Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Tuesday, 25 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (6)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ . } (العنكبوت 45).

إقامة الصلاة

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } ، (البقرة 186). الله الذي خلق فهدى وأمات وأحيا قريب من خلقه، ولا وجود لمخلوق إلا بخالق يعلمُ سره ومستودعه ويقدر له رزقه ويبين له سبل نجاته ويحذره من عثرات طريقه. من أجل ذلك كانت دعوة الخالق العظيم إلى جميع عباده أن يقتربوا إليه وألا يطيعوا من دونه أحداً { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ .} (العلق 19)، فالإنسان هو الذي يُدعى إلى الاقتراب من ربه وليس له أن يدعو ربه إلىالاقتراب منه لأنه سبحانه وتعالى قريب من عباده. الله سبحانه وتعالى أقرب إلى الإنسان من الماء الذي يحيا به، لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أنزله إليه ويسره من بين يديه ومن خلفه. الله سبحانه وتعالى أقرب إلى الإنسان من الهواء الذي أحاطه به حيثما تولى في الأرض أو في السماء، لأنه سبحانه وتعالى هو الذي صنعه دولة بينه وبين نبات الأرض وحفظه له قريباً من رئتيه موزوناً بغير أجر ميسراً بغير جهد أو عناء.

ولقد نرى أن الاقتراب هو أساس العلاقة بين الخالق والمخلوق.. ولقد نجد عذراً للإنسان أن يبتعد عمن يبتعد عنه.. فما باله يبتعد عمن هو أقرب إليه من حبل الوريد.. لا يصله بالماء والهواء فحسب.. بل مهد الأرض من تحته مستقراً ورزقه من الطيبات وأنزل عليه لباساً يواري سوآته وجعل له السمع والبصر والأفئدة وعلمه ما لم يكن يعلم من أمره شيئاً وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار.

ويتجلى الاقتراب في كل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه من الأعمال الصالحة إذا كان يبتغي بها وجه الله ومرضاته في خشوع الذين لا يخافون إلا الله ولا يطمعون إلا في رحمته تبارك وتعالى، ومن الباقيات الصالحات عند ربك إقامة الصلاة بقيامها وركوعها وسجودها خالصة لله في مواقيتها كما بينها الله في كتابه تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء. من أقامها فقد أقام سنة من سنن الله التي فرضها على عباده من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.. أقامها إبراهيم ولوط واسحق ويعقوب عليهم السلام { قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين. ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكات وكانوا لنا عابدين } (الأنبياء 69-73). وحافظ عليها زكريا عليه السلام { فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } (آل عمران 39). وأمر الله بها موسى عليه السلام { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي .} (طه 14)، وأوصى بها الله تبارك وتعالى رسوله عيسى عليه السلام { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً . وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً . } (مريم 30-31). وأوصى بها لقمان ابنه وهو يعظه { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . } ، (لقمان 17).

والصلاة من الصلة فإقامتها صلة بين المؤمن وربه، كما أن الرحمة هي صلة الله وملائكته بعباده المؤمنين { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً .} (الأحزاب 43)، وكذلك فإن الله سبحانه لما بعث نبيه محمد عليه السلام بالهدى ودين الحق فقد جعله من رحمته رحيماً بالمؤمنين رؤوفاً بهم، لذلك فقد أوصاه بأن يصلي عليهم بالدعاء والاستغفار لهم وبتلاوة الذكر الحكيم عليهم وبيانه لهم { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} (التوبة 103) وبالتالي فقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يصلوا على رسوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيم} (الأحزاب 56).

يتحدد بذلك مفهوم الصلاة بمعناها العام فهي صلة الله بعباده يصلهم برحمته وغفرانه وعفوه وهداه ورزقه ورضوانه وسائر ما يمن به على عباده من فضله، وهي صلة ملائكة الرحمن بخلقه يصلونهم بالدعاء والاستغفار لهم ليخرجهم الله من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان والقرآن، وهي صلة الله وملائكته بنبيه أيده الله ونصره بهم وأظهره تعالى على أعدائه بجند مؤلفة منهم وما يزال عز وعلا هو وملائكته يصلونه صلى الله عليه وسلم برحمته التي وسعت كل شيء، وهي صلة النبي باتباعه بين لهم ما أنزل إليهم من ربهم وتولى أمرهم باللين والرأفة والرحمة، وهي واجبة على المؤمنين إلى يوم البعث للرسول صلى الله عليه وسلم بالسلام عليه واتباع ما أنزل إليه والإقتداء به والإيمان به نبياً مرسلاً وأميناً صادقاً وحبه حباً لا يفوقه إلا حبه تبارك وتعالى علواً كبيراً.

وأما إقامة الصلاة فهي صلة المخلوق بخالقه في عبادة متصلة خالصة لذكره حتى لا تنفك العروة الوثقى التي فرضها الله لعباده في الأرض { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي . } (طه 14). ولقد فرضت على الأنبياء جميعاً كما فرضت على من آمن بهم، وكذلك فرضها الله على نبيه وأوحى إليه في كتابه العزيز بفرضها على عباده المؤمنين موقوته بمواقيتها دائمة بدوام وجودهم في الأرض لا استثناء فيها على الإطلاق لا بالعذر ولا بغير العذر كل بحسب استطاعته وبقدر ما يتيسر له من وسعه، فالله سبحانه وتعالى الذي أوجبها بقوله { فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً } (النساء 103). لم يستثن منها ذكراً ولا أنثى بأي عذر من الأعذار إنه سبحانه هو الحكيم العليم.

{ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ . } (الروم 17، 18).

تستهل هذه الآية الكريمة بالإشارة إلى صلوات المساء { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } أي حال غياب الشمس- ثم تحدد بالتفصيل مواقيت الصلاة حال ظهورها وهي ثلاث : الصبح ويبدأ بشروق الشمس وانتشار ضوئها { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } والظهر ويبدأ بانتصاف الشمس في كبد السماء وهو ما يمكن أن يعبر عنه بلحظة انعدام الظل أو تضاؤله { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } والعصر أو العشي ويبدأ حين تميل الشمس نحو الغروب بزاوية يتساوى فيها ظل الأشياء العمودية بطولها { وعشياً } . ولا يصح الاختلاف حول ما يجب من صلاة الفجر والصبح لنجعل من أحدهما فرضاً ومن الآخر سنة بما ينتهي بالمسلم أن يركن إلى نومه يغط فيه غطيطاً من بعد شروق الشمس بمقولة أن صلاة الفجر من النفل الذي يجوز أداؤه مع الصبح أو الصبح مع الفجر من بعد شروق الشمس، إن كلتا الصلاتين فرض على كل مسلم ومسلمة وعلى أي حال فإن المسلمين يحافظون على صلاة الصبح في ميقاتها الصحيح مرتين في السنة صباح عيد الفطر وصباح عيد الأضحى في صلاة جامعة بالمساجد ومن بعد صلاة الفجر، فتلك هي صلاة الصبح ولا نجد للمسلم عيداً في القرآن إلا يوم يقوم بعمل صالح.

وبتلاوة سورة الروم نجد من بعد هاتين الآيتين الكريمتين أن الله تبارك وتعالى يتجلى على عباده بآياته فيقول { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ .} (الروم 19، 20) إلى قوله تعالى { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . } (الروم 30، 31). وبتدبر هذه الآيات نجد أن الله تبارك وتعالى يحدد مواقيت تسبيحه وحمده { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } هذه مواقيت للناس لأن الناس هم المخاطبون بالقرآن الكريم، ثم ترد آيات الله من بعد في حديث عن عظمته وجلال ذاته تبارك وتعالى علواً كبيراً { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ . وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ . وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ . وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ . وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ .} .

آيات عظام ومثل أعلى الآية منها كفيلة بإخضاع الأعناق في قنوت لرب العالمين الذي خضعت لذاته كل هذه الآيات سبحانه له المثل الأعلى في السماوات والأرض، لا شريك له، لذلك وعطفاً على المواقيت التي سبقت الإشارة إليها حال غياب الشمس وتفصيلاً لحالات ظهورها كل وقت في موعده وحينه وجب على المسلم أن يلبي نداء ربه إذ يأمره تبارك وتعالى بقوله : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . } .

وهكذا ترتبط هذه الآيات الكريمة بوحدة موضوعية يتجلى فيها إعجاز القرآن كما يتجلى في كل حرف من أحرفه بدعوة البشر إلى مواقيت الصلاة خالصة لله تبارك وتعالى واجبة له على عباده منيبين إليه ابتغاء مرضاته معتصمين بذاته في عروة وثقى لا انفصام لها.

ورد في تفسير القاضي ناصر الدين البيضاوي لهذه الآية الكريمة أن ابن عباس رحمهما الله قال إن هذه الآية الكريمة جامعة للصلوات الخمس تمسون صلاتا المغرب والعشاء وتصبحون صلاة الفجر وعشياً صلاة العصر وتظهرون صلاة الظهر، ونرى في الذي أثبت في هذا التفسير وجهين (الأول) إن المساء هو فترة غياب الشمس وفيها صلاة متصلة مفروضة سواء بقيامها أو بذكر الله فيها لدلوك الشمس إلى غسق الليل وصلاة نافلة من الليل ثلثه أو نصفه أو ثلثيه وصلاة الفجر (ثانياً) إن الصبح شيء والفجر شيء آخر، فالصبح كما رأينا من الأوقات المفروضة والفجر كذلك صلاة مفروضة. والصبح لا يكون إلا بعد شروق الشمس ويبين ذلك من قوله تعالى { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ .} (الحجر 73). أي بعد شروق الشمس، وكان موعد هؤلاء في الصبح ولم يكن موعدهم الفجر كما أكدت ذلك آيتان مبينتان { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ. } (هود 81)، { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } (الحجر 66). { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } (الإسراء 78، 79). هذه هي صلوات المساء التي أشار الله تبارك وتعالى إليها بقوله { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ. } (الروم 17) وتجب الصلاة متصلة من بعد غياب الشمس إلى غسق الليل في صلة متصلة يخلد فيها المسلم إلى ذكر ربه بعد نشوره الطويل في النهار وقبل أن يخلد إلى سكونه ليلاً، ثم له إن شاء أن يتهجد بالليل نفلاً أو أن يهجع فيه ما شاء له الله أن يهجع قليلاً أو كثيراً، ثم تجب من بعدُ صلاة الفجر في ميقاتها بظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وسواء في صلاة الدلوك المفروضة فرضاً أم في صلاة التهجد في الليل نفلاً، فإننا نرى أنها وإن كانت صلاة متصلة بتواصل زمانها إلا إنها لا تعني إقامتها بقيامها وركوعها وسجودها فحسب بل وبتسبيح الله فيها وبحمده وباستغفاره وبتلاوة القرآن الكريم فكل ذلك مما تقتضيه الصلاة كلما فرغ المسلم من أدائها على وجهها.

