Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Sunday, 28 May, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (13)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .‏ } (العنكبوت 69)

الجهاد في سبيل الله والصبر

{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُواَ أَخْبَارَكُمْ . } (محمد 31)

الجهاد والصبر هما الزاد في الطريق الشاقة بعنائها إلى اللقاء الأعظم يوم القيامة. وهما وجهان لمعنى واحد يعتصم به المؤمنون في ابتلائهم بالحياة الدنيا. ولقد شاء الله من فضله على الناس ألا يجعله ابتلاء طويلاً { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ . } (التوبة 38).

وإنه لأيسر على الناس أن يقولوا آمناً بالله { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً .} (الإسراء 44). خلق الله الناس بإرادة حرة طليقة لا إكراه في الدين عليها، ولها أن تأتي طائعة لدينها أو لا تأتي على الإطلاق، وما كان لنفس أن تأتي طائعة إلا إذا تبينت الرشد من الغي ولذلك فقد أنزل الله الكتاب وبعث النبيين ليبيّن لهم أنهم إنما يفتنون في الحياة الدنيا ليميز الله الخبيث من الطيب { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ .} (العنكبوت 2-3).

ويضرب الله الأمثال للناس ممن كذبوا في إيمانهم { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ . وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ . } (العنكبوت 10، 11) لذلك فإن الإيمان الصادق هو الذي يقترن في حياة المؤمن بالتوبة الصادقة والعمل الصالح، وكل عمل صالح يقتضي جهاداً ويقتضي صبراً، ولهذا فليس في الإسلام مؤمنون بالولادة بل المؤمن هو الذي يولد فيصنع بجهاده وبصبره طريقاً ثابتة إلى الإيمان. { إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ .} (النحل 104-110).

إذا تدبرت هذه الآيات البينات، أدركت أن المؤمنين هم الذين يصنعون لأنفسهم بأنفسهم طريقاً ثابتة إلى الإيمان، وأن خطواتهم الأولى في هذه الطريق إنما تكون بالإيمان بآيات ربهم يتلون الكتاب آناء الليل وأطراف النهار ويعكفون على دراسته وتدبر آياته وفهم بيانه والعمل بأحكامه، فإذا عرضت عليهم الحياة الدنيا آثروا الأخرة ومضوا في سبيلهم يعتصمون بجهادهم وبصبرهم وأولئك هم المؤمنون الصادقون لهم مغفرة من ربهم ورحمة والله غفور رحيم.

ولم يشأ الله من فضله على عباده المؤمنين أن يجعل جهادهم جهاداً شاقاً أو يجعل صبرهم صبراً مريراً، بل إنه وعدهم بأنه تبارك وتعالى معهم إذا جاهدوا وعوناً لهم إذا صبروا { الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ .} (التوبة 20) { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .} (العنكبوت 69) { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً . دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (النساء 95، 96) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .} (البقرة 153) { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .} (الأنفال 46).

ولو نتدبر آيات الله البينات فيما توصي به من الجهاد والصبر في سبيل الله لأدركنا أن المؤمن يبلغ قمة الحكمة والمهابة والثبات بجهاده وصبره ونكتفي من ذلك بقوله تعالى {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ .} (النحل 127-128).

أولاً : الجهاد

الجهاد – كما يقول صاحب تاج العروس – استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل – وقد اختلط في الأذهان معنى الجهاد في سبيل الله بالقتال في سبيله تبارك وتعالى، حتى إننا وجدنا كثيراً من العلماء يطلق اللفظين دون تمييز، بل إن الإمام الزبيدي صاحب تاج العروس نفسه وقع في هذا الخلط حين قال (يقال جاهد العدو مجاهدة وجهاداً قاتله).
الجهاد في سبيل الله قد يكون جهاداً بالسيف وهذا هو القتال في سبيله تبارك وتعالى، كما إنه قد يكون بدون سيف وبغير قتال أحد على الإطلاق وأمثلة ذلك لا تعد ولا تحصي فقيام الليل جهاد في سبيل الله والصيام جهاد في سبيل الله ودعوة الناس إلى دين الله جهاد في سبيله والهجرة فراراً بدين الله وابتغاء مرضاته جهاد في سبيل الله فكل ذلك يقتضي بذل ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل ابتغاء وجه الله وهو قليل من كثير مما يتاح للمؤمن من الجهاد بالنفس في سبيل الله، ومن أمثلة الجهاد بالمال في سبيل الله إطعام السائل والمحروم وإعداد الجند والإنفاق عليهم ونشر كتاب الله وتوزيعه وغير ذلك من الأمثلة التي تتسع لكل جهد يبذل في سبيل الله قولاً أو صمتاً عملاً أو فعلاً حركة أو سكوناً، وكل جهد يبذل ابتغاء وجه الله ومرضاته هو جهاد في سبيله تبارك وتعالى.

وإذا كان المؤمن لا يعرف له جهاداً غير جهاده في سبيل الله فإن للكافرين جهاداً يصدون به عن سبيل الله كالأبوين يجاهدان أبناءهما على أن يشركوا بالله { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوف} (لقمان 14-15) فهذان أبوان يجاهدان على طريقتهما ولكنه في اللسان العربي جهاد على أي حال.

فالجهاد إذن هو بذل الجهد بالقول أو الفعل ابتغاء وجه الله ومرضاته، فإذا كان بالسيف فهو قتال وإذا كان بالمال فهو صدقة أو نفقة وإذا كان بحج أو صلاة أو صيام أو ذكر فهو عبادة وإذا كان بمنع النفس عن الفسوق والعصيان فهو طاعة وإذا كان بالخير فهو معروف بين الناس وكل ذلك وغيره كثير يعتبر جهاداً في سبيل الله في السلم وفي الحرب على سواء بالنفس أم بالمال أم بهما معاً { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } (الأنفال 74) { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ .} (الحجرات 15).

ولقد فرض الله على رسوله صلى الله عليه وسلمأن يجاهد الكافرين بآيتين حكيمتين في القرآن الكريم { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (التوبة 73) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .} (التحريم 9) فظن أبعاض أنه قتال معلن على الكافة من هؤلاء حتى ولو ألقى هؤلاء إلى المسلمين السلم ولم يبادروهم بأي عدوان ظاهر أو خفي، وكان ذلك كما ذكرنا من قبل وليد الخلط بين مدلول الجهاد من جهة والقتال من جهة أخرى مع إن الله سبحانه وتعالى قد بيَّن لرسوله كيف يكون الجهاد مع هؤلاء وكيف تكون الغلظة بهم إذ يقول سبحانه يبين لنا آياته ويفسرها {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً. فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً.} (الفرقان 51، 52) فالله قد بعث رسوله للعالمين نذيراً وهو إنما بعثه بالقرآن ولو شاء لأنزل في كل قرية قرآناً فكان الجهاد المعلن على الكافة جهاداً بالقرآن ودعوة إلى الله بالنذر، وأما الغلظة فهي القوة وهي المهابة التي يجب أن يتزود بها كل من أراد أن يدعو إلى دين الله وليست هي غلظة القلب التي برأ الله رسوله منها بقوله { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران 159) وبذلك يتضح المعنى الكريم من هاتين الآيتين الكريمتين بأن جهاد الكفار والمنافقين هو دعوة بالحق إلى الحق تبارك وتعالى ومن كان على الحق فلا يخاف لوماً ولا مكراً { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . } (المائدة 54).

