Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 20 December, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

     
     

كتاب "البيان بالقرآن" (29)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

ثانياً : الموت

قد نرى أن للموت أسباباً متعددة.. ولكنه في كتاب الله قدر محسوب يتولاه رسل لا يفرطون.. في أجل مسمى وبأساليب تختلف بحسب حالة الإنسان من الكفر أو الإيمان.. وهو في النهاية انتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وانسلاخ عن ثوب الحياة الدنيا إلى ثوب آخر علمه عند الله الذي يعلم الغيب كما يعلم الشهادة على صراط مستقيم.. ليس بالمرض ولا بالغرق ولا بالحريق ولا بالانتحار يموت الإنسان.. بل يموت الإنسان لا يموت إلا بإذن الله {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } (آل عمران 145)، وينبغي للإنسان الذي يتربص بكتابه الذي أجل له إلى أجل مسمى ألا يموت إلا مسلماً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ .} (آل عمران 102)، وفي رسالة إبراهيم وبنيه الذين آمنوا عليهم السلام نرى مشهداً عظيماً ووصية بالغة.. إبراهيم عليه السلام يبحث عن ربه في الملكوت الأعلى.. ثم ينتهي من البحث إلى حقيقة واحدة أنه لن يصل إلى ربه إلا إذا هداه الله إليه.. فيدعوه ربه إلى الإسلام فيسلم من فوره ويدعو من حوله والذين من بعده إلى دين حنيف لا يستنبط من الأرض ولا من أفكار البشر بل من الوحي نقياً طهوراً خالصاً ولو كره المشركون { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . }(البقرة 130-133).

الموت هو الخروج من الشهادة إلى الغيب.. والحياة هي الخروج من الغيب إلى الشهادة.. وسبحان الله عالم الغيب وعالم الشهادة { إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ .} (الأنعام 95) وكما أن الحياة حق فإن الموت حق كذلك { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ . }(الملك 1-2)، هو الذي خلق الموت تماماً كما خلق الحياة.. فالموت خلق كخلق الحياة ونشأة كنشأتها.. وليس عدماً.. وليس في ملك الله عدم في الأرض ولا في السماء.. بل كل شيء محسوب في علمه وإحصائه.. سواء ما كان في الغيب بعيداً عن الشهادة أو كان في الشهادة بعيداً عن الغيب { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . }(الأنعام 73)، فالغيب شيء معلوم عند الله { إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } (البقرة 33)، والغيب شيء موجود يطلع الله عليه ولا يطلع عليه من أحد إلا من يشاء { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً .} (الجن 26-27)، وكذلك فإن للغيب مفاتح ينكشف بها سواء بالاطلاع عليها أو بإخراجها إلى الشهادة وكلها عند الله لا يملكها إلا هو { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } (الأنعام 59).

ولقد علم الله درجات الناس في الآخرة من واقع أعمالهم في الحياة الدنيا.. ولذلك خلقهم ليتبوأوا مقاعدهم عند الله في حياة خالدة يوم القيامة.. وعلم الله بأصحاب النار وأصحاب الجنة لا يعني أنه شاء لهم ما لم يشاؤوا هم لأنفسهم، بل الله سبحانه وتعالى خلقهم وقال لهم { إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (فصلت 40)، اعملوا ما شئتم.. هذا هو الخيار الذي احتمله الإنسان في الخلق الأول وتلك كانت الأمانة التي يأتمنه الله عليها في الأجل المسمى.. إن الإنسان كان ظلوماً جهولاً.. وما من سبيل إلى حمل الأمانة إلا في الجانب الآمن من الوحي حنفاء لله غير مشركين به ولو كره الكافرون.. ومن ابتغى سبيلاً غير الوحي فأولئك تتفرق بهم السبل ولا يهتدون سبيلاً.

ومن الذين يتجاوزن الوحي قوم يقولون إن صاحب موسى الذي اطلعه على آيات السفينة والغلام والجدار هو الخضر.. وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ظناً.. وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.. بل هي أسماء يسمونها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. ومن هؤلاء من يزعم أن هذا الخضر ما يزال حياً يرزق وأنه لم يمت بعد { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ . } (الأنبياء 34)، بهذه الكلمات الميسرة المبينة يرد الله على الإفك العظيم فينسفه نسفاً.. { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ .} (العنكبوت 57)، فلا أسماء في دين الله إلا من ذكر الله في كتابه.. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.. وما جعل الله لبشر من قبل الرسول الخلد.. وما كان البشر من بعده صلى الله عليه وسلم خالدين.

وللموت سكرة يغيب فيها الإنسان عمن حوله فلا يستطيع أن يحدثهم كما كان يحدثهم من قبل { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . }(ق 19)، لقد جاءه من العلم ما لم يكن قد رآه رأي العين.. وفي آيات الله البينات نرى للموت ضيفاً يأتي كل إنسان جاء أجله الذي أجل إليه { وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } (المنافقون 10)، وهو ضيف يحضر الإنسان فيحس الإنسان حضوره ويسمع منه ويرى الأحياء من حوله لا يبصرون { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} (النساء 18)، وهو ضيف يجيء من بعد غياب يطول أو يقصر بحسب أعمار الإنسان في هذه الحياة الدنيا { حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ .} (المؤمنون 99)، هنالك يأتيه الرسل يتوفنه بأمر الله فيراهم الإنسان ويسمع منهم وقد يتحدث إليهم.. وإن لهم لحديثاً في الكتاب مسطوراً.