تلك هي مواقيت الصلاة في القرآن الكريم، ولقد سبق علم الله بما يجادل فيه أناس من حديث الفجر فجاء تحديده في القرآن بالخيط من الخيط { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (البقرة 187)، فهذا هو الفجر الذي يبدأ بظهور الخيط الأبيض الأول من خيوط الليل السوداء، أو كما يصفه الفلكيون بأول ضوء.

وجلي أن لكل وقت من هذه الأوقات عدا صلاة الدلوك أجلاً يبدأ ببدايته وينتهي ببداية الوقت الذي يليه، والأولى بالمسلم أن ينحر صلاته فيأتيها في أول وقتها عملاً بقوله تعالى { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ . } (الكوثر 2).

ويقول الإمام الزبيدي رحمه الله صاحب تاج العروس نحر الصلاة بمعنى صلاها في أول وقتها، ونحن مع الإمام الزبيدي رحمه الله فيما ذهب إليه ذلك أن نحر الوقت هو أوله كقول العرب نحر النهار ونحر الشهر ونحر الظهيرة. ومع ذلك فقد قيل في تفسير هذه الآية الكريمة إن النحر في الصلاة إذا انتصب المصلي ونهد صدره، وقيل بل إذا وضع يمينه على شماله، وقيل إذا انتصب بنحره إزاء القبلة ولم يلتفت يميناً أو شمالاً، وقيل بل نحر البدن، كما قيل قصد بذلك الأمر بقتل الشهوة وكف النفس عن هواها. ولا يستقيم في سياق الآية وصياغتها بالنص الذي جاءت به من لدن حكيم خبير إلا ذلك الذي يراه الإمام الزبيدي رحمه الله.

أما بالنسبة لصلاة الدلوك فهي تتصل بالشمس من بعد غروبها إلى غسق الليل، والدلوك هو انتقال الشيء من موضع إلى موضع آخر، ومنه الدلك الذي لا يكون إلا بانتقال اليد وتحريكها وكذلك كل ما تركب من الدال واللام كدلج ودلح ودلع ودلف ودله، والشمس من بعد غروبها تنقل قوماً من النهار إلى الغسق في مركب الشفق وتنقل في نفس الوقت بل في اللحظة ذاتها قوماً آخرين من الليل إلى الصبح في مركب الفجر، وليس أعظم في دقة التعبير من اختيار هذه الكلمة الكريمة للدلالة على هذا المعنى العظيم في حركة الكون.

يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (كل صلاة بغير قراءة فهي خديج) خديج أي ناقصة، وربما كان هذا حديثاً صحيحاً لفصاحته وبيانه للقرآن. ذلك بأن الوصف على وزن فعيل لا يؤنث بالتاء، تقول هذه خديج ولا تقول (خديجة). والفاتحة من القرآن من قرأها في صلاته فصلاته صحيحة تامة، ومن قرأ غيرها مما تيسر له من القرآن فصلاته كذلك صحيحة تامة . جاء في كتاب (مختصر قيام الليل) لأبي عبدالله المرزوي المتوفي سنة 294هـ، الطبعة الأولى، سنة 1988، دار الطحاوي للنشر والتوزيع، الرياض ، صفحة 29 : (إحتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في فرض الصلوات المكتوبات بقوله تعالى { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } (المزمل 20) فأسقطوا فرض قراءة فاتحة الكتاب وقالوا إنما عليه أن يقرأ ما تيسر من القرآن ولا عليه ألا يقرأ بفاتحة الكتاب) هؤلاء نفر وصفهم المرزوي بأنهم من أصحاب الرأي ولم يذكر أن أحداً نسبهم إلى البدعة أو أتهمهم بالضلالة أو أقام عليهم النكير.

وتبدأ صلاة الدلوك مع الشفق الأحمر من غروب الشمس لقوله تعالى { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ. } وإنما يجب أن يخلد المصلون فيها إلى غسق الليل ، جاء في تفسير البيضاوي : (غسقت العين إذا إمتلأت دمعاً وغسقُ الليل إنصبابُ ظلامه) وفي حديث عمر بن الخطاب مما أثبته الزبيدي في تاج العروس : (غسق الليل على الظراب) أي إنصب على الجبال وغش عليها بظلمته.

والغسق في اللسان العربي هو السائل إذا إنصب، تقول غسقت العين إذا سال دمعها كقول شمر : (أبكي لفقدهم بعين غاسق)، ونقول غسقت السماء غسقاناً إذا إنصبت وأرشت، ونقول غسق اللبن غسقاً إنصب من الضرع، وكذلك غسق الليل إذا أرخى سدوله وصب خيوطه السوداء فغلبت وضح النهار، ولا يغير ذلك من طبيعة النهار في شيء حتى آخر ضوء من خيوطه البيضاء، فإذا انسلخ أخر ضوء فقد بدأ الليل فيفطر الصائم لقوله تعالى { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } (البقرة 187).

وجاء في كتاب (مختصر قيام الليل) للمرزوي –المرجع السابق- صفحة 38 : (كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء) وفي صفحة 87 من هذا الكتاب يقول المرزوي : (عن يزيد بن أبي حكيم قال رأيت سفيان الثوري كثيراً يصلي ما بين المغرب والعشاء) ويقول في صفحة 88 : (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : صلاة الأَّوابين الخلوة التي ما بين المغرب والعشاء) وقال في صفحة 89 : (عن الأسود رحمه الله قال : ما أتيت عبد الله بن مسعود رضى الله عنه في تلك الساعة –ما بين المغرب والعشاء- إلا وجدته يصلي).

هذه هي صلاة الأوَّابين التي يتخذونها هزواً هُجرت كما هُجر القرآن، وقالوا إن رسول صلى الله عليه وسلم ما كان يتهجد بالليل إلا بعشر ركعات في رمضان وفي غير رمضان، وما جعلها عشرين ركعة في (تراويح) رمضان إلا عمر بن الخطاب، ونسوا حظاً مما ذكروا به في كتاب ربهم بشهادة الله سبحانه العليم الخبير { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } (المزمل 20) وكذلك يستمسكون بكتب السيرة ويهجرون القرآن الكريم الذي أنزل إليهم شاهداً عليهم بالحق. فسيقولون ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ونقول سواء قاله أو لم يقله فإن أحداً منا لم ير رسول الله بالحق كما يراه في القرآن { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً . } (النساء 87)، ويقولون إن صلاة (التراويح) من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولقد حدثنا الله عز وجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم الصلاة ثلث الليل أو نصفه أو أدنى من الثلثين كل ليلة في رمضان وفي غير رمضان تهجداً، وكان يقتدى به في هذه الصلاة طائفة من المؤمنين { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ } ، هذا من سنن الرسول وسنن الصحابة بقول الحق من الله تبارك وتعالى { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } ، (النساء 122)، أما (التراويح) فقد أثبت الإمام الكنوي في كتابه إقامة الحجة صفحة 33 أن (الاجتماع في ليالي رمضان لعشرين ركعة من التراويح حدث في زمان عمر، وقال عمر: نعمت البدعة هي).

أما صلاة التهجد ليلاً فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها، لقد أمره الله بها وحبب إلى المسلمين الإقتداء به في إحيائها { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً .} (المزمل 1-4) إلى قوله تعالى { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَك } ، وهذا مثال من سننه صلى الله عليه وسلم يسوقه الله عز وجل إلى الذين يتساءلون عن السنة فيثبتها في كتابه العزيز، ويذكر المؤمنين بأن بعضَ مَن اتبعوه رضوان الله عليهم كانوا يقتدون به ويصلون معه صلاة التهجد ليلاَ بما لا يقل عن ثلث الليل يثبت الله سنة نبيه في الكتاب ويفصلها تفصيلاً بما لا يترك للمؤمن مجالاً للشك في أن صغيرة أو كبيرة في الدين ليست قائمة شامخة في القرآن مفسرة ميسرة في آيات مبينة في سوره تبياناً ضافياً وافياً كافياً.

سألني صاحبي أئنك لتجد كل صغيرة وكبيرة في القرآن، قلت بل أجد كل شيء فهل تجد عليك من حرج إذا أكلت في بيتك، قال لا، قلت لماذا، قال وما الحرج على أي إنسان في هذا، قلت الأولى لك لو أنك تلوت قوله تعالى { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } (النور 61).