والحديث عن الجهاد ليس بالحديث الذي يمكن أن يفرغ منه العلماء، لأنه حديث متجدد كتجدد الحياة ومتطور كتطور الأماكن والأزمان وهو يحدد مجموعة سلوك الأفراد ويضبط نشاط الأسرة والجماعة، وإنما ترقى الأمم باجتهاد أفرادها وجهادها الجماعي. وهو يخضع لموازين ومعادلات صعبة لا يتنبه لها إلا ذوو الفطنة في قيادات الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، حتى لا تسرف الجماعة في بذل الجهد في مالا طائل تحته وتترك الجهاد فيما ينبغي لها أن تجتهد فيه. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة فلقد كانت الدعوة إلى كتاب الله جهاداً شاقاً إذ كان يقتضي رحلات طويلة وكتباً ينسخها الناسخون بأيديهم ليقرأها قليل أما اليوم وبعد اختراع المطابع والمذياع والأقمار الصناعية الناقلة للضوء والصوت واختصار أشهر السفر بالدقائق والثواني فلقد أصبح هذا الجهاد يسيراً وعلى العكس من ذلك كان القتال في سبيل الله لا يقتضي أكثر من بناء الحصون وصنع الدروع والسيوف وإعداد الخيل، أما اليوم فقد أصبح القتال في سبيل الله يقتضي جهاداً شاقاً ومريراً وما يزال يتطور إلى أكثر من ذلك مشقة ومرارة. والجهود التي ينبغي أن تبذلها الأمة في شؤون التعليم والصحة والخدمات وتوفير الأمن العام وتحقيق العدالة جهود لا تقف عند حد ولا يمكن أن تمضي على وتيرة واحدة لا مبدل لها أو تسير على منهاج واحد لا يتطور بتطور الظروف والمناسبات، والأمة اليقظة التي لا تسلم أمورها إلا لذوي الفطنة من أبنائها ممن زادهم الله بسطة في العلم والجسم تعرف كيف تواجه هذه المعادلات الصعبة وكيف تضع الموازين القسط للناس بإذن ربّها.

من ذلك ترى أن الجهاد في سبيل الله كما فرضه الله تبارك وتعالى على رسوله وعلى المؤمنين لا يمكن أن يفرغ منه العلماء ولا الجامعات ولا نظم الحكم السياسية لأن الجهاد في سبيل الله هو فن الحياة في السلم وفي الحرب على سواء { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .} (العنكبوت 6).

والجهاد إما أن يكون بالمال أو بالنفس أو بهما معاً ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلموالذين آمنوا معه قدوة حسنة في جهادهم بأموالهم وأنفسهم { لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .} (التوبة 88، 89) ويؤكد الله هذا الفوز العظيم ويبينه في كتابه العزيز بقوله تبارك وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . } (الصف 10-13).

وشاء الله تبارك وتعالى من رحمته بعباده المؤمنين ألا يجعل جهادهم في فراغ أبداً فوعد ووعده الحق بأن يكون معهم هادياً ونصيراً فقال وقوله الحق { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .} (العنكبوت 69) وإنما فرض الله الجهاد لعباده حتى يهتدوا بهديه ويستقيموا على طريقته وهو سبحانه وتعالى من قبل ومن بعد خلقهم وهو في غنى عنهم لا شريك له وما ينبغي له أن يتخذ من أولياء من الذل تبارك وتعالى علواً كبيراً { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .‏} (العنكبوت 6) ولقد أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلموللمؤمنين أن يستمعوا إلى شهادة الذين آمنوا من الجن لما رجعوا إلى قومهم يذكرونهم بما استمعوا إليه من القرآن { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً . وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً . وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً . وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً .} (الجن 13-17) فمن أسلم وجهه لله وهو مؤمن واستقام على الطريقة فأولئك إنما تحروا رشداً. ولقد يفخر الإنسان بأنه قفز ببضاعته إلى القمر أو إلى المريخ رغم أنه يعلم علم اليقين أنه إذا تيسرت له مركبة تسير بسرعة الضوء – وهو ما لا نظن أنه سيتيسر له – لاحتاج إلى آلاف السنين – وهو ما لا نظن أنه سيتيسر له – لكي يخرج من المجرة التي تسكن فيها أرضه من أقرب نقطة يمكن أن ينطلق منها، ومع ذلك فإن هؤلاء النفر الذين آمنوا من الجن مردة يعرفونهم ويعرفون قدراتهم الخارقة إذ يقول الله فيهم { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ . وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ. لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ. فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ .} (الصافات 6-11) هذا هو الكون وأولئك بعض ما خلق وشهد الذين آمنوا من الجن بقولهم { وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً . } (الجن 12) تلك آيات الله يتلوها على عباده بالحق حتى لا يستبدل أحدهم الكفر بالإيمان أو الغرور بالصدق أو الغفلة بالجهاد.

وجهاد الأمة يشتمل على مختلف أوجه النشاط فيها فردياً كان أو جماعياً ابتداء من أسلوب تفكيرهم وتثقيف أبنائهم وبناء مجتمعهم وحماية أمتهم وحفظ ثرواتهم وانتهاء بنشر الدعوة إلى دين الله ودفع العدوان عنها بالمال وبالنفس في سبيله تبارك وتعالى، ومنها تتعاظم مسؤولية ولي الأمر وأهل الرأي والقادة السياسيين والعسكريين والاقتصاديين وغيرهم من طلائع المفكرين في الأمة المسلمة.

والله يدعو إلى الجهاد في سبيله بقيادة هؤلاء ولذلك فقد أوجب لهم الطاعة حتى لا تختل موازينهم في التقدير { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .‏} (النساء 59) وهي كما ترى ليست طاعة عمياء وإنما هي طاعة مبصرة بهدى من الله، كما إنها ليست طاعة بغير نزاع بل النزاع فيها واجب محتوم لا ينبغي أن يكون محدوداً إلا بما قضى به الله ورسوله. وليس أتعس من أمة يقول قائدها { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ .} (غافر 29) قالها فرعون من قبل فأذاق الذين اتبعوه الخزي في الحياة الدنيا وأشد العذاب في الآخرة.