وليس الناس سواءاً أمام أولئك الضيف المكرمين { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ .} (الجاثية 21)، إن الناس أمام ضيف الموت المكرمين أزواج ثلاثة.. الطيبون { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (النحل 32)، فمن كان من هؤلاء غير مدين فإنه يستطيع أن يستأذن ضيفه في وداع من يشاء من قومه { فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ . تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .} (الواقعة 86-87)، والظالمون.. { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ . فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ .} (محمد 25-27) إنها مجرد بداية ومن ورائهم عذاب غليظ بما جحدوا آيات الله وبما حجبوا أنفسهم عن النور الذي أنزل إليهم وحياً من ربهم مفسراً وميسراً ومبيناً ومفصلاً بكلمات الله.. والمفترون الذين يفترون على الله الكذب { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ.} (الأنعام 93)، إن الإنسان ليعلم كم يتعذب حين يتقيأ طعاماً في جوفه.. فما لهؤلاء القوم لا يرون كم يتعذبون وهم يتقيأون أرواحهم بين يدي ملائكة غلاظ شداد.

كلا لا يستوون عند الله في الحياة ولا في الموت ولا يستوون عند الله في الآخرة.. فأزواج يقول لهم الملائكة حين الموت.. سلام عليكم.. وأزواج يضربون وجوههم وأدبارهم.. وأزواج يقولون لهم أخرجوا أنفسكم بأنفسكم فليس لكم اليوم من ولي ولا صديق حميم إلا الإهانة والعذاب الأليم.. وللإنسان في الحياة الدنيا أن يتخير لنفسه من يشاء من ملائكة الرحمن سلام الله عليهم جميعاً لا يعصون الله ما أمرهم وهم لا يفرطون.

ويتساءلون عن سؤال الملائكة حين الموت.. ومن الذين هجروا كتاب ربهم أناس خيل إليهم أن بوسعهم أن يلقنوا موتاهم ما يردون به على ملائكة الرحمن.. أولئك لم يؤمنوا بالملائكة ولا يعلمون بما علمهم الله شيئاً من أمر الملائكة المكرمين.. فأما الذين آمنوا بربهم واستقاموا إليه فأولئك لا تتفرق عنهم الملائكة لا في الحياة ولا في الموت ولا في الآخرة يبشرونهم بالجنة ويدرأون عنهم الخوف والحزن ويظاهرونهم بولاية من عند الله {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ . }(فصلت 30-32).

وأما الذين ظلموا أنفسهم فإنهم فريقان عند ربهم.. فريق الذين استكبروا أولئك يلقون السلم ويكذبون على الملائكة كما كانوا كاذبين { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .} (النحل 28-29).. وفريق الذين استضعفوا أولئك ماتوا وهم يعلمون أنهم كانوا ظالمين { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً . إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً .} (النساء 97-99).

إن الولدان يسألون عن ظلمهم.. ولا يعفون من المسؤولية لأنهم لم يبلغوا الحُلُم كما يزعم بعض الفقهاء.. بل يعفو الله عمن يشاء من الولدان الذين كانوا مستضعفين في الأرض لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.. { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ } (الواقعة 17، والإنسان 19). فمتى انطلق الولدان يطوفون على أقدامهم فقد بدأت مسؤوليتهم عما يقترفون من الظلم بين يدي ربهم.. وإننا لنسمع من صغارنا فقهاً في الدين ربما غفل عنه الشيوخ.. يقولون لك حرام هذا حيوان ينزف دماً.. ويقولون لك حرام هذه نعمة الله ألقى بها في القمامة.. وتراهم يكبرون للصلاة ويركعون ويسجدون ويسبحون بحمد ربهم.. فما لهؤلاء القوم يؤجلون حسابهم حتى يبلغوا الحلم بعدما علموا من أمر الله الذي يسبح له الطير والنجم والشجر والجبال.

ولا نجد في كتاب ربنا أظلم ممن افترى على الله الكذب أو كذب بآياته.. وإن الذين يقولون إنهم لا يجدون تفصيل كل شيء في كتاب ربهم يكذبون بآيات الله { وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .} (الأعراف 52). { وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ .} (الأنعام 126) { الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ .} (هود 1) { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .} (فصلت 3)، وإن الذين يقولون إنهم لا يجدون تبيان كل شيء في كتاب ربهم ويَنشُدُون البيان بغير قرآن أولئك يكذبون بآيات الله {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ .} (البقرة 99)، { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ .} (البقرة 159)، { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } (البقرة 185)، { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } (النحل 89)، وإن الذين يقولون إنهم لا يجدون كل الحق مفسراً من عند الله في الكتاب أولئك يكذبون بآيات الله { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً .} (الفرقان 33)، وإن الذين يقولون إنهم يجدون في الكتاب آيات منسوخة أولئك يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولقد علموا أن الناسخ في القرآن وأن القرآن لا ينسخ إلا ما كان من الآيات من قبل نزول القرآن كحرمة يوم السبت عند بني إسرائيل نسخت بحرمة الأشهر الحرم {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ .} (البقرة 85، 86).

