Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Monday, 24 July, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (20)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ.}(يوسف3)

أحسن القصص

ـ  إبراهيم عليه السلام
ـ  موسى عليه السلام
ـ  داود عليـه السلام
ـ  سليمان عليه السلام
ـ  يونس عليه السلام
ـ  ما بعـد الطوفـان
ـ  آل عمــــران
ـ  محمد رسول الله عليه السلام

{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً .} (الكهف 27) هذه هي دعوة الرحمن إلى عباده المؤمنين في كتاب لا مبدل لكلماته, فهي ثابتة محفوظة حرفاً بعد حرف وكلمة بعد كلمة وآية بعد آية وسورة بعد سورة تماماً كما أوحى بها الله تبارك وتعالى وأنزلها على عبده تنزيلاً وحفظها للعالمين جميعاً بشكلها الذي أراده الله لها لا ينصب فيها مجرور ولا يرفع فيها ساكن حكمة بالغة وحجة داحضة وحقاً مبيناً يقذف به الله كل باطل إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها.

ولن تجد من دونه ملتحداً..ولن في اللسان العربي تفيد النفي القاطع في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل, وكان خليقاً بالذين يجتهدون في الدين أن يعوا ما أنزل إليهم من ربهم فتصغي إليه أفئدتهم ويرضوه ويعلموا أنهم لن يجدوا من دون هذا الكتاب ملتحداً من كتب أو أحاديث مفتريات أو غير مفتريات, فهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تفصيلاً لكل شئ وتفسيراً لكل شئ.

وحين نتلو أحسن القصص في كتاب ربنا لا نجد حاجة فيما يقدمه رواة الأساطير من التفاصيل التي لا تقدم من بين يديها ولا من خلفها إلا انحرافاً عن العبرة العظيمة المزجاة في هذا القصص الكريم { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .} (يوسف 111) فحين نجد العبرة فيما يتلى علينا, ونستنبط تفصيل العبرة مبرأة من تفاصيل الرواية التي لا حاجة لأولى الألباب بها, ثم نجد صدورنا قد انشرحت لنور الهدى والرحمة الذي تقدمه العبرة من بين يديها فذلك أحسن القصص من عند الله العزيز الحكيم.

لا حاجة لنا في اسم امرأة العزيز التي كانت تراود فتاها عن نفسه, ولا حاجة لنا في وصف جمالها وأثاثها. بل يكفي أولى الألباب الذين أنزل إليهم الكتاب أنها بأنوثتها وسلطانها لم تقو على إغواء فتى يعتصم بحبل الله, رغم أنه كان ما يزال مستضعفاً في بيتها.

لا حاجة لنا في وصف سفينة نوح وقياس أبعادها وأسماء الذين حملهم فيها, بل يكفي أولى الألباب الذين أنزل إليهم الكتاب أنه حمل فيها من كل زوجين اثنين ولم يستطع أن يحمل فيها من أضل الله ولو كانوا من أبنائه أو عشيرته.

لا حاجة لنا في هذا الضلال البعيد الذي يقدمه المؤرخون في ليلة الإسراء, لقد أسرى الله سبحانه وتعالى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات ربه الكبرى.. ما هي هذه الآيات؟ لا علم لنا بها ولا لآبائنا.. بل هي درجة من درجات التفضيل التي آثره الله بها على عباده المؤمنين كما فضل بعض النبيين على بعض بما لا علم لنا به ولا طاقة لنا بإدراكه.. فنحن دون هذا المستوى ولا قبل لنا بقياس هذا التفضيل.

إدريس عليه السلام لم يذكر في الكتاب إلا مرتين, ومع ذلك فلا حاجة لنا كلما ذكرنا إدريس عليه السلام إلا أن نذكر أنه ما أقام نبي الصلاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر إلا جاء من بعده خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. لأن هذه هي العبرة التي يوجهنا الله إليها في ذكره مبرأة من تفاصيل الرواية وأساطير الضلالة { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً . وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً . فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً . إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً .} (مريم 56، 60) إدريس عليه السلام لم يكن بدعاً من الرسل فهو من الصفوة الذين يختارهم الله على علم ليبين للناس ما يختلفون فيه أن آمنوا بالله ولا تشركوا في حكمه أحداً وأن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعملوا صالحاً إن الله بما تعملون عليم والله يمكن لهم في الأرض ويرفعهم درجات في الدنيا وفي الآخرة بما صبروا وكانوا من الصالحين { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ . وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ .} (الأنبياء 85، 86).

واليسع عليه السلام لم يذكر في الكتاب إلا مرتين, ومع ذلك فلا حاجة لنا كلما ذكرنا اليسع عليه السلام إلا نذكر أن هدى الأنبياء لا يتجزأ بينهم, وإن حديثهم يكمل بعضه بعضاً في قدوة جامعة لا مفاضلة فيها ولا تفريق بينها. حتى إذا بعث الله محمداً عليه السلام ليختم حديثهم أوحى إليه تبارك وتعالى أن يقتدي بهداهم وأن يصبر كما صبروا لا يسأل الناس أجراً ولا يدعهم إلا إلى ذكر الله الذي أنزل إليهم من ربهم هدى ورحمة للعالمين { وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ . وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ .} (الأنعام 86، 90) اليسع عليه السلام لم يكن بدعاً من الرسل هو من الصفوة الذين يختارهم الله على علم ليبين للناس ما يختلفون فيه أن آمنوا بالله ولا تشركوا في حكمه أحداً وأن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعملوا صالحاً إن الله بما تعملون عليم. والله يمكن لهم في الأرض ويرفعهم درجات في الدنيا والآخرة بما صبروا وكانوا من الأخيار {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ . هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ .} (ص 48، 49).

وإلياس عليه السلام لم يذكر في الكتاب إلا مرتين مع اليسع في آية القدوة الجامعة ومرة أخرى في حديث الاستعلاء في الأرض, إن الإنسان إذا ضل سبيله إلى ربه فإنه قد يرى الاستعلاء في أفعى أو ثور أو صقر فيعبدها ويخضع نفسه لها ويتقرب إليها, وقد يرى الاستعلاء في نهر يفيض بالخيرات أو جبل يفيض منه الماء أو كوكب درى في السماء فيركع له ويسجد بين يديه ويقدم له القرابين من الذل تضرعاً وهواناً. وقد يكون الاستعلاء أمراً موروثاً في الجماعة لملك يحكمها أو كهنة يتوارثون الضلالة فيها أو صنماً من الصخر أو الذهب لعبادتها, وفي جميع الأحوال يعبد الناس بعلاً بجهل أو نفاق أو ضلالة أو استخذاء. فالبعل في اللسان العربي الذي أنزل به القرآن هو الأرض المرتفعة لا يصيبها سيح ولا سيل وقال الراغب البعل هو الأرض المستعلية على غيرها, والبعل ما شرب بعروقه من غير سقى أو مطر أو طل لاستعلائه, ويقال استبعل المكان إذا استعلى على غيره, وإنما سمي العرب معبودهم الذي كانوا يتقربون به إلى الله بعلاً لاعتقادهم الاستعلاء فيه, ويقال فلان بعل الدابة إذا استعلى عليها, وفي حديث الشورى (من بعل عليكم أمركم فاقتلوه) وكل رئيس أو ملك فهو بعل, ذلك مما جاء في بيان البعل والاستبعال في تاج العروس للإمام الزبيدي رحمه الله فهو مرادف للعلو والاستعلاء حيثما ورد به الحديث في اللسان العربي المبين وليس مجرد اسم لصنم عبده الناس من قبل الإسلام أو من بعده { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ . أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ . اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ . فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ . إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ .} (الصافات 123، 132).

