Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 24 May, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (12)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

وثمّ أموال وضع الله لها نظاماً خاصاً واقتضى لها حساباً خاصاً وحدد لها ميقاتاً معيناً يخرجها عن النظم العامة التي أوجبها للنفقات والصدقات، هذه الأموال هي حسبما ورد في القرآن الكريم (أولاً) الفيء (ثانياً) الغنائم (ثالثاً) الأنفال (رابعاً) حق الحصاد (خامساً) النذور (سادساً) الوصية.

(أولاً) الفيء

أورد فقهاء اللسان العربي معاني مختلفة لمدلول الفيء لعل اقربها إلى الصواب أن تكون للدلالة على التحول، ونرى أن الفيء لا يعني مجرد التحول من وضع إلى آخر بل هو التحول من وضع إلى الوضع الأفضل { أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ .} (النحل 48) فالناس عندما تتحول إذا تحول الظل فهي إنما تتحول إلى الوضع الأفضل { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .} (الحجرات 9) ولا ريب أن التحول إلى أمر الله هو التحول إلى الوضع الأمثل.

{ وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .} (الحشر 6-7). ورد التعبير في هذه الآية الكريمة بالفيء للدلالة على تحول المال إلى اليد الأمينة والهيمنة المثلى، فلقد كان في أهل القرى وعاد إلى حكم الله بيد رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الفيء العظيم.

وتبين هذه الآية الكريمة أن الفيء لا يكون بقتال وهو يختلف من هذا الوجه عن الغنائم التي لا تكون إلا بحرب، فلا فيء بقتال وإنما تأتي الناس طوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما رأوه من الحق إيماناً به واعترافاً بسلطانه العادل { وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . } (الحشر 6) وهذه الآية قاطعة البيان بأن الفيء لا يكون بقتال وإنما يتم التحول سلمياً بدخول الناس في سلطة الرسول صلى الله عليه وسلم، تجد هذا البيان القاطع في قوله تعالى { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ } (الحشر 6) فالله يبعث الرسل بالعلم والحكمة والعدل والرحمة والناس ترضخ بفطرتها لسلطان العلم وولاية الحكمة وحكم الرحمة والعدل. وكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالحكم والولاية والسلطة بما أوتي من العلم والحكمة والرحمة والعدل، وهو بما أوتي من كل ذلك فقد سلطه ربه على أم القرى ومن حولها فأتوه عليه الصلاة والسلام داخرين.

وقولـه تبارك وتعالى { وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } (الحشر 6-7) بيان واضح بأن المال يرد على رسوله صلى الله عليه وسلم دون أن يسعى هو إليه، وذلك بدلالة حرف الجر (على) ولولا ذلك لأصابت الآية معاني منها دعوته صلى الله عليه وسلم في أهل القرى إلى الإيمان بالحكمة والموعظة الحسنة وسعيه صلى الله عليه وسلم في أهل القرى لجمع الصدقات الواجبة والجزية المفروضة فليس الفيء شيء من هذا أو غيره بل هو المال يبعث به أهل القرى بغير قتال راضين به صلى الله عليه وسلم ومؤمنين بسلطانه الحق.

والفيء كله لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ولا حق فيه للمقاتلين في سبيل الله بوصفهم جنداً ولا لصحابته صلى الله عليه وسلم بوصفهم الوزراء ورجال الدولة والعاملين معه ولا لغيرهم ممن أووا أو نصروا إلا بقدر ما يأذن به الرسول صلى الله عليه وسلم أو يسمح به { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .} (الحشر 7) .

(ثانياً) الغـنائم

رأينا في حديثنا عن القتال أن الله أمر المسلمين بأن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا أحداً لا يقاتلهم أو يخرجهم من ديارهم أو يظاهر على إخراجهم، فإن خرجت فئة لقتالهم كتب عليهم أن يردوها على أعقابها وألا يترددوا في قتالها وألا يولوهم الأدبار، فإن جنحوا للسلم وجب على المسلمين أن يجنحوا لها، إن هذا النظام الذي فرض على المسلمين يجعلهم أصحاب حق في كل معركة يدخلون غمارها، وسنة الله في عباده أن ينتصر الحق وأن يزهق الباطل، وأن يرث أصحاب الحق ما كان بيد الظالمين من الأرض والأموال { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ .} (الأنبياء 105) { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (الأعراف 128) { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً . وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً . } (الأحزاب 25-27).