وكل أولئك من الذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.. بل ولا يجدون حرجاً في لعنة الذين يدعون إلى هذا القرآن كتاباً مفصلاً ومبيناً ومفسراً من عند الله.. أولئك يسألهم الملائكة حين الموت سؤالاً يعرفون جوابه حق المعرفة ولا يجدون مناصاً من الاعتراف به قبل أن تبدأ رحلتهم إلى العذاب {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ .‏ قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ . وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ . إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ . لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ .} (الأعراف 37-41).

ذلك جزاء أعداء الله الذين يعسرون على الناس ما تيسر من دينهم { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .} (القمر 17، 22، 32، 40).

واستثناء من الموت كتب الله لكل نفس تقتل في سبيل الله أن تحيا عند ربها في الخالدين لهم مغفرة ورزق كريم { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ .} (البقرة 154)، { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .} (آل عمران 169)، أولئك الأحياء عند ربهم من الذين قتلوا في سبيل الله لأنهم بلغوا درجة من الإيمان تجعلهم يؤثرون وجه الله على الحياة الدنيا وزينتها وعلى أنفسهم وأهليهم وأموالهم.. ومن الخلط أن يسموا بالشهداء.. الشهيد هو الذي يشهد على قومه بين يدي الله يوم القيامة أما الذي يتوفاه الله سواء بالموت أو النوم أو القتل فلا يستطيع أن يشهد بشيء كما قال عيسى عليه السلام { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . } (المائدة 117).

إن فهم الآية أو الأسماء في كتاب الله على غير محملها لهو من قبيل تحريف الكلم عن مواضعه كما فعل اليهود من قبل { وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .} (المائدة 41)، {لَمْ يَأْتُوكَ } قوم يرفضون الإيمان، لم يلتقوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوا منه بل يرفضونه إصراراً على ما عندهم من الكفر. وإذا بلغ الإنسان أجله الذي أجل له وجاءته الملائكة يتوفونه بإذن ربهم وقضى الأمر فقد انطلق إلى الغيب الذي جاء منه وترك في الأرض سوأة في قبر إلى يوم القيامة {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. } (عبس 17-21).

يولد الإنسان في الأرض كما يولد النبات يمد جذوره في الأرض يمتص منها ماءها وغذاءها، ثم يموت فيعود إليها ويفرغ فيها كل ما امتصه منها.. فالإنسان والحيوان والنبات في طرف والأرض بأقواتها في طرف آخر.. وينقص من الأرض ما يذهب منها لغذاء الإنسان والحيوان والنبات في طرف، وينقص من الإنسان والحيوان والنبات ما يعود إلى الأرض بالقبر في الطرف الآخر في معادلة متوازنة دائبة لا تنقطع لحظة واحدة من الليل أو النهار.. ولذلك جاءت الإشارة إلى هذه الظاهرة في كتاب الله بالفعل المضارع { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ .} (الأنبياء 44)، إنهم يرون ذلك رأي العين في كل لحظة كما رأوه من قبل في حركة دائبة بين طرفي الأرض الإنسان والحيوان والنبات في طرفها العلوي والماء والغذاء في طرفها الآخر { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .} (الرعب 41).

ومع ذلك فلننظر كيف يؤول المجتهدون كتاب الله.. يقول البيضاوي ننقصها من أطرافها بما نفتحه على المسلمين منها وتسليط المسلمين عليها، ويؤيده في ذلك الحسن والضحاك إذ قالا ننقصها من أطرافها بظهور المسلمين على المشركين فيها.. وينسب إلى ابن عباس أنه قال في تأويل هذه الآية إنه خراب الأرض بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، كما ينسب إليه في رواية أخرى أنه قال إن الله ينقص الأرض من أطرافها وهو يفتح لمحمد الأرض بعد الأرض، وفي رواية ثالثة لابن عباس أنه قال تنتقص الأرض من أطرافها بنقصان أهلها وبركاتها.. هذه ثلاث روايات يثبتها المفسرون لفقيه واحد، ولا يمكن لفقيه مثل ابن عباس رحمه الله أن يؤول الآية الواحدة على ثلاثة أوجه.. وكذلك تنسب إلى مجاهد في تأويل هذه الآية الكريمة روايتان الأولى قوله إنه نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض والرواية الثانية قوله بل إنه موت العلماء.. وينسب إلى الشعبي أنه قال لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك ولكن تنقص الأنفس والثمرات.. وينسب إلى عكرمة أنه قال لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكاناً تقعد فيه ولكن هو الموت.. وينسب إلى ابن جرير أنه قال تنقص الأرض من أطرافها بظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية.