الياسين عليه السلام لم يكن بدعاً من الرسل, فهو من الصفوة الذين يختارهم الله على علم ليبين للناس ما يختلفون فيه. ولا حاجة لنا كلما ذكرناه عليه السلام إلا أن نذكر أنه ليس في الأرض ولا في السماء ولا بينهما من بعل يخضع له الإنسان أو يذل بين يديه من دون الله, بل كل من في السماوات والأرض وما فيهن عباد أمثالنا لله أحسن الخالقين هو ربنا ورب آبائنا الأولين وهو ولينا من الذل وهو أرحم الراحمين والله سبحانه هو المتعال فوق كل استعلاء وهو القاهر فوق كل استبعال وإذا كان للإنسان أن يستخذى بعلاً فأولى له وأعز وأكرم ألا يذل إلا لله الأعلى الذي لم يكن له ولى من الذل وهو العزيز الرحيم.

سلام على الياسين دعا إلى الله وحده فوق كل استعلاء, وبين للناس ما اختلفوا فيه أن آمنوا بالله ولا تشركوا في حكمه أحداً وأن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعملوا صالحاً إن الله بما تعملون عليم. والله قد مكن له وللذين اتبعوه في الأرض وأنجاهم من القوم الذين ضلوا وراء بعل في الأرض أو في السماء ورفعهم درجات في الدنيا والآخرة بما صبروا وكانوا من المحسنين.

وأيوب عليه السلام أصابه الضر فمر به صابراً عليه لا يلومن فيه أحداً إلا شيطاناً ولا يجدن له ملجأ منه إلا إلى الله.. فإذا ذكرناه لا نذكره إلا في الكتاب, وإذا قرأناه فلا حاجة لنا إلا بالعبرة في الضر, وإذا مس الإنسان الضر فلن يجد له مخرجاً إلا كما وجد أيوب عليه السلام.. يمر به صابراً عليه.. لا يلومن فيه أحداً إلا الشيطان إنه عدو مضل مبين.. ولا يجدن له ملجأ من الله إلا إليه سبحانه إنه هو الرؤوف الرحيم.

{ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ .} (ص 41، 44)

إنا وجدناه صابراً.. يحتمل الضر ولا ينهار به.. وما يزال صابراً على الألم حتى تصفو به الروح ويقوى به الإيمان.. فالآلام العظيمة تصنع الإنسان العظيم إذا كان صابراً, أو تدمره إذا كان خائراً من الذين يعبدون الله على حرف.. ولا نجده عليه السلام من الذين يبرئون أنفسهم أو يلقون باللوم على غيرهم فتسمعه ينادى ربه معتذراً إليه بما أصابه من الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس ليتورطوا في الحنث فيحق عليهم العذاب.. ولا نجده قد وجد ملجأ إلا إلى ربه يدعوه إنه هو البر الرحيم.. وكذلك يضرب الله الأمثال ويقص الحق وهو خير الفاصلين.

فإذا سألنا اليهود عنه عليه السلام كما اعتاد المسلمون كلما أرادوا أن يحجبوا أنفسهم عن عبادة الله بتدبر كلماته لوجدنا عندهم نقيض كل ذلك.. يقولون إن الله أصابه بغير حنث وسلط عليه الشيطان ليضرب ماله فقال أيوب(عرياناً خرجت من جوف أمي وعرياناً أعود الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً- سفر أيوب الفصل الأول) والله لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ذلك من آيات الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً.. ويقولون إنه عاد فسلطه على بدنه فضربه بقرح خبيث فقال أيوب (أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشر- سفر أيوب الفصل الثاني) والله لا يصيب أحداً إلا بالخير فما أصابه من الشر فمن نفسه وذلك من آيات الله وسننه لا مبدل لكلماته في الأرض ولا في السماء.. ويقولون إنه كان يقول بزعمهم (لقد يئست فلا حياة لي إلى الأبد ماذا أفعل لك يا رقيب البشر ولم جعلتني هدفاً لك حتى صرت كلاً على نفسي- سفر أيوب الفصل السابع) وذلك مما نسمعه اليوم من الجاهلين كلما أصابهم الضر لا يصبرون عليه ولا يلجأون فيه إلى الله ولا يعترفون بالحنث الذي أورثهم الضر, بل يصرخون صراخ الجاهلية يقولون ربنا لم كتبت علينا العذاب إنا يائسون.. أما أيوب عليه السلام فكان صابراً وكان لا يلومن أحداً إلا شيطاناً وكان لا يرجو الخير إلا من ربه ولا يظن بربه إلا خيراً.

{ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} .. ذلك ما كان يقول أيوب عليه السلام, كما قال صاحب موسى عليه السلام عندما قال { وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } (الكهف 63) وكما قال موسى عليه السلام عندما وكز رجلاً من عدوه فقتله قال { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ .} (القصص 15) المؤمنون هم الذين يعلمون أنه لا يصيبهم الضر إلا من الشيطان يعدهم ويمنيهم حتى يتورطوا في الحنث فيحق عليهم العذاب. واستجاب له ربه فأرشده إلى شفاء نصبه وعذابه ليكشف عنه ما كان به من الضر.. اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب.. نبع من الماء يركض فيه برجله ويغتسل فيه ويشرب منه.. وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به.. الضغث هو اختلاط الشئ بالشئ كقوله تبارك وتعالى { قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ.} (يوسف 44) أي إنها رؤيا لا يمكن تأويلها لاختلاطها والتباسها.. والضغث في موضع العلاج هو خليط من أعشاب أو دهون أو نحو ذلك ليضرب به مواضع الداء في جسمه.. يضرب بالضغث ليغطى به مواضع الداء كما يضرب بالخمار لتغطية الجيوب { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } (النور 31) ويشاء الله أن يتم نعمته عليه فيأتيه أهله ومثلهم معهم ويعظه بألا يعود إلى الحنث حتى لا يحق عليه العذاب.

في هذه الآيات البينات نجد الطب بالمياه وبالعقاقير.. ونجد أن النعمة لا تتم إلا بالأهل.. وإن الإنسان لا يأتيه العذاب إلا من نفسه إذا اتبع الشيطان وجعل له سلطاناً على نفسه.. وأن لا نجاة من العذاب إلا باحتماله والصبر عليه والرجوع إلى الله فيه والإنابة إليه ببراءة من الشيطان ودعاء إلى الرحمن.