وإذا كان الجهاد متطوراً بطبيعته فإن ولاة الأمر مطالبون بممارسة سلطات تقديرية لا حدود لها إلا بأحكام الله ولا قيد عليها إلا بشرط تحقيق صالح الأمة جماعةً وأفراداً بموازنة دقيقة لا تطغي فيها مصلحة على أخرى، فالأمة لا ترقى إلا برجالها ولا رجال في أمة هان شأنها وخضعت الجماعة فيها لغير حكم الله.

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ . أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (سبأ 10، 11) يرى المفسرون أن المعنى المقصود من الآية هو صنع الدروع المنضبطة، ونرى بادئ الرأي أن خليفة يؤتى من العلم والحكمة مثلما أوتي داود عليه السلام ما كان لينبَّه إلى مثل ذلك. فصنع الدروع من أعمال الحدادة ويكفيه في هذا المجال أن الله تبارك وتعالى قد ألان له الحديد. ولو كان الأمر كذلك لما كانت هنالك حاجة إلى تأكيد رقابة الله على هذه الأعمال، ثم إن المفسرين لا يرشدون في اجتهاداتهم إلى العلاقة بين قوله تعالى { أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } وبين قوله سبحانه { وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (في آية واحدة).

ونرى أن داود عليه السلام قد فوضه الله بهذه الآية الكريمة ليسبغ على أمته من الأحكام بما يراه ملائماً للصالح العام والصالح الخاص على سواء وفق ما يقتضيه تطور العصر، وذلك تفسيراً للسرد بمعنى تتابع الأمور والأحداث يقال سرد الحديث وسرد الأيام. وقدر في السرد أي قدر فيما تواجهك به الأيام في تتابعها بما يسبغ على الناس من نعمة العدل التي فرضها الله لهم على من يتولى أمورهم، وذلك كله في حدود العمل الصالح لأنه هو سبحانه وتعالى { بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأصبح ذلك من سنن الأنبياء والصالحين التي يجب الاقتداء بها.

والجهاد في سبيل الله ليس تخصصاً ولا هو احترافاً فكل فرد في الجماعة له جهده وكل من يبذل جهداً في سبيل الله فهو مجاهد في سبيل الله، ولقد سخر الله من الذين يسخرون من ذوي الجهد اليسير فقال وقوله الحق { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ . الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (التوبة 78، 79).

علم الله أن الناس يتفاوتون في جهدهم فقبل من كل ذي جهد جهده ولو كان بالنذر اليسير بل وفرض احترامه ونهي عن السخرية منه.

وكان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلمقوم احترفوا سقاية الحجيج وعمارة المسجد الحرام ويبدو أن هذا كان تقليداً شائعاً في مكة من قبل الذكر الحكيم كما يبدو أنه كان لهؤلاء شأن واحترام بين الناس كما يحدث في زماننا هذا من توقير كل من ينهض بأي شأن من شؤون الدين. فأنزل الله أحكامه بالحق فقال سبحانه { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ . أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ .‏ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .} (التوبة 18-22). وبهذه الآيات البينات يكرم الله الإنسان بقبول جهده واحترامه مهما صغر شأنه، ويرفعه بهذا الجهد على القاعدين عن بذله، ويرفض الوصاية والاحتراف في دين الله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .} (الحجرات 13).

ولقد علم الله أن الناس قد جبلوا على حب الراحة وإيثار الشهوات فجعل الجهاد في سبيله أعظم من كل راحة ووعد المجاهدين في سبيله أجراً عظيماً في الدنيا وفي الآخرى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .} (الصف 10-13).

فإن كان الناس يحبون مصالحهم فليس أصلح لهم من هذه التجارة أما الذين يؤثرون عليها متاع الحياة الدنيا وزينتها فلقد قال الله تبارك وتعالى في شأنهم وقوله الحق { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .} (التوبة 24).

ثانياً : الصبر

ليس الصبرُ بقوة احتمال البأس، فإن من البأس ما أبيضت به عيون المؤمنين الصالحين، ولكن الصبر بعدم الجزع في البأساء والضراء وحين البأس وبيان ذلك في قوله : { سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ .} (إبراهيم 21). قال الإمام الزبيدي صاحب تاج العروس (أصل الصبر الحبس كل من حبس شيئاً فقد صبره والصبر نقيض الجزع وقيل مراتب الصبر خمسة صابر ومصطبر ومتصبر وصبور وصبار فالصابر أعمها والمصطبر المكتسب للصبر المبتلي به والمتصبر متكلف الصبر حامل نفسه عليه والصبور العظيم الصبر والصابر الشديد الصبر)، وقال الجوهري الصبر حبس النفس عند الجزع، وقال عمرو بن عثمان هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والسعة، وقال الخواص هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة، وهكذا فإن الفقهاء لم يختلفوا في بيان معنى الصبر في اللسان العربي.

{ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ . } (الأحقاف 35). لو تدبرنا

هذه الآية الكريمة لأدركنا أن الصبر الذي يدعو إليه الله بحكمته البالغة ورحمته التي وسعت كل شيء ليس موقفاً عرضياً يواجه به المؤمن مصاعب الحياة وحسب، بل هو كما تبينه هذه الآية الكريمة تقييم الحياة الدنيا كلها بخيرها وبشرها بزينتها وببلائها على أنها لا تعدو أن تكون في حقيقة أمرها ساعة من نهار. فإن كان ملكاً وسلطاناً فهو ملك وسلطان ساعة من نهار، وإن كان بؤساً وذلاً فهو بؤس وذل ساعة من نهار، وإن كانت زينة وزخرفاً فهي زينة وزخرف ساعة من نهار، وإن كان فقراً وضعفاً فهو فقر وضعف ساعة من نهار. ذلك عند الذين يؤمنون بالآخرة ويدركون ما يوعدون فيها من النعيم أو الجحيم فلقد وعد الله عباده الصالحين نعيماً في الآخرة تتضاءل فيه قيمة الحياة الدنيا إلى ما لا يجاوز ساعة من نهار، كما وعد الظالمين جحيماً تتضاءل فيه قيمة الحياة الدنيا إلى ما لا يجاوز ذلك أيضاً. ولو يتفكر الإنسان بقلب مؤمن وهو في حالة صفاء فيما مضى من عمره وما مضى في الغابرين من أعمار الجبابرة أو قضى في الأولين من الأنبياء والصالحين وأعاد تقييم هذه الأعمار في الحياة الدنيا من الآخرة لما وجدها تجاوز في الآخرة ساعة من نهار قضاها الأنبياء والصالحون في طلب الخير وخسرها الظالمون وخسروا الآخرة جميعاً، هذا هو الصبر كما أراد الله تبارك وتعالى لنا أن ندركه بحكمته وبعلمه وبرحمته ولا شك أن التقييم الصحيح للأمور هو الطريقة المثلى للوصول إلى النتائج والمواقف الصحيحة فالملك والسلطان مثلاً إن كان للإصلاح في الأرض فهو ساعة من نهار لا بأس بها وصولاً إلى مرضاة الله وإن كان فساداً وظلماً فهو ساعة من نهار بئيس خليقة بالتنحي عنها. ولا نظن أن الأمر بهذه السهولة فالله تبارك قد نبه في هذا الحديث إلى أن الأمر بالغ الخطورة فهو إنما يتعلق بشأن من شؤون أولي العزم من الرسل وإنها لدعوة موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلمالذي يتنزل عليه القرآن للاقتداء بهم { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ .} فتلك إذن قمة بالغة من قمم الحكمة بلغها أولو العزم من الرسل، وإذا لم يكن يسيراً علينا أن نبلغ ما بلغوا فلا أقل من أن نقف معهم ونجتنب القوم الذين كانوا يشاقون فيهم ونحاول معهم خطوة خطوة في الطريق إلى يوم قريب نرى فيه ما يوعدون.