وإنما يختلف المجتهدون في تأويل الآية إذا قرأوها غير مفسرة ومكملة ومبينة بأخواتها في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير { وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً . }(نوح 17-18)، الإنسان وجميع الكائنات الحية والنبات يمتص ماءه وطعامه من الأرض ثم يعود فيها.. لا يعود إليها.. بل يعود فيها.. ليفرغ كل ما امتصه منها { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى .} (طه 55). أخذ وعطاء دائبين بين طرف الأرض العلوي من الإنسان والكائنات الحية والنبات وبين طرف الأرض السفلي من الماء والغذاء.. فما ينقص من طرف يزيد في الطرف الأخر إلى يوم القيامة في حركة لا تنقطع لحظة واحدة من الليل أو النهار.. وذلك بأمر الله يوم هبط الإنسان هذه الأرض { قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ . قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ .} (الأعراف 24-25)، وكذلك يتم الله كلماته بآيات مبينات لا يكف عطاؤها ولا ينفد بيانها.. فهي النور من رب العالمين إذا اتبعه المؤمن أراه منها بينات ما كان يغفل عنه { أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً . أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً .} (المرسلات 25-26). الكفت في الأصل هي القدر الصغيرة، والوئية هي القدر الكبيرة كما جاء في تاج العروس للإمام الزبيدي رحمه الله.. والكفيت هي الجراب التي لا يضيع شيء مما يجعل فيها.. والكفت هي تقليب الشيء ظهراً لبطن.. وكذلك الأرض كالقدر الصغيرة لا يظهر عليها من شيء حتى ينقلب في بطنها دون أن يضيع منها شيء.. ينبت كل شيء من الأرض نباتاً ثم يعود أدراجه فيها أمواتاً.. منها خلق كل شيء وفيها يعود كل شيء.. فهي كفاتاً أحياء وأمواتاً.. ولا يختلف المجتهدون في تأويل هذه الآية الكريمة فقد اتفق كل من مجاهد وقتاده والشعبي على أن الأرض كفات بطنها للأموات وظهرها للأحياء، وينسب إلى مجاهد أنه قال يكفت الميت فلا يرى منه شيء.. وينسب إلى الشعبي أنه كان بظهر الكوفة فالتفت إلى بيوتها فقال هذه كفات الأحياء، ثم التفت إلى المقبرة فقال وهذه كفات الأموات.. وجاء في تفسير البيضاوي أن الكافته اسم لما يكفت أي يضم ويجمع كالضمام والجماع اسم لما يضم ويجمع، والكفت هو الوعاء أجري على الأرض باعتبار أقطارها.

وإن الأرض لوعاء صغيرة يكفت فيها الأحياء والأموات في معادلة دقيقة بين طرفين لا تنقص من طرفها إلا لتعوض ما نقص في الطرف الآخر { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ .} (ق 4)، وإذا جاء الموت فلسوف يعلم الإنسان ما كان من أمره حين يأتيه الملائكة يقولون سلام عليكم.. أو يضربون وجهه ودبره.. أو يقولون له أخرج نفسك اليوم تجزى عذاب الهون بما كنت تستكبر في الأرض بغير الحق.

وينبغي للمؤمنين الذين يؤمنون بآيات ربهم إذا جاءهم الموت أن يتذكروا أن الله تبارك وتعالى قد فرض عليهم الوصية للوالدين والأقربين.. وعلى المؤمنين من بعدهم أن ينفذوا وصيتهم ولا يعترضن أحدهم عليها بدعوى أنها صدرت في مرض الموت فإن أحداً لا يدري بأمر الإنسان إذا جاءه الموت { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ . فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 180، 181).

كل نفس آتيها ضيف الموت المكرمون.. ولكل نفس مع الضيف حديث قويم لا تنفع فيه المداهنة ولا تجدي معه مواربة المواربين.. حديث بالحق المبين وبالقول الصادق بحسابات دقيقة مما كان من العمل في الحياة الدنيا من قبل.. ولذلك كانت وصية آبائنا من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن نعد أنفسنا لاستقبال الضيف في كل حين بالإسلام لله رب العالمين على دين قيم ملة إبراهيم حنيفاً لا يستنبط من الأرض ولا يؤول بأقوال البشر بل يتلقاه المؤمن وحياً طهوراً بكلمات الله وحده لا شريك له { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ .} (البقرة 132).

ينبغي للمسلم أن يحذر ضيف الموت بأكثر مما يحذر من الموت نفسه { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (الجمعة 8). إن الله سبحانه وتعالى ليسخر من القوم الذين يحذرون الموت ولا يحذرون ضيف الموت المكرمين في آية بالغة تضع هؤلاء القوم أمام بصر المؤمن حتى إنه ليراهم رأي العين في ذعرهم وهلعهم فيسخر منهم أحياءً وأمواتاً { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ . }(البقرة 243).