الحنث هو الإثم { وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ .} (الواقعة 46) أما الأنبياء والصالحون فكانوا لا يصرون على الحنث, بل كانوا يتبرأون منه ولا يلومون فيه إلا الشيطان ويعتذرون إلى ربهم تائبين إليه مخلصين له الدين.. وكان الله تواباً رحيماً يقبل دعاءهم ويكشف عنهم الضر ويزيدهم من فضله { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .} (الأنبياء 83، 84) ويشاء الله من رحمته أن يجعله من النبيين الذين أوحى إليهم { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً . وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً . رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .} (النساء 163، 165).

أيوب عليه السلام لم يذكر إلا في هذه الآيات الثلاث وفي آية القدوة الجامعة التي لا تتجزأ بين الأنبياء { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ . وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ .} (الأنعام 83، 90).

ذلك أيوب عليه السلام فما حاجتنا من بعد الذكر إلى زمانه ومكانه.. لقد أصبح من القدوة الجامعة في الصبر على المكاره والبراءة من الشيطان والرجوع إلى الله بالتوبة الخالصة والإنابة الصادقة.. ومن كان من القدوة الجامعة فهو في كل زمان وفي كل مكان.. وما حاجتنا إلى تفاصيل الرواية بعد أن فصل لنا الله العبرة في كتابه العزيز.. إن تفاصيل الرواة قد حجبت الناس عن العبرة وانحرفت بهم عن سبيل الله { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ} (ص 44) معطوف في الفهم على قوله تبارك وتعالى { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ .} (ص 42) فهذا علاج بالمياه وذلك علاج بالعقاقير في آية جامعة وأذان للناس أن الله قد جعل شفاء أمراضهم في المياه وفي العقاقير.

أما قوله تبارك وتعالى { وَلَا تَحْنَثْ } (ص 44) فمعطوف في الفهم على مس الشيطان, أي لا تعودن إلى الحنث فيصيبك ما أصابك من مس الشيطان مرة أخرى.. أما ما جاء به رواة الأساطير أنه حلف ليضربن زوجه إذا برئ من مرضه فلا سند له في الكتاب, ولا علاقة له في الفهم بحديث مرض يصيبه فيصبر عليه.

إن رد الآيات إلى مواضعها في الفهم مبرأة من كل إضافة ليست في القرآن هو واجب كل مسلم يتدبر القرآن, فإذا نفرت الفئة التي دعا الله إليها لتتفقه في الدين وفعلت فلسوف تجد أن تفاصيل القرآن أعظم ولا شك من كل التفاصيل التي أضافها الأولون والآخرون بل أكثر بياناً وأيسر فهماً وأحسن تفسيراً.

وذو الكفل عليه السلام.. ماذا يمكن أن نستخلص من العبرة في حديث ذي الكفل عليه السلام.. لقد بلغ درجة الخالدين في الذكر الحكيم كما بلغها إسماعيل وإدريس واليسع بصفات ثلاث.. الصبر.. والصلاح.. والخير { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ . وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ .} (الأنبياء 85، 86) { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ .} (ص 48) لم يذكر ذو الكفل عليه السلام إلا في هذه الآيات البينات, فما حاجة المؤمن إلى ما وراء ذلك من الذكر.. ألا يكفينا أنه بلغ هذه الدرجة العظيمة بهذه الصفات الكريمة. إن الله سبحانه وتعالى قد فصل لنا كل ما نحتاج إليه وبين لنا كل ما يهدينا إلى صراطه وفسر لنا كل ما يرشدنا إلى رحمته, ولم يخف عنا إلا ما لا حاجة لنا به أو ما تعجز عقولنا عن إدراكه { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .} (العنكبوت 51، 52).

إن الذين لم يكفهم ما أنزل عليهم في الكتاب من ربهم ويتمسكون بعصم ما أجمع عليه السلف من الرواية ومن الحديث ويظنون أن الإجماع ركن في دينهم ومصدر من المصادر الأساسية في شريعتهم, إن هؤلاء ينسون أنهم بذلك إنما يضاهئون قول الذين سبقوا من أهل الكتاب من قبلهم فذلك هو العهد القديم شاهد على أن الإجماع أصل من أصول الشريعة عند اليهود وعند النصارى فقد ورد في الحاشية تعليق على سفر الجامعة:(مدار الكلام في هذا السفر يرجع إلى تقرير هذه الحقيقة وهي كل ما يرى تحت الشمس باطل فليس في أحوال الإنسان ما يستحق الاستعظام أو ينزل منزلة اليقين إلا تقوى الله جل جلاله والوقوف عند أوامره والنزاهة عند التدنس بالخبائث تمثلاً للمثول بين يديه تعالى في موقف الحساب, وأما مصنفه فقد أجمعت علماء اليهود والمسيحيين باتفاق الكلمة على أن واضعه سليمان ولا ريب إن إجماع أمة بأسرها أعنى أمة اليهود منذ وجد هذا السفر واتفاقهم على أن مصنفه هو سليمان الذي هو أحكم الملوك وأجدرهم بأن يعزى إليه, ونظمهم إياه في جملة أسفارهم المقدسة ينبغى أن يكون موثوقاً به معمولاً عليه ولا سيما وقد قررت ذلك سلطة الكنائس المسيحية دون استثناء منذ عهد الرسل إلى يومنا هذا).

ولا تثريب علينا أن نقرأ أهون ما في هذا السفر مما أجمعوا عليه (ووجهت قلبي لمعرفة الحكمة ومعرفة الجنون والحماقة فعرفت أن هذا أيضاً كآبة للروح, لأن في كثرة الحكمة كثرة الغمة ومن ازداد علماً فقد ازداد كرباً- الفصل الأول الجملتان17 و18- للحكيم عينان في رأسه أما الجاهل فيسير في الظلمة لكني علمت أيضاً أن حادثة واحدة تحدث لكليهما. فقلت في قلبي إن الذي يحدث للجاهل يحدث لي أنا أيضاً إذن فلم حكمتي هذه الوافرة فقلت في قلبي هذا أيضاً باطل- الفصل الثاني الجملتان14 و15- والأحياء يعلمون أنهم سيموتون أما الأموات فلا يعلمون شيئاً وليس لهم من جزاء بعد إذ قد نسى ذكرهم. حبهم وبغضهم وغيرتهم قد هلكت جميعاً وليس لهم حظ بعد في شئ مما يجرى تحت الشمس. فاذهب كل خبزك بفرح واشرب خمرك بقلب مسرور إذا كان الله قد رضى عن أعمالك- الفصل التاسع الجمل5 ,6 ,7- ولكن إذا عاش الإنسان سنين كثيرة وفرح في جميعها فليتذكر أيام الظلمة أنها ستكون كثيرة فإن المستقبل كله باطل- الفصل الحادي عشر الجملة8). فالإجماع ليس أصلاً في الإسلام كما يزعمون بل هو إتباع لما دأب عليه علماء اليهود من قبل واتبعهم علماء النصارى من بعدهم, ولا اختلاف في ذلك بين هؤلاء وبين علماء المسلمين الذين فرضوا الإجماع في دينهم إلا قول علماء المسلمين إن الإجماع أصل مقرر في الإسلام. وربما يدعم هذا القول ما نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال بزعمهم (لا تجتمع أمتي على الضلالة) إذا صح هذا الحديث فإن أمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الأمة التي تجتمع على القرآن وتعتصم به ولا تجد من دونه ملتحداً, وهذه أمة لا تجتمع على الضلالة ولا تنحرف عن الهدى. أما الذين يتخذون كتاب الله مهجوراً ويجتهدون لأنفسهم أحكاماً تخالف أحكام القرآن, فهؤلاء لا يجتمعون إلا على الضلالة ولن يهتدوا إذن أبداً { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .} (الأنعام 115، 117) إن أكثر من في الأرض يضلون عن سبيل الله, فكيف إذا أجمعوا!؟.