وصلاة التهجد ليلاً صلاة نافلة لقوله تعالى { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } وبدلالة أن طائفة من الذين مع الرسول وليس جميعهم كانوا يقومون معه في هذه الصلاة وبذلك فهي من القدوة الحسنة التي يحسن بالمسلم أن يقتدي فيها بنبيه الكريم وهي غير مفروضة فرضاً واجباً لميقاتها في كل ليلة كما فرضت الصلوات الأخرى لميقات كل منها وإنما يجدر بالمسلم قبل أن ينشغل عنها أن يتساءل فيما كان يصرف الآخرون من أتباعه صلى الله عليه وسلم وتلاميذه ليلهم حين كانوا يتخلفون عن هذه الصلاة معه ليشتغل فيما كانوا يشتغلون به وينصرف عما كان رضوان الله عليهم خليقين بالانصراف عنه والليل يبدأ بالعشاء وينتهي بالفجر وبذلك فإن ثلث الليل قد لا يجاوز ثلاث ساعات أي من التاسعة إلى منتصف الليل مثلاً { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ . } (البقرة 45).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ } (النساء 43).

فأول ما يجب للصلاة أن يكون المؤمن متطهراً من الجنابة { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُو} (المائدة 60). وذلك بالاغتسال وهو الأصل في التطهر من الجنابة ولا يعفى من الاغتسال إلا من كان عابر سبيل للنص على الاستثناء منه { إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } وعابر السبيل يختلف عمن كان على سفر من حيث إن الأول يشق طريقه سواء كان راكباً أم راجلاً فهو ما زال بعد يعبر سبيله، أما إن كان قد لقى مكاناً يأوي إليه من قبل أن يصل إلى غايته فهو على سفر وعابر السبيل يعفى من الاغتسال حتى يقيم.

والسكر في هذه الآية الكريمة بمعنى غيبة العقل، كما في قوله تعالى { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.} (الحج 2) وكما في قوله تعالى { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ .} (ق 19). لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى كالذي يغشى عليه من الموت فلا يدري ما يقول، ولذلك فإنه لا ينبغي للمسلم أن ينشغل في صلاته بما لا يعي به شيئاً مما يتلوه من آيات الله والذكر الحكيم، ويجب أن يصفو عقله حين الصلاة كما طهر بدنه من الجنابة.

ولعله من نافلة القول أن ننبه إلى أنه ليس من المنطق في شيء أن نقيس الاحتلام بالجنابة فيفرض الاغتسال من الاحتلام كما فرض الاغتسال من الجنابة، ونرى أن القياس في هذه الحالة فضلاً عن أنه في غير موضعه فإنه قول لا يستند إلى استنباط صحيح من القرآن الكريم. ذلك لأن التعبير الحكيم بلفظ الجنب في قوله تعالى { وَإِن كُنتُمْ جُنُب} يعني الاقتراب استنباطاً من قوله تعالى { وَالْجَارِ الْجُنُبِ } (النساء 36). بمعنى الجار القريب، ومن قوله تعالى { فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } (القصص 11) أي من قريب، والاقتراب المشار إليه في قوله تعالى { وَإِن كُنتُمْ جُنُب} هو الاقتراب من النساء الذي يتحقق به الجماع والذي ورد التعبير عنه في موضع آخر بقوله تعالى { فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ } (البقرة 222).

ولئن سألت عن حكم من يستيقظ من نومه فيجد في ثيابه البول أو البراز لقالوا –بإجماع الآراء- يكفي أن يغير المرء ثيابه ويطهر المواضع التي أصابت جسمه من أثر ذلك دون حاجة إلى الاغتسال، وأقوم في المنطق لو قاسوا ما يجب في الطهارة من أثر الاحتلام على ما يجب في الطهارة من البول حين النوم.

ويتفق معنا ابن الأثير في هذا الرأي إذ يقول (الجنب الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المنى) ومع ذلك فإن الجماع وحده يستوجب الغسل سواء خرج به المنى أو لم يخرج، لأنه بالجماع وحده يتحقق معنى الاقتراب المبين بقوله تعالى { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ } .

ولا حاجة أن نخوض في طريقة الاغتسال فكل إنسان بالفطرة يعرف كيف يغسل بدنه فهو لا يتيمم بطبعه إلا ماء طهوراً، وهو إن ترك وشأنه عرف كيف يحسن الاغتسال وليس عليه من حرج أن هو استعمل الصابون والمساحيق والعطور فذلك من كمال الاغتسال وهو مطلوب لطهارة البدن وانتعاشه { مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .} (المائدة 6). ولا حاجة كذلك للتنويه بأن الاغتسال يغني عن الوضوء لأنه أعم منه ومشتمل عليه ومحقق لأغراضه، فليست الأمور في الدين سوى غايات وأهداف للارتقاء بخلق الله الذي كرمه سبحانه وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } (المائدة 6).

لئن كان التطهر من الجنابة لا يجوز إلا بالاغتسال على نحو ما سلف، فإن ثَم أحداثاً أخرى يكفي الوضوء للتطهر منها وهو مبين في هذه الآية الكريمة تفصيلاً لكل شيء.

إن خطاب الله تبارك وتعالى إلى عباده بالقرآن الكريم ليتناول الغيب والحكمة والمعارف والعلوم والآداب وغير ذلك من كافة شؤون الحياة والإنسان والأرض والسماوات والآخرة، وهو سبحانه وتعالى إنما يخاطب من هؤلاء ذوي القلوب المؤمنة وأولى الألباب والنهي وليس من هؤلاء من لا يعرف حدود وجهه وليس فيهم من لا يعرف من أين تبدأ يده وإلى أين ينتهي مرفقه، وليس من هؤلاء من لا يدرك أن الرأس هو الوجه والقفا والفم والأنف والأذنان بل والرقبة أيضاً لأنها جزء منه، ويكفي لأولي الألباب أن تقول لهم أغسلوا وجوهكم ليعرفوا كيف يغسلونها ويكفي أن يقال لهم وامسحوا برؤوسكم ليدركوا أن عليهم أن يمسحوا بالجزء الباقي من الرأس بعد غسل الوجه، وأما اليدان فلا حاجة على الإطلاق للتذكير بغسلهما لأن ذلك مما يقتضيه غسل الوجه ومسح الرأس بهما كما لا يصح التأكيد على وجوب غسلهما معاً لأن الواحدة منهما لا تكفي لغسل المرفقين معاً فضلاً عن أن الأمر بغسل اليدين إلى المرفقين مشتمل عليهما ومستوجب لغسلهما.

ويثور الخلاف فيما ينبغي للرجلين وعما إذا كان قوله تعالى { وَأَرْجُلَكُمْ } قد ورد مفتوحاً في هذه الآية الكريمة فيكون معطوفاً على اليدين فيجب غسلهما أم هي مجرورة فتكون معطوفة على الرأس ويكفي بذلك المسح عليهما. لقد سبقت الإشارة إلى أنه لا ينبغي لنا أن نقبل تشكيلاً لكلام الله غير الذي استقر في المصاحف التي بين أيدينا كما حفظها الله قولاً وترتيباً وتشكيلاً، وهي في المصاحف جميعاً مفتوحة أي معطوفة على اليدين ولذلك فإنه يجب غسلهما ولا يقبل في العقل و المنطق غير ذلك لأنه إذا كان الغسل واجباً للوجه واليدين فهو أشد ما يكون وجوباً للرجلين، فضلاً عن أنها لو كانت معطوفة على الرأس لوردت مسبوقة بباء الالتصاق .

{ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } (المائدة 6).

تتناول هذه الآية الكريمة نواقض الوضوء وهي في حالات أربع :

أولاً:- حالة المرض وتستوجب الوضوء لكل صلاة وذلك لتجديد نشاط المريض والمحافظة على طهارته وهو ولا شك يساعد على إبلاله وعلى المؤمنين أن يتعاونوا على البر والتقوى فيعينوا مرضاهم ممن لا يستطيعون الوضوء بغسل وجوههم وأيديهم إلى المرافق والمسح على رؤوسهم وغسل أرجلهم كلما وجبت الصلاة، وليس ذلك على المؤمن البر التقي بعزيز والمؤمن المريض خليق ببره وتقوى الله فيه.

ثانياً:- حالة السفر وهي تستوجب الوضوء لكل صلاة وذلك لراحة المسافر ونشاطه وإزالة رواسب الجهد عن كاهله وإنعاش طاقاته ما بقى على سفره.

ثالثاً :- العودة من الغائط وهو في اللسان العربي كل مكان يأوي إليه الإنسان بالفطرة لقضاء حاجته، جاء في تاج العروس للإمام الزبيدي رحمه الله : (الغوط معناه الحفر غاط يغوط غوطاً أي حفر، ويقال غاط في الشيء يغوط ويغيط إذا دخل فيه غاط الرجل في الطين وهذا رمل تغوط فيه الأقدام، وقال ابن دريد الغوط أشد انخفاضاً من الغائط. والغائط كناية عن العَذِرَة نفسِها لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط وقضوا الحاجة فقيل لكل من قضى حاجته قد أتى الغائط، وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، ثم قيل للبراز نفسه وهو الحدث غائط كناية عنه). هذا هو ما أثبته الإمام الزبيدي في معنى الغائط، ولقد أحكم الله آياته فقال وقوله الحق { أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ } فأين من ذلك الفساء والضراط وهل ذهب أحد إلى غائط أو جاء منه من أجل هذه الغازات، فقوله تبارك وتعالى { أَوْ جَاء } يعني أن الأمر يقتضي ذهاباً إلى الغائط وعودة منه، وقوله تبارك وتعالى { أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم } يعني أن هذا مكان لا يذهب إليه الناس ولا يأتون منه إلا وحداناً، وهذان قولان محكمان لا ينصرف مدلولهما إلى ما يخرج من الغازات من فم الإنسان أو من دبره على سواء، ولا ينصرف بداهة إلا إلى البول والبراز.