هذه هي الغنائم يرثها أصحاب الحق من الذين اعتدوا عليهم والذين ظاهروا على عدوانهم، هم يرثونها بشريعة الحق لا بشريعة النصر ذلك بأنهم لو كانوا قد كفوا أيديهم وجنحوا للسلم لكان ذلك يستوجب من المسلمين أن يجنحوا لها ويكفوا أيديهم عنهم وعن أموالهم وعن ديارهم، أما وإنهم قد خرجوا لقتالهم بغير حق وظاهروا عليهم بالظلم والعدوان فقد أوجب الله لهم هذا الميراث عقاباً لهم وجزاء لأصحاب الحق بما صبروا وتعويضاً لهم عما تكبدوه من البغي والعدوان.

{ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (الأنفال 41).

{ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (الأنفال 69).

وخمس الغنائم كما هي مبيّنة في هاتين الآيتين الكريمتين لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وهي ذات الأوجه التي أوجب الله لها الفيء سواء بسواء والباقي للغانمين حلالاً طيباً الذين قاتلوا أو عملوا في القتال سواء في قلب المعركة أم بعيداً عنها بحرب أم بقيادة أم بمساندة أم بعلاج أم بغير ذلك مما تستلزمه المعارك القتالية.

(ثالثاً) الأنفال

النافلة هي الزيادة وقد استعملت في القرآن الكريم للدلالة على الزيادة في الخير {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً .} (الإسراء 79) {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ .‏} (الأنبياء 72).

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .} (الأنفال 1).

وظاهر بدلالة هذه الآية الكريمة أن الأنفال هي كل زيادة تظهر في أي حساب دون أن يثبت فيها حق لأحد، وظاهر كذلك أن ما جاءت به هذه الآية الكريمة هو حكم عام واجب التطبيق لمواجهة هذه الافتراضات التي لا سبيل لحصرها في العمل وهي حسبما ورد بهذه الآية الكريمة لله والرسول.

ولا ينبغي لنا أن نخلط في الفهم بين الأنفال من جهة والغنائم أو الفيء من جهة أخرى فالغنائم قد وردت بشأنها أحكام خاصة على نحو ما سبقت الإشارة إليه وهي كما رأينا لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، أما حكم الأنفال فهو حكم عام يسري على كل زيادة في حساب المال ولا مساغ لتقييده في التطبيق على افتراضات معينة وردت في شأنها بالقرآن الكريم أحكام خاصة فالعام يجري على إطلاقه ويسرى في التطبيق على كل زيادة في الحساب لم يتقرر بشأنها حق لأحد.

(رابعاً) حق الحصاد

{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ .} (الأنعام 141).

أوجب الله تبارك وتعالى حقاً في حصاد البساتين وثمار المزارع والنخيل وغيرها وهو من الحقوق التي تجب في أموال الأفراد من أصحاب البساتين والمزارع والأراضي المثمرة أياً كان نتاجها، ولذلك فهي تعتبر من النفقات وتجب للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ .} (البقرة 215). ويجب أن يؤتى الحق يوم الحصاد بمعنى حين الحصاد { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } (الأنعام 141) أي حين حصاده كما في قوله تبارك وتعالى { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ } (التوبة 35) { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ } (النحل 80) والأمر واضح بذاته وبحسب المعنى الذي صيغت به هذه الآيات البينات فليس بالضرورة أن يتم الحصاد في يوم واحد وهو يستغرق عادة أياماً عدة وإنما يجب أن يتم في حينه.

(خامساً) النذور

{ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ .} (البقرة 270).

{ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً . } (الإنسان 7).