ولا نزعم أننا سنحيط بكل عبرة في أحسن القصص من كتاب ربنا, فهذا ما لا يحيط به الكتاب لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً, وإنما يعنينا أن نبين كيف تستنبط العبرة من هذا القصص العظيم من آيات الله كما أنزلت علينا مبرأة مما أقحم عليها في أساطير الرواة والمؤرخين سواء أجمع عليه العلماء أم لم يجمعوا عليه.

ولقد نجد كثيراً من العلماء يصرون على تفاصيل الرواية مما يجدونه عند اليهود في أسفارهم ويقولون إن هؤلاء هم أهل الذكر ولا حرج على المسلمين أن يسألوهم أساطيرهم فيما لا علم لهم به من كتاب ربهم.. وإن ذلك لمن أخطر ما جاء به علماء المسلمين على الدين لأنه يفتح أبواب التسلل للفكر اليهودي على مصاريعها.. وإنه لا يمكن أن يقصد بأهل الذكر إلا أهل القرآن الذين يتدبرونه ويستنبطونه ويتلونه حق تلاوته من المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله.. لأنه لم يعد بين أيدينا من ذكر الله إلا هذا القرآن.. وإن اليهود ليقولون إن من النبيين لنساء مثل ديبورا وأستير وغيرهما.. وقال الله { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ .} (النحل 43) الذكر هو القرآن وأهل الذكر هم أهل القرآن, ولن نجد من دون القرآن ذكراً ولن نجد من دونه ملتحداً.

إبراهيم عـليه السلام

كان ما يزال فتى صغيراً عندما رفض الشرك وتطلع إلى الله رب الأرض والسماوات العلى { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ . وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .‏ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .} (الأنعام 74، 83).

لم يكن يحجب إبراهيم عليه السلام عن فطرته التي فطره الله عليها من شئ ولذلك فإنه سفه أحلام قومه وتطلع إلى ملكوت السماوات والأرض { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم 30، 32) فطر الناس جميعاً على دين الله حنيفاً بإنابة صادقة إلى الله وعلى تقوى من الله مقيمين الصلاة غير مشركين بالله, ولقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام قد علم أنه لن يهتدي إلى ربه إلا إذا هداه ربه إليه { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .} (الأنعام 77) فكان بذلك أقرب ما يكون إلى ملائكة الرحمن إذ قالوا {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } (البقرة 32).

تبرأ إبراهيم من الشرك.. وتبرأ من كل ما لا يستجيب له إذا دعاه آفلاً من بعد آفل.. وأخلص وجهه لإله واحد عرفه بفطرته وعرف أن لن يعلم من الله شيئاً إلا إذا هداه الله إليه.. واختار الجانب الآمن حيث لا يجتهد لنفسه في الدين شيئاً بغير علم من الله { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .} (الأنعام 81) ولقد رأينا أن إبراهيم عليه السلام في هذه السن المبكرة من عمره العظيم قد سبق الفلاسفة الأولين والمتأخرين, فكل هؤلاء قد عرفوا الله بفطرتهم ولكنهم كانوا محجوبين عن الفطرة الصحيحة بالأوهام والظنون فضل أكثر هؤلاء سبيلهم إلى الله وطبع على قلوبهم فمنهم من رأى ربه في حجر ومنهم من رآه في كوكب في السماء ومنهم من رآه في حيوان أو نبات.. لم يترك إبراهيم للهوى سبيلاً إلى نفسه, ولم يشأ أن يبني عقيدته على الظن والأوهام بل أراد الحقيقة خالصة من كل شائبة.. فأدرك أن الحق لله وأنه لن يعلم منه شيئاً إلا إذا تعلمه من الله فأخلص وجهه إلى الله واختار لنفسه الجانب الآمن.

وفي الدعوة إلى كتاب الله عودة إلى دعوة إبراهيم عليه السلام بتلقى الدين وحياً من الله سبحانه وتعالى مجرداً من كل شائبة خالصاً من كل دعوة لا تستند إليه { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .} (الأنعام 161، 163).

وبدأ إبراهيم عليه السلام بأبيه يدعوه إلى ما هداه الله إليه { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً .} (مريم 41، 48).

كان أبوه قد طبع على قلبه ولم يكن إبراهيم عليه السلام قد علم أن الله لا يغفر أن يشرك به, فلما تبين له ذلك تبرأ منه كما تبرأ من شركه من قبل.. وأصبحت البراءة من الشرك ومن المشركين واجباً على المؤمنين ولو كانوا أباءَهم أو عشيرتهم { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ .} (التوبة 113، 114).

ويبين الله لعباده أن الشرك هو أن تتخذ ولياً تطيعه من دون الله وأنت تعلم أنك بهذه الطاعة تعصى الله فيما يأمر به أو ينهى عنه, سواء كان هذا الولى حجراً أم حيوناً أم إنساناً جباراً في الأرض أم ضعيفاً { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .} (الأنعام 121) إن الذي يتورط في خطيئة أو إثم ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً, أما الذي يطيع ولياً من دون الله وهو يعلم أنه بهذه الطاعة إنما يعصى الله كدأب الملأ من قوم فرعون الذين كانوا يطيعونه في موسى وقومه فأولئك أشركوا ولو لم يكن أحدهم قد سجد لشئ من دون الله { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء 48، 116).

ومن الفطرة التي فطر الله الناس عليها أن الإنسان إذا اهتدى إلى الرشد فإنه يحب أن يرى كل الناس من حوله قد اهتدوا إلى ما هداه الله إليه, فتراه يفتأ يدعوهم إلى الرشد حتى يهتدوا أو يموت دون ذلك وفي هذه الرحلة الشاقة تراه يأسف على قومه الذين لا يؤمنون بدعوته حيناً وتراه حزيناً عليهم ضائقاً صدره بهم أحياناً أخرى.. وعلم الله هذا العناء فأوصى بألا يحيد المؤمن عن سبيل ربه التي هداه إليها, وأن يمضي في هذا السبيل يدعو إلى الله بالقول اللين والموعظة الحسنة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر كما أوصى عباده بألا يأسفوا على الذين لا يؤمنون ولا يحزنوا عليهم, فما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ويوم القيامة يعرضون على ربهم فيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون.