وإذا جاء الموت فإنه يأتي مع سكرة بالحق { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ .} (ق 19). ويشعر به الإنسان في حلقه قريباً من الترقوتين { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ .} (الواقعة 83-85). ومع غيبة الإنسان عمن حوله في سكرة الموت، وذلك المجهول الذي أصبح يحس به ويلمسه في حلقه وضيف الموت المكرمون من حوله فإنه يشعر بشيء آخر في ساقه لا عهد له به {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ . وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ . وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ . وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ .} (القيامة 26-30). عن علي بن أبي طلحة عن ابن طلحة عن ابن عباس أنه قال التفت عليه الدنيا والآخرة، آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله.. وقال عكرمة إلتفّ الأمر العظيم بالأمر العظيم.. وقال مجاهد التف البلاء بالبلاء.. وقال الحسن البصري الساق اليمنى إذا التفت بالساق اليسرى، وفي رواية أخرى أنه قال رجلاه لم تحملاه وكان عليها جوالاً.. وأيد الحسن البصري في روايته الأخيرة السدى في رواية له عن أبي مالك.. وقال الضحاك اجتمع عليه أمران الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه.. وقال البيضاوي التوت ساقه بساقه فلا يقدر على تحريكهما، أو شدة فراق الدنيا بشدة خوف الآخرة.

ذلك ما يجتهده المجتهدون في قوله تبارك وتعالى { والتفت الساق بالساق } وينبغي أن ندرس الآية بحسب مساقها في كتاب الله مبينة بأخواتها في الكتاب كله لا تفريط في كلماته ولن تجد من دونها مفسراً. لف الشيء بالشيء إذ ضمه وجمعه ضد نشره، ومنه قوله تبارك وتعالى { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً .} (الإسراء 104). أي جمعاً مختلطاً ومنه قوله تبارك وتعالى { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً .} (النبأ 16)، أي بساتين يختلط شجرها ونباتها بعضه ببعض.. وجاء تاج العروس بعدة استعمالات لهذه الكلمة في اللسان العربي قال لف يلفه لفاً إذا خلط بينه كما قال ابن دريد (ولكم لففت كتيبة بكتيبة) أي خلط بينهما بالحرب، ولف حقه أي منعه الحق، لف الطعام إذا أكله فلم يبق منه شيئاً، لف الشيء بالشيء إذا ضمه وجمعه، واللفف أن يلتوي عرق في ساعد العامل فيعطله عن العمل، ولفلف البعير إذا اضطرب ساعده من التواء عرق فيه.

بين أيدينا رجل في سكرة الموت لا نبصر من أمره مع الضيف الذي جاءه ولا نسمع منه شيئاً.. إنه طريح الفراش لا يقدر على شيء.. فما الذي يمنعه من الحركة بعد أن كان جوالاً كما يقول الحسن البصري وأبو مالك في روايته عن السدى.. إنه التقلص الذي أصابه في ساقه اليمني كما أصابه في ساقه اليسرى فجمع بينهما وخلط الواحدة بالأخرى وكأنها عضلة واحدة مشدودة.. عضلة معطلة لا نشور لها.. فلا مساق من بعد الضيف على ساق بل إلى ربك يومئذ المساق { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى . وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى . ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى . أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى .} (القيامة 32-36) الأولى للإنسان أن يحذر المساق بغير ساق.. قبل أن يتولى على ساقه يتمطى مكذباً معرضاً عن ذكر الله رب العالمين.

إذا جاء الإنسان إلى الحياة الدنيا بالولادة فقد جاء من الغيب إلى الشهادة أو خرج من الموت إلى الحياة، وإذا ذهب الإنسان من الحياة الدنيا بالوفاة فقد جاء إلى الغيب من الشهادة أو خرج من الحياة إلى الموت { إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ } (الأنعام 95) { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ .} (الروم 19) ولكن هل كل الأحياء في الحياة الدنيا أحياء عند ربهم.. الذين آمنوا لهم البشري في الحياة الدنيا.. والذين كفروا لهم فيها متاع { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .} (يونس 62-64) { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ . مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ . }(يونس 69-70) وشتان بين البشري وبين المتاع.. المؤمن الذي يتلقى الإيمان وحياً من ربه يعيش حياته مستبشراً إلى الأجل المسمى الذي أجل له، وأما الكافر الذي حجب نفسه عن نور الله فهو في الظلمات يلتقط متاعه إلى أجله المسمى كما تلتقط الأنعام متاعها { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (الأنعام 122).

والغيب بالموت كالنوم سواء سواء { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .} (الزمر 42) نام أصحاب الكهف ثلثمائة سنين وازدادوا تسعاً فلما بعثهم الله {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } (الكهف 19) ومات ذلك الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها مائة عام فلما بعثه الله {قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } (البقرة 259) وإذا نام الإنسان وقام من نومه فلن يشعر بما كان مستغرقاً فيه من النوم إلا إذا نبأه الأحياء من حوله أو نظر إلى ساعته.. فإذا كان الناس قد خلقوا جميعاً في لحظة واحدة ليحتمل كل منهم أمانته إلى أجله المسمى وليشهد بين يدي الله إنه سبحانه وتعالى هو ربه الأعلى.. ثم قال لهم الله موتوا ليبعثهم من بعد ذلك بعضهم عدو لبعض ليبلو الله أماناتهم في الحياة الدنيا.. ثم يخرجهم من الحياة إلى الموت مرة ثانية حتى يبعثوا جميعاً كما خلقهم أول مرة على صعيد واحد وفي لحظة واحدة.. فإن الناس جميعاً قد تساووا في علم الله، ولم يختلفوا إلا في مشهد الحياة الدنيا بعضهم بلغ أشده وبعضهم توفي من قبل وبعضهم رد إلى أرذل العمر كل إلى أجله المسمى الذي سمى له.

