Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي


مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 22 March, 2007

   
   

كتاب ( عـلي بن أبي طالب
                فـكـره وثـقافـتـه
) (6) ( الأخيرة )

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

مزالق الزلل

كان إبن أبي طالب رضي الله عنه يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، وكان يستغفر مزالق الزلل من نفسه فيقول : ( اللهم اغفر لي ما أنت أعلم به مني ، فإن عدت فعد عليَّ بالمغفرة . اللهم اغفر لي ما وأيت من نفسي ولم تجد له وفاءً عندي – وأي من نفسه أي وعد ربه شيئاً وعجز عن الوفاء به – اللهم اغفر لي ما تقربت به إليك بلساني ثم خالفه قلبي اللهم اغفر لي رمزات الألحاظ – جمع لحظ وهو قاع العين – ورمزات الألحاظ – الإشارة أو الإيماء بها بغير الحق – وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجَنان – أي القلب – وهفوات اللسان ) .

هذا ما كان يخاف إبن أبي طالب على نفسه من مزالق الزلل ، الذنب يتبعه الذنب في غفلة منه وهو لا يدري متى أذنب ومتى أصاب ، والله اعلم به منه في كتاب لا يضل ربه ولا ينسى ، والوعد يعد به ربه في نفسه وهو لا يدري إن كان قد أوفى بما وعد الله أم قصّر في الوفاء به ، أو أن يتقرب إلى الله بالقول ثم يخوض فيما يخالفه غفلة عن ذكر الله ؛ كالذي يقول الحمد لله وهو في واقع الأمر ساخط ، أو يقول لا شريك لك وهو يشرك في حكم ربه ما لم ينزل به سلطانا ، أو يقول صلى الله على رسول الله وهو يفتري عليه الكذب ، ولقد علم ابن أبى طالب رضي الله عنه ذلك فتبرأ منه وخاف على نفسه أن ينزلق فيه فاستغفر ربه وأناب ، ثم هو رضي الله عنه يخاف على نفسه من عينه أن تنصرف إلى ما لا يرضي الله ، ومن لسانه أن يزل بما يغضب الله ، ومن قلبه أن يشتهي ما لا حق له فيه ، فهو الذي يقول رضي الله عنه وقد علم الحياة الدنيا كما علم الآخرة في مدرسة الوحي والنبوة :(من العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبني ما لا يسكن ، ثم يخرج إلى الله لا مالا حمل ولا بناء نقل)

إن أمير المؤمنين رضي الله عنه لا يجد لذة العيش فيما أصاب من زينة الحياة الدنيا وزخرفها ، ولا فيما أصاب من عدوه يشفي غيظه منه ، وإنما لذة العيش عند أمير المؤمنين أن يحق حقا أو يزهق باطلا ، فيقول رضي الله عنه في كتابه لعبد الله بن عباس : ( أما بعد ، المرء ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته ، ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه ، فلا يكن أفضل ما نِلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ ، ولكن إطفاء باطل أو إحياءَ حق ، وليكن سرورك بما قدَّمت ، وأسفك على ما خلّفت ، وهمك فيما بعد الموت ) .

كان رضي الله عنه يعلم من مدرسة الوحي والنبوة أنه ليس بعد القعود عن نصر الحق إلا أتاويه كأتياه بني إسرائيل ، قال رضي الله عنه : ( أيها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصرالحق ، ولم تهنوا عن توهين الباطل ، لم يطمع فيكم من ليس مثلَكم – ممن لم يؤتوا مثل ما أوتيتم من كتاب ربكم – ولم يقوَ عليكم ، لكنكم تِهتم متاه بني إسرائيل ) .

وكان رضي الله عنه يرى أن الإنسان حر فيما يختار لنفسه مـن بدائل الحق والباطـل ، قــال لـرجل سألـه عن ذلك : ( ويحك ! لعلك ظننت قضاءً لازما ، وقَدَرا حاتما ، ولو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد . إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلّف يسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ، لم يُعْصَ مغلوبا ، ولم يُطَعْ مُكرِها ، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزل الكتاب عبثا ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا { ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } ص 27 ) .