النفقة هي إيتاء المال في الحال والنذر هو الوعد بإيتاء النفقة مستقبلاً، ويجب الوفاء بالنذر بالمقدار الذي تم الوعد به وفي حينه { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .} (الفتح 10) وضرب الله مثلاً للذين يتخلفون عن الوفاء بالنذور بقوله تعالى { وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ .} (التوبة 75-77).

نظرية المال

حرف واحد يظهر ويغيب بمقدار فيصوغ ظهوره وغيابه نظرية متكاملة في حكم المال في القرآن الكريم فسبحان الله رب العرش عما يصفون.

ذلك الحرف هو اللام في آية النفقات ومنها الحصاد والنذور وفي آيات الصدقات والفيء والغنائم والأنفال { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ . } (البقرة 215) { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . } (التوبة 60) { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ .} (الحشر 7) { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (الأنفال 41) { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ } (الأنفال 1).

وإذ نتتبع حرف اللام في هذه الآيات البينات نجده يقرر ملك الله في آيات الفيء والغنائم والأنفال، ثم نجده يضاف إلى الرسول في آيتي الفيء والغنائم كما يضاف إلى مجموعات مختلفة ممن يستحقون النفقات والصدقات والفيء والغنائم.

إن نظرية المال العام كما يعرفها فقهاء القانون قد تحددت في القرآن برد المال كله لله سواء ما كان منه بأيدينا أو بأيدي غيرنا وما لم يكن منه شيء بيد أحد على الإطلاق { وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً .} (النساء 126) فالمال كله لله { وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ .} (المائدة 18) وإنما كان الملك لله لأنه سبحانه هو خالق كل شيء { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ . هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ .} (لقمان 10، 11) {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ .} (الزمر 62) فالمال لله بمقتضى الخلق.

ثم الله تبارك وتعالى يسخر ملكه لعباده ويسبغ عليهم من فضله { َ ألم تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } (لقمان 20) فيؤتى من ملكه ما يشاء لمن يريد استخلافاً في الأرض ويفرض عليهم أن ينفقوا فيه بحسب ما بيّن لهم { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ .} (الحديد 7) فالمال لمن استخلف فيه بمقتضى الخلافة التي تتقرر بسبب من أسبابها التي شرعها الله لعباده كالبيع والميراث وغيرهما.

ومن رحمته تبارك وتعالى أنه يولي عباده المؤمنين بعضهم بعضاً ليقوموا برعاية الشؤون العامة لجماعة المسلمين فكانت الولاية للرسول صلى الله عليه وسلم ثم من بعده لمن ترتضيه الجماعة ولياً عليها وقد جعل الله تبارك وتعالى لرسوله بمقتضى هذه الولاية بعض الأموال التي يصرف بها هذه الشؤون وهي لمن يخلفه من بعده صلى الله عليه وسلم على شؤون الجماعة بمقتضى الولاية ذاتها. المال لله بمقتضى الخلق وهو له تبارك وتعالى بداية ونهاية لأنه ما من شيء يقوم إلا بأمره، وما كان لله فيجب أن يؤتي بحسب ما تقتضيه أوامره ونواهيه فإذا قضى منه بحق لولي الأمر فهو له بمقتضى الولاية، وإذا أمر بنفقة أو صدقة في مال من الأموال وجب أن يؤتى لأنه سبحانه هو الذي يؤتى المال ورب المال أحق بالتصرف فيه { وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } (النور 33).

على هدى من هذه البديهات المسلمة من كتاب ربنا عز وجل نتتبع حرف اللام في تلك الآيات البينات، فما كان لله فهو له بمقتضى الخلق ويظل له حكم المال العام إذا كان من الفيء أو الغنائم أو الأنفال، وما كان للرسول فهو له صلى الله عليه وسلم بمقتضى الولاية ويخضع لتصرفه عليه السلام طبقاً لقواعد الحكم المقررة بأحكام القرآن، وما كان من النفقات للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل فهو لهم يؤتون منها بمقتضى ما تقرر لكل منهم من الحقوق في أموال الأفراد، وما كان من الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فهو لهؤلاء يؤتون منها بمقتضى ما تقرر لكل منهم من الحقوق في أموال الجماعة التي يقوم أولو الأمر بجبايتها.

