم يعلم أيهما مات أولاً فلا استحقاق لأحدهما في تركة الآخر سواء أكان موتهما في حادث واحد أم لا) وخلت المذكرة التفسيرية للقانون المصري من أي تأصيل علمي لهذا الرأي وكأن المشرع المصري قد قبله على غير اقتناع.

ولا سند لهذا الاستنباط في كتاب الله ولا أصل له في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما هو إن صحت الراوية محض اجتهاد في قضاء زيد, وهو قضاء لا يخلو من إجحاف خطير في التطبيق فإذا ركب رجل ثرى طائرة مع أحد أبنائه ممن لا يملكون شيئاً وكان لابنه ذرية ضعاف فسقطت بهم الطائرة وماتا معاً فإن مقتضى تطبيق هذا الرأي أن الأبناء الآخرين سيرثون الأب الثرى ولن يجد أبناء أخيهم الذي توفى مع أبيهم نصيباً في هذه التركة, هؤلاء أصبحوا يتامى وقد يكون أبوهم قد قضى من بعد جدهم فيرث منه ثم يورثهم نصيبه في تركته وهذا هو الاستنباط الأصلح لهؤلاء اليتامى عملاً بقوله تبارك وتعالى{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ } (البقرة 220).

وتقتضى هذه الآية الكريمة أن يعامل اليتامى بالأصلح لهم وأن يفسر كل شك يتعلق بهم بما هو أصلح لهم, فيقضي بوفاة أبيهم من بعد وفاة جدهم لينالوا نصيبه في الميراث مع أعمامهم.

إخوانكم في الدين

يولد الإنسان من أبوين يربط بينهم عقد زواج صحيح فيستقبل بالبهجة والأفراح بالحق وبغير الحق, ويولد من أبوين بغير هذا العقد فتلحقه اللعنة وينبذه المجتمع من يوم مولده ويصفه الفقهاء بأرذل الصفات, وقد يتعرض للقتل من أقرب الناس إليه وقد تقتله أمه وتجد لها عذراً يخفف هذا الجرم البشع في قوانين المجتمعات الإسلامية.

يقول الفقهاء إن (ولد الزنا) وهو المولود من غير زواج شرعي إما يقر (الزانى) ببنوته وينكر (الزنا) فيثبت النسب إلا إذا توافرت شروط صحة الإقرار به بالظاهر والله يتولى السرائر وبذلك يجرى التوارث وأما إذا أقر (الزانى) ببنوته واعترف بأنه من (الزنى) ثبت النسب عند اسحق بن راهوية واختار ذلك ابن تيمية وذلك حفظاً للولد من الضياع, وأما عند جمهور الفقهاء فلا يثبت النسب ويلحق الولد بأمه يرثها ويرث أقاربها كما يرثونه.

إن الفاحشة إثم لا ريب فيه شأنها في ذلك شأن أي إثم آخر وقد تقرر لها عقاب في حدود الله ولم تغلق دونها أبواب التوبة ولا تضيق بها رحمة الله التي وسعت كل شئ. غير إنها تثير في المجتمع الإسلامي من الذعر ما لا يثيره أي جرم آخر ويعاقب عليها المجتمع من احتقاره ولعنته بما لا نجد له أصلاً إلا في أحكام اليهود الذين يصفون أنفسهم في كتبهم بأنهم قوم قساة الرقاب, نجد لهم حديثاً عن الفاحشة تقشعر منه الأبدان في أسفار كثيرة من عهدهم القديم منها ما جاء في سفر الأحبار الفصل العشرون (وأي رجل زنى بامرأة إن زنى بامرأة قريبه فليقتل الزانى والزانية. وإن ضاجع أحد زوجة أبيه فقد كشف سوأة أبيه فليقتلا كلاهما دمهما عليهما. وإن ضاجع أحد كنته فليقتلا كلاهما إنهما صنعا فاحشة دمهما عليهما. وإن أتخذ أحد امرأة وأمها فتلك فاحشة فليحرق هو وهما بالنار ولا تكن فاحشة فيما بينكم. وإن غشى رجل بهيمة فيقتل قتلاً والبهيمة أيضاً فاقتلوها. وإن تقدمت امرأة إلى بهيمة لتنزوها فاقتل المرأة والبهيمة إنهما تقتلان قتلاً دمهما عليها. وإن أخذ أحد أخته ابنة أبيه أو ابنة أمه فرأى سوأتها ورأت سوأته فذلك عار فليقطعا على عيون بني شعبهما إنه كشف سوأة أخته فقد حمل وزره. وإن ضاجع أحد امرأة طامث فكشف سوأتها وعرى مسيلها وهي كشفت مسيل دمها فليقطعا كلاهما من بين شعبهما. وإن ضاجع أحد زوجة عمه فقد كشف سوأة عمه إنهما يحملان وزرهما فليموتا عقيمين. وإن أتخذ أحد زوجة أخيه وهي غير حلال له فقد كشف سوأة أخيه فليموتا عقيمين) وجاء في سفر تثنيه الاشتراع الفصل الثاني والعشرون (إذا تزوج رجل بامرأة ودخل بها ثم أبغضها. فنسب إليها ما يوجب الكلام فيها وأذاع عنها سمعة قبيحة فقال إني اتخذت هذه المرأة فلما دنوت منها لم أجد لها عذرة. يأخذ الفتاة أبوها وأمها ويخرجان علامة عذرة الفتاة إلى شيوخ المدينة إلى الباب. ويقول أبوها للشيوخ إني أعطيت ابنتي لهذا الرجل زوجة فأبغضها وها هو ذا قد نسب إليها ما يوجب الكلام فيها قائلاً لم أجد ابنتك بكرا وهذه علامة عذرة ابنتي ويبسطان الثوب أمام شيوخ المدينة. فيأخذ شيوخ المدينة ذلك الرجل ويؤدبونه ويغرمونه مائة من الفضة ويدفعونها إلى أبي الفتاة لإذاعته سمعة قبيحة على بكر من إسرائيل وتكون له زوجة ولا يستطيع أن يطلقها طول عمره. وإن كان الأمر صحيحاً ولم تكن وجدت للفتاة عذرة. فليخرجوا الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها جميع أهل مدينتها بالحجارة حتى تموت لأنها صنعت قباحة في إسرائيل بفجورها في بيت أبيها واقلع الشر من بينكم. وإذا كانت فتاة بكر مخطوبة لرجل فصادقها رجل في المدينة فضاجعها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا. وإذا صادف رجل فتاة بكراً لم تخطب فأمسكها فضاجعها فليعط ذلك الرجل لأبي الفتاة خمسين من الفضة وتكون له زوجة في مقابلة إذلاله لها وليس له أن يطلقها كل أيامه).

وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه العزيز { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (البقرة 74، 75).

الذي نعلمه من كتاب الله أن الإنسان يولد إنساناً له كل حقوق الإنسان بغض النظر عن الطريقة التي جاء بها إلى هذه الحياة الدنيا, والله تبارك وتعالى قد أوجب إكرام الناس جميعاً { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً .} (الإسراء 70).

وأوجب لهم حقاً في رحمته وحقاً في علمه دون تفرقة بينهم في ذلك بأي سبب من الأسباب { الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ .} (الرحمن1، 4) وحفظ حق الحياة لكل نفس أياً كانت هذه النفس ) وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً .} (الإسراء 33).

ويترتب على ذلك أنه إذا قتل المولود بغير زواج أو كان قد أجهض من قبل مولده فإنه يجب معاقبة الجاني بنفس العقوبة المقررة للقتل العمد أو الإجهاض لأن الله قد جعل له نفساً كأي نفس وأوجب له نفس الحقوق وكفل له كل ما كرم به بنى آدم.

وإنما ينهى الله الناس أن ينسبوا إليهم أبناءً غير أبنائهم, وأوجب أن يدعى كل إنسان إلى أبيه فإذا أنكر أبوه نسبه إليه أو لم يعلم له أب على الإطلاق فقد أوجب اعتباره أخاً للمسلمين له ما للمسلمين وعليه ما عليهم كإخوة في الدين { مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (الأحزاب 4، 5).

والأب في حكم هذه الآية الكريمة هو الذي أنجبه من صلبه سواء بعقد زواج صحيح أم بغير عقد على الإطلاق فينسب إليه ويلحق به ويسمى باسمه شأنه شأن الابن الذي يولد من صلبه بزواج صحيح, فإذا لم يعلم له أب أو أنكره أبوه فإنه سيلحق بأمه بطبيعة الحال ويسمى بأي اسم من الأسماء, وعلى المجتمع الإسلامي أن يقبله باعتبار أنه أخ المسلمين أو مولى من مواليهم له كل ما للمسلمين من الحقوق وعليه ما عليهم من الالتزامات. ويبين من آيات المواريث أنها لا تشترط أن يثبت النسب بعقد زواج صحيح وإنما يكفي أن يثبت النسب بإجراء صحيح كالإقرار أو غيره فإذا ثبت النسب ترتبت أحكام المواريث كما أمر الله بها وسبق بيانها وإذا لم يثبت النسب امتنع الميراث لأنه أثر من أثاره وهو حكم لا يتقرر إلا به أما نسبه إلى أمه فهو أمر لا يحتمل الشبهات, وينبغى للمجتمع الإسلامي أن يفتح صدره لما يتورط فيه الناس من الخطأ ولا ينبغى أن ينبذ الناس أو يحكم عليهم بالسقوط أو يقضي عليهم بالعقوبات إلا بالقدر الذي أنزلت به آيات الله البينات ثم يعطى لهم حق الحياة من بعد ذلك بكل آفاق الحياة وآمالها.

فأيما امرأة تأتي بولدها من غير زواج ويقر أبوه بنسبه فإنه يلحق به ويدعى له شأنه في ذلك شأن الولد الذي يولد من أبوين يربط بينهم عقد زواج صحيح, وهو يرث منهما ويرثان منه كما يرث من أخوته من أبيه وأمه ويرثه هؤلاء على سواء. فإذا أنكره أبوه ولم يثبت نسبه بإجراء صحيح ولم يعلم له أب على الإطلاق فإنه يلحق بأمه ويعتبر أخاً للمسلمين ومولى من مواليهم له ما لهم وعليه ما عليهم ويرث من أمه وترث منه كما يرث من أبنائها ويرثونه حسب الأحوال.

وإنما يجب على المسلمين بعد ما جاءهم من البينات من ربهم في كتاب محفوظ أن يتخلصوا من عقد الذين كفروا من بني إسرائيل وأن يتحرروا من إصرهم ومن الأغلال التي كانت عليهم, وأن يتقبلوا هذه الحياة الدنيا كما أرادها الله لهم حياة سمحة كريمة حرة راقية لبنى آدم جميعاً.