إن الله سبحانه وتعالى قد شاء للإنسان أن يختار لنفسه ما يشاء { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } الإنسان 3 والإنسان هو الذي يختار لنفسه بحرية مطلقة لا قيد عليها إما الكفر وإما الإيمان { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } الكهف 29 بل إن الله سبحانه لم يأذن لرسوله في أن يكره أحدا على الإيمان { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } يونس 99 وشهد صلى عليه وسلم قوماً آمنوا ثم كفروا ، فمـا حدّهم ولا أقام النكير عليهم ، بل بشرهم بأن حسابهم عند ربهم ولن يغفر الله لهم { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفـرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } النساء 137 .

ولو لم يكن الإنسان حرا فيما يختار لنفسه من بدائل الكفر والإيمان لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، ولكن الله سبحانه أمر عباده تخييرا { أفمن يُلقى في النار خير أم مَن يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } فصلت 40 ونهاهم تحذيرا { يوم تجد كل نفس ما عملت مِن خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيدا ويحذركم اللهُ نفسَه والله رؤوف بالعباد } آل عمران 30 وكلف الله سبحانه يسيرا ولم يكلف عباده عسيرا { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } البقرة 185 وأعطى على القليل كثيرا { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } النساء 40 .

والله سبحانه لم يُعْصَ مغلوبا { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عِوَجا وهم بالآخرة هم كافرون . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } هود 20 وهــو سبحــانه وتعالى لم يُطَعْ مُكرِها { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } البقرة 256 . ولعل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء الأمانة هي أول ما يأتي به الإنسان طائعا ، ويعبد ربه شاكرا ، ويرجو رحمته مؤمنا ، فلقد خصّها أمير المؤمنين رضي الله عنه بوصية بالغة ، فقال : ( تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها ، فإنها كانت على المؤمنين كتــابا موقوتا ، ألا تسمعـون إلى جواب أهل النار حين سُئلوا { ما سلَككُم في سقر قالوا لم نَكُ من المصلين } المدثر 42 وشبهها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحَمَّة – الحمة هي كل عين تنبع بالماء الحار مما يُستشفى به – تكون على باب الرجل ، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات ، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن ، وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تَشْغَلُهم عنها زينة متاع ، ولا قرة عين من ولد ولا مال ، يقول الله سـبحانه { رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة } النور 37 ثم إن الزكاة جُعلت مع الصلاة قربانا للمسلمين ، فمن أعطاها طيِّب النفس بها فإنها تُجعل له كفارة ووقاية من النار ، ومن أعطاها غير طيب النفس بها ، يرجـو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالــسُّنة ضال العمـل { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وَجِلة أنهم إلى ربهم راجعون } المؤمنون 60 – الوَجَل هو الخوف الشديد – ولقد خاب من ليس من أهل الأمانة ، فإنها عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأشفقن من العقوبة ، وعَقَلْن ما جهل الإنسان { إنه كان ظلوما جهولا } الأحزاب 72 ) .

ويُبيِّن رضي الله عنه أن الكبرياء بغير الحق هي أكبر ما يصد الإنسان عن طاعة ربه واتباع سبيله ، فيقول : ( الحمد لله له الكبرياء وحده ، وجعل اللعنة على من نازعه فيها من عباده ، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ، ليَمِيز المتواضعين لعزته سبحانه من المستكبرين { إذ قال ربك لملائكة إنى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين } ص 71 فعدو الله إمام المتعصبين ، وسلف المستكبرين ، صَغَّره الله بتكبره ، ووَضَعَه بترفعه، فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعد له في الآخرة سعيرا ) .

وأدرك رضي الله عنه مكمن القوة والضعف في الإنسان ؛ فليست القوة عنده علوا في الأرض ، وليس الضعف ضِعَة وهوانا ، فيقول : ( إذا قويت فاقو على طاعة الله ، وإذا ضعفت فاضعف عن معصية الله ) .