(سادساً) الوصية

ومن الزكاة ما يضاف إلى ما بعد الموت وذلك بما يوصي به الإنسان قبل موته من إتيان بعض ما له لوالديه أو ذوي قرباه أو غيرهم ممن يشاء وتجب الوصية في ماله بعد موته من تركته قبل احتساب ما يستحق للورثة من نصيب فيها.

{ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً .‏ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ . } (النساء 11، 12).

والإنسان حر حال حياته في أن يوصي ببعض ما له لغيره ممن يرثون منه أو لا يرثون وفق حكم الآيات المتقدمة، فقد أوجب الله تبارك وتعالى العمل بوصية الموصي بصياغة عامة ومطلقة، والعام يجري على إطلاقه في التطبيق ولا مساغ للتقييد من حكم الوصية إلا في حدود ما شرع الله في كتابه من أحكام.

أما حين يحضر الإنسان الموت وهو ما يعبر عنه في اللسان العربي بالاحتضار فإن ترك خيراً وجبت عليه الوصية لوالديه ولذوي قرباه وصية واجبة، وهي تجب في ماله بعد وفاته كما وجبت عليه حين احتضاره وعلى من سمعها أن يبلغها وعلى من بلغته أن يلتزم بها ويعمل على تنفيذها { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ . فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . } (البقرة 180، 181) يقول أستاذنا محمد مصطفى شلبي أستاذ الشريعة بجامعة الإسكندرية في كتابه (محاضرات في الوقف والوصية) سنة 1957 صفحة 245 إنه من المتفق عليه بين الفقهاء أن الوصية مشروعة لتكون قربة لله أو صلة للعباد أو ليتدارك بها الإنسان ما فاته في حياته من الخير والواجبات، وكل ذلك بمعنى الزكاة بدلالتها العامة.

هذه هي أحكام الوصية بصفة عامة باعتبارها من الزكاة التي يتزكى بها الإنسان مما يترك من الخير بعد موته، ولا مساغ للاجتهاد في القيد منها إلا بما شرع الله في كتابه من الأحكام المفصلات من لدنه تبارك وتعالى ولا نجد في القرآن ما يرخص للقاضي أن يقيد الوصية في حدود الثلث من التركة ولا نجد في القرآن ما يجيز تقييد وصية المريض مرض الموت خاصة إذا كان الله قد جعل الإحتضار حالة توجب الوصية للوالدين ولذي القربى كما رأينا، وإنما يجوز للقاضي أن ينظر في كل حالة على حدتها ويبحث كل وصية بذاتها فإذا تحقق من جنف الموصي أو إثمه وجب عليه أن يرد الأمر بموازين القسط والإصلاح بين الناس. { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (البقرة 182).

مقدار الزكاة

قد تكون الزكاة على فترة من المسلمين قد تحددت بربع العشر أو بغير ذلك من النسب بحكم أو بفقه أو بتشريع، ولا نستطيع أن نثبت ذلك ولا نستطيع أن ننفيه فلا نجد من بين أيدينا ولا من خلفنا دليلاً ينهض على صحة ذلك أو يقوم على دحضه. أما كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلا نجد فيه إلا تحديد الزكاة من الغنائم بمقدار خمسها {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (الأنفال 41).

أما ما عدا ذلك من أبواب الزكاة فيخضع لضوابط عامة يستهدي بها المسلم فيما يخرجه من النفقات ويسترشد بها ولي الأمر فيما يأمر به من الصدقات وذلك كله وفق مقتضيات الحالة الاقتصادية في كل زمان ومكان بذاته وبحسب الأحوال العامة من السلم أو الحرب أو تعرض الجماعة لكارثة أو وباء عام. فما يكفي من الصدقات في السلم قد لا يكفي في الحرب وإذا كان الربع من العشر أو غيره من النسب يفي بمطالب الأمن في الحالات العادية فإنه لا يمكن أن يفي بمتطلبات الجماعة حين تتعرض لمجاعة أو قحط أو زلازل أو وباء يعصف بالقوى العاملة وينتهي إلى مضاعفة الفقراء واليتامى والمساكين وأبناء السبيل.