يثبت النسب بالإقرار كما يثبت بغيره لقوله تعالى { فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ.} (الأحزاب 5) ذلك لأن العلم بالشئ يثبت بالإقرار كما يثبت بغيره من الأدلة الأخرى ومنها البينة والقرائن، فإذا لم يثبت النسب فهو أخ كريم لأخوة كرام، ومعنى الأخوة في هذه الآية الكريمة أن يكون له كل ما لإخوانه من بني آدم من الحقوق والواجبات

أول هذه الحقوق أن يحمل اسماً كريماً بحسب أعراف مجتمعه فلا يلمز ولا ينبز بالألقاب { وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } (الحجرات11) ومن هذه الحقوق أن يرث من أمه ومن أبيه الذي ثبت العلم به ومن إخوته وأقاربه على سواء. لقد نجد قوماً يستنبطون في دينهم بغير الحق فيقولون إن الله قد كرَّم الذكر على الأنثى، فجعل له ضعف الأنثى وجعل شهادته بشهادة إمرأتين. والحقيقة الظاهرة أننا لا نجد في ذلك إلا أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى كل ذي حق بقدر حقه, فإذا تساووا فى هذا القدر فإنهم يتساوون فى نصيبهم فالأبوان سواء في ميراث أبنائهم { وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } (النساء 11) والأخوة سواء في الكلالة الأولى { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ } (النساء 12).

فالأب والأم سواء إذا ورثوا أبناءهم، وإذا التقت البنت مع جدها في ميراث أبيها فإن لها النصف وله السدس، وإنما جعل الله للذكر من الأبناء مثل حظ الأنثيين، لأن الذكر يخرج من بيت أبيه ليلتزم بالإنفاق على بيته، بينما تخرج البنت من بيت أبيها ليلتزم بعلها بالإنفاق عليها.

أما شهادة رجل وإمرأتين إن لم يكونا رجلين فذلك في الديون وفق ما هو مبين تفصيلاً في الآية 282 من سورة البقرة لحكمة ظاهرة تكمن في أن الديون هي في الغالب شأن من شئون الرجال التي يديرونها في المعاملات التجارية وغيرها، وقد جُبِل الإنسانُ على أن ينسى ما لا شأن له به، أما في غير الديون فشهادة المرأة كشهادة الرجل سواء بسواء، إلا ما أنزل في القرآن من الأحكام في بعض الحالات الخاصة فتسرى هذه الأحكام بنصوصها كما جاء في آية الاستشهاد على الزنى (النساء 15)، أو آية الإشهاد على الوصية (المائدة 106)، والقاعدة في القرآن أن شهادة المرأة كشهادة الرجل إلا ما استثنى بحكم خاص فلا يجوز القياس عليه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (النساء 135).

الحلال والحرام

وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .} (النحل116).

الحلال والحرام

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } (المائدة 4) تبين هذه الآية الكريمة أن الله أباح للإنسان من الطعام ما تطيب له نفسه إلا ما حرم عليه.. والطيبات كثيرة منها لحوم الأنعام والطير وصيد البحر والخضروات والبقول والفواكه وغير ذلك.. ولا مساغ في العقل أو المنطق أن نخوض فيما يعتبر من الطيبات وما لا يعتبر كذلك فنتساءل كما يتساءلون عن حكم لحم الثعالب أو الذئب أو الحمار أو الكلاب.. فالإنسان بفطرته وبحسب حاجاته وما قد يضطر إليه يعرف ما هو من الطيبات من الرزق.. ويكفيه أن يتبين ما حرم عليه بقدر ما شرعه الله لعباده في كتابه الكريم..

أحلت الأنعام وهي ثمانية أزواج { مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } (الأنعام 143) { وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } (الأنعام 144) ولكل زوج من هذه الأزواج أصل برى يرتع طليقاً في الغابات والأحراش وفصائل مستأنسة ترعى في كنف الإنسان.. ولذلك فإنه لا يباح في الأشهر الحرم من هذه الأنعام إلا ما كان منها مستأنسا في رعاية الإنسان { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } (المائدة 1) البهيمة من البهمة وهي- كما يقول الليث- نبت تجد فيه الأنعام وجداً شديداً مادام أخضر فإذا أصبح يبساً مصفراً علق في فمها فلم تستطع التخلص منها حتى يستخلصها الراعي من فمها.. ومن هذا التعريف الذي أثبته الليث يبين أنه لا يحل من الأنعام في الأشهر الحرام إلا ما يرعاه الناس في كنفهم.. أما ما كان منها طليقاً في البر فهو من صيد البر ولا يحل للمؤمن في الأشهر الحرم أن يصيده فإذا قتله فإنه يجب عقابه بإحدى العقوبات التي أوجبها الله في كتابه العزيز..

وأحل صيد البحر { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .} (المائدة 96).

وتبين هذه الآية الكريمة أنه قد أبيح ما في البحر من حوت وغيره إذا استخرج بالصيد سواء بالشباك أو بالرماح, أما إذا نسف في جوف الماء بالمتفجرات أو بغيرها ثم ترك حتى يطفو فما يجمع من ذلك يعتبر ميتاً ولا يحل طعامه كالميت من الأنعام وغيرها على سواء.

وينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أحل لكم دمان وميتان أم الدمان فهما الكبد والطحال وأما الميتان فالسمك والجراد, ويمكن لنا أن نؤكد أن هذا ليس من الأحاديث الصحيحة ذلك لأنه قد ثبت علمياً أن الكبد والطحال نسيج كنسيج اللحم سواء بسواء وليس من الدم في شئ. وإنما حرمت الدماء على إطلاقها وهي السوائل التي تستنزف من الأوردة والشرايين لأنها تحتوى على الأحماض البولية التي تستخلصها الكلى وتقذفها المثانة, أما السمك الميت فهو حرام شأنه في ذلك شأن أي شئ يعثر عليه ميتاً, أفرأيت إذا كنت ماراً بالساحل فوجدت حوتاً طافياً على بطنه أفكنت تحمله لطعامك فكذلك كل ما ينسف في جوف الماء ما يطفو منه فهو ميت وكل ميت حرام.

آيات التحريم

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . }(البقرة172، 173).

{ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . }(النحل114، 115).

{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . } (المائدة 3). { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . }(الأنعام 145) ولو تدبرنا هذه الآيات لما وجدنا فيها أي ترادف أو تكرار, وليس في القرآن كله أي ترادف أو تكرار بل هي آيات محكمات تكمل بعضها بعضاً في ترابط قوى تجد فيه حكم الله والاستثناء منه والرد على ما عسى أن يجادل فيه الناس { وكان الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً .} (الكهف 54) الآية الأولى أحلت الطيبات, وأوجبت الشكر لله, وأوردت المحرمات استثناء, واستثنت حالات الاضطرار. والآية الثانية أوجبت من الرزق ما كان حلالاً طيباً, وأوجبت على الإنسان أن يشكر نعمة الله عليه بأن يعمل بها صالحاً { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً } (سبأ 13) ثم أوردت الاستثناءات على هذا الأصل. والآية الثالثة جاءت بالمحرمات تفصيلاً, وبينت أنه يستوي في تحريم الميت أن يكون قد هلك قضاءً أو هلك بحادث من الحوادث كالخنق أو الضرب أو السقوط أو النطح أو كان قد أكل منه حيوان مفترس, وأضيف إلى ذلك ما ذبح على نصب المشركين لأنه قد أريد به غير وجه الله وهو ما ورد التعبير عنه في الآية الأولى بقوله تعالى { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ } (البقرة 173) وفي الآية الثانية بقوله سبحانه { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ } (النحل 114) وأما الآية الرابعة فقد أغلقت باب الاجتهاد في التحريم وبينت أنه ليس في الطعام محرم إلا ما كان ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير, فإنه رجس أو فسقاً أريد به غير وجه الله..وليس ذلك من التكرار في شئ وليس في كتاب الله تكرار ولا مترادفات.. بل آيات بينات لكل منها موضع أو حكم في البيان أو التفصيل أو التفسير أو الاستثناء ليكمل بعضه بعضاً في قول فصل ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ .} (الطارق 13-14).

ومع ذلك فلننظر في قوله تبارك وتعالى { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ . }(سورة الكافرون) { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . } الآية الثانية بالمضارع { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ . } الآية الرابعة في الماضي بينما وردت عبادة الرسول في الآيتين الثالثة والخامسة ثابتة { وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . } تبين هذه الآيات الكريمة أن رسول الله والذين معه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثابتون على عبادة ربهم لا يشركون به شيئاً ولا يجدون لهم من دونه بدلاً, أما الكافرون فلا تثبيت لهم فقد كانت لهم آلهة عبدوها في الماضي ولهم حين أنزل القرآن آلهة أخرى يعبدونها وسوف تكون لهم من بعد ذلك آلهة مختلفة يعكفون عليها ولن يثبتوا إذاً أبداً.

{ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ . }(الشعراء 34، 35) { قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ . } (الأعراف109، 110) نفس القول بمعناه ومبناه تلقاه الملأ من فم فرعون وأذاعوا به دون أن يتفكروا فيه أو يتبينوا وجه الظلم منه ابتغاء الحقيقة, بل طاعة عمياء ولو كانت ظالمة لا تستهدف إلا رضاء الطاغية الذي سلط عليهم ولو كانوا يهدون بذلك إلى التهلكة في الحياة الدنيا وإلى النار في الآخرة. كلا لا تكرار في كتاب الله بل آيات محكمات تقرأ الآية بالأخرى فتحلق بك في آفاق من نور الله يهدى به من يشاء من عباده لا تكرار بل آيتان محكمتان تبينان حال قوم أطاعوا ظالماً { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ . فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ . فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ .} (الزخرف51 -56).

حرم من الطعام الميتة وكل ميتة حرام والسمك الذي لا يخرج من الماء حياً بالصيد فهو ميتة وكل ميتة حرام والدم المسفوح حرام وليس من ذلك الكبد ولا الطحال وإنما هما نسيجان كنسيج اللحم سواء بسواء. ولم يحرم من الخنزير إلا اللحم ولا صحة لتحريم شحمه قياساً على لحمه فلو أراد الله تحريم الخنزير كله لحرمه كله دون أن يقصر التحريم على اللحم دون الشحم. واللحم شئ والشحم شئ آخر يختلف عنه كل الاختلاف ويمكن استخلاص الشحم من اللحم بكل يسر خصوصاً في بهيمة خلقت لإنتاج الشحوم. ولقد ورد التعبير بالشحم كما ورد التعبير باللحم في القرآن على نحو يبين منه أن كلاً منهما يتميز عن الآخر ويختلف عنه كل الاختلاف { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ .‏ }(الأنعام 146).