وقلنا من قبل إن آيات الله يساند بعضها بعضاً ويبين بعضها بعضا، ولو تأملنا الكتاب كله لوجدناه يؤيد هذا النظر وإنه يريد للمؤمن أن يبلغ درجة من هذه القمة البالغة من العلم والحكمة، ولنقرأ وصف الحياة الدنيا في بعض آيات الكتاب ولنتذكر جيداً أن الذي يصفها هو الذي خلقها وخلق كل شيء { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .} (البقرة 212) { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ .} (ال عمران 185) { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ . وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ .} (الأنعام 31، 32) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ .} (التوبة 38) { إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ .} (يونس 7، 8)، { اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ .} (الرعد 26) { الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ . الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ .} (إبراهيم 2، 3) { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً .} (الكهف 46) { وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ . أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ .} (القصص 60-61).

الحياة هي الصبر حتى تنقضي فهي دار ابتلاء ومن فضله تبارك وتعالى أن جعله ابتلاء قصيراً وبالتالي فإن الصبر فيها صبر على ابتلاء يسير لا يجاوز في التقييم الصحيح ساعة من نهار، ولتأكيد هذا المعنى في أذهان المؤمنين يقول الله تبارك وتعالى {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } (الحج 47).

وكل جهاد يقتضي صبراً، القتال في سبيل الله جهاد وهو يقتضي أول ما يقتضي صبراً شديداً بل إن الله تبارك وتعالى قد جعل الصبر في القتال من أول أسباب النصر المؤزر بإذن الله { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .} (الأنفال 65، 66) ومن معارك المسلمين الفاصلة التي انتصروا فيها بصبرهم معركة طالوت عليه السلام { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ .} (البقرة 249-251).

والصلاة جهاد وهي تقتضي صبراً شديداً يبدأ في مرحلة مبكرة من حياة الإنسان والمسلم يبدأ بصلاة الجمعة ثم لا يلبث حتى يحرص عليها حرصاً شديداً ثم ينتظم في صلاته حتى يكون من الدائمين عليها { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً . إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ .} (المعارج 19-23) ثم لا يلبث حتى يحافظ على صلواته في أوقاتها { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .} (المعارج 32-34) ثم يجد نفسه خاشعاً في صلاته { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ .} (المؤمنون 1، 2) ثم يجد نفسه قد قام إلى الصلاة خاشعاً بين يدي ربه لا يكفيه فيها إلا القرآن كله فيقبل على حفظه ويكون له في صلاته طواف بالقرآن كطواف الحاج بالبيت الحرام يصلي به كله حتى إذا انتهى منه عاد ليصلي به مرة أخرى، وهو يقوم إلى صلاته من قبل شروق الشمس وينتهي به الأمر إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلمفيصلي من الليل ثلثه حيناً ونصفه حيناً آخر إن استطاع إلى ذلك سبيلاً { ‏ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } (المزمل 20) وكل ذلك وغيره مما تقتضيه الصلاة وتأمر به يتطلب صبراً شديداً ولذلك فإن الله تبارك وتعالى يقول { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.} (طه 132).

وكل عبادة جهاد يقتضي صبراً الحج والصوم والزكاة واتباع سبيل المؤمنين في سلوكهم وأخلاقهم ابتغاء مرضاة الله والعفو عن الناس ابتغاء عفو الله والإعراض عن اللهو واللغو وذكر الله تبارك وتعالى آناء الليل وأطراف النهار بتسبيحه وحمده وباستغفاره ودعائه كل ذلك من العبادات وكل ذلك يقتضي الصبر الجميل { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً . }(مريم 65).

ويتعرض الإنسان لابتلاء شديد في حياته الدنيا التي قضى الله من رحمته أن تكون حياة قصيرة أولها لهو ولعب وزينة ومتاع قليل وآخرها هباء منثور وهي من أول لحظة يبدأ فيها الإنسان بحمل أعبائها تقتضي منه صبراً دائماً { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ. لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ .} (آل عمران 185، 186).

ولعل أشد ما يبتلى به المؤمن أن يكذبه الناس في إيمانه، ولقد ابتلى بذلك أحب الناس إلى الله تبارك وتعالى فأوحى إليهم أنهم إنما يبلون في حياة ليست إلا لعباً ولهواً فقال قوله الحق { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ . وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ .} (الأنعام 32-34) { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ. قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ.‏ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم 9-14).

في هذا الحديث الجامع تجد أن رسل الله قد كُذِّبوا وهم على الحق من ربهم فصبروا على ما كذبوا ولم يزدهم تكذيب أقوامهم إلا ثباتاً ويقيناً وإيماناً بصدق رسالتهم، فلما تمادى القوم في ضلالهم وأصروا على حنثهم وبدأوا يجاهدون المسلمين بالسوء أهلكهم الله وأسكن الذين آمنوا الأرض من بعدهم جزاءً بما صبروا وكانوا يتقون.

ويبتلى المسلم في نفسه وفي ماله ويتعرض للأذى من القوم الجاهلين، وكل ذلك له خير إذا آثر الآخرة بنعيمها وملكها وخلده فيها، وأيقن إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار، فصبره على ما يبتلى به في حياته الدنيا هو صبر أذى يسير لقاء ارتقائه إلى درجات أولى العزم الذين يحبون الله ويحبهم الله ويرحمهم في الدنيا وفي الآخرة { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ .} (لقمان 17).

ويخطيء الناس إذا ظنوا أن هذه الحياة الدنيا هي النعيم وأنه لا طاقة لهم بمصاعبها ومصائبها، وأنهم جديرون فيها بالنعيم إذا اجتهدوا في زينتها وأسباب القوة فيها، فإذا أصابهم الأذى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وانقلبوا على وجوههم هؤلاء وصفهم الله تبارك وتعالى فقال وقوله الحق { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ . يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ .} (الحج 11-13).