سواء من نام بضع ساعات أو ثلثمائة سنين أو مات مائة عام، فإنه في حالة اليقظة لن يشعر أحد بما كان مستغرقاً فيه.. لأنه كان في الغيب.. ولا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله.. أما إذا بعث الناس في الآخرة فإنهم سيدركون الأمر من فورهم ويقول الذين كفروا من قبل { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ.} (غافر 11) وربما قال لهم الذين آمنوا ألم يقل لكم ربكم { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (البقرة 28) كان الإنسان ميتاً قبل أن يولد في الحياة الدنيا.. ولا يكون موت إلا من بعد حياة علمها عند الله في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.. ولكن الموت كالنوم لا أحد يشعر بما كان مستغرقاً فيه إلا أن ينبئه الله به سبحانه وتعالى هو الحي الذي لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم.

وينبغي ألا تتأثر حياة المؤمنين الخاصة أو العامة بموت أحد من رجالهم مهماً بلغ شأنه.. لأنه ومهما يكن من أمره فلن يبلغ درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء من حيث علمه أو إيمانه أو ولايته أو حكمته أو حرصه على المؤمنين.. وقد حذر الله تبارك وتعالى المؤمنين من بعده وأمرهم أن يثبتوا وألا يبدلوا { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ .} (آل عمران 144).

لا شيء ينفع من بعد الموت إلا الصلاة على الموتى بذكرهم والاستغفار لهم وليس بإقامة الصلاة عليهم بأي حركة من حركاتها لا قياماً ولا ركوعاً ولا سجوداً بل ابتهالاً إلى الله أن يصلهم بفضله وإحسانه.. ولا شيء ينفع من بعد الموت إلا القيام على قبورهم تحية مباركة من عند الله وذكر الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ .} (التوبة 84) استثناء ممن تجب الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لا صلاة على الذين كفروا بالله ورسوله ولا قيام على قبورهم، أما الذين آمنوا بالله ورسوله وماتوا وهم مؤمنون فأولئك لا يمنع الله رسوله من الصلاة عليهم أو القيام على قبورهم.

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالصلاة عليه وأولى الناس بالقيام على قبره.. ولذلك رأينا أنه واجب على الحاج ألا يعود من الحج حتى يقوم على قبر رسول الله في يثرب ويصلي عليه ويسلم تسليماً { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } (الأحزاب 6) وإذا كانت الصلاة على النبي واجبة له بتعظيمه وتوقيره، فإنها واجبه كذلك لأزواجه صلى الله عليه وسلم .. فهن أهل البيت رحمة الله وبركاته عليهن جميعاً، وهن أمهات المؤمنين.. فمن كان مؤمناً فليهجر حديث الإفك ولا يذكر أمهاته بأسماء لا علم لنا بها ولا لآبائنا.. ألم ير الذين آمنوا أنهم يتحرجون إذا سألهم أحد عن أسماء أمهاتهم أو عن أي شأن من شؤونهن، فما بالهم يتحدثون عن أمهات المؤمنين حديثاً ما كان ليليق بأهل البيت ولا بعظمة رسول الله ولا بمن جعلهن الله في كتابه أمهات خالدات للمؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الناس درجات عند ربهم سواء في الحياة الدنيا أم في الموت كما إنهم درجات عند ربهم في الآخرة.. وربما كان الموت في سبيل الله أفضل درجات الموت عند الله.. فالذي يموت في سبيل الله إنما يؤثر الله على نفسه وعلى الحياة الدنيا وعلى كل شيء.. { وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ .} (آل عمران 158) وإنما ينال هذه الدرجة من مات أو قتل في سبيل الله وليس كل من مات أو قتل في معارك الحياة الدنيا أو ذهب ضحية حرب من حروبها.. إذا كانت الحرب في سبيل الله وخاض المؤمنون معاركها وهم يعلمون أنهم إنما يخوضون حرباً في سبيل الله فأولئك يموتون أو يقتلون في سبيل الله.. أما إذا خرج الناس بطراً يقاتلون الناس بغير حق طمعاً في ديارهم أو أموالهم ودون أن يكون أحد قد بادرهم بعدوان أو ظاهر عليهم أو على إخراجهم فأولئك إنما يموتون في سبيل الطاغوت.. لقد علم المؤمنون أنه لا إكراه في الدين وأنه لا جدل في الدين إلا بالحسنى وأنه لا عدوان إلا على من اعتدى حتى يجنح المعتدي إلى السلم فإذا جنح لها فلا عدوان إلا على الظالمين.