كل شئ في السماوات والأرض لله, وإن لله سبحانه وتعالى ملك السماوات والأرض ويترتب على ذلك أنه ينبغى أن يرد كل شئ لله الملك الحق لا إله إلا هو خالق كل شئ. لهذا فقد وجب أن يذكر اسمه تبارك وتعالى على كل طعام وأن نأكل ما ذكر اسم الله عليه, وألا نأكل مما لم يذكر اسم الله عليه { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ .‏ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ . وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ . وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ . } (الأنعام118، 121).

فإذا ذكر اسم الله على طعام فقد أهل به لله تبارك وتعالى على إيمان بأنه ما من نعمة إلا من الله وإذا لم يذكر اسم الله عليه أو ذكر عليه اسم غير إسمه تبارك وتعالى فقد أهل به لغير الله وهو فسق لأنه خرج بالشئ عن مالكه. ولقد ورد التعبير بالأهل في القرآن دلالة على نسبة الشئ لمن كان هذا الشئ له. أهل الكتاب أهل الإنجيل.. أهل القرى.. أهل المدينة.. أهل البيت.. أهل الذكر.. أهل مدين.. أهل يثرب.. أهل النار { وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ .} (المدثر 56).

الخمر

أرى أن الخمر في اللسان العربي تعبير للدلالة على حجب الشئ عن رؤيته أو عن إدراك حقيقته ومن ذلك خمر النساء { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (النور 31). لأنها تحجب عن الأعين رؤية ما يجب أن تستره المرأة عن أعين الناس, ومن ذلك عصير الفواكه { قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً } (يوسف 36). قال أعصر خمراً ولم يقل أصنع أو أقدم خمراً, لأنها في حالتها السائلة تحجب عنك حقيقة الفاكهة التي عصرت منها حتى تتذوقها وقد لا تدرك حقيقتها حتى ولو شربت منها, ومن ذلك خمر الجنة فواكه معصورة يشرب منها عباد الله فلا يدركون حقيقة الفاكهة التي عصرت منها وليست الخمر التي تظنون ولا ينبغى لها أن تكون فما كان رجساً في الدنيا فلا أظن أنه سيقدم في الآخرة لأنبياء الله ورسله وأوليائه { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } (محمد 15).

جاء في تاج العروس للإمام الزبيدى رحمه الله أن الخمر هي الستر, خمر الشئ يخمره خمراً أي ستره, وفي الحديث لا تجد المؤمن إلا في إحدى ثلاث في مسجد يعمره أو في بيت يخمره أو معيشة يدبرها يخمره أي يستره, وقال الراغب والصاغاني الخمر ما أسكر, مادتها موضوعة للتغطية والمخالطة, ونقل عن أبي قتادة أنه قال أبغنا مكاناً خمراً, أي ساتراً يتكاثف شجره, ويقال صلى على الخمرة وهي حصيرة صغيرة تنسج من سعف النخيل وترمل بالخيوط, قال الزجاج سميت خمرة لأنها تستر وجه الأرض, والخمار بالضم أو الخمرة كل ما ستر شيئاً فهو خماره ومنه خمار المرأة تغطى به رأسها, وهذه مذاهب فقهاء اللسان العربي في معنى الخمر, وهي تؤيد ما نذهب إليه من أن الخمر هي ما تحجب الشئ عن رؤيته أو عن إدراك حقيقته.

وأما الخمر التي حرمت فهي كل ما حجب العقل عن إدراك الحقيقة أو البصر بها أو السيطرة عليها سواء كان سائلاً يشرب أو رطباً أو يابساً يؤكل أو يمضغ أو مسحوقاً يشم أو أبخرة تستنشق على سواء. فكل ذلك مما يحجب العقل عن العمل السوي وما حجب العقل عن ذلك فهو خمر فالنبيذ والكميت خمر والقات والحشيش خمر والأفيون خمر وكل خمر حرام.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . }(المائدة 90).

{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ . } (المائدة 91).

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ .} (البقرة 219).

قيل بأن الاجتناب ليس من قبيل التحريم القاطع ونرى أن النهى باجتناب الشئ أشد من تحريمه لأن المسلم في هذه الحالة مطالب بالابتعاد عن مسالكه التي تؤدى إليه والفرار من مقدماته التي تورط فيه, وبتلاوة آيات الله البينات نجد أن النهى بالاجتناب قد ورد على الكبائر { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . }(الحج 30).

{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } (النحل 36). { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ } (النجم 32) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .} (المائدة 90) هذه آية قد حرمت الخمر تحريماً قاطعاً, بل نهت عن الاقتراب من مسالكها التي تؤدى إليها وأوجبت على المسلم أن يفر من مقدماتها التي قد تورط فيها {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ . }(المائدة 91) وهذه آية بينت سبب التحريم فالمؤمنون أخوة وجب عليهم أن يجتنبوا كل ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء, ولا ينبغى لهم أن يغفلوا عن ذكر ربهم أو أن يقعدوا عن الصلاة في مواقيتها ويجب عليهم أن يجتنبوا كل ما يشغلهم عن اليقظة الكاملة للذكر وللصلاة ومع ذلك فقد تساءلوا عن الخمر لماذا لا يتعاطونها ولو قليلاً كما يفعل غيرهم من أهل الكتاب فينتعشوا ويقبلوا على الطعام, والله لا يقول إلا الحق فأقرهم على أنها لا تخلو من منافع ولكن إثمها أكبر من نفعها { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } (البقرة 219) وهكذا ترى أن لكل آية حكما, وأن كل آية تكمل الأخرى ببيانها وتفسيرها, وليست في القرآن آية تنسخ أخرى. ولقد رأينا من قبل في باب الصلاة أن سكارى في قوله تعالى { لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } (النساء 43) لا تعنى السكر بالخمر بل قصد بها غيبة العقل ولو بمجرد التفكير في أمر يشغل عن إدراك ما يتلوه المسلم في صلاته من قرآن, وهو أمر منهي عنه ولا ناسخ لهذا الحكم في كتاب الله فضلاً عن أن النهى عن الاقتراب من الصلاة في حالة السكر لا يعنى أنها مباحة من بعد الصلاة فقد حرمت من أول آية أنزلت باجتنابها وباعتبارها إثماً كبيراً وعملاً من أعمال الشيطان يريد أن ينسف به العروة الوثقى التي جمع الله عباده المؤمنين عليها.