أما المحيض فهو ينقض الوضوء لأنه من الغائط وإليه بغير شبهة، وهو يمنع المرأة عن زوجها حتى تطهر منه نهائياً، ولكنه لا يمنعها من الصلاة ولا الصيام. ويرى كثير من الفقهاء أن المحيض يستوجب ترك الصلاة والكف عن الصيام، ونرى أن هذا رأي ينتهي إلى استثناء من وجوب الصلاة والصيام بغير قرآن. ولقد أشرنا إلى أن الله وحده سبحانه وتعالى هو الذي يستثني من أحكامه، ولا ينبغي لنا أن نستثني منها من تلقاء أنفسنا، وقد استثنى الله تبارك وتعالى من الصيام من كان مريضاً أو على سفر أو كان من الذين يطيقونه طبقاً لأحكام مبينات ولم يستثن من الصلاة أحداً من ذكر أو أنثى على الإطلاق بل إن القوم قد أجمعوا على ذلك فلم يستثنوا مريضاً من الصلاة ولو لم يستطع أن يؤدها إلا بعينيه فما بالهم يستثنون المرأة في حيضها.

ولقد جاء ذكر المحيض بقوله تعالى { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } (البقرة 222). وبذلك فإن المرأة تمتنع على زوجها في المحيض لأنه أذى ولا يحل له أن يقربها حتى تطهر منه، ولا نجد في كتاب الله ما يرخص لها أن تترك الصلاة أو تدع صيامها، وعليها بالتالي أن تصلي في المحيض بعد أن تطهر ما ظهر منها وتتوضأ لصلاتها.

قد يحتج بعض الفقهاء بأن الطهارة شرط الصلاة فكيف يرخص للمرأة بأن تأتي الصلاة قبل أن تطهر من المحيض، وتلك حجة داحضة لأن الله سبحانه وتعالى لم يأمر إلا بتطهير ما ظهر من أبداننا أما ما بطن فقد تولى هو سبحانه علاجه وتطهيره، وجاء في الأثر أن نساءً مؤمناتِ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كن يأتين الصلاة وقد ربطن عليهن من المحيض، ولئن بقى من بعد ذلك حجة لهؤلاء وجاز برأيهم أن تترك المرأة الصلاة في المحيض فعلى أي أساس من الدين يمنعونها من الصيام ولم يقل أحد منهم ولا من قبلهم أن الطهارة شرط الصيام.

رابعاً :- ملامسة النساء وقد ورد التعبير عنها بقوله تعالى { أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} كما في قوله تعالى { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً . وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً .} (الجن 8، 9). والمعنى في هذه الآية الكريمة أن الجن راحت تتفقد السماء وتسبر أغوارها وتتحسس منها فأدركت أن من يقعد منها مقاعد لاستراق السمع سيجد له شهاباً رصداً، وهذا هو المقصود من قوله تعالى { أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء } أي تحسستموهن أو تفقدتموهن بحاسة اللمس سواء باليد أو بغيرها من الأعضاء وليس من ذلك السلام باليد إلا إذا تطاول الرجل بها فتجاوز السلام البريء إلى التحسس باللمس.

{ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } (المائدة 6).

التيمم لا يجوز عملاً بهذه الآية الكريمة إلا في حالة واحدة وهي عدم وجود الماء لقولـه تعالى { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } ولذلك قيل إذا حضر الماء بطل التيمم والصعيد من صعد { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه ُ } (فاطر 10)، والصعيد الطيب هو ما ارتفع من الأرض عن الدنس والقذارة، ولقد أثبت العلم الحديث أن الجراثيم والميكروبات لا تعيش في التراب الطاهر بل تهلك على الفور لأنه لا يخلو من المواد الجيرية الساحقة ولله في ذلك حكمة بالغة هو أعلم بها إنه حكيم عليم. والتيمم هو التوجه للبحث والتنقيب عن الشيء كما في قوله تعالى { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } (البقرة 267). أي لا تبحثوا وتنقبوا عما خبث من أموالكم لتنفقوه في زكاة أو صدقة أو برّ. وبذلك يتحدد المعنى في قوله تعالى { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّب} (المائدة 6) بأنه ينبغي على من لم يجد ماء يتوضأ به أن يبحث وينقب عما يرتفع عن الدنس والقذارة من تراب الأرض أو حجارتها لتمسحوا به وجوهكم وأيديكم.

ويكتفي في التيمم بالمسح على الوجه من دون سائر أجزاء الرأس الأخرى، كما يكتفي بالمسح على اليدين إلى الرسغين لقوله تعالى { فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } بخلاف الوضوء الذي يجب فيه الغسل من اليد إلى المرفق { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} والدليل على أن التعبير باليد مجرداً لا ينصرف إلا إلى الرسغ وارد في قوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } (البقرة 249). ذلك أن أحداً لا يغترف من الماء إلا بالجزء المتقدم من ذراعه المشتمل على الكفين والأصابع.

{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } (البقرة 144). تلك هي القبلة يستقبل بها المسلم أول بيت وضع للناس في كل صلاة يقيمها خالصة لوجه الله حيثما كان مكانه من الأرض، ولقد نزل بها حكم الله في هذه الآية الكريمة ناسخاً للقبلة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } (البقرة 143). وكان الله تبارك وتعالى قد شاء أن يستقبل رسوله في صلاته قبلة أخرى الله أعلم بها كما يبين من استقراء هذه الآية الكريمة في قوله تبارك وتعالى { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا } ولكنه عز وجل لم ينزل بذلك قرآناً لحكمة سبق علمه بها وهي أن يتنزه كتابه الباقي عن أحكام ينسخ بعضها بعضاً فجعلها من سنة نبيه ثم نسخها بقرآن وهكذا فإن القرآن ينسخ السنة وما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتي بسنة يخالف بها قرآناً وهكذا فإن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة في القرآن حتى ما كان منها منسوخاً.

{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ . } (آل عمران 96، 97). هذه هي قبلة المسلمين عند أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمناً، ليس من الوثن في شيء، بل هو العلم الذي تهوى إليه أفئدة المسلمين وتتحد به صفوفهم ومشاربهم.

{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً . وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً . فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً } (النساء 101-103).

لعل مما يوصف به القرآن أنه البحر لا يكف عطاؤه ولا ينضب معينه، إذا اكتفيت بالنظر إليه سرك منه وجهه ونسيمه، وإذا أتيت شاطئه فلن تعود منه خاوي الوفاض، أما إذا اجتهدت في أعماقه فسوف تظفر بلآلئه ومرجانه وما لا يمكن أن يخطر لك على بال.

وهو ملك كريم وعلىّ حكيم وصديق حميم يرحب بضيفه في كل حين، تجد عنده القول الفصل لكل مثل ولكل سؤال، وإنما يجب أن يطرح السؤال بصبر وحكمة وأن يستنبط منه الجواب بصبر وحكمة، فهذان مسلكان خليقان بكرمه وحكمته. عند تلاوتك لهذه الآيات البينات من سورة النساء فإنك قد تظن كما يظن كثير من الفقهاء والمفسرين أنها صلاة الخوف.. ولكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أنه حديث قد فصل في الكتاب تفصيلاً.. ولئن كان هذا الحديث كما زعموا عن صلاة الخوف ولا شأن له بصلاة الاطمئنان.. ويعلم ألو النهي أنهم قد لا يلجأون إلى صلاة الخوف في حياتهم إلا مرة أو مرتين وقد لا يضطرون إليها في حياتهم أبداً.. فكيف يفسر لنا هؤلاء أن يفصل الله سبحانه وتعالى صلاة الخوف ولا يفصل لنا صلاة الاطمئنان التي فرضت علينا كل يوم كتاباً موقوتاً.. إن هذا الحديث قد فصل صلاة الخوف كما صلاها أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من ورائه في صلاة جامعة.. فأين صلاة الاطمئنان تفصيلاً في الكتاب كما فصلت صلاة الخوف.. ألا إنها في صلاة الإمام أقامها بتمامها ولم يقصر منها شيئاً { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ } وما كان للإمام أن يقصر من الصلاة شيئاً لأن ظهره في حماية المصلين تقصيراً من ورائه فلا حق له في الرخصة من بعد زوال سببها.. أما الذين قصروا من الصلاة بسبب الخوف فهم المسلمون الذين صلوا معه في طائفتين.

نستخلص من هذه الآيات الكريمة الأحكام الآتية :-

أولاً: إن صلاة الجماعة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم التي يجب الاقتداء به فيها { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ } .

ثانياً : إن إقامة الصلاة واجبة في حالات الاطمئنان { فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } وقد فرضت بركعتين اثنتين لكل صلاة سواء كانت في الفجر أم في الصبح أم في الظهر أم في العصر أم في الدلوك إلى غسق الليل أو نفلاً بالليل أو النهار.

ثالثاً : وإن التقصير في الصلاة رخصة في حالة ما إذا كان المسلم يضرب في الأرض ويخاف على نفسه أو ماله من فتنة الأعداء { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } أما إن كان يضرب في الأرض مطمئناً فلا رخصة له وعليه إقامة الصلاة ويكون التقصير من الصلاة بركعة واحدة لكل صلاة في ميقاتها المعلوم في صلاة جامعة طائفة في حراسة الأخرى من وراء إمام لا رخصة له في تقصيرها.

يقول الله تبارك وتعالى { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ } أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيقيم الصلاة إقامة كاملة، وبذلك فإن أفعاله ستدل كما أثبتها القرآن الكريم على هيئة إقامتها لأن المسلم إنما فرضت عليه إقامة الصلاة، فإذا ورد بيان إقامة الصلاة كما وصفت به إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة في القرآن وجب اتباع ذلك باعتباره أصلاً ثابتاً في القرآن وباعتبار أن تلك كانت صلاته صلى الله عليه وسلم { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً . } ، (النساء 87).