ثم ما جدوى أن يسعى الإنسان في ملك الله بغير سبل الله، إن هذا الإنسان نفسه إذا اشترى آلة دقيقة حرص على أن يسأل صانعها كيف يحافظ عليها ويصونها، أليس أجدر به أن يسأل ربه الذي خلقه وخلق كل شيء كيف يحافظ على نفسه وكيف يصونها من الهلاك، إن الأسى لا يعيد ما فات والفرح لا يكبر به آت وكل أمر عند الله بقدر وكل شيء عند الله مقدور، والصابرون هم الذين يدركون حكمة ربهم إذ يعظهم بقوله تبارك وتعالى { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .} (الحديد 22-23) إن المسلمين الصابرين لا تفاجئهم الحوادث وهم يمرون بها معتصمين بذكر الله في الخير والشر على سواء.

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ .} (البقرة 214) {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.} (آل عمران 142) { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .} (التوبة 16) { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ . قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ . قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . } (المؤمنون 112-115) هذه حسابات خاطئة يحذر الله منها حتى يحفظ الله خلقه العظيم من الزلل ويثبت عقل الإنسان الذي صاغه بحكمته على الصواب ويقيم عباده المؤمنين على تقييم الحياة الدنيا تقييماً صحيحاً على سنة صادقة من حساباتها.

والتورط في الحسابات الخاطئة يؤدي إلى نتائج خاطئة ويضرب الله المثل على ذلك من قوم قارون عندما فتنوا بزينته وغرتهم الحياة الدنيا وتمنوا مكانه فيها { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ . وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ .‏ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ . وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ . تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (القصص 76-83).

تلك كانت حسابات قوم فتنوا برجل مفتون، ظن الرجل أنه في خير وأنه إنما أصابه الخير بعلمه فلا فضل لأحد عليه ولا حق لأحد فيه وأنه من حقه أن يطغى وأن يفعل في الأرض ما يشاء فسقط في الفتنة وندم الذين تمنوا مكانه بالأمس وأدركوا أن عاقبة الأمر أعظم من الأمر كله.

ومثل آخر من الخطأ في الحساب تورط فيه صاحب الجنتين { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً . لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً. وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً. فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً . وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً .} (الكهف 32-44).

هذان رجلان أخطأ كل منهما تقييم الحياة الدنيا فراح ينشدها لذاتها مغروراً بفتنتها فسقط كل منهما في الفتنة فأما الأول { فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ . }(القصص 81) فهلك مصراً على خطئه دون أن يدرك أن العاقبة للمتقين وأما الثاني فهلك { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً .} (الكهف 43) وشاهد دنياه وهي خاوية على عروشها وشهد أن الولاية لله الحق هو خير ثواباً وخيرٌ عقباً ولعل الله قد غفر له هو أعلم بأمره وهو خير الغافرين. والحديث عن الحسابات الصحية والحسابات الخاطئة حديث عظيم تفصيله في القرآن وإنما نشير إليها ليستيقن الناس أن كل شيء قد فصله الله تبارك وتعالى في الكتاب تفصيلاً.

ويقص الله تبارك وتعالى أحسن القصص من صبر عباده الذين آمنوا وكانوا يتقون وهو حديث عظيم لا قبل لنا بالإحاطة به وفهم أبعاده ومعانيه والحكمة البالغة فيه فهماً كاملاً إلا بالقرآن كله الذي أحكمت آياته وفصلت من لدن حكيم خبير.

يوسف عليه السلام ألقى به في الجب بعيداً عن أبيه الذي أحبه وأحاطه برحمته ثم جاءت سيارة وأسروه بضاعة وكانوا فيه من الزاهدين، ثم اشتراه رجل في مصر ووضعه في بيته لعله ينفعه هو وزوجه أو يتخذانه ولداً، ثم اتهم زوراً بالفاحشة وهو التقي العفيف، ثم ألقى به في السجن سنين، وتقبل كل ذلك بقلب مؤمن ولم يهن من عزائمه شيء من ذلك بل إنه كان يدعو رفاقه في السجن إلى عبادة الله الواحد القهار، فمنّ الله عليه وآتاه الله الملك ومكنّ له في الأرض ورده إلى أبيه الذي أحبه وخضع له اخوته الذين أرادوا به السوء { قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ .} (يوسف 90-92).

يونس عليه السلام التقمه الحوت وعاش في ظلمات جوفه في جوف البحر ما شاء له الله أن يعيش فاعتصم بالله وأخلد لذكره { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .} (الأنبياء 87) فآتاه الله جزاء الصابرين { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ . فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ . وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ . فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ . }(الصافات 139-148)، فأين من هذا السمو حديث الفتية الذين انغلق عليهم الجبل فجعل كل منهم يحدث صاحبه بما فعل من الخير يمنون به على ربهم لينفرج عنهم الجبل فجوة فجوة !؟

وأيوب عليه السلام مسه الضر ومسه نصب وعذاب فصبر واعتصم بذكر ربه فآتاه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .} (الأنبياء 83، 84) ضرب الله به مثلاً للذين يعبدونه خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه فنجوا بعبادته من عذابه وفازوا برحمته، وشكره مع الخالدين في كتابه بما صبر وكان من عباده الأوابين { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ.‏ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ .} (ص 41-44).

ولعل من أعظم آيات الصبر ما كان من إبراهيم وابنه عليهما السلام فالله يصف ما ابتليا به بقوله تبارك وتعالى { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ .} (الصافات 106) وأي بلاء أن يؤمر الأب بذبح ابنه ومع ذلك فقد صبرا حتى تله للجبين فاستحق بهذا الإيمان الراسخ أن يتخذه الله خليلاً وأن يكون أباً لجميع المسلمين في الأرض من بعده وأن يكون محمد صلى الله عليه وسلموالذين آمنوا معه أولى الناس به { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ .} (الصافات 100-111).

وموسى وهارون والذين آمنوا معهما كم لاقوا من طغيان فرعون وكفر الظالمين من بني إسرائيل، حديث عظيم يبدأ بيوم ولادة موسى عليه السلام وكيف أنجاه الله من بطش فرعون وهو ما يزال في المهد لينشأ في بيته وفي كنف زوجه المؤمنة وتمضي سيرته العظيمة في القرآن يكابد البلاء بعد البلاء ويعاني الطغيان والظلم به وبقومه ويتحمل الأذى ممن جحدوا بآيات ربهم حتى يبلغ به الأذى وهو عائد إلى قومه بالألواح من ربه ليجدهم عاكفين على عجل صنعوه بأيديهم من حليهم، سيرة عظيمة وعزم شديد { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ . وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ. وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ . وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ .} (الصافات 114-122).

ولقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى معاناة الآخرين على أنها مجرد أحداث دون أن يعايشوها بأحاسيسهم، ولذلك فات أكثر الباحثين والدارسين أن يتحدثوا عن امرأة عظيمة في التاريخ آمنت وصبرت كما لم تصبر النساء، وقرأ المسلمون حديثها دون أن يقفوا على شيء من عظمة هذه السيدة المصرية الفاضلة ولم يرو عنها اليهود شيئاً فيما كتبوه من الأسفار رغم أنها كانت ولا شك بإيمانها وبصبرها عوناً وسنداً لمن آمن منهم، هذه السيدة الفاضلة رضوان الله عليها هي ثانية اثنتين ضربهما الله مثلاً لعباده المؤمنين {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ .} (التحريم 11، 12) سلام الله على مريم وعلى امرأة فرعون التي لم يغررها ملك فرعون وقصوره رغم إن الكثير منها ما يزال قائماً إلى يومنا هذا وأيقنت إنما هذه الحياة الدنيا لعب ولهو وإن الآخرة هي دار القرار فاختارت جوار ربها في بيت عند الله في الجنة وتبرأت من فرعون وعمله وتبرأت من القوم الظالمين فسلام عليها في الخالدين.

ورجل آخر آمن وصبر وتجاهله المؤرخون ولم يرو عنه اليهود هو الآخر أي شيء فيما كتبوه في أسفارهم، وكان ولا شك بصبره وإيمانه سنداً لمن آمن منهم حتى أوشك أن يهلك بيد الظالمين من قوم فرعون. رجل مصري تجاهله المؤرخون كما تجاهله اليهود كان من آل فرعون وكان بوسعه أن ينهل من الدنيا ما يشاء وأن يظفر من الملك بما يريد ولكنه آثر الآخرة فآمن وصبر ثم أعلن إيمانه وراح يدعو للإيمان حتى نال الخلود في تنزيل رب العالمين {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ . وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ . الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ . وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ .‏ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ .} (غافر 28-45).

ونرى أن السحر الذي حدث عنه الكتاب هو تنويم الناس والتأثير فيهم بحيث يرون ما يريد الساحر لهم أن يروا خلافاً للحقيقة والواقع، نستنبط هذا الرأي من قوله تبارك وتعالى {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى . قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى . فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى . قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى .} (طه 65-68)، فحبال السحرة وعصيهم لم تتغير وإنما تغيرت نظرة الناس إليها فخيل إليهم من سحرهم أنها تسعى، والخيال شيء والحقيقة شيء آخر وهذا الخيال قد يكون في رأينا بتأثير التنويم وهو أمر ممكن على النطاقين الفردي والجماعي كما إنه ممكن أيضاً بالنسبة للقريب والبعيد على سواء. هؤلاء السحرة جاء بهم فرعون ليدحض بهم آيات موسى، فجاؤوه امتثالاً لأوامره وطمعاً في ماله { فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ . قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . } (الشعراء 41, 42). ثم شاهدوا الآية الكبرى عصا تلقى فتتحول إلى حية تسعى سعياً حقيقياً ثم هي لم تكتف بذلك بل تلتهم ما ألقوا من الحبال والعصي ثم تعود في يد موسى سيرتها الأولى، كل هذا يحدث وهم حال اليقظة ودون أن ينام منهم من أحد نوماً طبيعياً أو نوماً (مغناطيسياً) فواجهوا الخيار بين ما وعد به فرعون من زينة الحياة الدنيا وما وعد به موسى بالغيب من ربه { وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ .‏ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ . قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ. وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ .} (الأعراف 120-126) مصريون في الخالدين آمنوا وصبروا وآثروا الآخرة على متاع الدنيا فلما هددهم فرعون بالقتل والتصليب والتنكيل { قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى .} (طه 72، 73).

الإحسان

نختتم هذا البحث بحديث موجز عن الإحسان، وهو غاية المنتهى في سعي الإنسان إلى مرضاة ربه. وقد يظن ضانٌ أننا كنا نبحث في العبادات ونستنبط من أحكامها التي أوردها القرآن مفصلة وبيّنها الله في الكتاب تبياناً ضافياً، ونود أن ننبه باديء الرأي إلى أنه ليس ثم شيء مما خلق له الإنسان لا يعتبر عبادة خالصة لله تبارك وتعالى. الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان وهو الذي أنشأه إنشاءٌ وأنبته في الأرض نباتاً وخالق الشيء هو مالكه ولا ينبغي لهذا الشيء إلا أن يكون عبداً لمالكه طائعاً له حتى يستقيم خلق الله على إرادة الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه.

{ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى .} (طه 49، 50)، خلق الله الأرض والجبال والسماوات العلى وأخضعها لسنته فاستقام كل شيء فيها على الطريقة المثلى، وخلق الله النبات وأخضعه لسنن يحار فيها العلماء فاستقام كل نبات على سوقه، ثم خلق الله الإنسان وأخضعه لعقله ولم يشأ سبحانه وتعالى أن يتركه سدى فبعث النبيين ليهتدي الناس بسنته بحرية مطلقة لها أن تأتي طائعة أو لا تأتي على الإطلاق { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً .} (الكهف 29).

وليس مجازاً أن يصف الله تبارك وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلموصحبه بالنبات الذي استوى على سوقه { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً .‏} (الفتح 29).

مثل المؤمن الصالح الذي استقام على صراط ربه كمثل النبات الذي استقام على سنة خالقه، الله سبحانه وتعالى أعطى هذا وذلك خلقه في أحسن تقويم ثم فرض سنته على النبات فاستقام عليها وفرض سنته للإنسان إن شاء أقام نفسه عليها وإن شاء أعرض عنها، فمن استقام على سنة ربه فقد هدى إلى الصراط المستقيم وأصبح كالزرع يخرج في حينه ثم يستوي على سوقه في أجمل صورة ثم ينقضي في حينه بعد أن يكون قد ملأ الدنيا عبيراً ونفعاً وبهاء.

والله يحب النبات الطيب الذي يستقيم على سنته فيتكامل بذلك الخلق الحسن بالهدى القويم، والله يتولى هذا النبات برحمته ويسبغ عليه من نعمته في الحياة الدنيا ويوم تتوفاه الملائكة ويوم يقوم الأشهاد { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (النحل 97)، { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ . }(فصلت 30-32). { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . } (يونس 62-64). { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ .} (غافر 51، 52) { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ .} (إبراهيم 27). هذا ما وعد به الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة سواء بسواء لا تبديل لكلمات الله ومن أصدق من الله قيلاً وفي لحظة الموت { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (النحل 32). ورغم كل هذه العهود القاطعة يصر أبعاض على أن رسولاً كريماً أميناً صادقاً قد قال أن أشد الناس بلاء الأنبياء فالاتقياء فالأمثل فالأمثل، هل يستقيم في العقل أو المنطق أن يقول أحد بعد الذي سمعه من ربه مثل هذا القول. الله تبارك وتعالى هو الذي يرد على هؤلاء بقوله الحق { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ . وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.} (الجاثية 21، 22). ويقول سبحانه وتعالى { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .} (القلم 35-36). لقد علم الله سبحانه وتعالى أن هؤلاء سينسبون إلى رسله ما لا يمكن لأحد منهم أن يتقوله. فأحكم آياته وفصلها وبينها ليظل القرآن إلى يوم القيامة قائماً بالصدق والحجة الداحضة والطريقة المثلى سبحانه وتعالى لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً.

