Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي


مصطفى كمال المهدوي

Thursday, 22 February, 2007

   
   

كتاب ( عـلي بن أبي طالب
                فـكـره وثـقافـتـه
) (3)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

الإدارة العامــة

كان إبن أبي طالب رضي الله عنه يطلب من أعوانه أن يرتفعوا إلي مثله العليا ، وقيمه الثابتة ، ويضع لهم أفضل أساليب الإدارة ، والنظر في أمور الناس . وكان حريصا علي أن يبين لهم أخلاق القيادة ، ويسن لهم أفضل أنظمتها . وكان يتخذ من اللين والشدة طريقا وسطا ، وكان أقرب ما يكون إلي الرأفة والرحمة والصفح والتسامح ، ولئن وُصف رضي الله عنه بالزهد والتقشف ، إلا أنه لم يكن يدعو أحدا إلي أن ينس نصيبه من الدنيا ، يقول لأحد أعوانه :( إستصلح كل نعمة أنعمها الله عليك ، ولا تُضيّعَنَّ نعمةَ من نعَم الله عندك ، وليُرَعليك أثر ما أنعم الله به عليك ) ، وهو إنما يذكره بقوله تعاليَ { ولا تَنْسَ نصيبَك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك } القصص 77 وبقوله تعالي { وأما بنعمة ربك فحدِّث } الضحي 11 .

ويضع إبن أبي طالب قواعد الإدارة لأعوانه فيقول : (تَمسَّك بحبل القرآن واستَنْصِحه وأحل حلاله وحرم حرامه وصَدِّق بما سلف من الحق ، واعتبر بما مضي من الدنيا ما بقي منها ، فإن بعضها يشبه بعضا ، وآخرها لاحق بأولها ، وكلها حائل – أي زائل – مفارق . وعَظِّم إسم الله أن تذكره إلا علي الحق ، وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت ، ولا تَتَمَنَّ الموتَ إلا بشرط وثيق . واحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويُكرَه لعامة المسلمين ،واحذر كل عمل يُعمَل به في السر ويُستَحي منه في العلانية ، واحذر كل عمل إذا سُئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه . ولا تجعل عرضك – أي شرفك واعتبارك – غرضا لنبال القول ، ولا تُحدِّث الناسَ بكل ما سَمِعته فكفي بذلك كذبا ، ولا تَرُدَّ علي الناسَ كل ما حدثوك به فكفي بذلك جهلا . وأكظم الغيظ ، وتجاوز عند المقدرة ، واحلم عند الغضب ، واصفح مع الدولة تكن لك العاقبة . واعلم أن أفضل المؤمنين أفضلهم تَقْدِمة – مصدر قَدَّم من البذل والإنفاق – من نفسه وأهله وماله ، فإنك ما تقدم من خير يبق لك ذخره .واحذر من يفيل – أي يضعف- رأيه ، ويُنْكَر عمله ، فان الصاحب مُعْتَبَرٌُبصاحبه. واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلة الأعوان علي طاعة الله ، واقصر رأيك علي ما يعنيك ، وأكثر أن تنظر إلي مَن فُضِّلتَ عليه فإن ذلك من أبواب الشكر . وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلب الدنيا ، واحذر الغضب فإنه جند عظيم من جنود إبليس ) .

القرآن الكريم كتاب الله نِعْم الناصح لمن إستنصحه ، ونِعْم الحبل لمن استمسك به ، فيه أنباء ما كان من قبل لمن أراد أن يعتبر بما مضي ، ويقيس بما كان منه علي ما بقي من الأمر ، فلكل نبأ مستقر ، وكل أمر إلي زوال .

أعظم الذكر ذكر الله بالذكر الحكيم ، والموت ذكري وليس أمنية ، إلا إذا كانت الغاية أشرف من بذل النفس في سبيل تحقيقها . وإذا رضيت عملا فانظر أكنت ترضاه من غيرك ، فإذا كرهته فلا ينبغي لك أن تأتي عملا تكره أن يأتيه أحد سواك . وإذا كنت تستحي منه في العلانية فلا تأتيه في السر. وكذلك فإنه لاينبغي لك أن تأتي عملا يستوجب الإعتذار منه ، أو إنكاره إذا سئلت عنه .

ثم هو رضي الله عنه يحذر عماله موارد الشبهات ، حتي يكون لهم كل الشرف وكل الإعتبار فلا تصل إليهم ( نبال القول ) ويدعوهم إلي القصــد إذا تحدثوا والحذر إذا استمعوا ، ثم يستنبط لهم موعظة ربـهم من قوله تعـــالي { والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسـنين } آل عمران 134 {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } النور 22 .

وهو يعظهم بالبذل والعطاء ، فالإنسان يُذكر بما بذل وأعطي ولا يذكر بما أخذ وقني ، ويحذرهم بطانة السوء من ضعاف الرأي وأصحاب المنكر ، ومن يتخذهم بطانة له فإنه يُعتبر منهم ولا يلبث حتي يصبح مثلهم ، ويحذرهم أن ينزلوا منازل الغفلة ، فرجال الدولة أجدر باليقظة والسهر علي مصالح الناس ، وينصح باللين واللطف وأن يستكثروا من الأعوان علي طاعة الله .

ويبين لهم أن الغضب جند عظيم من جند إبليس ، ويدعوهم إلي إجتنابه ، ليكونوا أقرب إلي التسامح منهم إلي البطش والعدوان { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحشَ وإذا ما غضبوا هم يغفرون } الشوري 37 ويدعوهم إلي أن يلتزموا حدود مسئولياتهم ، فلا يتجاوزوها إلي مالا يعنيهم من شئون الناس في تصريف أمورهم طالما لم يؤذوا بها أحدا .

ونعلم من فقهاء القانون أنهم يشترطون المصلحة فيما يدلوا به إلي الحكام ، وقد جاءهم من القرآن ما هو أعظم من ذلك فنهي الناس أن يرفعوا أصواتهم بالسوء إلا إذا ظُلموا ، وبالقدر الذي يرفعون به الظلمَ عن كواهلهم ، وحبب إليهم أن يعفوا وأن يصفحوا { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِمْ وكان الله سميعا عليما . إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا } النساء 148 إن الله لا يحب الجهر بالسوء مطلقا ، في المجالس الخاصة والعامة علي سواء ، فما بالك بالذين يرمون الناس في أعراضهم ويتهمونهم في دينهم ويؤذونهم في أنفسهم وأموالهم .

وكانت لمصر الكنانة مكانة خاصة في قلب إبن أبي طالب رضي الله عنه فإنه كان بصيرا بشئونها حريصا علي أمنها والنهوض بها ، فقد بعث إليها أول الأمر محمدا بن أبي بكر الذي كان يقول فيـه : ( محمد إبني من صلب أبي بكر ) ورغم ذلك فإنه لما اضطربت الأمور في ولايته ، فقد بادر بعزله وأقام مكانه مالك بن الحارث الأشتر وحرص علي أن يزوده بكتاب يعُتبر دستورا لقوانين الإدارة ونظم الولاية ، وموسوعة نادرة لأخلاق القيادة وآداب الإدارة .

( بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أمر به عبدُالله عليٌُ أمير المؤمنين ، مالك أبن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاّه مصرَ ، جبايةَ خراجها ، وجهادَ عدوها ، واستصلاحَ أهلها ، وعمارةَ بلادها . أمره بتقوي الله وإيثار طاعته ، واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه ، التي لا يسعد أحد إلا باتباعها ، ولا يشقي إلا مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصره الله سبحانه وتعالي ؛ فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ، ويَزعَهَا – أي يَكفّها – عند الجمحات فإن النفس أمّارة بالسوء إلا ما رحم الله .