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ . وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ .} (الأنبياء 51، 73).

أقام البينة على صدق دعوته وأدرك القوم أنهم كانوا هم الظالمين, فما ينبغى لحجارة تتساقط جذاذاً بيمين ذلك الفتى العظيم أن تكون آلهة تعبد من دون الله. لقد رأوها حجارة متناثرة تحت أقدامهم وبدا أنهم قد آمنوا, ولكن لم يلبث أن صاح فيهم داعي الشيطان أن انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين, وسيطر الغوغاء على الموقف وتنادوا من كل مكان أن أحرقوه أو اقتلوه. وضاعت صيحة الحق وسط هذه الغوغائية وحجب القوم أنفسهم عن الحق بهذا الصراخ, ولو أنهم أنصتوا إليه بقلوب سليمة وعقول متفتحة لما كانوا قد ضلوا السبيل ولما كانوا من الخاسرين { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .‏ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .} (العنكبوت 16، 26) تلك كانت دعوة الحق بلسان إبراهيم عليه السلام إلى قومه أن اعبدوا الله واتقوه.. وابتغوا عند الله الرزق واشكروا له.. إليه ترجعون.. الله يبدأ الخلق ثم يعيده.. ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.. إن الله على كل شئ قدير.. وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء.. وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير.

فماذا كان جواب قومه..؟ انصروا آلهتكم.. اقتلوه.. احرقوه.. أعلنوا عليه غوغائية ما غلبوه بها ولكن غلبوا أنفسهم وحجبوا عقولهم عن الحق الذي جاءهم به فكانوا من الخاسرين.. وفاز إبراهيم بنعمة من الله وفضل وتولى عنهم { وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ .} (العنكبوت 25) ولا نكاد نجد قوماً ضلوا عن الهدى إلا مودة بينهم في الحياة الدنيا.. المجاملة.. مجاملة الآباء في دينهم الذي يجدونهم عليه.. مجاملة العشيرة في مذاهبها التي تتفق عليها..ومجاملة الكهنة فيما يسيطرون به وما يزعمون لأنفسهم من الشرف والمهابة في الجماعة.. فإذا جاءهم الحق على رجل منهم كرهوا سخط الكهنة والعشيرة وغضب الآباء وسقطوا في الفتنة وباؤا بسخط من الله.

من أجل ذلك كانت دعوة الله سبحانه وتعالى لعباده في الأرض أن يتفكروا في دين ربهم مثانى أو فراداً حتى يأمن الناس على عقولهم من تأثير الغوغاء وينأوا بعواطفهم عن هوى المجاملة { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ .} (سبأ 46) وكذلك يضع الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين المثلَ الأعلى في التفكير.. فيسموا بهم فوق الغوغائية ويحلق بهم بعيداً عن المجاملة.. ويكون فكراً خالصاً لله وللحقيقة بين رجلين ينصت أحدهما ويتحدث الآخر.. أو بين الرجل ونفسه يتدبر الأمر حتى يهتدي إلى النور الذي أنزل إليه من ربه ويعلم أنه الحق فيؤمن به ويخبت له قلبه.

{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.‏ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.} (الشعراء 69 - 89).

ما يزال الفتى يزداد إيماناً بربه حتى أصبح أباً للمسلمين من بعده إلى يوم القيامة. وجعله الله للمتقين إماماً وجعل في ذريته النبوة والكتاب ولو أننا نكتفي بدعاء إبراهيم لعلمنا أنه ما نال من هذا الفضل شيئاً إلا بما كان له عليه السلام من الفضل وعداً من الله سبحانه إنه يؤت كل ذي فضل فضله.

علم أن الله الذي خلقه فهو قادر على الهدى, سبحانه هو الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى, ولم يرد من الدنيا إلا أن يطعم فيها وأن يسقى, كالطير صافات في جو السماء.. تعد الثراءَ ملأ الحواصل. ولم يخش في الدنيا شيئاً إلا من المرض.. فذلك الذي لا يطمع فيها ولا يريد فيها علواً ولا فساداً.. وذلك الذي يسلم وجهه إلى الله ويحذر الآخرة ويطمع أن يغفر له الله خطيئته يوم الدين، ولقد كان عليه السلام أصدق ما يكون حيث قال لهم قول الحق من ربه { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَ} لم يقل فعله كبيرهم، بل قال كبيرهم هذا إشارة إلى يده الكريمة، لو كانوا يفقهون.

ونظل مع الفتى وهو ما يزال يواجه القوم وحده.. ويسفه أحلامهم وحده.. ويحطم أصنامهم بيده { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ . أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ . فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ . فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ . فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ . فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ . قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ . قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ . وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ .} (الصافات 83، 99).

اعتزل قومه وتولى عنهم.. وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين وآمن له لوط.. واعتزل القوم الذين ظلموا أنفسهم.. وتولى عنهم وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم إيمان كامل بالله, وإنابة خالصة إلى الله. إن أرض الله واسعة.. ولقد هاجر فيها إبراهيم ولوط متوكلين على الله ربهما لا يحيدان عما هدى إليه كل منهما على صراط مستقيم.. وظل إبراهيم ولوط يضربان في أرض الله كل منهما على هدى من الله.

ونلتقي بإبراهيم عند ملك.. أي ملك من ملوك هذه الأرض يظهرون ثم يختفون لا يعنينا من الأسماء ولا من المكان ولا من الزمان من شئ.. المهم أنه كان لنا لقاء بملك من ملوك هذه الأرض، كان بوسع إبراهيم عليه السلام كما ظن اليهود في أسفارهم أن يداهنه فيظفر منه بخيرات الملك أو يتخذ منه وزيراً في ملكه.. حاش لله إنه إبراهيم عليه السلام كانت النار أحب إليه مما وجد عليه قومه من قبل.. فلننصت إلى تحاورهما { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .} (البقرة 258).

ظن الملك أن الحياة هي منع القتل وأن الموت هو القتل.. ظن أنه يستطيع أن يكون إلهاً في الأرض إذا وجد القوم من حوله طائعين لا يردون له أمراً.. إن هذا الطراز من الملوك ما يزال يظهر ويختفي من حين إلى حين ومن مكان إلى آخر.. نشوة السلطان تسكره وطاعة الناس تزيده غروراً وعتواً حتى يصبح جسداً بغير قلب ولا إيمان. لا يعلم الجسد أن الحياة هي ظهور شئ من الغيب إلى الشهادة.. ولم يعلم الجسد أن الموت هو عودة الشئ من الشهادة إلى الغيب.. ولكن ها هي الشمس يأتي بها الله من المشرق, فهل للجسد بأوامره التي لا ترد عليه أن يأتي بها يوماً من المغرب.. فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.