الرسول عليه الصلاة والسلام يقيم الصلاة إماماً بتمام ركعاتها { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ } ويبين من ذلك أن المصلين وراء الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين سيقصرون عملاً بهذه الرخصة فينقسموا إلى طائفتين تصلي الطائفة الأولى وراء الرسول فإذا سجدوا أي فرغوا من صلاة الركعة الأولى مع الرسول وقام صلى الله عليه وسلم إلى الركعة الثانية جاءت الطائفة الأخرى التي لم تصل لتصلي من ورائه هذه الركعة { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } ركعة واحدة كما صلت الطائفة الأولى.

وهكذا فإن جميع من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى معه صلاة التقصير بركعة واحدة، بينما أقامها لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بركعتين صلت معه الطائفة الأولى الركعة الأولى في حراسة طائفة أخرى ثم إذا قام الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الركعة الثانية انصرفت هذه الطائفة للحراسة وجاءت الأخرى لتصلي معه الركعة الثانية.

وصفت صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قام بها إماماً لمن كان معه على حذر من الكافرين بإقامة الصلاة لقوله تعالى { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ } وظهر من ذلك أنه أقامها بركعتين فوجب اعتبار إقامة الصلاة في جميع أوقاتها وفي النفل بها بركعتين لكل صلاة لأن المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقيده النص في القرآن بالنقص أو الزيادة وليس في القرآن ما يزيد على ذلك أو ينتقص منه.. ألا وإنهم ليقيمون الصلاة ركعتين ركعتين.. فتراهم يفصلون الركعتين عما يزيدون فيها، وقوله تبارك وتعالى { فَإِذَا سَجَدُواْ } معناه فإذا انتهوا من صلاة الركعة الأولى لأنه بالسجود تنتهي الركعات، ولو كان هنالك غير الركعة الأولى والواحدة لورد النص على ذلك لأن الله قد أنزل كتابه { تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } ويستنبط كذلك من الآية أن ينصرف هؤلاء إلى مواقع إخوانهم من الحراسة ليتركوا لهم مواقعهم وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلوا معه الركعة الثانية، وهكذا فإن هذه الآية الكريمة قد بينت إقامة الصلاة بركعتيها كما صلاها الإمام كما بينت صلاة الخوف تقصيراً بركعة واحدة لكل من الطائفتين الواحدة بعد الأخرى.

وتنادوا في مشارق الأرض ومغاربها أن جاءكم (من قعر الزمان) من يجعل صلاتكم ركعتين ركعتين، ويبطل ما كان عليه الأسلاف من قبلكم. قد كان لهم أن يجادلوا عما استنبطه من القرآن ليبينوا أني أخطأت فهم الآية، أو ليقيموا الحجة على أنني انتهيت منها إلى نتيجة خاطئة. ولكنهم لم يفعلوا بل اكتفوا بالصراخ والتباكي على الأسلاف، وكذلك فعلوا في كل ما يشاقون به ومايشاقون إلا كتاب ربهم وما يشاقون به إلا أنفسهم وهم يقيمون الصلاة ركعتين ركعتين. أفلا يرون أنفسهم وهم يفصلون بين الركعتين في صلاتهم، وأن المسلمين يقيمون الصلاة ركعتين ركعتين طالما فصلوا الركعتين الأوليين عما سواهما.

فلما سمعه الشيخ الوقور قال : )هذا كتاب لم يكتب للعامة، ويُضَن به على غير أهله، فاحجبوه عن العوام لسد الذرائع(، وإنما أنزل هذا القرآن على الناس كافة والناس إذا آمنوا أقدر على العلم به مما سواه { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ.} (القمر 17) ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه عن ابن حزم : (استنبط المالكية والحنابلة أن كل ما يكون لحرام فهو حرام ونقضوا بذلك أن الأصل في الأشياء البراءة، وأنه لا يُحَرَّم شيء إلا بقرآن) ونقل قول ابن حزم في ذلك : (من حَرّم للذرائع فقد حرم بالظن والله تعالى يقول { إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } وكل من حكم بشيء خوف ذريعة فقد حكم بالهوى، وهو مذهب متخاذل لأنه ليس أحد أولى بالتهمة من أحد).

جاء في البخاري عن ابن عباس أنه قال : (قام النبي صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة ولكن يحرس بعضهم بعضاَ)، ونقل ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم في بيان هذه الصلاة قوله : (كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة).

ويقول أبو الحسن المسعودي المتوفي سنة 346هـ في (مروج الذهب) دار الأندلس، الطبعة الرابعة ، الجزء الثاني، 1981، صفحة 276: (خوطب رسول صلى الله عليه وسلم بفرض الصلاة ركعتين ركعتين، ثم أمر بإتمامها بعد ذلك، وأقرت ركعتين في السفر وزيد في صلاة الحضر). هذا هو المسعودي رحمه الله قد أثبت أن الصلاة فرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين وهو ما ثبت بالقرآن وفق الآية المذكورة، فمتى أمر بإتمامها!؟ ومتى زيد فيها !؟ وبأي نص من الكتاب أو من السنة يزيدون فيما فرضه الله على رسوله!؟ لا نجد عند المقلدين إجابة إلا ما دأبوا على حمل الناس عليه بمواعظهم في المساجد ودروسهم في المدارس والمعاهد بغير دليل ثابت أو أثارة من علم.

إن القضية ليست في إقامة الصلاة مثنى أو ثلاث أو رباع فذلك من الفروع التي لا تؤثر في الإيمان، ولكن القضية الأساسية أن يقام في الإسلام كهنوت يطيعه الناس في خضوع واستسلام، ولا يرفعوا صوتهم فوق صوته ولو بالقرآن. وهذا الوعظ (بالتفسير والملاحم والمغازي) في المساجد، هل هو من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم !؟ الذي نعلمه من كتاب ربنا أن رسول الله كان يعظ الناس بالقرآن ويأذن لهم بأن يجادلوه فيه، وما كان يجادلهم إلا بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن آمن به فقد اهتدى وإن تولوا فما كان يقول لهم إلا قول الحق من ربه { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ. لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } (الأنعام 66، 67) يقول الإمام الكنوي رحمه الله في كتابه (إقامة الحجة) تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية، 1990، صفحة 32 : (قيل للحسن رضى الله عنه متى أُحدث القصصُ -أي الوعظ في المساجد- قال في خلافة عثمان، قيل من أول من قص – أي وعظ في المسجد- قال تميم الداري) هذا هو الوعظ في المساجد ليس من الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء ولا عرف في عهد أبي بكر ولا في ولاية ابن الخطاب. بل أحدثه الداري في ولاية عثمان، ولا حرج على الداريين أن يعظوا بالقرآن فذلك خير لهم وللمؤمنين، ولكن أكثر الداريين لا يعظون الناس إلا بهجر القرآن، وتعميق مفاهيم التمذهب والتفرق في الدين وإعداد الشباب وقوداً لنار الفتنة والإرعاب وحملهم على التقليد ونهيهم عن التدبر أو الاجتهاد وتفريغ عقولهم في قوالب من البدعة والخرافة وقداسة كتب مجهولة ما أنزل الله بها من سلطان.

نقل فضيلة الشيخ علال الفاسي رحمه الله في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية) منشورات مكتبة الوحدة العربية، الدار البيضاء، سنة 1963، صفحة 95، عن أحمد بن حنبل رضى الله عنه أنه قال : (ثلاثة أشياء لا أصل لها : التفسير، والملاحم، والمغازي) هذا هو إمام الحنابلة ينكر على الناس أن يفسروا القرآن بغير آياته أو يبينوه للناس بغير بيانه، تماماً كما ينكر ما جاؤوا به من أساطير الملاحم والسير، فما بال هذا القول يُطمس عند الداريين المقلدين!؟ .

وتدبر القرآن وتذكر آياته إنما يكون بتلاوته وهذا هو ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ .} (النمل 92)، وإنما ينبغي أن يتلى كتاب الله في المساجد والمعاهد لتدبر آياته وتذكرها { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . } (البقرة 121)، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي المتوفي سنة 790 هـ، في (الفتاوي) تحقيق فضيلة الشيخ محمد أبي الأجفان، مطبعة الكواكب، تونس 1985، صفحة 198 : (إن قراءة القرآن إما لحفظه أو التفقه في معانيه أو للاعتبار في آياته أو لتعلمه وتحفظ مطلوبه، وجاء في فضل ذلك كثير من القرآن والسنة، وعلى هذا الوجه كان الصحابة والتابعون، وأما قراءته بلإدارة –أي جماعة على صوت واحد- وفي وقت معلوم فأمر مخترع وفعل مبتدع لم يجر مثله قط في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في زمان الصحابة، حتى نشأ بعد ذلك أقوام خالفوا عمل الأولين، وعملوا في المساجد بالقراءة على ذلك الوجه الجماعي الذي لم يكن قبلهم، فقام عليهم العلماء بالإنكار وأفتوا بكراهيته).

هذا ما قال الإمام الشاطبي رحمه الله في بعض الداريين، فماذا فعل به الداريون على طريقتهم ؟ أسمع به إذ يقول رحمه الله في صفحة 53 من المرجع السابق : (قامت عليَّ القيامةُ وتواترت عليَّ الملامةُ، وفوَّق إليَّ العتابُ سهامَه، ونُسبتُ إلى البدعةِ والضلالةِ، وأُنزلتُ منزلة أهل الغباوة والجهالة). أليس هذا ما يفعل المقلدون والداريون والمتمذهبون بعلماء هذه الأمة ومفكريها وروادها { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً .} (المزمل 10).