يستقيم الصالحون على صراط مستقيم كالنبات الطيب الذي يستقيم على سنة الله، والله يحب هذا النبات ويتولاه برحمته ويسبغ عليه من نعمته ويدافع عنه في الحياة الدنيا وفي لحظة الموت وفي الآخرة إن الله لطيف بعباده وهو الغفور الودود.

واستقامة المؤمن على صراط ربه إنما تكون بطاعته في عبادة دائمة لا يحيد عنها ولا يخرج عليها ولا يرضى بشيء يلهيه عنها، فتراه قائماً راكعاً ساجداً متصدقاً ذاكراً الله ذكراً كثيراً لحظة يقوم من نومه وحين ينطلق في مناكب الأرض وحين يجلس مع أهله أو عشيرته، ويحفظ موعظة ربه في طعامه وشرابه وملبسه وحديثه ومجلسه ومدخله ومخرجه وقيامه وقعوده، ويتقي الله في سمعه وبصره وفؤاده ويتقيه في أهله وصحبه وجيرانه. ولقد تناولنا فيما سلف بعض العبادات فتحدثنا بقليل مما فصله القرآن عن الحج والصلاة والذكر والصيام والزكاة وما ينبغي للمسلم أن يلتزمه في الأشهر الحرم، ثم رأينا أن فلسفة الحياة تقوم في أساسها على عنصرين هما: (أولاً) الجهاد في سبيل الله، (ثانياً) الصبر ابتغاء مرضاة الله.

ولا سبيل لحصر العبادات إلا بالقول بأن عبادة الله هي الالتزام بالقرآن، ولقد بني الإسلام على القرآن كله وليس على خمس ولا على عشر، ونحن لا نعترض بطبيعة الحال على أن من الإسلام شهادة ألاّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلاً، ولكننا نعترض على أنه بذلك وحده يصبح الإنسان مسلماً، بقى بعد ذلك كثير بقى مثلاً، وليس إحصاء: الإيمان بالملائكة والكتب وبالرسل جميعاً دون مفاضلة ولاتفريق بين أحد منهم ، وباليوم الآخر وبالحساب والثواب والعقاب والقتال في سبيل الله وذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في القول والعمل وحسن الخلق وغير ذلك مما فصله القرآن تفصيلاً.

عبادة الله هي الاستقامة على صراطه الذي شرعه الله لعباده في كتابه بالجهاد في سبيله وبالصبر ابتغاء مرضاته، جهاداً متصلاً وصبراً جميلاً في كل شأن من شؤون حياة الإنسان حركة أو سكوناً ولهذا خلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .} (الذاريات 56).

ليس الإحسان أن تلقى بدرهم في يد متسول، وإنما الإحسان أن يكون جهادك حسناً، وأن يكون صبرك جميلاً، الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وهو خلق الناس في أحسن تقويم، فمن اهتدى إلى صراط ربه فقد تكاملت له الأخلاق العظيمة مع الخلق العظيم، ومن تنكب الصراط المستقيم فقد شوه خَلق الله وأصبح كالنبات الخبيث الذي أجتث من فوق الأرض ليس له من قرار واتبع الشيطان فيما أمر به { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ } (النساء 119).

ويشاء الله أن يهب هذا الخلق حياتين وموتتين، { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ .} (غافر 11) والموت والحياة في خلق الله بمعنى الغياب والحضور وليس بمعنى الوجود والعدم، كان الإنسان غائباً في علم الله قبل مولده ثم حضر بالخلق في رحم أمه، ثم غاب ثانية بوفاته ثم يعود إلى الظهور يوم القيامة ببعثه وهو في كل هذه الأطوار موجود في علم الله، نستنبط هذا الفهم من قوله تعالى { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (البقرة 28).

الله يميتنا ثم يحيينا ثم يبعثنا بعد ذلك ولكن كيف كنا أمواتاً قبل هذه الحياة الدنيا، إلا أن يكون الموت بمعنى الغياب وليس بمعنى العدم. ويصح أن نتساءل عن المعنى العظيم في قوله تبارك وتعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ .} (الأعراف 172) هل يمكن أن يكون هذا قد حدث قبل موتتنا الأولى وحين قضى الله بمشيئته أن نوجد في ملكه، الله جل وعلا أعلم بغيبه، ولكننا نرى دودة القز تغزل لها قبراً بمشيئة ربها تغزل قبراً من حرير فاقع لونه يسر الناظرين، ثم لا يلبث هذا القبر أن ينفتح على فراشه جميلة زاهية تطير بجناحيها وتضع بيضها ليخرج منه الدود مرة أخرى.

شاء الله سبحانه وتعالى أن يهب لنا هذه الحياة الدنيا ليبتلي عباده أيهم أحسن عملاً، {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ .} (الملك 1و2) وعلم سبحانه وتعالى أنه لن يتسنى للإنسان أن يستقيم على الأمر وحده فبعث رسله تترى وأنزل الكتب ليتعلم الناس سبيل ربهم {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ .} (النور 40) أنزل الله التوراة ولم يأمر بحفظها فنسخت ثم أنزل الإنجيل ولم يأمر كذلك بحفظه فنسخ كما نسخت التوراة ثم أنزل الله القرآن وأمر بحفظه { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .} (الحجر9) فبقى على مر القرون بإذن ربه قائماً صامداً حصيناً منيعاً جامعاً لكل ما سبقه من الأحكام والرسالات. وقد يتساءلون لماذا لم يكن القرآن من البداية، وهو سؤال خليق بالبحث والدراسة، ونرى أنه كان لحكمة بالغة نجد منها دليلاً حاسماً على أن البرية لم تكن أمينة على الكتب والرسالات. فقد ائتمن الناس على التوراة فلم يحفظوها، ثم ائتمنوا مرة أخرى على الإنجيل فلم يحفظوه كذلك.. وبقى القرآن لأن الله قد تولى حفظه، وهو درس من دروس المولى عز وجل وموعظة بالغة حتى لا يأتمن الناس في سبيلهم إلى الله أحداً إلا بكلماته وألا يتلقوا العلم الحق إلا بكتابه. إن القضية تتعلق بحياة إنسان خلقه الله بالحق في أحسن تقويم وشاء له سبحانه أن يستقيم على صراطه المستقيم، ولن يستقيم الإنسان على صراط ربه إلا بكلمات الله يتبعها كما تنزلت برحمته هدى وشفاء فإذا انحرف عنها وتفرقت به السبل واتبع ملة قوم ضلوا وأضلوا كثيراً فسوف يأتي ربه يوم القيامة بالندامة حيث لا ينفع الندم { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً . وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً .} (الفرقان 27-30).