ويفتأ إبن أبي طالب يذكـر العلـم وفضل العلماء فيقول : ( الناس ثلاثة ؛ عالم رباني ، ومتعلم على سبيل النجاة ، وأتباع لم يلجأوا إلى ركن وثيق العلم خير من المال ؛ أنت تحرس المال والعلم يحرسك ، والمال تُنقِصه النفقة ، والعلم يزكو بالإنفاق . يهلك خازن الأموال ، والعلماء باقون ما بقى الدهر . وإن هذه القلوب أوعية ، وخيرها أوعاها ، وكل وعاء يضيق بما جُعل فيه إلا وعـاء العلم فإنه يتسع ) .

العالم الربّاني هو الذي يعكف على علم الكتاب ويدرس ما فيه ، لا يعدل عنه ، ولا يتكلف غيره ، ولا يتجاوزه إلى ما سواه { كونوا ربانيين بما كنتم تُعَلِّمون الكتابَ وبما كنتم تدرسون } آل عمران 79 ومتعلم على سبيل النجاة ، ما يزال يتلقى العلم ويجتهد فيه ، وكلما بلغ من العلم شأوا فإنه ينجو به من المزالق { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب } الزمر 9 وآخرون لا يتعلمون ولا يتفقهون ، بل يؤثرون التقليد والإتباع ولو كانوا يلجأون إلى ركن غير وثيق كمثل الذين من قبلهم { إذا قيل لهم إتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } لقمان 21.

كلمــة طيبــة

الحكمة عند إبن أبى طالب رضي الله عنه تستمد أصولها من كتاب الله العزيز ، فهي كلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء { أَلم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبةً كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } إبراهيم 24 الكلمة الطيبة من هذا الوجه كلمة ثابتة لا تختلط بكلماتٍ مِن دونها ، ولا يرقى الزيف أو الإفتراء إلى سموها ، وهي اقرب ما تكون إلى الحق ، ومن أجل هذا فإن ما يُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو إلى أصحابه لا ينبغي له أن يتنافر مع القرآن ولا يمكن أن يتعارض مع أصوله الثابتة ، ولقد تنزَّه رسول الله وأصحابه من المهاجرين والأنصار عن اللغو كما تعالوا على الشجر الخبيث علوا عظيما ، إن الثمرة تدلك على شجرتها تماما كما تدلك الكلمة على قائلها .

كيف وقد تعلموا القرآن وتفقهوا فيه وعملوا صالحاً وأخلصوا دينهم لله ، وكانوا يرون الإسلام كما يراه إبن أبى طالب إذ يقول : ( الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار و الإقرار هو الأداء ، والأداء هو العمل ) الإسلام هو أن تسلم وجهتك إلى الله { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } النساء 125 ومن أسلم وجهه لله ، فقد جاء بالصدق وصدّق به ، ومن صدق الله ورسوله فإنه يتوب إلى الله ويعمل صالحاً .

والقرآن هو حجة الله في الأرض إلى يوم القيامة ، وبكل ما يثق به المؤمن ويطمئن به قلبه يقول رضي الله عنه: ( لا تخلوا الأرض من قائم لله بحجة ؛ إما ظاهراً مشهورا، وإما خائفا مغمورا ) فإذا صلح الزمان قام لله بالحجة رجال ظاهرون في الأرض ، وإذا فسد الزمان قام لله بالحجة رجال من المغمورين على خوف من قومهم أن يفتنوهم في دينهم الذي ارتضى الله لهم. القرآن الذي حفظه الله من لدنه سيجد ولا شك في كل زمان وفي كل مكان من يتدبره ، ويقيم به الحجة لله ، وهذا مما يعلمه إبن أبـى طالب مـن قوله ربه { وإنْ مِن أمة إلا خلا فيها نذير } فاطر 24 وإنك لترى الذين في النار يشهدون بذلك ويقيمون الحجة لربهم بعد أن أعرضوا عنها واستهزءوا بها فــي الحياة الدنيا { كلما أُلقى فيها فوجٌ سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير . قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا } الملك 8 .