ثم اعلم يا مالك أني وجَّهتك إلي بلاد قد جرت عليها دول قبلك ، من عدل وجَوْر، وأن الناس ينظرون في أمورك مثل ما كُنتَ تنظر فيه من أمور الولاية قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنما يُسْتَدَل علي الصالحين بما يُجْري الله لهم علي السن عباده ، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فأملك هواك وشُحَّ بنفسك عما يحل لك ، فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو أكرهت .

وأشعر قلبك الرحمة والمحبة واللطف ، ولا تكونن عليهم سَبُعا ضاريا فإنهم صنفان ؛ إما أخ لك في الدين ، أو نظيرٌُ لك في الخلق ، يَفْرُط منهم الزلل وتَعْرُض لهم العلل ، ويُؤتي علي أيديهم – أي تأتي السيئات علي أيديهم – في العَمْد والخطأ . فاعطهم من عفوك وصفحك مثلَ الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، وولي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من ولاّك، وقد إستكفاك أمرَهم – أي طلب منك أن تكفيهم أمرهم وتدبر مصالحهم – وابتلاك بهم .

ولا تَنْصِبَنَّ نفسك لحرب الله ، فإنه لا يَدَ لك بنقمته ، ولا غِنَي بك عن عفوه ورحمته . ولا تَنْدَمَنَّ علي عفو، ولا تَبْجَحَنَّ -أي تفرح – بعقوبة – ولا تسرعن إلي بادرة وجدت منها مندوحة ، ولا تقولن إني مُؤَمَّر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال – أي إدخال الفساد – في القلب ومَنْهَكة – أي إضعاف – للدين وتقرب الغِير –أي حادثات الدهر تغير من الخير إلي الشر – وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطَانك أُبَّهة أو مَخِيلَة ، فانظر إلي عِظَم ملك الله فوقك وقدرته منك علي مالا تقدر عليه من نفسك ، فإن ذلك يُطَامِن – أي يخفض – إليك من طِماَحك – أي ما تجمح إليه نفسك – ويَكُفَّ عنك من غربك – أي حِدَّتك – ويفئ إليك – أي يعيد إليك – بما عزَب – أي غاب – عنك من عقلك .

إياك ومساماة الله في عظمته – فلا تنازعه في سمو عظمته – والتشبه به في جبروته ، فإن الله يذل كل جبار ، ويهين كل مختال . انصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ، ومن تجد لك فيه هوي في نفسك ، فإنك إلا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه ، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حربا حتي ينزع أو يتوب ، وليس شئ أوعي إلي تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من الإقامة علي الظلم .

وليكن أحبُ الأمور إليك أوسطَها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الناس ، فإن سخط العامة – أي تذمرهم- يجحف برضا الخاصة ، وإن سخط الخاصة أهون مع الرضا العام . وليكن أبعدُ الناس منك ، وأشنأُهم – أي أبغضهم – عندك ، أطلَبهم لمعائب الناس – أي أكثرهم تصيدا لعيوب الناس- فإن في الناس عيوبا أنت أحق بسترها ، وتطهير ما ظهر لك منها ، فاستر العورة ما استطعت يستر الله عليك .

أطلق عن الناس عقدة كل حقد – فلا يكن في قلبك حقد علي أحد – واقطع عنك سببَ كل وِتر – أي عداوة – ولا تعجلن إلي تصديق ساع – أي نمام – فإن الساعي غاش وإن تشبَّه بالناصحين . ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدك الفقر ويعدل بك عن الفضل ، ولا جبانا يُضِعفُك عن العزم ، ولا حريصا يزين لك الشَّر بالجَور .

إن البخل ، والجبن ، والحرص غرائز شتي يجمعها سوء الظن بالله !!

إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ، ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة ، وأنت واجد خير الخلف ممن له مثل نفاذهم – أي خبرتهم – وليس عليه مثل أوزارهم ، من الذين لا يعاونون ظالما علي ظلمه ولا آثما علي إثمه ، ثم ليكن آثرُهم عندك – أي أفضلهم – أقولَهم بمر الحق لك ، وأَقَلَّهم مساعدة لك فيما كره الله لك . والصَقْ بأهل الورع والصدق ، ثم رُضْهُم– أي عودهم – علي أن لا يطروك ولا يبجحوك ، فإن كثرة الإطراء تحدث الزَّهْو وتدني من العزة .

ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء ، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة علي الإساءة ، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه .

وليس شئ أدعي إلي حسن الظن بك من الإحسان إلي الناس ، وتخفيف المؤونة عليهم ، وترك إستكراهه إياهم علي ما ليس له قِبَلَهم ، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن فيقطع عنك نَصَبا طويلا .

ولا تنقض سُنَّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة ، واجتمعت بها الألفة ، وصلح عليها الناس ، ولا تحدث سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن ، فيكون الفضل لمن سنها والوزر بما نَقَضت منها .

وأكثر مدارسة العلماء ، ومنافثة – أي محادثة – الحكماء.

واعلم أن الناس درجات لا يصلح بعضها إلا ببعض ، ولا غني ببعضها عن بعض ؛ فمنهم جنود الله ، ومنهم كتاب العامة والخاصة ، ومنهم قضاة العدل ، ومنهم عمال الإنصاف والرفق ، ومنهم أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومُسلِمَة الناس ، ومنهم التجار وأهل الصناعات ، ومنهم ذوي الحاجة والمسكنة ، وكل قد سمي له الله سهمه ، ووضع علي حده فريضة في كتابه وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم عهدا من عندنا محفوظا ).

وربما كانت هذه هي مقدمة الكتاب ، وله في هذا الكتاب من بعد ذلك تفصيل الإدارة وآدابها وقواعد السلوك فيها وأساليب النظر في درجات الناس، وهم بحسب ما ذكر آنفا ؛ العسكريون ، والموظفون والمستخدمون ، والقضاة ، والتجار وأصحاب الحرف والصناعة ، والفقراء من ذوي الحاجة والمسكنة .

أمير المؤمنين يُبَيِّن للأشتر ، وهو نائبه في مصر أو هو المحافظ علي هذا الجزء العزيز من دولته ، أنه مسئول عن الإقتصاد والتنمية ( جباية الخراج وعمارة البلاد )، وهو مسئول عن الدفاع والأمن ( جهاد العدو ) ، وهو مسئول عن النظام العام والإستقرار والآداب العامة ( إستصلاح أهلها ).