لقاء أبينا إبراهيم بالملك كان قمة الحكمة في لقاء الصالحين بالملوك.. وبصفة خاصة من كان جسداً من الملوك كهذا الجسد.. إنه لا يسعى إليه بل ظاهر الآية يدل على أن الجسد هو الذي دعاه إليه ليحاوره { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ} (البقرة 258) وقبل إبراهيم التحدي وجاءه بناء على دعوته.. الحوار بالحجة والعقل والمنطق والبيان.. الرد على قدر السؤال والحجة على قدر الحوار.. لم يداهن في دين الله كما ظن اليهود في أسفارهم ولم يطمع في ملك أو في حظ أو جاه بل يقذف بالحق على الباطل فيبهته.. لا تغرينه الحياة الدنيا ولا يطمع في زينتها, بل يكفيه منها أن يطعم فيها وأن يسقى وإذا مرض فيها أن يشفى وكل ذلك بيد الله ولا يملك أعظم ملوك الأرض منه شيئاً.

وبقدر ما يعرض أبونا إبراهيم عن الحياة الدنيا بقدر ما يرفعه الله في الدنيا وفي الآخرة حتى أصبح عند الله أمة قائمة بذاتها { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (النحل 120، 123).

كان لا يلتفت عن إيمانه ولا عن شمائله مما تزخر به هذه الحياة الدنيا.. بل كان يمضي على صراط مستقيم مسلماً وجهه لله.. لا يشعر بالوحدة ولا يحزن على فراق رفيق أو صديق, الرفيق هو الذي يرافقه هذه الرحلة العظيمة إلى الله والصديق هو الذي يصدقه فيما عقد العزم عليه.. فإذا لم يكن من رفيق ولا صديق فلا ضير.. إنه هو وحده أمة.. ولم يكن أبداً وحده لا في الدنيا ولا في الآخرة.. لقد رفعه الله إليه واتخذه خليلاً في ملكوت الأرض والسماوات العلى { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً .} (النساء 125).

وهناك في القرية التي كانت تعمل الخبائث نجد لوطاً عليه السلام قد أقام له بيتاً واتخذ فيها أهلاً وولداً, ويفتأ الرجل الصالح يعظ القوم الذين ظلموا أنفسهم لعلهم يرجعون { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ . قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ . قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ . رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ . فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ . ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ . وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .} (الشعراء 160، 175) ونظل مع لوط في هذه القرية الظالم أهلها نسمع تحاورهما ونشهد معه عاقبة أمرها { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ . فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ . وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ .} (النمل 54، 58) أسمع بهم وأبصر إنهم يعيرونه وأهله بالطهارة.. أرأيت إلى أي حد يمكن أن يتردى الإنسان إذا ضل السبيلا.. إن القطط والفئران تطهر نفسها وتطهر صغارها.. أما الإنسان إذا تردى فإنه سيهبط إلى درجة أحط من درجة القطط والفئران.

ونظل في هذه القرية نسمع ونرى في بيت واحد يذكر فيه اسم الله وسط هذا الإجماع على الضلالة.. فلا يتأثر هذا البيت ولم يجد الشيطان له مأوى فيه إلا في قلب امرأته التي ابتلاه الله بها { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ .} (العنكبوت 28، 30).

إنه صراع أولى العزم.. لا يتآمرون فيه ولا يساومون عليه.. بل يجاهرون بدعوة الحق لا يخافون لومة لائم.. ولا يستعينون فيه إلا بالله, ولا يريدون من ورائه علواً في الأرض, ولا يبتغون به إلا وجه الله والإصلاح في الأرض.. أقام لوط الحجة على قومه فلم يجد فيهم رجلاً رشيداً بل أجمعوا على الكفر به وتجاوزوا ذلك بأن هموا بإيذائه, فلم يخش إجماعهم لأنه إجماع على الضلالة.. ومن قبل رأينا إبراهيم ينتصر على قومه ويخرج من النار سالماً, والله أحق أن ينصر من ينصره وهو العزيز الرحيم.

هنالك نجد إبراهيم عليه السلام ثاوياً في بيته بعد أن بلغ من الكبر عتياًَ.. وإلى جانبه زوجه عليها السلام عجوزاً من الصالحين.. إنه بيت عامر بتقوى الله وبالخيرات.. إنه بيت إبراهيم الشيخ الوقور يستقبل ضيفاً كريماً { وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ . فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ . وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ . قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ . قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ . فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ . إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ . يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ .} (هود 69، 76).

جاءه الضيف يحمل إليه البشرى من رب العالمين.. فظن أنهم بشر فما لبث أن جاء بعجل مشوي بالحجارة المحماة في الحفر.. ولكنهم لا يأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. وتلقى إبراهيم هذه البشرى على الكبر كما تلقتها زوجه بعد أن بلغت اليأس.. فكان لكل منهما موقف منها فأما زوجه عليها السلام فقالت {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ . قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ .} (هود 72، 73). وأما إبراهيم عليه السلام فقد نبأنا الله ما كان من أمره من البشرى { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ . إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ . قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ . قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ .} (الحجر 51، 56).

وكذلك يضرب الله المثل الأعلى بإبراهيم عليه السلام كما ضربه من بعد بزكريا عليه السلام, كلاهما رضي بما فرضه الله له.. لم يطلق أحدهما زوجه ليستنكح غيرها, ولم يتزوج أحدهما امرأة أخرى لينشد الولد منها.. بل حافظ كل منهما على الميثاق وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً.

ولما هدأت نفس إبراهيم واطمأن إلى ضيفه يجادل في قوم لوط { يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ .} (هود 76) إنه المثل الأعلى على أن الشفاعة لا تنفع إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.. إبراهيم عليه السلام أبو المسلمين وإمام المتقين وخليل الرحمن لا تنفع شفاعته للقوم الظالمين ولا ترد عنهم أمراً جاءهم من ربهم ثم يتساءل عن صاحبه { قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ .} (العنكبوت 32), وكذلك لا تنفع الشفاعة إلا لمن يشاء الله ويرضى. ونقرئ إبراهيم السلام وننطلق مع ضيفه المكرمين في رحلتهم إلى البقعة المباركة من بيت لوط في تلك القرية الظالم أهلها.. بيت واحد أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه وسط ظلمات من الضلالة بعضها فوق بعض.. بيت واحد على تقوى من الله ومن حوله أجمعت الأمة على كلمة الكفر والفسوق والعصيان.. وظل البيت الواحد حصيناً في رحمة من الله وفضل لم يمسه من إجماع الظالمين من سوء ولا من زوجه التي رأت النور بعينها وعمى قلبها فكانت مع إجماع الأمة على الضلالة في الغابرين.. بيت واحد لم يضره كيد الظالمين إلا من الأذى يصبر عليه أولو العزم ابتغاء وجه الله ومرضاته { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ . وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ . قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ . قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ . قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ . فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ . مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ .} (هود 77، 83).