ويقول رضي الله عنه : ( العلم علمان ؛ مطبوع ومسموع ، ولا ينفع المسموع إذا لم يكن مطبوعا ) وفي هذا السطر تؤلف الكتب ، العلم المطبوع تمتزج به النفس فيصبح طبعا لها ، ويظهر اثره في أقوالها واعمالها ، والعلم المسموع تتناقله الألسن ثم يذهب هباء ، وأوفر حظه أن يحفظ من وراء الذاكرة فلا يظهر إلا قليلا ، والقرآن علم مطبوع تسمعه الأذن فلا تلبث أن تطبع به ، أو تود لو أنها كانت تستطيع ، ولولا أن القرآن كان قد أصبح لإبن أبي طالب طبعا ، لما كان قد أستطاع أن يميز بين مطبوع العلم ومسموعه .

وعلم رضي الله أن علما يُتطبع به لا يشبع منه المؤمنون الذين يريدون النجــاة في الحياة الدنيــا وفــي الآخـرة ، فقال : ( منهومان لا يشبعان ؛ طالب العلم ، وطالب الدنيا ) ، ويحذر رضي الله من التعسف في العلم ، ومن التعنت فيه ، ذلك بأنه يعلم من ربه أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل كتــابه للنــاس ميسرا لا عسر فيه { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكِر } القمر ، فيقول رضي الله عنه : ( إن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم ، وإن العالم المتعسف شبيه بالجاهل المتعنت ) الجاهل يتعلم أشياء فيظهر بها على الناس وكأنه أصبح عالما ، والعالم يتعسف بعلمه فتراه يجور به ويطلب به الدنيا ولا يذكر الآخرة إلا قليلا .

والعمل الصالح بعلم القرآن هو أعظم ما ينتسب إليه الإنسان في الحياة الدنيا ، وفي هذا يقول رضي الله عنــه : ( من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) وإنما حجب الناس عن علم القرآن وعن العمل الصالح أمران يلحان عليه إلحاحا شديدا ؛ رجاؤه في الدنيا ، وخوفه فيها ، وفي هذا يقول إبن أبى طالب : ( لا يَرْجُوَّن أحد منكم إلا ربه ، ولا يَخافنَّ إلا ذنبه ، ولا يستحين أحد منكم إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم ، ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه ، وعليكم بالصبر فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ) .

والإستغفار هو الأمن في الحياة الدنيا من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هذا يقــول رضي الله عنه : ( كان في الأرض أمانان من عذاب الله ، وقد رُفع أحدُهما فدونكم الآخر فتمسكوا به ، أما الأمان الذي رُفع فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما الأمان الباقي فهو الإستغفار ، قال الله تعالى { وما كان الله ليعذبَهم وأنت فيهم وما كان الله مُعَذِبَّهم وهم يستغفرون } الأنفال 33 .

وما يزال أمير المؤمنين يوصي بالشورى فيقول : ( من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ) ويقول : ( من استبد برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم ) ولكن الشورى وإن كانت حقا للمؤمنين على ولي الأمر ، إلا أنها لا تلزمه غير ما عزم { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } آل عمران 159 قال رضي الله عنه لعبد الله بن عباس لما أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه : ( لك أن تشير علىَّ وأرى ، فإن عصيتك فأطعني ) ولا شك أن إبن عباس رضي الله عنه قد أدرك القول وعلم من الذكر الحكيم ما يستنبط أميرُ المؤمنين الذي أوجب الله له الطاعة حتى لا يختل نظام المؤمنين وتتفرق كلمتهم وتذهب ريحهم .

وأمير المؤمنين لا يجد في السلطة جاها ولا علوا ولا ظلما ولا إستبدادا ، بل يجد فيها وازعا يحق الحق ويبطل الباطل وينصف الناس بعضهـم مــن بعض ، فيقول رضي الله عنه : ( السلطان وَزَعَة الله في الأرض ) وزعة جمع وازع ، وهو ولي الأمر ، وجاء بخبر المبتدأ بالجمع لأن ال في ( السلطان ) للجنس ، فمن لم يجد وازعا من نفسه فعسى أن يجد وازعا من أولى الأمر ، وبئس مثل القوم الذين لا يجدون وازعاً من أنفسهم ولا من أولياء أمورهم .