وأول ما يعظ به أمير المؤمنين نائبه أن يستمسك بالقرآن ؛ فهو يقول وقد قال رضي الله عنه في القرآن كثيرا : ( الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهَّل شرائعه لمن وَرَدَه – أي جاءه بقلب سليم – وأعز أركانه علي من غالبه فجعله أمنا لمن عَلِقَه – أي تعلق به – وسلما لمن دخله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، ونورا لمن استضاء به وفهما لمن عَقَل ، ولُبَّا لمن تَدَبَّر وآية لمن تَوَسَّم – أي تخيله فتفرس فيه – وتبصرة لمن عَزَم ، وعبرة لمن اتعظ ونجاة لمن صَدَّق ، وثقة لمن توكل ، وراحة لمن فوَّض ، وجُنَّة – أي وقاية – لمن صبر ، فهو أبلج المناهج – أي أوضحها – وأوضح الولائج –أي المذاهب – مَشْرَف المنار – أي عالي الرؤية تشرف منه ما لا يمكن أن تري من دونه – مشرف الجَوَاد – جمع جادة وهي الطريق الواضحة – مضئ المصابيح ، كريم المضمار – أي يسبق السابقين بلطف وكرم – رفيع الغاية ، وجامع الحَلْبَة – الحلبة بسكون اللام هي مجمع الخيل في رباط الجهاد ، أي أن من أحاط بالقرآن فقد إجتمعت له أسباب النصر ولو لم يكن ذا عدة أوعتاد – متنافس السُّبْقة – السبقة هي جزاء السابقين فلا ينافس القرآن منافس فيما أعده الله لعباده السابقين اليه بآياته – شريف الفرسان – فجنود القرآن هم أشراف الناس وفرسانهم – التصديق منهاجه ، الصالحات مناره ، والموت غايته ، والدنيا مضماره ، والقيامة حَلْبَته ، والجنة سُبْقَتُه )

وهل يقول في القرآن مثل هذا القول رجل إلا أن يكون ربانيا مؤمنا أخلص دينه لله ، وعرف سبيله إلي الحق ، وأدرك نصيبه من الدنيا في الآخرة وحفظ آيات الله فأحبها حبا جما وأحب للناس أن يهتدوا بها ، فذلك إبن أبي طالب تلميذ النبوة والوحي .

وبلغ الذروة في السمو الإنساني إذ يقول له أنه إنما يتولي أمر الناس جميعا من كان منهم أخا له في الدين أو نظيرا له في الخلق ، وكلهم بشر يفرط منهم الزلل ، ويدعوه إلي أن يكون أقرب إلي العفو و التسامح والرحمة والمحبة واللطف .

وأين من ذلك الذين أقاموا السوط علي رقاب الناس ،وفَوَّقوا عليهم بالنكير في دينهم ، أهم الحفظة ، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم علي الناس حفيظا ، أم هم الوكلاء ، ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلم علي الناس وكيلا ، أم هم المسيطرون ولم يكن رسول الله صلي الله عليه وسلـــم مسيطرا علي أحد في دينــه{ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } الكهف 29 أم لم يسمعوا قول ربهم { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم إزدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا } النساء 137 هؤلاء قوم آمنوا في عهد رسول الله ثم كفروا ، و ( ثم ) حرف عطف يفيد التراخي ، أي أنهم لم يكفروا من فورهم بل ظلوا علي إيمانهم بالله وبالرسول حتي كفروا فتُركوا وشأنهم ، ثم آمنوا مرة أخري ، ثم لم يلبثوا أن إرتدوا من بعد إيمانهم كفارا ولم يكتفوا بذلك بل إزدادوا كفرا ، فما كان من أمر رسول الله إلا أن بشرهم بأن الله لن يغفرلهم ولن يهديهم سبيلا فلا هو قتلهم ولا أقام النكير عليهم لأنه صلي الله عليه وسلم إنما أمر ليبلغهم ما أنزل إليهم من ربهم وليبين لهم كتاب ربهم ويدعوهم إلي سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وألا يجادلهم إلا بالتي هي أحسن وهم أحرار من بعد ذلك من شاء منهم فليؤمن ومن شاء فليكفر .

ولي الأمر ينظر أمور الناس ولا شأن له بدينهم { قل الَله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه } الزمر 14 ولقد تحددت علاقة ولي الأمر بالناس في قول أبن أبي طالب رضي الله عنه : ( أيها الناس ان لي عليكم حقا ، ولكم عليَّ حق ؛ فأما حقكم عليَّ فالنصيحة لكم ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيلا تجهلوا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة ، والنصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم )

طـــوائف الأمــة

إن كتاب أمير المؤمنين إلي نائبه في مصر لمن الحكمة والشمول بقدر يتجاوز جهد الباحث أو تمحيص القارئ العادي ، نعتقد أنه أولي بالجامعات المتخصصة بالسياسة والإدارة والقانون العام ، ومع ذلك فسوف نحاول أن نتبين طوائف الأمة في كتاب إبن أبي طالب رضي الله عنه وعلاقاتهم بوليه أو نائبه أو المحافظ الذي ائتمنه عليهم .

( أولا : البطانة والأعوان )

يقول أمير المؤمنين لمالك ابن الأشتر : ( الْصَق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جِماع الكرم وشُعَب من العرف ، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما ، ولا يتفاقمن – أي يعظم – في نفسك شئ قويتهم به ، ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قَلَّ ، فإنه داعية لهم إلي بذل النصيحة لك ، وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطيف أمورهم إتكالا علي جسيمهما ، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه ) . ويستطرد أمير المؤمنين من ذلك إلي القول : ( ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف – أي أنه سيظهر لك من هؤلاء من يتطلع إلي إن تؤثره علي غيره ، ويحب أن يكون له السبق والطول في مجلسك ويكره أن تعامله أسوة بمن سواه - فأحسم مادة هؤلاء بقطع أسباب تلك الأحوال . ولا تُقْطِعَن لأحد من حاشيتك وحامَتك – الحامة هم الخواص وذووا القربى – قطيعة – أي منحة من الأرض – لا يطمعن منك في اعتقاد –أي إمتلاك – عُقْدة – أي ضيعة ، واعتقاد الضيعة هو إقتناؤها – تضر بما يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك ، فيكون مهنأ - أي منفعة - ذلك لهم ، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة ) .

يعظ إبن ابي طالب نائبه أن ( يلصق ) بالصالحين من أعوانه كما يلصق ولد الخفاش بأمه في سكونها وطيرانها ، وفي يقظتها ونومها ، فقد إستعمل هذا اللفظ كما رأينا من قبل في حديثه عن الخفاش فقال : ( تطير وولدها لاصق بها لاجئ إليها ) .

ويدعوه إلي تفقد أمورهم كما يتفقد الآباء من أبنائهم ، ويأمر بالإحسان إليهم ، ويحذره الذين يريدونها علوا وفسادا في الأرض ، وأمير المؤمنين بذلك يستنبط له الحكمة من قول الحق علي لسان ذي القرنين { قال أمّا من ظلم فسوف نُعذبه ثم يُرَدُّ إلي ربه فيعذبه عذابا نكرا ، وأمّا من آمن وعَمِل صالحا فله جزاءً الحسني وسنقول له من أمرنا يُسرا } الكهف 87

ويصف رضي الله عنه حال حاكم مستبد يثبت أركان ملكه ببطانة السوء بقوله : ( قاد لُمَّة من الغواة ، عَمَسَ عليهم الخبر – أي أخفي عنهم ما يعلمه من الأنباء – حتي جعلوا نُحورَهم أغراض المنية – غرض المنية هو الهدف الذي يتدرب عليه الرماة ) .

ورأي رضي الله عنه من بعض أصحابه إعوجاجا فقال : ( كم أداريكم كما تُدارَي الثياب المتداعية ، كلما حِيصَت – أي خيطت – من جانب تهتكت من آخر ، وإني لعالم بما يصلحكم ويُقيم أوَدَكم- أي إعوجاجكم – ولكني لا أري إصلاحكم بإفساد نفسي ، لا تعرفون الحق كما تعرفون الباطل ، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق ) .