إنهم يؤثرون الحياة الدنيا والله يدعو بكتابه إلى الآخرة ويؤتي من لدنه أجراً عظيماً، ولو أن الله سبحانه وتعالى يختص الكافرين برحمته ويمد لهم من زخرف الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها، لكان الناس أمة واحدة من الكفر، ذلك بأنهم جُبلوا على حب الدنيا وإيثارها على الآخرة إلا قليلاً ممن هدى الله واتبعوا رضوانه، ويبين الله ذلك للناس بقوله تعالى { وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ .‏ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ . وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } (الزخرف 33-35)، أولئك الذين كرهوا سُموَّ القرآن واتبعوا الباطل من دونه من الذين حجبوا أنفسهم عن كتاب ربهم بهذا الأدنى الذي هم فيه يختلفون.

{ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . } (الحج 26).

البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس وأوجب الله تبارك وتعالى على الناس الطواف به سواء في حج أم عمرة كما أوجب الصلاة فيه، وهو قبلة المسلمين يستقبلونه في صلاتهم لأدائها على وجهها بقيامها وركوعها وسجودها، والصلاة إنما تكون بالقيام وقوفاً وإجلالاً لله تبارك وتعالى والركوع خضوعاً له عز وجل والسجود للأذقان بالوجه إلى الأرض. { لِلأَذْقَانِ سُجَّد} (الإسراء 107)، للأذقان بما يفيد الهبوط على الجبهة والأنف خشوعاً لله وليس على الأذقان كما يجادل أبعاض غلواً.

وإنما يكون الركوع في الصلاة مرة واحدة من بعد القيام لورود الركوع في القرآن كله مطلقاً لا يفيد الإعادة أو التكرار، بخلاف السجود الذي يجب تكراره مرتين متتاليتين في كل ركعة من ركعتي الصلاة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة من ورود النص مطلقاً أو مقيداً بتكرار العمل الواحد مرتين أو أكثر لا اختلاف فيها في أي حكم من الأحكام التي أوردها القرآن { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } (النساء 82). فإذا ورد النص مطلقاً أفاد عدم التكرار، وإذا ورد النص مردداً مرتين أفاد إعادة الكرة مرتين وإن اقتضى الأمر تكراراً بأعداد معينة ورد النص بإحصاء لها، وإن تطلب الأمر الوفرة والإكثار من العمل الواحد بغير إحصاء ورد النص بما يفيد ذلك.

ومثال النصوص المطلقة قوله تعالى { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّو} (النساء 102) فذلك يفيد ركعة واحدة لمن يقصر في الصلاة أولاً وركعة واحدة لمن يقصر في الصلاة أخيراً، وجمعهما ركعتان أقام بهما الرسول صلى الله عليه وسلم إماماً إقامة كاملة، فهذه هي صلاته صلى الله عليه وسلم كما نراها في القرآن { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً .} (النساء 122).

ومثال النصوص التي تفيد تكرار الفعل الواحد مرتين كما ورد في قوله تعالى { يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً.وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً.وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً.} (الإسراء 107-108) فذلك وصف لقوم آمنوا بالله واتبعوا رسوله واهتدوا بهديه فخروا للأذقان- وهو تخصيص للسجود بمعناه الخاص من حيث كونه حركة من الحركات الواجبة في الصلاة - خروا لله سجداً مرتين متتاليتين فوجب اتباع ذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة من بعد قيامها وركوعها، وبه يفرغ المصلي من ركعته.

ومثال النصوص التي يجب القيام بها بعدة محصاة في قوله تعالى { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } (البقرة 196).

ومثال النصوص التي تتطلب الوفرة والإكثار بحسب ما يتيسر لكل مسلم وبقدر جهده وقدرته دون إحصاء في قوله تعالى { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . } (الحج 29).

{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } (المزمل 20).

فيجب تلاوة ما يتيسر من القرآن في قيام المسلم بحسب ما يحفظه من القرآن وبحسب حالته التي يكون عليها من الصحة أو المرض ومن السفر أو الإقامة ومن الفراغ أو الاشتغال ابتغاء فضل الله، وتلاوة القرآن تستوجب الاستعاذة بالله العزيز الحكيم من الشيطان الرجيم عملاً بقوله تعالى { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . } (النحل 98). والله سبحانه وتعالى الذي أنزل كتابه تبياناً لكل شيء يعلمنا كيف يكون ذلك بقوله عز وجل { وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ . وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ . } (المؤمنون 97، 98). وهكذا فإذا فرغْت من التكبير للقيام وأقمت الصلاة قلت { رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ . وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ .} ثم لتتلو ما يتيسر لك من القرآن الكريم،ومنه قوله تعالى { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِِ.} ، في أول السورة ماعدا سورة التوبة لأنها داخل الإطار من السورة مما لا مبدل له من إنس ولا جان .

وكان رسول صلى الله عليه وسلم يحفظ القرآن كله فهو الذي أنزل عليه آية بعد آية وهو الذي كان يذكر به ويدعو الناس إليه وهو أول من عمل به وتولى أمور المسلمين بأحكامه وهو الذي أشرف على تدوينه بترتيبه وتشكيله، وجدير بالمسلم أن يقتدى في ذلك بنبيه الكريم فيعكف على حفظه ودراسته فهو له هدى وهو صاحبه في الصلاة، وإذا حفظ المسلم من القرآن ثلاث صفحات ليصلي بها صلاة يومين أو ثلاثة لأمكن له أن يحفظ القرآن كله في خلال أمد قد لا يجاوز ثلاث سنين مع الفهم والتركيز والتدبر والتذكير ثم إذا فرغ من حفظه عاد ليصلي به مرة أخرى ثم لينظر كيف تكون قرة عينه في الصلاة من بعد { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } (يونس 57، 58).

وتجوز الصلاة بما يتيسر من آيات الذكر الحكيم، ولا يشترط في ذلك قراءة سورة معينة أو بعض الآيات المعينة لورود النص مطلقاً في قوله تعالى { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } . كما تجوز بطبيعة الحال بتلاوة سورة الفاتحة لأنها من القرآن، وإنما ينبغي أن ننتهي بما تنتهي إليه هذه السورة الكريمة عند قوله تعالى { غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ .} دون الإضافة التي لا نجد لها أصلاً إلا عند اليهود والنصارى، وعلينا أن ندع قول (آمين) في صلاتنا لأنها ليست من القرآن ولأننا لا ينبغي لنا أن نضيف على القرآن شيئاً من تلقائنا، خاصة إذا كان هذا الشيء قد تسلل إلينا من أديان غير ديننا الحنيف الذي نزل به قرآن عربي مبين.

فاتحة الكتاب سورة من القرآن وآيات بينات من الذكر الحكيم قيل أنها هي السبع المثاني { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ . وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ .} (الحجر 88) الفاتحة من القرآن العظيم وبتنزيله على قلبه صلى الله عليه وسلم أصبح رسولاً وهو من قبل أن يقضي إليه وحيه بشرٌ سوىٌ بالسبع المثاني وهي العينان والأذنان واليدان والرئتان والكليتان واللوزتان والرجلان، فهو صلى الله عليه وسلم بشر بالسبع المثاني كان يسمع ويرى بعينين وأذنين يأخذ ويعطي بيدين كريمتين يتنفس برئتين ويتقدم ويتأخر برجلين طاهرتين، وهو صلى الله عليه وسلم رسول بالقرآن العظيم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس.. فتلك هي السبع المثاني وذلك هو القرآن العظيم. وجادلوا في ذلك فقالوا إن في البدن مثاني أخرى، وتغافلوا عن قوله تعالى { سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي } بمن التبعيض، وليس السبع المثاني إشارة إلى الاستواء بها.

{ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً .} (الإسراء 107، 108).

هؤلاء قوم آمنوا بالله واتبعوا رسوله فخروا للأذقان سجداً لله تبارك وتعالى وقالوا { سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } وتلك كانت صلاتهم كما وصفها الله عز وجل في كتابه لما عرفوا الحق واتبعوه واهتدوا بهدى نبيه، وقد رضى الله سبحانه منهم هذا القول فأثبته في كتابه العزيز فوجب أن نقول كما قالوا وكما رضى الله منهم القول { سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } كلما انحنينا برؤوسنا لله عز وجل في ركوع أو سجود بتكرار أو بغير تكرار كل حسبما يتيسر له.

جاء في تفسير البيضاوي لقوله تعالى { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} ، (الفتح 29). السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، ولقد شاع هذا القول بين الناس حتى أصبحت ندبة الجباه- أو الزبيبة كما يقولون- هي سمة المصلين من آثار السجود يراها البر كما يراها الفاجر سواء بسواء فيعرفهم بها. كلا إن سماة المصلين الصالحين من الذين يتبعون الرسل والصالحين لا يراها إلا الصالحون، وإذا تأملنا قوله تعالى { لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً } ، (البقرة 273). ثم تأملنا ما عسى أن يكون المؤمن الفقير العفيف من نظافة بدنه وجمال مظهره ورقة مزاجه وكرم مجلسه بين الناس وصدق قوله وحسن معشره لأدركنا على الفور أن للمؤمن الصالح سمة لا يعرفه بها إلا المؤمنون الصالحون، أما الجاهلون فلا يرون من هؤلاء إلا ما كان يرى قوم لوط عليه السلام من نبيهم الكريم وممن آمن معه من أهله الأبرار إذ قالوا { أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ .} (النمل 56). كلا إن الزبيبة لا تعني شيئاً على الإطلاق وهي في اصدق حالاتها لا تدل إلا على أن صاحبها يتيمم مجلساً غير مريح بين يدي عزيز رحيم عفو لطيف دعا عباده إلى السجود له وهم سالمون.

{ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً . وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } (الإسراء 110، 111).