من أجل ذلك اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يترك لعباده الذين آمنوا أن يحددوا نسبة ما ينفقون من أموالهم وما يأمرون به من الصدقات وفق مقتضيات كل حالة بذاتها، وأن يتناولوا هذه النسب بالتغيير والتعديل كلما اقتضت ذلك ظروف الجماعة وأحوال الأمن فيها وفق ما شرعه الله في كتابه من ضوابط عامة وعسى أن تبرأ ذمتهم وعسى أن يكونوا صالحين.

مقدار النفقة

يسترشد المسلم فيما ينفق من أمواله بضوابط محددة في كتاب الله تبارك وتعالى، ويستلهم منها حكمة ربه فيما فرضه عليه من الزكاة بعيداً عن النسب المئوية والحساب، فلقد تساءل بعض المسلمين ممن لا يجدون ما ينفقون عما يتزكون به فنزلت الآية الكريمة تعلن الحد الأدنى من الزكاة { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ . } (البقرة 219) والعفو في اللسان العربي هو صرف النظر عن الشيء { عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف } (المائدة 95). وهو في حكم هذه الآية الكريمة بمعنى المال الذي عفّ عنه الإنسان فلم يجد له حاجة به في الحال أو في الاحتمال.

وليس من ذلك بطبيعة الحال رأس المال الذي يتاجر به الإنسان أو العقار الذي يغل منه إيراد يومه أو حُلّيه التي يلبسها في زينته، بل هو كل مال تراكم في ذمته دون أن تكون له حاجة به على الإطلاق فيجب إنفاقه في سبيل الله وابتغاء مرضاته. ولقد أجاز الله سبحانه وتعالى لولي الأمر أن يأخذ مما يفيض عن حاجة الأغنياء عملاً بما اتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوحى إليه من كتاب ربه بقوله تبارك وتعالى { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.} (الأعراف 199) وهذا أمر جرت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تدل عليه هذه الآية الكريمة، فلقد أُمر عليه الصلاة والسلام بأخذ العفو ولابد أن يكون قد أمر بأخذه. وعلى أولى الأمر من المسلمين أن يقتدوا به في هذه السنة الكريمة فينظموا أخذ العفو من أيدي الناس بما يتفق وأحكام هذه السنة الكريمة حتى لا يتراكم بأيدي الناس عفو لا حاجة لهم به.

وكذلك فإنه لا تبرأ ذمة المسلم من التزاماته بالنفقة إلا إذا استطاع أن يبيح لنفسه اللقمة التي يطعمها، فلا يحل له أن يأكل طعاماً اكتسبه حلالاً طيباً إلا إذا تزكى المسلم بما أوجبه الله من النفقات في أمواله { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .} (المائدة 93) وهكذا فإنك ترى أن الطعام الطيب لا يحل لك إلا بالإيمان والعمل الصالح والإحسان والتقوى ومن ذلك الزكاة بطبيعة الحال يخرجها المسلم من ماله بقدر ما يطمئن بها على ما يأكل من الطعام.

هذه هي الضوابط التي يسترشد بها المسلم فيما فرض الله عليه من الزكاة وهي ضوابط تخاطب وجدانه، وتضعه في موقع المسئولية الكاملة عما رزقه الله من ماله دون أن يضطره إلى أن يمسك بقلم أو يحسب حساباً وإنما ينبغي ألا ينفق من مال الله الذي أتاه إسرافاً وتبذيراً، وليس الإسراف بحجم ما يخرج من النفقات وحسب وإنما الإسراف كذلك أن ينفق ماله فيما لا يجب أن ينفق فيه ولو كان بالقليل من المال { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً .} (الفرقان 67).