ألا وإن بطانة إبن أبي طالب قليل ، ووصفهم عند أمير المؤمنين ثقيل ، فهو رضي الله عنه يقول فيهم : ( رحم الله امرأً سمع حكمة فوعي ، وُدعي إلي رشاده فدنا ، راقب ربه وخاف ذنبه ، قَدَّم خالصا ، وعمل صالحا ، رمي غرضا – أي قصد إلي الحق فأصابه – وأحرزعوضا ، كابر هواه ، وكذَّب مناه وجعل الصبر مطية نجاته ، والتقوي عُدَّة وفاته ، وركب الطريقة الغراء ، ولزم المَحَجَّة البيضاء ، وإغتنم المهل – أي كسب خيرا مما أمهله الله في الحياة الدنيا – بادر الأجل ، وتزود بالعمل ) .

وفي زماننا هذا وقد بلغنا الكواكب والنجوم نجد كثيرا من الأمراء ومنهم أمراء دول عظمي يهتدون بمن معهم في بطانتهم ممن يزعم أن عنده علما بالنجوم ، أما إبن أبي طالب فإنه لما عزم علي المسير إلي بعض أعدائه من الذين يبادرونه بالعدوان ، قال رجل من أصحابه : ( أخشي ألا تظفر علي عدوك يا أمير المؤمنين ) فقال رضي الله عنه : ( أتزعم أنك تهدي إلي ساعة من سار فيها صُرف عنه السوء ، وتُخوَّف من ساعة من سار فيها حاق به الضر ، إن من صَدَّقك بهذا فقد كذَّب القرآن ، واستغني عن الإستعانة بالله والتوكل عليه ، وتبتغي في قولك أن يكون لك الحمد من دون الله ، أيها الناس ؛ إياكم وتعلم النجوم ، إلا ما يُهْتَدي به في البر والبحر ، فالمنجم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار ، أيها الناس ؛ سيروا علي بركة الله بسم الله الرحمن الرحيم ).

( ثانيا : القوات المسلحة )

( الجنود بإذن الله هم حصون الأمة ، وعز الدين ، وسبل الأمن ، ولا يقوم الناس إلا بهم ، ولا قِوام للجنود إلا بما يُخرج اللهُ لهم الخراج الذي يقوون به علي جهاد عدوهم ، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم – أي كافيا لكل ما يحتاجون إليه - وليكن آثر رؤساء جندك – أي أفضلهم وأعلاهم مكانة في جيشك – من واساهم بمعونته ، وأفضل عليهم من جدَته – أي أسبغ عليهم من أرزاق الجند التي في حوزته – بما يسعهم ويسع مَن وراءَهم من خلوف أهليهم ، حتي يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو ، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلي ولا تضيفن بلاء امرئ إلي غيره ، ولا تقصرن به دون غاية بلائه – أي لا تقصر في مكافأة من أبلي منهم بلاء حسنا ليكن ذلك حافزا لهم – ولا يدعونك شرفُ امرئ إلي أن تُعْظم من بلائه ولو كان صغيرا ، ولا ضَعةُ امرئ إلي أن تستصغر من بلائه إذا كان عظيما ) .

القوات المسلحة عند إبن أبي طالب ؛ هم حصون الأمة ، وعز الدين ، وسبل الأمن ، فما كان ينبغي لهم أن يكونوا عنده أداة بطش وعدوان ، وما كانوا عنده وما كان ينبغي لهم أن يكونوا جحافل بطر أو زهو أو تسلط أو إستبداد ، وما كان رضي الله عنه ليبادر بهم غزوا ، أو يحملهم علي الغارة غدرا ، أو يذل بهم عباد الله الآمنين الذين يكفون أيديهم ويجنحون إلي السلم سواء منهم من آمن أم كفر {لا ينهاكم الله عن الذين لم يُقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبَرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة 8.

القوات المسلحة عند إبن أبي طالب ؛ هم حصون الأمة وعز الدين ، وسبل الأمن ، وما كانوا الا كما تعلم في مدرسة الوحي والنبوة { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رِباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تُظلمون . وإن جنحوا للسَلْم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم } الأنفال 60

تلميذ الوحي والنبوة يقول لعامله في مصر : ( إياك والدماء وسفكها بغير حِلَّها ، فإنه ليس شئِ أدني لنقمة ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحري بزوال نعمة ، وإنقطاع مدة – المدة هي العهد أو الفترة من الزمن – من سفك الدماء بغير حقها فلا تُقَوَّين سلطانك بسفك دم حرام ، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه ، بل يُزيله ويَنقله – إلي غيرك – ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد ، لأن فيه قَوَدَ البدن – أي القِصاص النفس بالنفس – وإن ابتُليت بخطأ – أي تورطت في قتل نفس خطأ – فلا تَطْمَحَّن بك نخوة سلطانك –أي لا تأخذنك العزة بمنصبك – عن أن تؤدي إلي أولياء المقتول حقهم ). واستعراض الجند أقرب إلي الثقة بالنفس ، وأدعي إلي إرهاب العدو ، وأرفع لشأن الأمة ، ولكنه قد يدعو إلي البطر ويدني من الغرور ، ويحفزعلي الكبرياء في الأرض بغير الحق ، ويغري بالتسلط والإستبداد والإستبعال علي الناس ظلما وعلوا ، ومن أجل ذلك فقد أتبع أمير المؤمنين القولَ : ( وإياك والإعجاب بنفسك ، والثقة بما يعجبك منها ، وحب الإطراء ، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين )

وذلك مما يستنبط أمير المؤمنين من آيات الله والحكمة في قوله تبارك وتعالي { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئِآءَ الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط . وإذ زَيَّن لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليومَ من الناس وإني جارٌُ لكم فلما تراءت الفئتان نكص علي عَقِبَيه وقال إني برئ منكم إني أري مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } الأنفال 47

( ثالثا : القضاة أو الحكام )

نفتأ نطالع أنباء القضاة أو الحكام في كتاب أمير المؤمنين إلي عامله أو نائبه مالك بن الأشتر ، فيقول رضي الله عنه : ( اختر للحكم بين الناس أفضلَهم في نفسك ممن لا تضيق به الأمور – أي حليما سمحا – ولا تَمْحَكُه الخصوم – فتجعله مَحْكانا أي سريع الغضب عسر الخلق لجوجا يصر علي رأيه – ولا يتمادي في الزَّلة – الزلة هي التورط في الخطأ أو هي الزلقة – ولا يَحْصَر – أي يتحرج – من الفئ- أي الرجوع – إلي الحق إذا عرفه ، ولا تُشْرِف – الإشراف علي الشئ هو الإطلاع عليه من عَل – نفسُه علي طمع ، ولا يكتفي بأدني الفهم دون أقصاه ، وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم علي تكشف الأمور ، وأصرمهم عند إتضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء . ثم أكثر تعاهد قضائه – بالكشف والتفتيش – وأفسح له في البذل ما يزيل علته ، وتقل معه حاجته إلي الناس ، واعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصتك ، فانظر في ذلك نظرا بليغا ، فإن هذا الدين قد كان أسيرا يُعْملُ فيه بالهوي ، وتطلب به الدنيا ) .