ويبين الله تبارك وتعالى من رحمته أنه يكفي مجرد العزم على الخروج في سبيل الله فإذا مات دون ذلك فقد حفظ الله أجره على ما خرج عليه { وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً . } (النساء 100).

وماذا على الإنسان لو أخلص حياته ومماته لله الذي خلقه إلى أجل مسمى ثم يميته في أجله المسمى.. إذا بخل الإنسان بحياته وحرص على الحياة الدنيا فقعد عن القول والعمل في سبيل الله حذر الموت فهو بذلك إنما يحرص على متاع قليل كمتاع الأنعام والنار مثوى له {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً . قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً .} (الأحزاب 16، 17). { قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (الحجة 8).

وإن حديث الموت في الكتاب كأي حديث في القرآن لا تفرغ آياته ولا ينفد عطاؤه.. ولكننا نختم هذا الحديث بقضية يحتدم فيها الجدل ويذهب المجتهدون في أمرها مذاهب شتى.. عيسى عليه السلام وفىَّ أيامه من الحياة الدنيا فرفعه الله إليه قبل أن تصل إليه يد بالقتل أو بالصلب. هذا ما علّمنا ربنا.. وسبحان الله لا علم لنا إلا ما علمنا ربنا هو ولينا وعليه فليتوكل المؤمنون { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً . بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً .} (النساء 157-159). وبكل وضوح المجتهد والتزامه بمواضع القرآن يقول البيضاوي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية (وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به فقوله ليؤمنن به جملة تسمية وقعت صفة لأحد ويعود إليه الضمير الثاني والأول لعيسى عليه الصلاة والسلام والمعنى ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن بأن عيسى عبد الله ورسوله قبل أن يموت ولو حين أن تزهق روحه ولا ينفعه إيمانه) هذا ما اعتمده البيضاوي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية الكريمة ثم أشار من بعد ذلك إلى ما ذهب إليه الآخرون في تأويلهم وأحاديثهم إشارة عابرة دون أن يرهق الباحث من أمره عسراً.. أما التفسير الذي ينسب إلى ابن كثير فقد جاء بالكثير من القصص والأساطير التي قيلت في تأويل هذه الآية الكريمة.. وإنما نتوقف عند قوله (حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن حصين عن سعد بن جبير عن ابن عباس { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } (النساء 159) قال قبل موت عيسى عليه السلام وقوله (قال الضحاك عن ابن عباس يعني اليهود خاصة) وقوله (روى سفيان الثوري عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى عليه السلام وإن يضرب بالسيف تكلم به وإن هوى تكلم به وهو يهوى) المصدر واحد وهو ابن عباس والرواة من بعده يختلفون عبد الرحمن وسفيان وأبو حصين وسعد بن جبير يقولون قال ابن عباس قبل موت عيسى عليه السلام.. والضحاك وسفيان الثوري وخصيف وعكرمة يقولون كلا بل قال ابن عباس لا يموت اليهودي حتى يؤمن بعيسى عليه السلام.

لذلك كنا نقول دائماً إننا لا نكذب هؤلاء ولا نشك في صدقهم.. بل الشك كل الشك في الرواة من بعدهم والذين يكتبون الكتب عنهم.. لقد علمنا أنه لا تموت نفس المؤمن أو الكافر حتى يأتيها ضيف الموت.. ورأينا أن للضيف حديثاً يسراً أو عسراً.. ولقد كان عيسى ابن مريم عليه السلام آية للناس في الأرض جاء مصدقاً بموسى ومبشراً بمحمد عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً فكان بذلك صلة التوراة والإنجيل والقرآن.

فإذا كان لعيسى عليه السلام هذا الشأن في دين الله فما كان للناس عجباً أن يكون عليه السلام موضوعاً لسؤال أهل الكتاب حين يأتيهم ضيف الموت المكرمون. ربما يقال لهم ما جاءكم عيسى ابن مريم إلا بالحق من ربكم مصدقاً ومبشراً بالقرآن ومنزلاً بالإنجيل فأين أنتم من ذكر ربكم.. أو يقال لهم لقد استحفظتم على التوراة فلم تحفظوها ثم استحفظكم عيسى عليه السلام على الإنجيل بأمر ربكم وبشركم فيه بالقرآن من بعده فأعرضتم ولم تؤمنوا بالله ورسله.. لا تعلم نفس ما عسى أن يسأل ضيف الموت نفساً حين موتها.. ولكن ما من شك أن عيسى عليه السلام سيكون موضوعاً ذا شأن لسؤال أهل الكتاب حين موتهم سواء من يهود أو من نصارى وهنالك يؤمنون بحديثه عليه السلام الذي أثبته الله في كتابه الذي بشر به بقوله تبارك وتعالى { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } (الصف 6).

لقد اختلف أهل الكتاب وتفرقوا بعد أن قامت عليهم الحجة بكلمات الله { َمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } (آل عمران 19). { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } (الشورى 14).