ويروى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه أحرق كل كتبه في حياته ولم يترك من كتبه شيئاً بعد موته وإنما توارث الناس المذهب عن التلاميذ، ونرى أنه رحمه الله ما فعل ذلك إن كان قد فعله إلا عملاً بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال- من كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه- فرأى أن كلامه أولى بأن يمحي فمحاه بنفسه. ولعله فعل ذلك بعد أن أدرك طبائع البشر وعلم أنهم سيكذبون عليه، فلقد كذبوا على ربهم وكذبوا على الأنبياء فما بالهم لا يكذبون عليه فقرر رحمه الله ألا يترك من بعده شيئاً مؤمناً كما آمن رسول الله صلى الله عليه وسلمبأن القرآن هو الدين كله مفسراً ومفصلاً ومبيناً في حفظ الله تبارك وتعالى.

{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ . كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .} (الذاريات 15-19).

{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ . وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ . } (المرسلات 41-44).

يبين من تلاوة هاتين الآيتين الكريمتين، أن التقوى هي أساس الإحسان، فالإنسان مجاهد بطبعه لا يكف عن بذل الجهد ما بقى ينبض قلبه بالحياة في هذه الأرض، وهو كذلك صبور بطبعه لا حيلة له في احتمال ما لابد من احتماله مما تأتي به أيامه فيها. فإذا آمن بالله الحق وسخر الجهاد كله في سبيله والصبر كله ابتغاء مرضاته فقد اتقى عقابه وأمن ثوابه، وهذه هي التقوى، وما يزال المؤمن يجاهد في سبيل الله ويصبر ابتغاء مرضاته معتصماً بتقوى الله حتى يتحرر من الهوى ويصبح خلقه القرآن قولاً وعملاً، ومن بلغ هذا الخلق فقد بلغ الإحسان { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.} (التوبة 100). لقد بلغ السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هذه الدرجة فأحبهم الله وحبب للمؤمنين اتباعهم لينالوا مثلماً نالوا من ثوابه، وإنما بلغوا هذه الدرجة باتباع القرآن خطوة خطوة على صراط ربهم المستقيم. آمنوا فاتقوا فأصلحوا ثم أحسنوا فتوفتهم الملائكة محسنين وأحل الله لهم ما اكتسبوا في حياتهم الدنيا { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . } (المائدة 93).

ولاستظهار قيم الإحسان، وحتى تستقر في الأفهام دلالته العظيمة في اللسان العربي، نجد أنه جاء وصفاً لأسماء الله تبارك وتعالى وصفة خلقه عز وجل وصفة حديثة وكلماته وصفة ثوابه في الدنيا والآخرة { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } (الإسراء 110) { ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ .} (السجدة 6، 7). { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى .} (النجم 31).

لهذا ينبغي أن نفرق دائماً بين الإحسان صفة لعمل وبين الإحسان صفة لإنسان، من أخرج نفقة أو صدقة فهذا عمل حسن، ومن قال صدقاً وصدق وعداً وأوفى عهداً فقد عمل حسناً، ومن صلى وصام وحج وذكر الله وأصلح بين الناس وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقاتل في سبيل الله فقد اكتسب حسنةً عند ربه، ولكن أحداً من هؤلاء لا يمكن أن يكون هو نفسه محسناً إلا إذا استقام على صراط ربه حتى بلغه الموت، ولذلك فقد أمر الله ألا يزكي بعضنا بعضاً، { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى.} (النجم 32) { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً . انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً .} (النساء 49، 50).

وكل حسنة هي وقاية من سيئة { إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النمل 111). { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ .} (الرعد 22) { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ .} (هود 114). {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (الفرقان 70). وخير الحسنة ما كان مقترناً بالتوبة كما يبين من تلاوة الآية الأخيرة فهي لا تقي من السيئة فحسب بل تَمْحُها وتقوم مقامها.

نستنبط من كل ما تقدم أن القرآن هو دعوة إلى صراط الله المستقيم وهي دعوة قائمة ما بقى الإنسان حياً، وإن سبيل الإنسان إلى صراط ربه إنما يبدأ بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، ثم هو يمضي في هذا السبيل معتصماً بتقوى الله لا يدخر جهداً ولا يألو صبراً حتى يكتبه الله من المحسنين أولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فهم عباد الله الذين أخلصوا دينهم لله { قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ . إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ .} (الحجر 40-43). { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ .} (النحل 98-100).

إن الحديث عن الإحسان وما يتعلق به من الجهاد والصبر وما يقتضيه من التوبة والعمل الصالح لا يمكن أن نفرغ منه بجهد فردي، وإنما يعنينا مما أفضنا فيه إن عبادة الله فلسفة عميقة لا حدود لها إلا بالقرآن الذي أنزله الله تبياناً لكل شيء. والحمد لله الذي جعل الدين يسراً ولم يكلف نفساً إلا وسعها ولم يفرض على نفس إلا ما آتاها، وقبل من عباده كل توبة ورضى منهم كل عمل صالح وكتب على نفسه الرحمة وقال قوله الحق في حديث جامع كريم { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .} (التغابن 16).

فمن رحمته تبارك وتعالى أنه يدعو عباده إلى صراطه المستقيم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، كل بقدر جهده وصبره وكل بقوة إيمانه وتقواه وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أيهم أقرب من ذلك رشداً، وفي ذلك فليذكر العابدون الذين يحسنون عبادة ربهم إنه من رحمته عليهم ونعمه التي لا تعد ولا تحصى لم يجعلهم عباداً لغيره ولم يخضعهم إلا لطاعته.

وقد اختلف العلماء في قوله تعالى { وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ .} (الصافات 164-166) (ما وإلا) في الآية الأولى تفيد الحصر والقصر، و (منا) من الله سبحانه مما يخلق في الأرض وفي السماوات، (إلا له مقام معلوم) قدر معلوم كما في قوله تعالى { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } (الفجر 49) وفي قوله سبحانه { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ.} (الحجر 21).

{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ .} الصف هو النظام كما في قوله تعالى { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً .} (الكهف 48) وفي قوله سبحانه { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً } (الصف 4) وفي قوله سبحانه {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } (الحج 36).

{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ .} (الصافات 166) السبح في هذه الآية الكريمة هو الحركة كما ورد في قوله تبارك وتعالى { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً . وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً . وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً . فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً . } (النازعات 1-4).

النظام أو الصف والحركة أو السبح هما أساس الخلق، وكل خلق عنده تبارك وتعالى بمقدار، وما من شيء إلا له عند الله مقام معلوم. تقوم السماوات والأرض وما فيها بحركة دائبة وفي نظام بديع لأنها خضعت في حركتها لنظام الله فسبحان الله رب العالمين، أما الإنسان فهو في حركة دائبة لا سبيل إلى تنظيمها إلا بهذا القرآن جهاداً وصبراً وإحساناً.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home