أسمع به وأبصر رضي الله عنه ! إنه لا ينبه إلي شروط يفترض توافرها في الحكام ، كالعلم والتقوي والنزاهة والإستقامة والشرف والأمانة ، ولا يُنَبَّه إلي شئ من ذلك إلا صاحب غباوة ، وما كان عماله رضي الله عنه من الغباوة أو البلادة في شئ ، فهم نقاوة إبن أبي طالب وصفوته ، وكذلك فإنه من الغباوة والبلادة أن يوصف القاضي بأنه عليم أو أنه تقي أو أنه نزيه أو أنه مستقيم أو أنه شريف أو أنه أمين ، أم أنهم يتخيلون قاضيا جاهلا أو قاضيا ظالما أو قاضيا منحرفا أو قاضيا خائنا ، كل اولئك يتنزه عنه الحكام ويتعالون عليه علوا عظيما.

إن الأحكام القضائية هي في المنزلة الثانية من بعد الجريدة الرسمية في إثبات التاريخ ، والقضاة يقيمون البينة علي قومهم فيشهدون عليهم ، أو يقيمون البينة فيشهدون لأنفسهم بالفخر أو يشهدون علي أنفسهم بالخزي ، وإذا بدأ الفساد في القضاء فإنه لا يلبث أن يعم الأمة جميعا فهو ضميرها وبيده ضوابط أمنها ونظامها وجميع أخلاقها .

وربما سأل سائل ؛ إذا كنا لا نجد إلا جندا متطوعين فكيف ندافع عن أرضنا ؟ وإذا كنا لا نجد قضاة إبن أبي طالب فمن أين لنا قضاة يحكمون بيننا ؟ إن الأمة التي لا تجد رجالا يتطوعون للدفاع عنها أمة ظالمة ، وليس لها إلا التيه كتيه بني إسرائيل لما قعدوا عن الجهاد مع موسي عليه السلام والأمة التي لا تجد قضاة إبن أبي طالب أمة ظالمة ، حاكمها مثلها في الغابرين { وكذلك نُولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } الأنعام 129 .

(رابعا : الموظفون والكتاب )

ثم ننظر ما وعظ به أمير المؤمنين نائبه في مصر بشأن الموظفين والكتاب ، فيقول رضي الله عنه : ( ثم أنظر في أمور عمالك فاستعملهم إختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة ، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام ، فإنهم أكرم أخلاقا ، وأصح أعراضا ، وأقل في المطامع إشراقا – أي تطلعا – وأغلب في عواقب الأمور نظرا . ثم اسبغ عليهم الأرزاق ، فإن ذلك قوة لهم علي إستصلاح أنفسهم، وغني لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجة عليهم إذا خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك . ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك – أي متابعتك – لأمورهم حَدْوَة – أي حث – لهم علي إستعمال الأمانة . فإن أحدٌُ منهم بسط يده إلي خيانة إجتمعت بها عليه أخبار عيونك ، وإكتفيت بذلك شاهدا ، فبسطت عليه العقوبة ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثم نصبته بمقام المذلة ، ووسمته بالخيانة ثم انظر في حال كتابك وأخصص رسائلك التي تدخل فيها أسرارك بأجمعهم لصالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة ، ولا تَقْصُر به الغفلة ، ولا يجهل قدر نفسه ، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل . ثم لا يكن إختيارك إياهم علي فراستك واستنامتك – أي غفلتك بالثقة فيهم – وحسن الظن منك ، فإن الرجال يتعرفون – أي يعرفون طريقهم – لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم . ولكن اختبرهم بما وُلُّوا للصالحين قبلك ، فاعمِد لأحسنهم في العامة أثرا ، وأعرفِهم بالأمانة وجها ، فإن ذلك دليل علي نصيحتك لله ولمن وُليّت أمرَه . واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم – أي وزع أمورك علي رئاسات مختلفة ثم اجعل علي كل قسم من توزيعك رئيسا منهم – لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتت عليه كثيرها – أي لا ينوء بالمهام الكبيرة ، ولا يجنح إلي الفوضي إذا تكاثرت عليه – ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه أُلزِمْتَه) .

يري أبعاض في قوله تعالي { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } الزخرف 32 أنها السخرة فقالوا : ( سخر بعضهم بعضا أي ذللهم وكلفهم مالا يريدون من الأعمال بلا أجرة ولا ثمن خادما أو دابة ) ، وهذا الرأي يحمل كلمة السخرة علي مالا تحتمل في اللسان العربي ، ويشتق منها مصطلحا ما برح يستعمل في غير موضعه عسفا وجورا ، ذلك بأننا إذا تتبعنا هذه الكلمة في القرآن لوجدنا أنها لا ترد إلا بمعني التوظيف { الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار } إبراهيم 32 سخر الله الشمس والقمر دائبين وظفهما ، وسخر الأنهار موظفة لمنفعة الإنسان { وهــو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا حلية تلبسونها } النحل 14 البحار موظفة ليأكل منها الإنسان ويجد فيها زينته .

ويقول البيضاوي رحمه الله في تفسير قوله تعالي { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } يقول رحمه الله : ( وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضامن ينتظم بذلك نظام العالم ) وهذا هو ما قصد إليه إبن أبي طالب وهو يعظ نائبه في مصر بشأن الموظفين والكتاب ، ليسخرهم في خدمة النظام العام ، فيجعل لكل أمر رئيسا ويكون نائبه رئيسا علي هؤلاء ، ويتفقدهم بعين ساهرة ويحسن لمن أحسن منهم ، ويعاقب الذين اساؤا بأشد العقاب .

وإذا تدبرنا واقع الأمر لوجدنا أن كل إنسان مسخر لغيره ، حتي الملك نجده في نهاية الأمر مسخر للشوري في النظم العادلة ، أو مسخر للأعوان في النظم الإستبدادية { قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون . قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين . يأتوك بكل ساحر عليم } الشعراء 34 هؤلاء أعوان ملك مستبد ومع ذلك فقد سخروه لهذا الأمر فنفذ لهم ما أمروا به .

في الشمال وفي الجنوب وفي مشارق الأرض ومغاربها ، ومنذ بدأ الخلق وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لا نجد الناس إلا درجات متفاوتة بعضها فوق بعض ، ليوظف بعضهم بعضا ، وكلما وجد الناس أفضل أساليب هذا التسخير ، وأقربه إلي العدل والإحسان كلما ارتقت الأمة وعظم شأنها وعز جميع الناس فيها.

وليس في القرآن طبقات يستغل بعضها بعضا ، ويستبد بعضها ببعض ، وإنما { المؤمنون إخوة } الحجرات 10 في درجات متفاوته ليوظف بعضهم بعضا ، وهم في ذلك لا يتفاتون إلا بما أمر الله بأن يتفاوتوا به ، ولا يتفاوت منهم أحد في أمر الله إلا بالإيمان وبالعلم { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } المجادلة 11 فأيما رجل تفوق علي الناس بالإيمان والعلم ، وأوتي بسطة في الجسم فقد إستحق أن يولي أمرا من أمورهم ولو كان فقيرا { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنّي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال . قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم } البقرة 247 .

وأيما رجل تفوق علي الناس بالإيمان والعلم وأوتى بسطة في الجسم ، فقد استحق أن يولي عليهم ، ولو كان إبن ملك عظيم { وورث سليمان داود وقال ياأيها الناس عُلَّمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين } النمل 16 فهو عليه السلام يعلن للناس أنه لا يرثهم عن أبيه وراثة ، بل هو يلي الأمر بما أوتي من العلم ومن الفضل .