المحرمات من النساء

{ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً . حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً . وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً . وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً . يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً . } (النساء22، 28).

تلك آيات الله التي أنزلت تبياناً لكل شئ وتفصيلاً لكل شئ, تلك آيات الله ميسرة في كتابه العزيز للذين يؤمنون بالله واليوم الآخر والذين يتدبرون القرآن بقلوب لا أقفال عليها. ولقد أشرنا من قبل أنه إذا جاء أحدهم ليفسر آية من القرآن على غير ما أراده الله فإنه سيصطدم لا محالة بآية أخرى ترشده إلى أنه قد جانب الصواب في فهمها. ولولا أنهم إذ يصطدمون بآيات الله فيما يستنبطونه يعيدون النظر على بصيرة من هدى الله ولكنهم على العكس من ذلك يصرون على فهمهم ويسقطون الآية التي اصطدموا بها بمقولات لم ينزل الله بها من سلطان كقولهم إنها آية منسوخة أو كقولهم إن تلك الآية فرض عين والأخرى أمر مندوب وغير ذلك من الأقوال التي لا يجدون لها سنداً صحيحاً من قرآن أو قولاً ثابتاً في سنة من السنن الصحيحة.

ولقد بينا من قبل أنه لا يحل للرجل إلا زوجاً واحدة ولا تحل له الثانية أو الثالثة أو الرابعة إلا للقسط في اليتامى وقلنا إن ملك اليمين لا يعنى حريماً مفتوحاً بل هو إيواء لمن لا مأوى لهن من النساء والرجال على سواء ولو إننا ذهبنا مع الذين يقولون بغير ذلك ويزعمون أن ملك اليمين هو حريم سلطان أو حور مقصورات في خيام ثرى لما أمكن بأي حال من الأحوال أن نفهم كيف يفرض على المسلم أن ينكح ما ملكت يمينه بإذن أهلها بعد أن يؤتيها أجرها بالمعروف محصنة غير مسافحة ولا متخذة خِدناً من الأخدان. ومما ملكت أيمان المؤمنين نساء شردت بهن الحرب أو الزلازل أو الأعاصير أو الكوارث فوجدن المأوى في بيوتهم, ولا يعرف على وجه اليقين إن كان أزواجهم قد هلكوا مع من هلك أم بقى على قيد الحياة. إذا كان الزوج موجوداً فسوف تكون محصنة ولن ينطبق عليها وصف ملك اليمين بأي حال من الأحوال, أما إذا فقد الزوج ووجدت الزوجة مأوى في بيت من بيوت المؤمنين أو في بيت من بيوت المؤمنات فإنه يحل نكاح هذه المرأة استثناء من تحريم الزواج من المحصنات حتى ولو لم يثبت هلاك الزوج على وجه اليقين وذلك بعد انقضاء عدتها بطبيعة الحال { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ } (النساء 24) فأيما امرأة وُجِدت في ملك يمين رجل جاز نكاحها إذا كان زوجها مفقوداً ولا يعلم إن كان حياً أو في الهالكين, وأيما فتاة مؤمنة وجدت في ملك يمين رجل فإنه يجوز نكاحها بإذن أهلها بعد الوفاء بأجرها بالمعروف محصنة غير مسافحة ولا متخذة أخدان.

وأهل من كانت في ملك اليمين هم ذووها الذين تأوى إليهم وتعيش في كنفهم, فإيواء من لا مأوى لهن من النساء في ملك اليمين عمل صالح يحتسب ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى ومرضاته فلم يك منهم أحد سيداً لها ولم تكن لأحد منهم رقيقاً بل هم أهلها وذووها وهي صاحبتهم في دين الله. ولقد ورد التعبير بالأهل في القرآن بهذا المعنى في آيات كثيرة منها آيات أهل الكتاب بمعنى أصحاب الكتاب { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } (آل عمران 64) وأهل القرى بمعنى أصحاب القرى { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ } (الأعراف 96) وأهل الذكر بمعنى أصحاب الذكر {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . } (النحل 43) وأهل النار بمعنى أصحاب النار { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ .} (ص 64) { وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ . } (المدثر 56).

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ . وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .} (لقمان 6-7).

الحديث من أحدث الشئ, أي جاء به محدثاً,أي جديداً لم يكن معروفاً من قبل سواء كان مسموعاً أو مقروءاً { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِه} (الزمر 23) خلاف القول الذي لا يكون إلا مسموعاً { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . } (ق 18). ومثل الذين قالوا { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .} (فصلت 26) كمثل الذين يشترون الحديث ليلهوا به عن سبيل الله الذي فرضه الله بكتابه لهواً بغير علم, فإذا تلوت عليه آيات ربه لم يكن يسمع منها من شئ إلا بقدر ما دأب عليه من لهو الحديث, ولا يبصر من الدين شيئاً إلا بهيمنة هذا الذي يلهو به.

ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) واتفق جمهور الفقهاء على أنه يحرم بالرضاع أيضاً ما يحرم بالمصاهرة, لأنه إذا كانت المرضعة أماً للرضيع مثل أمه من النسب فإن زوج الرجل رضاعاً مثل أمها نسباً وبنت زوجه رضاعاً مثل بنتها نسباً. وكل أولئك مما ينسب إلى الرسول وإلى جمهور الفقهاء يعتبر توسعاً في التحريم وزيادة في الاستثناء فضلاً عن أنه لا يتفق مع وضوح الآية وبيانها وصيغتها المحددة { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ } (النساء 23) فلا يحرم من الرضاعة إلا الأم التي أرضعت والبنت التي رضعت معه من هذه الأم, ولقوله تعالى بعد أن بين المحرمات وفصلهن تفصيلاً محدداً وقوله الحق ) وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } (النساء 24) وقد اتفق العلماء على أن الأصل هو الإباحة وأنه لا يجوز التوسع في التحريم. ويتفق المالكية والشافعية وأحمد وداوود الظاهري على أنه يشترط في التحريم بسبب الرضع أن يحصل في الحولين الأولين من حياة الرضيع, فإذا حصل بعد ذلك لم يثبت به التحريم لقوله تعالى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } (البقرة 233) وجاء في البخاري ومسلم وأبي داوود أن أم المؤمنين رضي الله عنها قالت وحاش لله أن تقول:(جاءت سهلة بنت سهيل إلى الرسول فقالت إني أجد في وجه أبي حذيفة إذا دخل عليِّ سالم- أي أنها كانت تجد في وجهه وهو زوجها ضيقاً واستياء كلما دخل عليها سالم هذا !!- قال: فأرضعيه (؟!!), قالت : وكيف أرضعه وهو رجل كبير ؟! قال : ألست أعلم أنه رجل كبير (؟!!) ثم جاءت بعد فقالت والله ما أرى في وجه أبي حذيفة بعد شيئاً أكرهه!!) وكنا نحسب أن هذا من المناكير المهجورة فهجرناه مع الهاجرين حتى قرأنا(تحقيقاً) للشيخ د. شعبان محمد إسماعيل لكتاب (الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس) مكتبة عالم الذكر, القاهرة 1986, أورد الشيخ هذا الحديث في تحقيقه وعلق عليه بقوله: (هو حديث صحيح لا شك في صحته, ويدل عليه قوله تعالى { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ } (النساء 23) فإنه غير مقيد بوقت!!) أي أنه لا يجد ما يمنع من رضاعة الذكور في أي وقت صغاراً كانوا أم كباراً أم شيوخاً!! وذلك مما يدافع به المقلدون في دينهم الذي بنوا ريبة وظناً خشية أن يتهدم فوقهم لبنة لبنة!! ونسى الشيخ أو تناسى قول ربه { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } (البقرة 233) فتمام الرضاعة ببلوغ الأولاد حولين كاملين, فإذا بلغ الأولاد حولين كاملين فقد تمت الرضاعة ولا رضاعة بعد تمامها ويجب فصله حينئذ عن الرضاع وفطمه عنه فطاماً قاطعاً.

رحم الله الإمام مالك ورضي الله عنه كان يرد كل ما ينسب إلى رسول الله إذا عارض ظاهر القرآن؛ من ذلك أنه رد الحديث الذي ينهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير لقوله تعالى { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ } (الأنعام 145) كان رحمه الله يجتهد رأيه تحت هيمنة القرآن لا يقيم به مذهباً ولا يطلب به سلطاناً, بل يقول بكل تواضع العلماء:(إنما أنا بشر أخطئ وأصيب) وما كان يتردد في أن يرفض الحديث ولو كان قد أثبته هو نفسه في موطئه إذا تبين له أنه يخالف ظاهر القرآن, من ذلك أنه رد ما ينسب إلى رسول الله وكان قد أثبته في الموطأ أنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب) وقال رحمه الله: هذا حديث يعارض أصلين عظيمين الأول قوله تعالى { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ } (المائدة 4) والثاني أن علة الطهارة هي الحياة فكل حي طاهر وهذه العلة قائمة في الكلب. ربما ذهب الإمام مالك رضي الله عنه إلى أبعد مما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة في الرأي والاجتهاد, فقد رد ما رُوى من الأحاديث عن صيام ست من شوال, ولم يكتف برفضها بل نهى عن ذلك خشية أن تؤدي المداومة عليها إلى وجوبها وما يترتب على ذلك من الزيادة في صوم رمضان وهو في القرآن شهر واحد, كل أولئك مما ورد ذكره مفصلاً في كتاب أستاذنا فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة(مالك حياته وعصره) الصادر عن دار الفكر العربي, ويدل على أنه كان يجتهد رأيه تحت هيمنة القرآن لا يمنعه من ذلك ما وَرد من الأحاديث افتراءً على رسول الله, وإنما هي السياسة التي اقتضت أن يجتمع الناس حول الرجال لتنشطر الأمة إنشطاراً سرطانياً في المذاهب.

وقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحل لهم زواج المتعة في بعض الغزوات لضرورة قاهرة طارئة, قالوا ذلك وأجمعوا عليه بغير خلاف فيما بينهم.. وحاشَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد أحل لهم شيئاً بغير قرآن يوحى إليه { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ .} (الأحقاف 9) ما كان لرسول الله أن يحل لهم إلا ما أحله الله لهم بقرآن, وما كان لرسول الله أن يحرم عليهم إلا ما حرم الله عليهم بالقرآن, ولكنهم قالوا ذلك ثم عادوا وقالوا إنه حرم عليهم ذلك بعد فتح مكة ونسبوا إليه أنه قال: (يا أيها الناس إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شئ فليخل سبيلها), ويقولون إنه صح أن ابن عباس رحمه الله قد رجع عن قوله بإباحة المتعة عند وجود ضرورة مثل الضرورة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أباح المتعة بسببها, وكذلك ينسبون إلى النبي ما ليس لهم به علم ويتبعون القول بغير سلطان بين وينسجون الرواية بغير دليل ويفتحون أبواب الخلاف والشقاق عليهم وما يزالون مختلفين.

وسواء نكح الرجل المحصنة من المؤمنات أو المحصنة من أهل الكتاب أو مما كان في ملك اليمين من فتيات المؤمنين أو المؤمنات اللاتي شردت بهن الأحداث فلم يجدن المأوى إلا في بيوتهم, فإنه ينبغى له أن يعقد العزم على إنه إنما ينكحها زوجاً خالصة له ليحصنها في بيته لا يتخذ منها سفاحاً ولا ينشد منها خدناً موقوتاً بل سكناً دائماً ولباساً تقياً على قواعد ثابتة من المودة والرحمة { فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } (النساء 25) وبذلك فإن زواج المتعة باطل وإثم وإفك مبين, لأن الرجل في هذا الزواج لا يتخذ من المرأة إلا خدناً موقوتاً, والسفاح فاحشة ولو كان بعقد صحيح واتخاذ النساء أخدان فاحشة وساء سبيلاً, الله يطلع على السرائر ولا يحل نكاح المرأة إلا لتحصن في بيت زوجها إلى أن يشاء الله لا يسافحها ولا يتخذ منها خِدناً موقوتاً، وكذلك يُحكمُ الله آياته ويفصلها لعباده ويُبرئ رسوله مما ينسب إليه بغير الحق إنه صلى الله عليه وسلم كان عند ربه وجيهاً.

ولا يحل الزواج إلا من المحصنة من أهل الكتاب { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } (المائدة 5) أما غير المحصنة من أهل الكتاب ممن لا يكن في حصن أب أو أخ أو حاصن أمين كالعم أو الخال فلا يحل للمؤمن أن ينكحها. ولقد علم الله سبحانه وتعالى أن من أهل الكتاب من يؤدى للرجال أجورهم في النكاح, فنهى عن ذلك وأوجب للمحصنة من أهل الكتاب أجرها شأنها في ذلك شأن المحصنة من المؤمنات سواء بسواء.

الإيجاب والتحريم بإذن الله سبحانه وتعالى لا شريك له { قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ . } (يونس 59).

بتاريخ 1990.2.1 أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف برئاسة فضيلة الشيخ عبد الله المشد فتوى مفصلة جاء فيها: (إن الإيجاب والتحريم لا يثبتان إلا بالدليل اليقيني القطعي الثبوت والدلالة, وهذا بالنسبة للسنة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة, وحيث إنها تكاد تكون غير معلومة لعدم اتفاق العلماء عليها فإن السنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم إلا أن تكون فعلية أو تضاف إلى القرآن الكريم. وعلى هذا فمن أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم فهو منكر لشئ اختلف فيه الأئمة ولا يعد مما علم من الدين بالضرورة فلا يعد كافراً).

يقول أبعاض إذا لم تجدوا دليلاً على صحة ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما هو دليلكم على صحة القرآن؟! ألا إن القرآن يحمل دليل صحته في ذاته { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ .} (سبأ 6) والقرآن يحمل دليل صحته في إعجازه { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ .} (هود13، 14).

الله الذي خلق الإنسان وجعل له قلباً وأفئدة وجعله سميعاً بصيراً هو الذي نزل القرآن طهوراً مباركاً, فإذا وجه الإنسان وجهه إلى الله الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ليتلقى كلمات ربه صدقاً وعدلاً فإن كلمات الله تمتزج بخلق الله ليصدر الإنسان حنيفاً مؤمناً تقياً.

وكان محمد على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} (التوبة 6) هؤلاء هم المشركون إذا جاءوا رسول الله لا يسمعون عنده إلا كلام الله { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ .} (المائدة 83) وهؤلاء هم النصارى من أهل الكتاب ما سمعوا عنده إلا ما أنزل إليه من كتاب ربه فامتزجت به قلوبهم وصغت له أفئدتهم ففاضت أعينهم وآمنوا بالله ربهم ) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } (البقرة 285) وهذا هو رسول الله والذين آمنوا معه على حنيفة واحدة لا يطيعون شيئاً من دون الله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً . يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً .} (الجن 1-2) وهؤلاء هم الجن جاءوه صلى الله عليه وسلم فما سمعوا منه غير القرآن وما كان لأحد أن يسمع منه في الدين غير القرآن فتلك هي رسالته أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه, وإن لم يفعل فما بلغ منها شيئاً { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ . } (المائدة 67).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home