{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } (الإسراء 111) ، بهذا يختتم المسلم صلاته فإذا كان القيام سابقاً الركوع والركوع سابق السجود وذلك بحسب ترتيبه في قوله تعالى { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . } (الحج 26) ولأن هذا الترتيب هو ما يقتضيه المنطق فالإنسان يقف بقامته قائماً ثم ينحني راكعاً ثم يخر بها للأذقان ساجداً فإن السجود هو آخر حركة من حركات الصلاة، وقد وردت هذه الآية الكريمة من بعد بيان السجود وما ينبغي أن يقال فيه للدلالة على ما يجب قوله للخروج من الصلاة وذلك بصياغة الأمر في قوله تبارك وتعالى { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً . } .

وإذا تدبر المسلم هذه الآية الكريمة لوجدها جامعة لكل ما يدل على الذات العليا بكل ما يجب له من الحمد في السراء والضراء وحين إلباس في قولك في ختام كل صلاة { الْحَمْدُ لِلّهِ } ، كما أنك تقولها صادقاً مؤمناً بما ينبغي لذاته تبارك وتعالى الذي عز وجل سبحانه على سائر خلقه من الملائكة ومن الإنس والجن وكل شيء في الأرض أو في السماء { الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ } ، فهو تبارك وتعالى يتخذ من الملائكة ومن الرسل ومن المؤمنين أولياء ولكنه لا يتخذ ولداً ولا شريكاً، وهو إذا اتخذ من هؤلاء أولياء فلا يتخذهم أولياء من الذل بل هو سبحانه وتعالى وليهم من الذل ومن حاجتهم الدائمة في الحياة وفيما بعدها لرحمته وعفوه وفضله لا شريك له قال وقوله الحق { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (الذاريات 55-58).

ومن السنن المحمودة التي اطَّرد المسلمون عليها أن يكبروا في صلاتهم لكل حركة من حركاتها عند الدخول في الصلاة وللركوع وللسجود، فذلك له أصل ثابت في القرآن من قوله تعالى { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً . } (الإسراء 111) وإنما ينبغي المحافظة على ذلك في حركات الصلاة جميعاً وخاصة عند القيام من الركوع استعداداً للسجدتين، وإن كان لا محالة فلا ينبغي لك أن تنشد الذكر بغير قرآن وقل { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .} (البقرة 127). فهذا ولا ريب خير وأقوم من قولك } سمع الله لمن حمده { وأنت لا تعلم من أين جاءك هذا الذي تقول بين يدي إله جعل لديك في كل ما تلفظ رقيباً عتيداً.. والفعل (سمع) لا يتعدى بحرف الجر { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } (المجادلة 1)، وإذا تَعدَّى بحرف (اللام) فإنه يُفيد الإصغاء بالاهتمام، كما في قوله تعالى { وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } (المنافقون 4) وهو ما يتنزه الله عنه ويتعالى عليه علواً كبيراً.

{ أقم الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً . وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً . وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً .} (الإسراء 78-80).

تلك هي الصلاة وهذا هو أحلى ما ينبغي من الدعاء فيها ورد موصولاً بها وبصياغة الأمر في هذه الآية الكريمة { رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً } (الإسراء 80) وللمسلم أن يتخير لها حركة في صلاته لورودها مطلقة في الصلاة بغير تحديد فله أن يستهل بها صلاته وله أن يدعو بها عند قيامه من ركوعه وهو يتهيأ للسجود وله أن يقولها بين سجدتيه وله أن يدعو الله بها بعد أن يفرغ من صلاته كيف شاء.

{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } ، (النساء 103).

الصلاة هي صلة معقودة بين الإنسان وخالقه وهي بهذه المثابة تقتضي الدوام عليها { الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ .} (المعارج 23). كما تقتضي المحافظة على مواقيتها { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .} (المعارج 34)، وقد ورد النص على الصلاة في تلك الآية الكريمة من سورة النساء للدلالة على معناها الكبير من انعقاد صلة الإنسان بخالقه من ميقات إلى ميقات لا يفصل بين الميقات والآخر غير الذكر سواء في القيام أم القعود أم الاستلقاء على الجنوب { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً } (النساء 103).

والذكر قد يكون في صمت كما يكون في همس أو قول أو فعل أو إشارة وإنما أوجب الله تعالى عقب الصلاة وبصفة خاصة التسبيح والاستغفار وذلك بالنص في قوله تعالى { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ .} (ق 39، 40). وإنما تختتم الصلاة بالسجود وأوجب الله التسبيح من بعده وأما الاستغفار فقد ورد النص عليه في قوله تعالى { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (المزمل 20).

والله تبارك وتعالى يعلمنا في كتابه العزيز سواء بالأمر الصريح أم على لسان أنبيائه عليهم السلام كيف يكون التسبيح وكيف يكون الاستغفار، فإذا كان التسبيح والاستغفار بأمر صريح فهو واجب بنصه كما ورد به الذكر الحكيم وإذا كان على لسان أنبيائه عليهم السلام فهو واجب لوجوب الإقتداء بسننهم.

ومن التسبيح في الذكر الحكيم على سبيل المثال لا الحصر { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ .} (الزخرف 82). { وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . } (النحل 8). { سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .} (البقرة 32)، { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ .} (آل عمران 191). { لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .} (الأنبياء 87) { سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا } (سبأ 41).

ومن الاستغفار في الذكر الحكيم وعلى سبيل المثال أيضاً { أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ .} ، (الأعراف 155). { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ .} (إبراهيم 41). { رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .} (المؤمنون 18). { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي } (القصص 16).

{ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً.} (المائدة 58).

تدل هذه الآية الكريمة على أن المسلمين كانوا ينادون إلى الصلاة الجامعة في مساجدهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يزال المسلمون ينادون إلى الصلاة في مساجدهم لكل صلاة في الفجر وفي صبح العيدين وفي الظهر والعصر وللمغرب والعشاء. ( الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد ألا إله إلا الله.. أشهد أن محمداً رسول الله. حيّ على الصلاة. حيّ على الفلاح. الصلاة جامعة. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. السلام عليك يا رسول الله.. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ).

نداء الأبرار بالتكبير والتوحيد وبذكر الله والسلام على رسله جميعاً لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، وليس في القرآن نداء خاص يجب التقيد به ولذلك فهو من الإطلاقات التي يرخص فيها للمسلمين بالنداء إلى صلاتهم عملاً بقوله تعالى { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى.} (الإسراء 110). فيجوز بذلك كما يجوز بغيره من أسماء الله الحسنى، ونرى المحافظة على هذا النداء لأنه أصبح من السنن الصحيحة المألوفة للمسلمين دون أن نفاضل بين رسل الله لسبب بسيط هو أننا لسنا في مستوى هذه المفاضلة ولأنه لا ينبغي لنا أن نفرق بين رسله سلام الله عليهم جميعاً. { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} (البقرة 285).

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الجمعة 9).

(مِن) بكسر الميم في قوله تعالى { مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ } مرادفة (في) ويقول الإمام الفاضل محمد مرتضى الزبيدي رحمه الله في كتابه تاج العروس (ومن أوجه استعمال (مِن) بكسر الميم أن ترد مرادفة (في) كقوله تعالى { إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ } ، (أي في يوم الجمعة).

وبذلك فإن الأمر في هذه الآية الكريمة إنما ينصرف إلى كل صلاة ينادى لها في يوم الجمعة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } (الجمعة 9) فيجب السعي إلى الصلاة الجامعة كلما سمعنا لها نداء في يوم الجمعة وإنما ينادى للصلوات المفروضة في يوم الجمعة جميعاً وهي الفجر والصبح والظهر والعصر وصلاة الدلوك إلى غسق الليل.

ولا يمكن أن تفسر (من) في هذه الآية على محمل التبعيض وبما يجيز الاكتفاء ببعض الصلوات دون غيرها أو بصلاة الظهر من يوم الجمعة، لأن المستقر عليه عند علماء اللسان العربي أن (من) لا تفيد التبعيض إلا إذا كان ما بعدها أكثر مما قبلها كقوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ } .

{ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ . } (المعارج 23).

{ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ . } (المعارج 34).

فيجب أن تكون الصلاة دائمة غير منقطعة ما دام الإنسان حياً، والصلاة الدائمة من سنن أنبياء الله عليهم السلام { وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً .} ، (مريم 31). كما يجب المحافظة عليها بما يجب لها من الحفظ ومن ذلك أداء المسلم لها على وجهها وأن يأمر المسلم أهله بأدائها وهذا من سنته صلى الله عليه وسلم الثابتة في القرآن { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } (طه 132) كما كان من سنن أنبياء الله عليهم السلام { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً . وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً .} (مريم 54-55) وذلك حتى لا تضيع الصلاة بيننا فيحق علينا قول ربنا { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً .} (مريم 59). ومن المحافظة على الصلاة أداؤها في مواقيتها وتحدد مواقيت الصلاة بحركة الشمس من وقت ظهور أول ضوء من ضيائها بمطلع الفجر ثم بشروقها وانتشار ضوئها في الصبح ثم عند انتصافها في كبد السماء من الظهيرة إلى حين ميلها بما تتساوى به ظلال الأشياء بقاماتها في العصر وصلاة الدلوك من بعد غروب الشمس إلى غسق الليل.

{ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ . } (البقرة 238).

الصلاة الوسطى هي الصلاة المعتدلة بركعتيها وبما يتلى فيها من الذكر الحكيم وبما يسبح به الله فيها، فيجب عدم إطالتها كما يجب عدم تقصيرها حتى إذا ما انتهت بركعتيها أمكن القيام إلى صلاة أخرى بركعتين أخريين كما أمكن الانصراف إلى ذكر الله أو الجهاد في سبيله أو الانتشار في الأرض ابتغاء فضل الله. والاعتدال في الصلاة مطلوب في كل حركة من حركاتها فبالنسبة لما يتلى فيها من القرآن ينبغي ألا يجاوز ما يتيسر للمصلي بما يحفظه من القرآن بحسب حالته { فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } (المزمل 20). كما ينبغي عدم رَفع الصوت بالصلاة أو خفضه فيها والاعتدال بين ذلك عملاً بقوله تعالى { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً .} (الإسراء 110). وهكذا فإن الجهر بها منهى عنه كما أن كتمها منهي عنه أيضاً وإنما يجب الاعتدال بين الأمرين في الصلاة سواء كانت مفروضة أم غير مفروضة في نفل أو تهجد، وتفسر الصلاة الوسطى بالاعتدال فيها من قوله تعالى { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، (المائدة 89) ومن ذلك قول العرب خير الأمور أواسطها.. وجادلوا في ذلك يصرون على أن يجهروا بصلاتهم حيناً ويخافتوا بها بل يكتمونها حيناً، ولا يبغون بين ذلك سبيلاً.