الإيمان والعلم وبسطة الجسم ينبغي أن يكون أساس الإرتقاء في الأرض ، والأمم الصالحة هي التي ترفع أولي الأمر فيها علي قواعد ثابتة من الإيمان والعلم وبسطة الجسم ، دون أن ينتظر منهم أن يرشحوا أنفسهم أو أن يقدموا بين أيديهم ، ذلك بأن أولي الإيمان والعلم لا يتقدمون الصفوف ، ولا يتسابقون علي المنابر ، ولا يزاحمون في الأسواق ، ولا يؤثرون الحياة الدنيا علي الآخرة ، ولا يزكون أنفسهم .

وثَمَّ رجال يرتقون في العلم ويتظاهرون بالإيمان إبتغاء العلو في الحياة الدنيا ، وآية ذلك أن يخلد إلي الأرض ، ويبتغي زخرفها وزينتها والتسلط فيها بغير الحق {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتْبَعَه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه} الأعراف 175.

( خامسا : الأعمال الحرة )

ومازلنا نستطلع الحكمة من وصية أمير المؤمنين إلي إبن الأشتر في مصر فيقول رضي الله عنه : ( ثم استوصي بالتجار وذوي الصناعات ، وأوصِ بهم خيرا ؛ المقيم منهم ، والمضطرب بماله – أي الذي يرتحل بأمواله من مكان إلي آخر – المترفق ببدنه – المترفق من المرافق أي المنافع يقدمها ببدنه كالبنائين وعمال النظافة- فإنهم مواد المنافع ، وأسباب المرافق ، وجُلاَّبُها من المبَاعد والمطارح في بَرِّك و بحرك وسهلك وجبلك ، حيث يلتئم الناس لمواضعها ولا يَجْتَرئون ، فإنهم سلم لا تخاف بائقته ، وصُلْح لا تخشي غائلته – فإنهم ؛ للتعليل ببيان سبب الوصية بهم ، وذلك بأن هذه الطائفة تعرف أنها لا تعيش إلا في الأمن والإستقرار ، فلا يخاف منهم ولي الأمر بائقة أي شر ولا غائلة من الغَوْل وهو السُكْر أو الصداع أو الداهية { يُطاف عليهم بكأس من معين . بيضاء لذةٍ للشاربين . لا فيها غول ولا هم عنها يُنزَفون } الصافات 45 – وتفقد أمورهم بحضرتك ، وفي حواش بلادك . ومع ذلك فاعلم أن في كثير منهم ضيقا – أي عسرا في التعامل – فاحشا ، وشحا – أي بخلا – قبيحا ، واحتكارا للمنافع ، وتحكما في البياعات ، وذلك باب مضرة للناس وعيب علي الولاة . فامنع الإحتكار ، فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم منع منه . وليكن البيع بيعا سمحا بموازين العدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع . فمن قارف حُكْرة بعد نهيك إياه فنكل به في غير اسراف ) .

{يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } النساء 29 لا يحل البيع بالتجارة في السلع والخدمات إلا عن تراض حقيقي ، وليس استرضاء مخادعا أو مستغلا ، فإذا بيعت السلعة بإجحاف أو بموازين ظالمة ورضي بها المبتاع مضطرا أو منخدعا ، فليس ذلك من التراضي في شئ ، بل هو الغش والخداع والإستغلال وأكل أموال الناس بالباطل ، لأنه إذا لم يكن مضطرا أو لم يكن مخدوعا لما كان قد رضي شراءها والتراضي في آية التجارة تراض مطلق يجري علي إطلاقه بظاهر القول وباطنه .

( سادسا : الفقراء والمساكين )

هم آخر طوائف الأمة في وصية أمير المؤمنين ، يقول رضي الله عنه : ( ثم اللهَ اللهَ – أي أحذرك اللهَ تحذيرا- في الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسي والزَّمْني- جمع زمين أي المعاق – واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم ، واجعل لهم قسما من بيت مالك ، فلا يَشْغَلنك عنهم بطر ، فإنك لا تُعذر إذا ضيعت التافه وأحكمت المهم ، فلا تُشْخِص همك عنهم – أي لا تصرف اهتمامك بهم – ولا تُصَعَّر خدك لهم – أي لا تلتفت عنهم تكبرا واستعلاء – وتفقد أمورَ من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون – التقحم هو لفظ مهذب بالغ الرقي في الدلالة علي الإشمئزاز – وتحقره الرجال . ففرغ لأولئك – أي ليتفرغ لشئون هؤلاء – ثقتك – أي من تثق به من أعوانك – من أهل الخشية والتواضع ، وليرفعوا إليك أمورهم ، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلي الله –أي بما يجعل لك عند الله عذرا – يوم تلقاه ، وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة – أي المتقدمين – في السن ممن لا حيلة له . واجعل لذوي الحاجات منك قسما – أي نصيبا- تفرغ لهم ، وتجلس معهم مجلسا عاما تتواضع فيه لله الذي خلقك ، وتقعد عنهم – أي لا يتعرض لهم – جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك ، حتي يكلمك متكلمهم غير متتعتع – التعتعة في الكلام بمعني التردد فيه عجزا أو وجلا – فإني سمعت رسول الله صلي الله عليــه وسلم يقول: ( لن تُقَدَّس أمة – أي لن تطهر – لا يُؤخذ للضعيف فيها حقُه من القوي غير متتعتع ) ، ثم احتمل الخَرْق – أي الخجل الشديد ، يقول العرب جاءت العروس خرقة من الحياء – والعِيَّ – أي العجز عن النطق ـ ونح عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته . واعط ما أعطيت هنيئا – أي لا تستكثره ولا تمن به عليهم – وامنع في إجمال وإعذار – أي كن جميلا إذا منعت وقدم لهم الأعذار – وذلك علي الولاة ثقيل ، والحق كله ثقيل يخففه الله علي أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق ما وعد الله لهم ).

هذا هو الضمان الإجتماعي عند تلميذ الوحي والنبوة منذ أربعة عشر قرنا عونا بغير مَن ولا بطر ، وسخاءً بغير إستكبار ولا إستنكاف ، لليتامي والمساكين والفقراء والمسنين وللعاجز والزمين .

ويفقد الإنسان حاسة من حواسه ، أو بعض أطرافه ، أو يصاب بضعف فيها فيسمي معاقا ، ولا نجد هذا اللفظ إلا في آية واحدة من القرآن الكريم الذي علم البيان من قوله تبارك وتعالي { قد يعلم الله المعَّوقين منكم والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا } الأحزاب 18 فسرها البيضاوي رحمه الله بأنهم المثبطون ، وظاهره في ذلك الإمام الزبيدي رحمه الله فقال : ( عاقه الشِئ إذا حبسه وصرفه عنه ، والعوق هو التثبيط كالتعويق والإعتياق ) ويبين من ذلك أن التسمية علي أحسن وجوهها في اللسان العربي تعني أن المعاق ؛ هو الشخص الذي حبسه عائق عن الإنطلاق ، أو صرفه عن التقدم ، أو ثبطه عن بلوغ أهدافه في الحياة .

ولا نجد سببا في الحياة يعيق الإنسان عن بلوغ غاياته إلا الموت أو الجنون المطبق ، أما الأحياء من العقلاء فلا يعيقهم شئ عن بلوغ غاياتهم مهما بلغوا من المرض أو الضعف ، والأمثلة علي ذلك كثير؛ إن الصرع لم يعق بونابارت عن إقامة إمبراطوريته العظيمة في أوربا و إن الصمم لم يعق بيتهوفن عن بلوغ القمة في تأليف الألحان الموسيقية الراقية ، وإن الشلل لم يعق روزفلت عن تولي مقعد الرئاسة في البيت الأبيض الأمريكي لأربع فترات رئاسية ، الأمر الذي لم يتح لغيره من الرؤساء من قبل ومن بعد .