والمسلم إنما يخوض بهذه الضوابط تجارب عديدة في مراحل حياته ثم لا يلبث أن يهتدي بحكمة ربه فينفق بما لا إسراف فيه ولا تقتير من مال الله الذي أتاه، ثم ينفق على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل هذا بقدر ما يحتاج إليه وذلك بقدر ما يستطيع من وجده ثم يتصدق بما أوجبه الله تبارك وتعالى من الصدقات المباشرة في ماله بالقدر الذي يطمئن به على إبراء ذمته فيأكل من رزق الله وهو مطمئن إلى أنه أوفى بحق الله عليه وحق السائلين والمحرومين في ماله. مقدار الصدقة

الصدقة هي ما يوجبه ولي الأمر في مال الناس يأخذ منه ما يراه مناسباً للاحتياجات العامة ومتطلبات الجماعة { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } (التوبة 103) وهي ما يعرف في المجتمعات الحديثة بالضرائب، وقد ورد النص عليها بهذه الآية الكريمة دون تحديد حسابي وذلك حتى يحددها ولي الأمر بما يراه ملائماً للخير العام.

وولي الأمر إنما يأخذ من الصدقات بقدر ما يحتاجه الإنفاق العام بأوجهه المختلفة وأول هذه الأوجه وأخطرها على الإطلاق الإنفاق على الدفاع {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ} (الأنفال 60) وأوضحنا من قبل أن القوة هي آلة الحرب وأن الخيل هي للدلالة على المواصلات، وما تزال الحرب تتطور يوماً بعد يوم ولا تخرج عن ذلك في شيء فهي آلة لقهر العدوان وعابر يحملها على رؤوس الأعداء.

وتندرج من بعد أوجه الإنفاق على القضاء لتحقيق العدل في المجتمع الإسلامي، وعلى الإدارة لتنظيم الشؤون العامة وضبطها وتسيير المرافق العامة وتوفير الخدمات، انتهاء بتقرير الضمانات الاجتماعية وتوزيع الأموال على الفقراء والمساكين واليتامى وأبناء السبيل وغير هؤلاء ممن قضى لهم الله بحق ثابت في الصدقات.

وظاهر من قوله تبارك تعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } (التوبة 103) إن الله قد رخص لولي الأمر بعد مشورة أهل الرأي في الجماعة أن يقرر ما يراه في هذا الشأن دون التزام بأي قيد، لأن النص قد تقرر كما نرى في هذه الآية الكريمة مطلقاً وما كان من النصوص طليقاً فلا يجوز تقييده بأي حال من الأحوال.

وولي الأمر لا ينفرد بقراره في هذا الشأن وإنما يخضع كقاعدة عامة في كل تصرفاته إلى مشورة أهل الرأي، وله بعد أن يستشيرهم أن يأمر بما يشاء على مسئوليته فإن صح رأيه فقد توكل على الله وأن صح رأيهم فقد أقاموا الحجة عليه من قبل، { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ . } (آل عمران 159).

وما يكفي في حالة السلم والأمن لا يكفي في حالة الحرب والكوارث، كما لا ينبغي أن يؤخذ من الفقير بقدر ما يؤخذ من الغنى، وإذا تساوى الأغنياء في الدخول فإنهم يتفاوتون فيما يبذلونه من الجهد والمشقة فالطبيب والمهندس والتاجر الغني ليس كالغني الذي يجمع ثروته من عائدات أملاكه العقارية، وذوي الدخل المحدود ممن لا يرجون ثراء كالموظفين والعمال والمستخدمين ينبغي التخفيف عليهم أو إعفاؤهم أو إعطاؤهم نصيباً من الصدقات بحسب الأحوال. كل أولئك وغيره مما ألقى به على عاتق ولي الأمر ينبغي أن يخضع لموازنات دقيقة وحسابات مضنية، ولا يمكن أن يستقيم في فهم أحكام الله التي تنزلت بحكمته أن تخضع الصدقات لنسبة مئوية ثابتة لا يجوز فيها التعديل والتبديل بحسب الظروف والأماكن والأزمان بهدف تطهير الأمة من أحقادها وأدرانها وتزكيتها بين الأمم قوة وحضارة ومهابة وأمناً.