كما يجب أن يقوم المسلم إلى صلاته قانتاً { وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ . } أي طائعين وقد ورد تفسير القنوت بالطاعة في قوله تعالى { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيل} (النساء 34) فقد ورد القنوت في هذا الآية الكريمة مضاداً للنشوز وإنما تعرف الأمور باضدادها وتأكد ذلك بقوله تعالى { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } أي أقلعن عن نشوزهن وعدن صالحات قانتات فلا تبغوا عليهن سبيلاً.

{ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } (الماعون 4، 5).

{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } (آل عمران 19) والإسلام أن يسلم المسلم وجهه لله

{ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 111، 112). والدين من دان ديناً هو مفسر في قوله تعالى { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ . } (التوبة 29). وهذا هو أحسن الدين هو الإسلام مستخلصاً من أحسن الحديث { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً .} (النساء 125). وإنك إذ تدين بدين الإسلام بأن تسلم وجهك لله عز وجل كما أسلم إبراهيم. والأنبياء عليهم السلام من بعده، فإنه سيكون عسيراً كل العسر أن تسهو عن صلتك به والصلاة هي صلتك بالله تبارك وتعالى لا يسهو عنها مسلم أسلم وجهه لله واتبع ملة إبراهيم حنيفاً وعلم أن الله قريب سميع مجيب الدعاء.

{ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } (الماعون 5) لم يرد التعبير بالسهو في موضع آخر من القرآن إلا في قوله تعالى { الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } (الذاريات 11)،

وقد اتفق علماء اللسان كما جاء في تاج العروس على أن السهو يختلف عن النسيان، فالسهو هو الغفلة عن الشيء من بعد العلم به عمداً، وإذا أردت أن تذكر به صاحبه لم يتذكر وأصر على غفلته، أما النسيان فهو الغفلة عن الشيء من بعد العلم به بغير عمد لعلة في صاحبه، وإذا أردت أن تذكره فربما تذكر وعاد إلى الرشد، كما كان من نبأ آدم { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } (طه 115) فلما ذكره ربه تذكر وقال { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (الأعراف 23) ولذلك غفر الله له وتاب عليه، ولم يغفر لإبليس الذي أصر واستكبر وقال { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (الأعراف 12).

ولقد صدق علماء اللسان عندما اعتبروا النسيان علة، فما زال الإنسان ينسى ما ذكر به حتى ينسى نفسه { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ } (الحشر 13) وجزاء أولئك أن ينسوا يوم القيامة { قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } (طه 126).

ولقد أذن الله للمؤمنين أن يعايشوا غيرهم، وأن يقعدوا معهم، وأن يسمعوا لقولهم حتى يخوضوا في آيات الله بغير الحق، فإذا فعلوا فما على المؤمنين إلا أن ينفضوا من حولهم، فإذا نسوا فما عليهم من سبيل حتى يتذكروا { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } (الأنعام 68).

ويستنبط بمقارنة الآيات بعضها ببعض أن الله سبحانه وتعالى من رحمته يعفو عن النسيان، حتى يتذكر الإنسان، فإذا تذكر وأصر على ما كان غافلاً عنه فؤلئك هم الظالمون، أما الساهون فهم قوم يتعمدون الغفلة وهم يعلمون، وإذا ذكروا لا يذكرون، والسهو في الشيء يختلف عن السهو عنه، فالإنسان يسهو في الشيء قبل العلم به، وهو يسهو عنه بعد العلم به، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى من رحمته ينذر بالويل من يسهو عن الصلاة { الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } أي بعد العلم بها والإحاطة بفضلها عند الله، وعسى الله أن يعفو عمن يسهو فيها قبل العلم بوجوبها.

{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } (الأعراف 31).

الخطاب في هذه الآية الكريمة لابن آدم الذي فضله الله على كثير ممن خلق تفضيلاً وكرمه وأحسن خلقه، فهو لذلك خليق بكل تكريم سواء كان مسلماً أم غير مسلم، وتكريم غير المسلم إنما يكون بإبلاغ الدين إليه فإن أسلم فله إسلامه وإن كفر فعليه كفره وإن تولى فلا يكره على دين الله ولا يحمل عليه بحد السيف، أما إن بغى وبادر بالعدوان أو ظاهر عدواً أو سعى للفساد في الأرض أو عمل على الفتنة وإخراج الناس من ديارهم أو ظاهر على شيء من ذلك وجب قتاله دفاعاً عن دين الله وعن الإصلاح في الأرض.

وخليق بالمسلم أن يعرف قدر نفسه وقيمته التي خلقه الله عليها فيأخذ زينته من تطهير بدنه وثيابه وتهذيب شعره وأظافره وأولى ما يجب من ذلك للصلاة وخاصة في المساجد { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (الاعراف 32).

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً . } (النساء 142).

فالصلاة حركة ونشاط يستيقظ لها المسلم من قبل شروق الشمس ويتوضأ لها ولا يفرغ منها إلا ليستعد لغيرها في صلة دائمة بربه وحركة دائبة تحفظ له إسلام وجهه لخالقه وتحفظ له ذكر الله على قلبه فلا يقبل منه أن يقوم إلى صلاته كسلاناً إلا أن يكون منافقاً يخادع الله والله خادعه من الذين يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ } (النساء 43).

الله تبارك وتعالى إنما يخاطب بكتابه الكريم أولى النهى ذوي الحجر والألباب فإذا كان الخطاب موجهاً إلى الذين آمنوا من هؤلاء فيجب أن نستبعد كل الاستبعاد أن يكون الخطاب في هذه الآية الكريمة موجهاً لمن كان من هؤلاء سكراناً بخمر، ويقول الله تبارك وتعالى { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .} ، (الحج 2)، { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ . } ، (ق 19). ويضرب الله المثل الأعلى في الآية الأولى بقوم اشتد بهم العذاب حتى غابوا عن وعيهم فتراهم سكارى وما هم بسكارى ويضرب المثل الأعلى في الآية الثانية بغيبوبة الموت التي يغيب فيها الإنسان عن وعيه ولا يدرك من أمره شيئاً وإن كان لا يزال حياً، وفي كلتا الحالتين ورد السكر بمعنى فقدان الوعي بما يكون الإنسان فيه من شأن، وهذا هو المقصود بقوله تعالى { لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى } (النساء 43) إذا كنتم غائبين بعقولكم فيما يشغلكم عن الصلاة من أمور الدنيا وقضاياها وذلك لتصفو نفوسكم وتطهر أفئدتكم وتخلد قلوبكم لذكر الله { حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} وهذا من آداب الصلاة التي يجب المحافظة عليها بل هو طهارة العقل في الصلاة أوجبها الله في هذه الآية الكريمة سابقة على طهارة البدن، ومقدمة عليه، لأن عقل الإنسان أولى بتطهيره مما سواه وتطهير العقل إنما يكون باعتزال الدنيا وسائر شؤونها حين تنعقد صلتنا بالله تبارك وتعالى في الصلاة للاقتراب من رب الأرض والسموات العلى. { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ .} (المؤمنين 1-2).

المسلم يتلو في قيامه قرآناً ويسبح في ركوعه وسجوده بقرآن، ويظل هكذا عاكفاً حتى يخرج من صلاته بقرآن { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً .} ثم يعود إلى صلاته بآيات الذكر الحكيم ويكبر الله بعد كل آية يتلوها في قيامه وركوعه وسجوده { لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } (الحشر 21) وأولى من الجبل بالخشوع لذكر الله وقرآنه المجيد من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

والذين لا تخشع قلوبهم لذكر الله في الصلاة ويأتونها وهم سكارى لا يعلمون ما يقولون، هم أولئك الذين يحول الله بينهم وبين قلوبهم فترى لهم ألسن تلهث بذكر الله وأفئدتهم هواء { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .} (الأنفال 24). والقلب من الإنسان هو ما يفقه به { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } (الأعراف 179). والقلب في الإنسان هو ما يعقل به { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } (الحج 46). والقلب من الإنسان هو ما يعلم به { رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ .} (التوبة 93). والقلب من الإنسان هو ما يتدبر به { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } (محمد 24). فإذا حيل بين المرء وقلبه فقد حيل بينه وبين أن يفقه أو يعقل أو يعلم أو يتدبر من آيات ربه شيئاً وذلك هو الضلال البعيد.

{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . } (الأنعام 162).

هذا هو ما أوجبه الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فأسلم له وأخلص له صلاته ونسكه وحياته ومماته، وتلك من سنن النبيين عليهم السلام من الذين بعثهم الله بالهدى ودين الحق ليكونوا قدوة للعالمين، فمن أسلم وأخلص صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله فأولئك تحروا رشداً. { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً . ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً.} (النساء69، 70).

وإنما الطاعة باتباع الرسول فيما أوحى إليه من آيات ربه، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى أن الذين يكفرون بآيات الله كالذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، لأن النتيجة واحدة في هذه الكبائر جميعاً وهي حجب ما أمر الله به من القسط عن الناس وتركهم في ظلمات بعضها فوق بعض { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .} (آل عمران 21).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home