إذا لم تكن الإعاقة بسبب الموت أو الجنون المطبق ، فلا يوجد إنسان معاق إلا بفعل الإنسان نفسه الذي يستسلم لليأس ويقنط من رحمة الله ، ذلك بأن جسم الإنسان ذكرا كان أو أنثي لا يعدو أن يكون ثوبا ، والثياب لا تعيق صاحبها عن بلوغ مقاصده ، وإنما العبرة بما يكمن داخل هذه الثياب ، وذلك شئ من أمر الله سبحانه لا يبلي ، ولا يصيبه مرض ولا وهن ، بل لا يصيبه الموت إذا قتل في سبيل الله .

ولذلك فإن هذه التسمية غير صحيحة من جميع الوجوه ، وهي أقرب إلي السب منها إلي التعبير عن الواقع، والصواب ما قال إبن أبي طالب : ( أهل الزمني ) أحق بالعون والتأهيل واهتمام أولي الأمر ، وألا تنصرف عنهم الدولة إلي ما تظن أنه أهم شأنا وأعظم خطرا، وحسب أولي الأمر إذا رأوا ضعيفا أو زمينا أن يقولوا في أنفسهم قول الحق من ربهم { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } آل عمران 191 .

العدل الإجتماعي

وفي حديثه رضي الله عنه إلي نائبه في مصر يقول أمير المؤمنين : ( إن أفضل قرة عين الولاة إستقامة العدل في البلاد ، وظهور مودة الناس . ولا تظهر مودة الناس إلا بسلامة صدور أولي الأمر منهم ، ولا تصح نصيحتهم – أي إخلاص الناس لولاة أمورهم – إلا بحيطتهم – أي بحفظهم وحرصهم – علي ولاة الأمور ، وقلة إستثقال دولهم ، وترك إستبطاء إنقطاع مدتهم – فلا يستبطئونها بل يطلبون طول فترة ولايتهم – فافسح في آمالهم ، وواصل في حسن الثناء عليهم ، وتعديد ما أبلي ذوو البلاء منهم ، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع ، وتحرض الناكل – أي المتكاسل – إن شاء الله . ولا تُطوَّلَن إحتجابك عن الناس ، فإن إحتجاب الولاة شعبة من الضيق ، وقلة علم بالأمور ، والإحتجاب عنهم يقطع العلم بما إحتجبوا دونه ؛ فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير، ويَقُبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويُشاب الحق بالباطل وإنما ولي الأمر بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس به من الأمور ،وليست علي الحق سماة – أي علامات – تعرف بها ضروب الصدق من الكذب . وإنما أنت أحد رجلين ؛ إما إمرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ، ففيما إحتجابك من واجب حق تعطيه ؟! أو فعلٍ كريمٍ تسديه؟! أو إمرؤ مُبتلي بالمنع ، فما أسرع أن يكف الناس عن سؤالك ، وييأسوا من بَذْلِك !! مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة – أي مشقة – فيه عليك ؛ من شكاية مظلمة ، أو طلب إنصاف في معاملة !! وإياك والمن بإحسانك ، أو التزيد – إفتخارا – فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتُتْبع موعَدك بخلفك ، فإن المنَّ يبطل الإحسان، والتزيدَ يَذهب بنور الحق، والخُلفَ يوجب المقت عند الله والناس ، وقال تعالي { كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون } وليس يُخرج ولي الأمر من حقيقة ما الزمه الله من ذلك إلا بأمور ؛ الإهتمام ، والإستعانة بالله ، وتوطين النفس علي لزوم الحق ، والصبر عليه فيما خَفَّ منه أو ثقل . وَوَلَّ من رجالك أنقاهم جيبا- تقول العرب " نقي الجيب " أي طاهر الصدر والقلب – وأفضلهم حلما ، وممن يُبْطئ عن الغضب ،ويستريح إلي العذر ، ويرأف بالضعفاء ، ويَنْبو- أي يشتد – على الأقوياء ، ولا يثيره العنف ، ولا يَقْعُد به الضعف ) .

التنمية الإقتصادية

ذلك مما يعظ به أمير المؤمنين من العدل الإجتماعي ، وهو غني عن كل إضافة أو بيان أو تعليق ، ثم هو من بعد ذلك رضي الله عنه يقول في التنمية الإقتصادية لنائبه في مصر وهو يستوصيه بها ، لننظر من بعد ذلك هل كانت دولة إبن أبي طالب في مصر وهي أغني الأرض في ملكه إعماراً أم كما يقول أبعاض من المرجفين في القوم إستعمارا ، يقول أمير المؤمنين رضي الله عنه : ( وتَفَقَّد الخراج بما يُصلح أهلَه- فالخراج لأهله – وفي صلاحه وصلاحهم – أي في صلاح الخراج وهو المال العام وصلاح أهله – صلاح لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم ، ولأن الناس كلهم عِيالٌُ– أي يعتمدون – علي الخراج وأهله . وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب – أي جمع – الخراج ، لأن ذلك – أي الخراج – لا يُدرَك إلا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلا قليلا فإن شكَوا ثقَلا – أي إستثقلوا الخراج - ففدحهم – أوعلة – من كارثة طبيعية أو نحوها – أو إنقطاع شِرْب ، أو بالَّة – أي عطش الأرض من قلة مائها – أو إحالة أرض – أي تحول فيها البذر ففسد – إغتَمَرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يَصلح به أمرُهم . ولا يَثقُلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم؛ فإنه ذخر يعوذون به عليك في عمارة بلادك ، وتَزْيين ولايتك مع إستجلابك حُسنَ ثنائهم، وتَبَجُّحِك – أي سرورك – بإستفاضة العدل فيهم ، ومعتمدا فضل قوتهم – أي أن كل ما يزيد من قوتهم هو قوة لك تعتمد عليها – بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم – المجَم هو الصدر ، وتقول العرب " واسع المَجَم " أي رحب الصدر – ونالك الثقة منهم بما عودتهم من عدلك ورفقك بهم فربما حدث من الأمور ما إذا عَوَّلت فيه عليهم من بعد ذلك إحتملوه ، طيبةَ أنفسِهم به – طيبة منصوبة علي الحال ، وأنفسهم مجرور مضاف إليه – فإن العمرانَ محتملٌُ ما حَمَلته – وردت الميم مشدودة فيما وقفنا عليه من المراجع ، ونري أنها مخففة ، بمعني أنك إذا حَمَلتَه علي الخير إحتمل خيرا – وإنما يُؤتَي خراب الأرض من إعواز – أي فقرهم وحاجتهم- وإنما يعوز أهلها ؛ لإشراف الولاة علي الجمع – أي حرصهم ودأبهم علي جمع المال من أيدي الناس – وسوء ظنهم بالبقاء { يحسب أن ماله أخلده } الهُمَزة 3 وقلة إنتفاعهم بالعِبَر ) .