رأينا أن حنيفة إبراهيم عليه السلام والنبيين من بعده والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة أنهم يوجهون وجوههم لله الذي فطر السماوات والأرض فلا يلتفتون إلى أحد من دونه ولا يطيعون في دينه أحداً قال إبراهيم عليه السلام { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (الأنعام 79). هذه هي حنيفة إبراهيم عليه السلام وجهه إلى السماء بقلب مفتوح يتلقى العلم من ربه ولا يشرك في علمه شيئاً من الأرض.. وهو عليه السلام لم يصل إلى ذلك إلا بعد أن علم أنه لن يصل إلى الله بعلمه ولا بعلم أحد ممن حوله في الأرض، بل الله سبحانه وتعالى إن شاء هداه إليه وعلمه كيف يتقرب إليه.. قال عليه السلام {لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .} (الأنعام 77). فلما جاء محمد عليه السلام وعلمه ربه حنيفة إبراهيم عليه السلام قال {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي } (الأعراف 203). فمن اتبع الوحي فقد اتبع حنيفة إبراهيم ومحمد والنبيين من ربهم عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً.. ومن أعرض عن الوحي أو أشرك به شيئاً فأولئك الذين يختلفون ويتفرقون من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم.

في دلالة واضحة على أن الإنسان يستطيع أن يصل بعلمه أو بعلم غيره من الناس إلى أي شيء في الأرض أو فيما عسى أن يصل إليه في ملكوت السماوات والأرض.. ولكنه لا يستطيع أبداً أن يصل إلى رب السماوات السبع ورب العرش العظيم إلا بعلم الله وبمقدار ما يوحى به سبحانه وتعالى إلى عباده بقول الله تبارك وتعالى { قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ . قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ . قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ .} (المؤمنون 84-89). ثلاثة أسئلة السؤال الأول عن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون.. والسؤال الثالث عن ملكوت كل شيء إن كنتم تعلمون.. ذلك مما قد يعلمه بعض الناس أو لا يعلمون منه شيئاً فلذلك تستقيم المجادلة على أساس ما لديهم من العلم { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .} أما السؤال الثاني فلا علم لأحد به إلا بمقدار ما يوحى به الله تبارك وتعالى لأنه يتعلق بذاته جل جلاله { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } لا جدل في الله إلا بعلمه وبمقدار ما يوحي به إلى عباده، ولا يعلم أحد من أمر الله شيئاً إلا بوحيه فأصبح من المسلّم به أنه لا علم لأحد من الإنس أو الجن أو الملائكة أو النبيين بذاته سبحانه إلا بمقدار ما يوحي به لمن يشاء بما يريد.

لذلك كان الخروج عن الوحي أو هجره أو استبداله أو انتقاصه أو الإضافة عليه أو المساس به ولو بقدر يسير ارتداداً إلى التفرق والاختلاف والعذاب الشديد { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً . وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً . إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً .} (الإسراء 73-75). هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يفترون عليه الأحاديث والروايات لا يجد له من بين يديه ولا من خلفه بديلاً عن الوحي.. يستوي عنده صلى الله عليه وسلم أن يتخذه الناس عدواً أو يتخذونه خليلاً في الوحي.. لأنه يعلم من ربه أنه إذا لم يثبت على الوحي وجاء الناسيركن إليهم ولو شيئاً قليلاً فإن جزاءه ضعف الحياة وضعف المماة ثم لا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً.

وإذا كان أهل الكتاب سيسألون عن عيسى عليه السلام لأنه كان صلة التوراة بالقرآن.. فما ظن أهل القرآن بسؤالهم حين الموت عن القرآن الذي جاءهم برسالة موسى وعيسى والنبيين من قبلهما قائماً بالحجة البالغة ومبيناً ومفصلاً ومفسراً من لدن حكيم خبير.. ألا يعلم أولئك أنهم آتيهم ضيف الموت المكرمون.

{ كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ . وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ . وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ . وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ. } (القيامة 26-30). لا سعى بعد الضيف على ساق.. لا ينفع مع الضيف جدل إلا بالوحي لمن آمن به من قبل ولم يعدل عنه في شيء.. لا يقبل الضيف عذراً بالجهل فما ينبغي للإنسان أن تشغله الحياة الدنيا عن تعلم الوحي.. لا يقبل الضيف عذراً بالاستضعاف في الأرض فقد كانت أرض الله واسعة لمن يهاجر فيها.. لا يقبل الضيف عذراً بطاعة السادة والكبراء فليس أكبر من الله وكلماته من شيء في الأرض ولا في السماء.. المعذرون يضربون على وجوههم وعلى أدبارهم والذين كذبوا على ربهم يتقيأون أنفسهم بين يدي ضيف لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

{ حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .} (المؤمنون 99، 100). إنه الذهاب بغير عودة إلا يوم يقوم الناس لرب العالمين.. ذهاب كل نفس بما عملت ليوزن كل شيء بمثقال الذرة يوم القيامة.. ذهاب لا ينفع من بعده مال ولا بنون ولا أهل ولا عشيرة ولا سادة ولا كبراء.. ذهاب كذهاب قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم صالح وأصحاب الأيكة وفرعون وهامان وقارون والذين من بعدهم { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً .} (مريم 98).


     
     

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home