ميقات الزكاة

الأصل في الزكاة أنه لا ميقات لها عملاً بقوله تعالى { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . } (البقرة 274) ذلك لأنها مرتبطة بحاجة الناس، وحاجات الناس لا ترتبط بمواقيت معينة دون أخرى، فهي ملحة وهي متجددة وهو دائمة لا انقطاع لها إلا بقيام الساعة، ويوم تقوم الساعة { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ .} (أل عمران 91).

وإنما أوجب الله استثناء من هذا الأصل العام أربع حالات تجب فيها الزكاة في مواقيتها وهي (أولاً) حق الزرع يوم حصاده { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . } (الأنعام 141) (ثانياً) حق التركة يوم القسمة { لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً . وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً . وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً.} (النساء 7-9) (ثالثاً) الهدى في الحج على نحو ما رأينا من أحكام ذلك في دراسة أحكام الله في الحج (رابعاً) النذور حين يستجاب الدعاء بها { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً.} (الإنسان 7).

وفيما عدا هذه الحالات لا نجد في القرآن ميقاتاً للزكاة تجب فيه أو لا تجوز في غيره بل هي واجبة في كل حين بحق معلوم للسائل والمحروم بالليل والنهار سراً وعلانية، وما يراه أبعاض من المناسبات الموجبة للزكاة كيوم (عاشوراء) أو غير ذلك فلا اصل له في القرآن بل إننا لا نجد في كتاب ربنا يوم عيد نفعل فيه ما نفعله في هذه الأعياد التي فرضت على المسلمين بغير علم ولا كتاب منير، ولا نكاد نجد للمسلم عيداً إلا يوم يعمل عملاً صالحاً فذلك يوم عيد له يتقي به من عذاب غليظ.

آداب الزكاة

أول ما ينبغي للزكاة أن يخرجها المسلم من ماله باعتبار أنها حق من حقوق الله، وينبغي للمسلم أن يفي بحقوق الله وقلبه خاشع له، { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ .} (المؤمنون60-61) فهو لا يخرجها بطراً ورياءً ولا يعطيها مناً وتفضلاً، وإنما هو يفعل ذلك اتقاء الله فيما فرضه من الحقوق في أمواله التي يمن هو سبحانه وتعالى ويتفضل بها عليه.

وينبغي للمسلم أن يؤتى الزكاة لا يبتغي بها إلا وجه الله ومرضاته، لأنه هو سبحانه الذي فرض الزكاة، وهو سبحانه الذي فرضها طليقة لمن وجبت لهم سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين وسواء ضل هؤلاء أم اهتدوا { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ .} (البقرة 272).

وينبغي للمسلم أن يقدم الطيب من ماله وألا يتزكى بما عفته نفسه مما خبث من ماله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 267-268).

وأشرنا من قبل إلى أن الله سبحانه وتعالى يقبل الزكاة سواء دفعت سراً أم علانية بالليل أم بالنهار { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.} (البقرة 274) ولكن الله سبحانه وتعالى قد حبب للمسلمين أن يحرصوا ما استطاعوا أن يخفوها ويؤتوها الفقراء { إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .} (البقرة 271).

ولئن كان على المسلم ألا يقيد زكاته بشرط إيمان من وجبت له وهداه كما رأينا في قوله تبارك وتعالى: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ } (البقرة 272) إلا أنه ينبغي في حالة تزاحم من تجب لهم الزكاة أن يؤثر بها من هو أولى بها، وعلى المسلم أن يجتهد ما استطاع في البحث عن هؤلاء والله يرشدنا عنهم بقوله تعالى: { لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ .} (البقرة 273) ولا ينبغي للمسلم أن ينتظر حتى يأتيه الذين فرض الله لهم الزكاة في أمواله داخرين لأن كثيراً من هؤلاء لا يسألون الناس إلحافاً بل إن بعضهم يخدعك تعففه حتى تحسبه غنياً وهو أولى الناس بالزكاة، والأمر يقتضي من المسلم بذل الجهد بحثاً عن الأولى ممن فرضت لهم الزكاة في أمواله وتقتضي منه أن يسعى إليهم ابتغاء مرضاة ربه لأنه هو المدين بها ولا ينتظر منهم أن يسعوا هم إليه لأنهم هم الدائنون بحق الله في ماله.