جاء الرسل رجالاً كما جاؤوا إبراهيم وكما يتنزلون بأمر ربهم { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ .} (الأنعام 9) ولكنهم جاؤوا على أجمل ما يظهر به الرجال ليقيم الله الحجة كاملة على القوم الظالمين.. وعلم لوط ما وراء ذلك فضاق بهم ذرعاً { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ . قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ . وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ . وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ . وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ . قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ . وَاتَّقُوا اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ . قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ .‏ قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ . لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ . وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ .} (الحجر 62،77).

ما كان الله ليذر لوطاً يفتدي ضيفه ببناته.. ولكنها الحجة الكاملة أقامها الله على القوم الظالمين.. وهذه سبيل الله قائمة لا مبدل لها يبينها لقوم يؤمنون.. صراع الحق والباطل بالكلمة الطيبة والحجة البالغة كالذي كان بين لوط وقومه.. حتى إذا قامت الحجة كاملة على القوم الظالمين فإن الله ينجي عباده الذين صبروا ويدمر الآخرين { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ . نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ . وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ . وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ . فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .} (القمر 33، 40).

المثل والعبرة في أحسن القصص من كتاب ربنا.. ما كان حديثاً يفترى ولا أساطير لقوم يتسامرون.. المؤمنون الصابرون العابدون الشاكرون المتطهرون أقوى من إجماع القوم الظالمين, ذلك من آيات الله وإنها لسبيل مقيم { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ . قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ . لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ . مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ . فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ . وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ .} (الذاريات 31، 37).

سلام على لوط آمن لإبراهيم وصبر على أذى القوم الذين ظلموا فآتاه الله فضلاً من لدنه ورحمة { وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ . وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ .} (الأنبياء 74، 75).

ثم نلتقي بإبراهيم عليه السلام عند البيت الحرام.. لم يكن معه هنالك إلا نبي من الصالحين هو إسماعيل عليه السلام.. لقد كان رفيقاً له في هذه الرحلة المباركة عندما أرشد الله تبارك وتعالى إبراهيم إلى مكان البيت الذي جعله للناس مثابة وأمناً { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ .} (الحج 26).

إننا لا نعرف لإبراهيم عليه السلام إلا زوجاً واحدة هي التي بشرها الله بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.. أما إسماعيل عليه السلام فلم يقل أحد إنه ابن إبراهيم من زوج أخرى إلا اليهود في أسفارهم ومن شايعهم في ذلك من المسلمين فيما جاؤوا به من الأساطير..صحيح أن الله وهبه لإبراهيم على الكبر في قول إبراهيم عليه السلام { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء .} (إبراهيم 39) ولكن الله يهب الابن كما يهب العون والرفيق إنه هو العزيز الوهاب { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً . وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً . وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً.} (مريم 51، 53) فالله وهب لموسى أخاه هارون نبياً ووزيراً كما وهب لإبراهيم إسماعيل من رحمته عوناً ورفيقاً, وذلك يكفينا من كتاب ربنا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.

ولا تثريب علينا أن نتعلم من أين تأتينا الأساطير بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. فقد جاء في الفصل السادس عشر من سفر التكوين ما يلي (وأما ساراي امرأة إبراهيم فلم تلد له وكانت لها أمة مصرية اسمها هاجر. فقالت ساراي لإبرام هوذا لقد حبسني الرب عن الولادة فادخل على أمتي لعل بيتي يبني منها فسمع إبراهيم لقول ساراي فدخل على هاجر فحملت فلما رأت أنها قد حملت هانت مولاتها في عينها. فقالت ساراي لإبرام ظلمي عليك أني دفعت أمتي إلى حجرك فلما رأت أنها قد حملت هنت في عينيها يحكم الرب بيني وبينك فقال إبرام لساراي هذه أمتك في يدك اصنعي بها ما يحسن في عينيك فأذلتها ساراي فهربت من وجهها. فوجدها ملاك الرب على عين ماء في البرية. فقال يا هاجر أمة ساراي من أين جئت وإلى أين تذهبين قالت أني هاربة من وجه ساراي مولاتي. فقال لها ملاك الرب ارجعي إلى مولاتك واتضعي تحت يديها. وقال لها ملاك الرب لأكثرن نسلك تكثيراً حتى لا يحصى لكثرته. وقال لها ملاك الرب ها أنت حامل تلدين ابناً وتسمينه إسماعيل لأن الرب قد سمع صوت شقائك. ويكون رجلاً وحشياً يده عل الكل ويد الكل عليه وأمام جميع أخوته يسكن. فنادت باسم الرب المخاطب لها أنت الله الذي رآني لذلك سميت البئر الحي الرآي وهي بين قادش وبارد. وولدت هاجر لإبرام ابناً فسمي إبرام ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل. وكان إبرام ابن ست وثمانين سنة حين ولدت هاجر إسماعيل لإبرام) ذلك ما روته أساطير اليهود في العهد القديم عن إسماعيل عليه السلام .. ولا نجد في القرآن أنه كان لإبراهيم من زوج غير التي جاءتها البشرى.. ولا نجد في القرآن أنه بُشِّر بغير إسحاق ومن ورائه يعقوب ثم جاء في الفصل السابع عشر من هذا السفر ما يلي: (ولما كان إبرام ابن تسع وتسعين سنة تجلى له الرب وقال له أنا الله القدير أسلك أمامي وكن كاملاً. فاجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك جداً جداً. فسقط إبراهيم على وجهه وخاطبه الله قائلاً: ها أنا أجعل عهدي معك وتكون أبا جمهور أمم. ولا يكون اسمك إبرام بعد بل يكون اسمك إبراهيم لأني جعلتك أبا جمهور أمم. وأعطيك أرض غربتك لك ولنسلك من بعدك جميع أرض كنعان ملكاً مؤبداً وأكون لهم إله. وقال الله لإبراهيم ساراى امرأتك لا تسمها ساراى بل سمها سارة. وأنا أباركها وأعطيك منها ابناً وأباركها وتكون أمماً وملوك شعوب منها يكونون. فسقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في نفسه الابن مائة سنة يولد أم سارة وهي ابنة تسعين سنة تلد. فقال إبراهيم لله لو إن إسماعيل يحيى بين يديك. فقال الله بل سارة امرأتك ستلد لك ابناً وتسميه إسحق وأقيم عهدي معه عهداً مؤبداً لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه وها أنذا أباركه وأنميه وأكثره جداً جداً ويلد اثنى عشر رئيساً وأجعله أمة عظيمة غير أن عهدي مع إسحق الذي تلده لك سارة في مثل هذا الوقت من قابل. في عين ذلك اليوم اختتن إبراهيم وإسماعيل ابنه. وكل رجال منزله مواليد بيته والمشترين بالفضة من الغرباء اختتنوا معه) هذا ما جاء به اليهود في أساطيرهم وليس في القرآن بيّنة ظاهرة على أن إسماعيل كان ابناً لإبراهيم ولا نعلم له زوجاً غير التي جاءتها البشرى ولا نعلم أن له ابناً غير إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.. ولا نعلم ختاناً في الدين.. ولا نعلم بئر الحي الرّاي التي جعلها رواة الأساطير من المسلمين بئر زمزم.. ولن نخوض فيما جاء به هؤلاء وهؤلاء ولكننا نرى أنه ينبغي لأولى الألباب أن يطهروا سيرة الأنبياء والصالحين مما أقحم عليها كقولهم إن إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً وجعله أباً للمسلمين جميعاً إلى يوم القيامة وجعله إمام الصالحين وقدوة الأنبياء من بعده يترك زوجاً تحمل طفلاً من صلبه في مكان خلاء حتى يكاد يقتلها الظمأ لولا أن تفجر ماء زمزم ثم يقال كذلك يسعى الحجيج بين الصفا والمروة.. إن هذا لمن أسوأ ما جاءت به الأساطير وأحق أن يمحى، وإن الذين جاؤوا به ما لهم عليه من بينة وما يجدونه في كتاب منير.. وما بئر زمزم في البيت الحرام إلا من آيات الله شراباً طهوراً.