ذلكم إبن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه ، كلمة طيبة من أصول ثابتة ، عرف الدنيا فعاش فيها لآخرته ، فهو كما وصف تلاميذ الوحي والنبوة بقوله : ( إعتبر فأبصر ، وأبصر ففهم ، وفهم فعلم ) وكان يدرك خطواته في هذه الحياة الدنيا فيقول : ( إذا كنت فـي إدبار والموت في إقبال فما أسرع المُلتقى ) مَرَّ مع نفر من أصحابه غير بعيد من مجمع القُمامة فقال رضي الله عنه : ( هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس ) وجاءه قوم يفرحون بالعيد فقال لهم : ( إنما هو عيد لمن قبل اللهُ صيامَه وشكر قيامه ، وكل يوم لا يُعصى اللهُ فيه فهو عيد ) .

الموعظة الحسنة

قد كانت لإبن طالب موعظة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، ولم يرد الحياة الدنيا لذاتها بل أرادها ليوم تشخص فيه الأبصار ، يقول رضي الله عنه : ( فليعمل العامل منكم في أيام مَهَله قبل أن يؤخذ بكَظَمه – الكظم هو الحلق أي مخرج النَفَس – وليتزود من دار ظعنه – الظعن هو الانتقال من مكان إلي آخر – لدار إقامته ، فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدي ، ولم يدعكم في جهالة ولا عمي ، أنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شئ ، وعمّر فيكم نبيه أزمانا حتي أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه دينه الذي رضي لكم ، فألقي إليكم المعذرة ، وقدّم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد ، إن أنصح الناس لنفسه أطوعُهم لربه ، وإن أغشّهم لنفسه أعصاهم لربه ، المغبون – أي المخدوع – من غبن نفسَه ، والمغبوط – المغبوط هو الذي يتطلع الناس إليه رغبة في أن يكون لهم مثل حظه- من سلم له دينه ، والسعيد من وُعظ بغيره ، والشقي من إنخدع بهواه وغروره ، وإن يسير الرياء شرك – الرياء أن تعمل ليرضي الناس – ومجالسة أهل الهوي تنسي الإيمان ، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ، واعلموا أن الأمل يُسهي العقل ، وينسي الذكر ، فأكذبوا الأمل فإنه غرور وصاحبه مغرور ، وإن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله علي نفسه، نظر فأبصر ، وذكر فأستكثر ، أخلص لله فاستخلصه وألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوي عن نفسه ، يصف الحق ويعمل به ، قد أمكن الكتابَ من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، وآخر تسمي عالما وليس به ، إقتبس جهائل من جهال ، وأضاليل من ضلال ، نصب للناس شركا من حبائل الغرور وقول الزور ، حمل الكتاب علي آرائه ، وعطف الحق علي أهوائه ، لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمي فيصد عنه ، فذلك ميت الأحياء ، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : إنه يموت مَن مات منا وليس بميت و يبلي من بلي منا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون ولا تستعملوا الرأي فيما لا تدركون . أما بعد ، فما كل ذي قلب بلبيب ، ولا كل ذي سمع بسميع ، ولا كل ذي ناظر ببصير ، فيا عجبا ! ومالي لا أعجب من هذه الفرق علي اختلافها في دينها ! لا يؤمنون بغيب ، ولا يهتدون بنبي ، ولا يعفون عن عيب ، يعملون في الشبهات ويمشون في الشهوات ، والمعروف عندهم ماعرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، كأن كل إمرئ منهم إمام نفسه ) . الإنسان إما ظاعن أو مقيم { يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } النحل 80 والحياة الدنيا ظعن لا مقام فيها ، وليس للإنسان فيها إلا متاع قليل يبلغ به الأجل الذي كتب الله له ، والآخرة هي دار القرار { فريق في الجنة وفريق في السعير } الشوري 7 .

ويعلم إبن أبـي طالب مــن الوحي أنـه لم يخلق عبثا { أَفَحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } المؤمنون 11} وأنه لم يُخلق سُدي { أَيحسَب الإنسان أن يترك سدي } القيامة 36 ، ولما سأل فرعونُ موسي عـن ربه قال { ربنا الذي أعطي كل شئ خلقه ثم هدى } طه 50 وأنزل الله الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين ، فمن أطاع الله فقد أخلص لنفسه ، ومن عصاه فقد خدع نفسَه{ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } الإسراء 7 .