وينبغي للمسلم ألا يكون مقلاً في عطائه إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أكثر له العطاء { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى . وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى . أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى . }(النجم 33-35).

ومن شروط الزكاة أن يخرجها المسلم من فائض ماله ولا يتبعها مناً ولا أذى فخير من ذلك قول معروف ومغفرة، والصدقة بالمن والأذى صدقة باطلة لا تبرأ بها ذمة المسلم من حق الله الذي فرضه في ماله لمن وجبت له { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ .‏ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (البقرة 262-265).

الناس سواء في الرزق، فكل إنسان رزقه على الله { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ .} (هود 6). ولكن الله يفضل بعض الناس على بعض في الرزق، فالذين فضلوا لا يرزقون أحداً ولكنهم يعطون من مال الله الذي آتاهم. { وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ .} (النحل 71).

وإن الذي يتصدق بماله أو ينفق منه شيئاً لا يرزق أحداً، بل إنه يتزكى ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه إن الله هو الرزاق العليم.

ولعل فك الرقاب هو أكبر ما يتزكى به الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى أن فك الرقاب ليس مجرد رقيق يعتق، بل هو تحرير النفوس من ظلمات الجهل بنور العلم والإيمان، وذلك بتلاوة صحف الله التي أنزلها على عبده وبيانها للناس بكافة وسائل النشر والإعلام وبدعوة الناس إليها بالحسنى { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } (أول البينة) وكذلك تنفك الرقاب بإقامة البينة بتلاوة صحف الله المطهرة التي أنزلت تبياناً لكل شيء هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور.

وإنما ينبغي أن تُتلى آيات الله حق تلاوتها كما حفظها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز في المصحف الذي توارثه الناس وعُرف بقراءة حفص عن عاصم رسماً وهجاءً لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً، ولا ينبغي للمسلمين أن يضاهئوا قول الذين يلحدون فيه أو يلحنون في آياته لياً بألسنتهم وتفريقاً للمسلمين وطعناً في الدين.

ويحتج بعض المسلمين- وهم بفضل الله قليل ضعاف- بقراءات كثيرة غير التي استقرت في هذا المصحف الشريف الموروث، ولعل أخطر هذه القراءات على ضعفها ما ينسبونه إلى قالون- ولا ندري من أين جاءه هذا الإسم الأعجمي- وهو أبو موسى عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمر بن عبد الله الزرقي مولي بني زهرة المولود سنة 130 هـ. أو هكذا يقدمه المؤرخون، والثابت عندهم أنه أصم شديد الصمم، ولا ندري كيف سمع القرآن وأسمعه بهذا الصمم الشديد.

إن الصدق يحمل في ذاته دليل صدقه ولنكتفي بقوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.} (آل عمران 146) إن قالون هذا يقرأ هذه الآية الكريمة على أنها { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ .} (آل عمران 146) قتل بضم القاف وكسر التاء وفتح اللام، أي أن النبي والربيين بزعمه قد قتلوا وماتوا جميعاً، مع أن الفاء في قوله تعالى { فَمَا وَهَنُواْ } هي فاء التعقيب التي تفيد أنهم لم يهنوا لما أصابهم في سبيل الله ولم يضعفوا ولم يستكينوا ، أي أنهم كانوا أحياء من بعدها.

وكذلك تقوم البينة على أنه ليس للقرآن إلا قراءة واحدة هي التي استقرت في مصحفنا هذا الذي لا مبدل لكلماته، مسطوراً في حفظ الله مصحفاً عن مصحف من أول مصحف وضع للناس على أعين رسول الله صلى الله عليه وسلم.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home