لا نعلم من أمر لقاء النبييَّن الصالحَين عند البيت الحرام إلا إنهما أقاما البيت الحرام على قواعد بأمر الله رب العالمين.. قد يكون إسماعيل من ذوي قرباه ولكننا لا نعلم درجة هذه القرابة، ولا يعنينا أن نعلم إلا ما علمنا الله ربنا في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. كان لقاؤهما في مكة على أمر عظيم { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ . وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .} (البقرة 124-133).

هذا ما كانوا يتوارثونه سلام الله عليهم جميعاً.. الدين.. إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.. وجعل الله إبراهيم للناس إماماً فلما سأل إبراهيم الإمامة في ذريته قال الله { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }(البقرة 124) وسأل الله أن يجعل مكة بلداً آمناً فكانت بلداً آمناً.. وسأل الله أن يبعث رسولاً يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين بكتاب محفوظ { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ. }(آل عمران 164).

ذلك من دعاء إبراهيم وإسماعيل ما كان لهما أن يؤثرا من الحياة الدنيا على الآخرة من شيء، وما عهد الله إليهما بأرض لا تكون لأحد غيرهما خالصة في ذرية أحد منهما {إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . }(الأعراف 128).

أقام إسماعيل القواعد من البيت مع إبراهيم عليهما السلام ولا نعلم شيئاً غير ذلك من لقاء أحدهما بالآخر.. ظل إبراهيم يصلي عند البيت الحرام قائماً راكعاً ساجداً بين يدي ربه متخذاً من الضلع ذي الباب من الكعبة قبلة له.. فإذا أقام الصلاة ضحى كانت الشمس وراء ظهره وإذا أقامها في العشى استظل بظلها { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .} (آل عمران 96، 97). فذلك مقام إبراهيم.. جعله الله منسكاً من مناسكه وأوجب الصلاة فيه في كل حج وفي كل عمرة.. أما حجر إسماعيل فلا علم لنا به ولا لآبائنا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.

وما كان لإبراهيم عليه السلام أن يبلغ هذه الدرجات من الفضل لولا أنه ابتلى ابتلاءً عظيماً حتى جاءته الرؤيا { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ .} (الصافات 99-111).

هذا هو إبراهيم عليه السلام لا يتردد في طاعة ربه، ولا يؤثر على الله شيئاً من زينة الحياة الدنيا. من أجل ذلك جعله الله أمة وحده { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . }(النحل 120). وجعله أباً للمسلمين من بعده. { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .} (الحج 78). ومن أجل ذلك جعله الله قدوة للذين أسلموا من بعد واتخذه الله خليلاً { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً .} (النساء 125).

لم يكن إبراهيم أبَ يهود أو نصارى فإن اليهود ترددوا في ذبح بقرة لما أمرهم موسى عليه السلام بذبحها، وإن النصارى لتتبع اليهود فيما يكتبونه في أسفارهم افتراء على إبراهيم عليه السلام، ولكن إبراهيم كان أباً للذين اسلموا لله ولم يشركوا في حكمه أحداً { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ .} (آل عمران 65-68).

ذلك من آيات الله والذكر الحكيم.. لا نذكر أنبياء الله إلا بما أوحى إلينا في كتاب ربنا لا مبدل لكلماته ولن نجد من دونه ملتحداً.. وذلك من سنن النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ أوحى إليه ربه أن يذكرهم في الكتاب.. وإنه لذكر لا ينضب معينه ولا يكف عطاؤه { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً . وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً .} (مريم 41-50).

ونذكر في الكتاب أن أنبياء الله كان لهم عند ربهم دعاء مستجاباً لأنهم يدعون ربهم دعاء صالحاً ويدعونه خوفاً وطمعاً ويدعونه بقلب منيب { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .} (البقرة 260). علم الله سبحانه وتعالى أن إبراهيم قد آمن، وإنما أراد سبحانه وتعالى أن يبين لنا أنه إنما سأله ذلك ليريه من آياته الكبرى... فبعث الله له الطير من بعد موته وتمزيقه إرباً وآتاه من كل ما سأله إنه سميع قريب.

ونذكر في الكتاب أن موسى عليه السلام سأل ربه أن ينظر إليه { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ .} (الأعراف 143، 144). علم الله سبحانه وتعالى أن موسى عليه السلام إنما سأل ذلك حباً وشوقاً إلى النظر إلى الله العظيم المتعال، فآراه أية الجبل وكان به رحيماً، سبحان الله { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ .} (الأنعام 103). وسأل قوم موسى نفس السؤال ولكن من منطلق الضلالة والكفر والتحدي فصعقوا حتى الموت ثم بعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يؤمنون { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ . ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .} (البقرة 55، 56).

وشتان بين ما يسأل الأنبياء الذين آمنوا بربهم وأنابوا إليه وأخلصوا دينهم لله تبارك وتعالى، وبين ما يسأل الذين لا يؤمنون استكباراً في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. { وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .} (البقرة 135-137). صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً لا نفرق بين أحد منهم ولا ينبغي لنا أن نفاضل بينهم، الله سبحانه هو الذي فضل بعضهم على بعض ولا علم لنا بالذين فضلوا فذلك علمه عند الله سبحانه لا علم لنا إلا ما علمنا من فضله في كتاب فصلت آياته تفصيلاً { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً .} (الإسراء 55). { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ .} (البقرة 253).

أولئك الذين أنعم الله عليهم من الأنبياء والمرسلين .. لا ينبغي للذين آمنوا أن يذكروهم إلا بما ذكروا به في الكتاب، فذلك هو الحق من ربنا لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً.. فإذا ذكرهم المؤمنون في الكتاب لا يذكرونهم قصصاً يروى بل يذكرونهم كما كان يذكرهم محمد صلى الله عليه وسلم قدوة وهدى ونوراً مبيناً واستنباط الحكمة مبرأة من تفاصيل الرواية. { أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ .} (الأنعام 89، 90).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home