ويحذر إبن أبي طالب من الغرور والهوي والبغض والحسد وإتباع الأمل ، للإنسان أن تكون له أماني في الحياة الدنيا ، وقد كان لرسل الله وأنبيائه أماني { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تَمَنّي ألقي الشيطان في أمُنِيَّته فينسخ الله ما يُلقي الشيطان ثم يُحْكِم الله آياته والله عليـم حكيم } الحج 52 .

الأمنية من المن أو المنة ، أي النعمة ، مَنَّ يَمُن مَنّا ، أي أنعم وأحسن ، والمن هو التعالي بالإحسان { يا أيها الذين آمنوا لا تُبْطِلوا صَدَقاتكم بالمن والأذي } البقرة 264 ومن أعظم مايمن الله علي عباده أنه سبحانه وتعالي لا يمن عليهم بما أنعم عليهم في الآخـرة { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } الإنشقاق 25 ومما تفضل الله به علي رسوله أن أنزل له بذلك آية خصَّه بها من دون الناس كافة { وإن لك لأجرا غير ممنون } القلم 3 والله سبحانه وتعالي قد جعل للناس كافة مَرَدّا حتما { ثم رَدّوا إلي الله مولاهم الحق } الأنعام 62 لكن اللهُ سبحانه وتعالي قد تفضل علي رسوله فأنزل له بذلك آية يخصه بها من دون الناس جميعا { إن الذي فرض عليك القرآن لَرادُّكَ إلا مَعَاد } القصص 85 .

والتمني هو طلب النعمة والإحسان من الله عز وجل ، أما الأمل فلا ينبغي إلا أن يكون للآخرة بالعمـــل الصالح { المالُ والبنونَ زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيٌر عند ربك ثوابا وخيرٌ أملا } الكهف 46 والله سبحانه إنما يصرف عباده عن أن تشغلهم زينة الحياة الدنيا عن الآخرة ، ويدعو رسوله – ولهم فيه قدوة حسنة - إلي ماهو خير منها وأبقي { واصبر نفسَك مع الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } الكهف 28 .

ذلك بأن الدنيا كما يقول إبن أبي طالب رضـي الله عنه : ( مَشغَلةٌ عن غيرها ، ولم يُصب صاحبها شيئا منها إلا فتحت له حرصا عليها ولَهْجا بها – لهج بالشئ إذا أُغري به فثابر عليه ولوعا وحرصا – ولن يستغني صاحبها بما نال فيها عما لم يبلغه منها ، وما من وراء ذلك إلا فراق ماجمع ، ونقض ما أبرم ) .

ويشير رضي الله عنه إلي القرآن الذي أنزله الله علي رسوله تبيانا لكل شئ { ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } يونس 57 فالقرآن هو الموعظة المثلى ، وهو الشفاء لما في الصدور وهو الهدى ، وهو الرحمة وهو خير مما يجمع الناس في هذه الحياة الدنيا . ثم يحذر رضي الله عنه من الإختلاف فيه ، واتباع الرأي فيما لا علم لهم به ولا دليل لهم عليه ، فذلك من الظن الذي نهى الله عنه{ وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } النجم 28 .

وأخطر ما يُفتن به الناس في الحياة الدنيا أن يصبح المعروفُ منكرا ويصبح المنكرُ معروفا ، فتراهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويصدون عن سبيل الله مودةَ بينهم في الحياة الدنيا نفاقا وغرورا { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديَهم نسوا الله فنسيَهم إن المنافقين هم الفاسقون } التوبة 67 . هنالك يذكر إبن أبي طالب صاحبه أباذر الغفاري رضي الله عنهما لما خرج إلي الرَبْذَة ، قال له : ( يا أباذر ، إنك غضبت لله ، فارج من غضبت له . إن القوم خافوك علي دنياهم ، وخفتهم علي دينك . فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، وستعلم من الرابح غدا . ولو أن السماوات والأرض كانتا علي عبد رتقا ، ثم إتقى الله لجعل الله له منهمامخرجا . ولا يُؤنِسَنّك إلا الحق ، ولا يُوحِشَنّك إلا الباطل .فلو أنك قبلت دنياهم لأحبوك ، ولو قَرَضْتَ منها لأمنوك ) .

وكتب رضي الله عنه إلي إبنه الحسن موعظة بليغة نقتطف من دررها قوله : ( أوصيك بتقوي الله ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره والإعتصام بحبله . لا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تُكلّف . وجاهد في الله حق جهاده ، ولا تأخذك في الله لومةُ لائم . وخض الغمرات – أي الشدائد – للحق ، وتفقه في الدين ، وعَوِّد نفسَك التصبر علي المكاره . واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع ، ولا خير في علم لا يحق تعلمه ، فاستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بُغيَتَه وتجربتَه ، إقتصر على ما فرضه الله عليك ، وخذ بما مضي عليه الصالحون من أهل بيتك ، فإنهم نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، وفكروا كما أنت مفكر ، ثم ردَّهم آخر ذلك إلي الأخذ بما عرفوا ، والإمساك عما لم يُكلَّفوا ، فاترك كل شائبة أولجتك في شبهة ، أو أسلمتك إلي ضلالة ، فليس طالب الدين من خَبَط أو خَلَط ، فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله علي جهالتك به . يابني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فاحبب لغيرك ماتحب لنفسك، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لاتحب أن تُظلم ، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك ، ولا تقل ما لا تعلم ، ولا تقل ما لا تحب أن يُقال لك . ولا تغتر بما تري من إخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها وقد نبأك الله عنها ، ولا تكن عبدا وقد جعلك الله حرا . وإن تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك مافات من قولك ،والمرء أحفظ لسره ، من أكثر أهجر – فكثير الكلام لا يخلو من الإهجار - الهُجْر هو القبيح من القول أو هو الهذيان ، قال تعالي { قد كانت آياتي تُتلي عليكم فكنتم علي أعقابكم تنكِصون . مستكبرين به سامراً تهجرون } المؤمنون 66 – ومن تفكر أبصر ، قارِن أهلَ الخير– أي كن قرينا لهم – تكن منهم ، وباين أهل الشر تَبِن عنهم . وتجرّع الغيظ – أي اكظم غيظك – فإني لم أرَ جُرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذّ مغبة – كظم الغيظ جرعة مرة ، ولكن عاقبته أحلى من عواقب سوْرَة الغضب – ولنْ لمن غالظك ، فإنه يوشك أن يلين لك ، وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى من ظفرك بالإنتقام منه ، ولا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان ) .

وضربه ابن ملجم ، واجتمع أهله رضي الله عنه من حوله ، فقال وهو يعظهم : ( أوصيكم بتقوى الله ، ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، واحذروا الله في الأيتام ، فلا تغُبّوا أفواهَهم – يغب القوم إذا زارهم بعد غياب، أي صِلوا أفواههم بالطعام ولا تقطعوه عنهم – ولا يضيعوا بحضرتكم ، واحذروا الله في جيرانكم ، فإنهم وصية نبيكم ، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم ، واحذروا الله في القرآن ، لا يسبقكم بالعمل به غيرُكم ، واحذروا الله في الصلاة ، فإنها عمود الدين ، بيت ربكم ، لا تخلوه ما بقيتم ، فإنه إن تُرك لم تُناظروا – أي لا ينظر إليكم أحد بالكرامة – وفي الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ، وعليكم بالتواصل والتباذل – أي البذل والعطاء – وإياكم والتدابر والتقاطع ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيُولي عليكم شرارُكم ، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم . يا بني عبد المطلب لا ألفَيَنّكم – أي لا أجدنكم ، صيغة نفي في معنى النهي – تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قُتل أمير المؤمنين ، ألا لا تَقْتُلُنَّ بي إلا قاتلي – ألاَ ؛ استفتاحية للتنبيه – فإذا مت من ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يُمَثّل بالرجل – مبنى للمجهول تكريما لأهله رضي الله عنه وتنزيها لهم أن يفعلوا – فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ) .

تـــم بعـــون اللـــه
الجمعـــة 17 جماد آخر 1421
الموافـــق 15 سبتمبر 2000

هذا الكتاب الى الأن لم يتسنى طباعته ونشره وتوزيعه
الخميس 15 . 2 . 2007


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home