الخراج لأهله ، وهذا المبدأ يستنبطه أمير المؤمنين من قوله تعالي { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } التوبة 103 فالأصل في أخذ الخراج تطهير أموال الذين أخذ منهم، وتطهير أنفسهم وتزكيتها، وذلك بأن الزكاة من زكي يتزكي فهو زكي أي طيب ، { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلي المدينة فلينظر أيُّها أزكي طعاما فليأتكم برزق منه } الكهف 19 أزكي طعاما أي أطيب طعاما { قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا } مريم 19 أي غلاما طيبا. وإنما يؤخذ الخراج لينفق علي أوجه الخير العام ، فيعود النفع علي القوم جميعا بالأمن والرخاء والإستقرار ، فيطهروا جميعا ويتزكوا .

وإذا كان هذا هو سبب أخذ الخراج وجمعه ، فأولي لأولي الأمر أن ينظروا في عمارة الأرض وتنميتها وإصلاح أهلها بأوفر مما ينظرون في جمع الأموال من أيدي الناس ، وأن يرفقوا بهم ، فلا يحملوهم ما لايطيقون، وأن يخففوا عنهم إذا أصيبوا في أمواهم ، ولا يمنوا عليهم بشئ من ذلك ، ولا يقصروا في مدهم بيد المساعدة إذا إحتاجوا إليها في تنمية أموالهم .

ولن تعمر الأرض إلا برخاء أهلها ، فلا عمران ولا تنمية مع الحاجة وجشع أولي الأمر.

التشريع

يقول أمير المؤمنين فــي وصيته لنائبه في مصر : ( اردد إلي الله ورسوله ما يُضْلعك – أي ما يتشكل عليك من الخطوب- جمع خَطْب وهو كل شأن أو أمر صغيرا كان أم كبيرا – ويشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال الله لقوم أحب إرشادهم{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلي الله والرسول } فالرد إلي الله ؛ الأخذ بمحكم كتابه . والرد إلي الرسول ؛ الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة )

يقول الإمام محمد عبده رحمه الله في شرحه لهذه الفقرة من كتاب أمير المؤمنين : ( محكم الكتاب ؛ هو نصه الصريح . وسنة الرسول كلها جامعة – لأن ما صَحَّ عنه صلي الله عليه وسلم بدليل قاطع فطاعته واجبة كوجوب طاعة الله – ولكن رُويت عنه سنن إفترقت بها الآراء ، فإذا أخذت فخذ بما أُجمع عليه مما لا يُختَلَفُ في نسبته إليه )

ويقول محمد الرضي إبن الحسن الموسوي؛ سأل أمير المؤمنين عليا بن أبي طالب سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من إختلاف الخبر ، فقال رضي الله عنه : ( إن في أيدي الناس حقا وباطلا ، وصدقا وكذبا ، وناسخا ومنسوخا ، وعاما وخاصا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما ، ولقد كُذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم علي عهده – أي في حياته – حتي قام خطيبا فقال " من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ؛ رجل منافق مظهر للإيمان ، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج ، ويكذب علي رسول الله متعمدا ، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، ولكنهم قالوا هو صاحب رسول الله سمع منه ولقِفَ عنه ، فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك ، ثم بقوا بعده فتقربوا إلي أئمة الضلالة والدعاة إلي النار بالزور والبهتان ، فولوهم الأعمال ، وجعلوهم حكاما علي رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنما الناس مع الدنيا إلا من عصم الله . ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه علي وجهه ، فَوهِم – أي أخطأ – فيه ، ولم يتعمد كذبا ، فهو يرويه ويعمل به ، ولو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا منه ، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه . ورجل ثالث سمع من رسول الله شيئا يأمر به ثم نهي عنه ، وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهي عن شئُ ثم أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه أنه منسوخ لرفضوه ، وآخر رابع لم يكذب علي الله ولا علي رسوله ، مُبْغِضًُ للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله ، ولم يَهِم – أي لم يضل الصواب – بل حفظ ما سمع علي وجهه ، فجاء به علي ما سمعه ؛ ولم يزد فيه ولم ينقص منه وحفظ الناسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فَجَنَّب عنه – أي تجنبه – وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه ، وعرف المتشابه ومُحْكَمه . فهذه وجوه ما عليه الناس في إختلافهم ، وعللهم في رواياتهم . وليس كل أصحاب رسول الله كان يسأله ويستفهمه ، حتي إن كانوا ليحبون أن يجيئ الإعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتي يسمعوا ).

وكان إبن أبي طالب رضي الله عنه أشد ما يكون حرصا علي أن يحذر أصحابه الكبر ، ويبين لهم أن إجتناب الكبر من أعظم سنن الله سبحانه وتعالي في الأنبياء والصالحين ، وفي ذلك يقول رضي الله عنه : ( استعيذوا بالله من لواقح الكبر – أي وسوسة النفس به- كما تستعيذونه من طوارق الدهر . فلو رخَصَّ الله في الكبر لأحد لرخص فيه لخاصة أنبيائه وأوليائه ،ولكنه سبحانه كرَّه إليهم التكابر ، ورضي لهم التواضع فخفضوا أجنحتهم للمؤمنين ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومَخَضَهم بالمكاره . فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال والولد ، جهلا بمواقع الفتنة والإختبار في مواضع الغني والإقتدار ، وقد قال سبحانه وتعالي { أيحسَبون أنما نُمدُّهم به من مال وبنين . نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } المؤمنون 55 ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم وضَعَفَة فيما تري الأعين منهم ، وقال فرعون { أم أنا خيرٌُمن هذا الذي هو مَهين ولا يكاد يبين } الزخرف 52 وقال الذين كفروا { لولا نُزَّل هذا القرآن علي رجل من القريتين عظيم } الزخرف 31 ولو كانت الأنبياء أهلَ قوة وعزة وملك تمتد نحوه أعناقُ الرجال ، وتُشد إليه عُقَد الرحال ، لكان ذلك أهونَ علي الخلق في الإعتبار ، وأبعدَ لهم في الإستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة تميل بهم ، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون إتباع رسله ، وتصديق كتبه ، والخشوع له ، والإستسلام لطاعته أمورا خاصة له لا تشوبها شائبة )

ولم يكن إبن أبي طالب رضي الله عنه في حاجة إلي أن ينبه عماله إلي آيات الله ، وما يُستنبط منها ، أو يدلهم علي سنن الرسول وما يسترشد بها إلا قليلا ، فهو الذي يختارهم علي عينه ، ويصطفيهم من خاصة بطانتة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم والذين إتبعوهم بإحسان إبتغاء وجه الله ورضوانه سبحانه وتعالي .

من أجل ذلك فإننا نحرص في بعض الأمر علي أن ننبه إلي ذلك ما إستطعنا إلي ذلك سبيلا ، حتي يكتمل البناء الفقهي لفكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

من سنن الله سبحانه وتعالي أنه شاء لهم من رحمته أن يشرعوا لأنفسهم ما يشاؤن بما يتلاءم مع تطور حياتهم الإجتماعية والإقتصادية ، وعلي صراط مستقيم من كتاب الله وما أنزل من البينات والهدي ، وإبتغاء رضوان الله والإصلاح في الأرض ، وذلك عملا بقوله { أن اعمل سابغات وقدر في السَّرْد واعملوا صالحا إني بما تعلمون بصير } سبأ 11 .

عمل السابغة ؛ لم ترد هذه الكلمة في آية أخري إلا في قوله تعالي { وأَسْبَغ عليكم نعَمه ظاهرة وباطنة } لقمان 20 النعمة السابغة ؛ هي النعمة الملائمة ؛ إن كثير السكر في الدم قاتل وقليله قاتل كذلك ، ولكن القدر الملائم من السكر في الدم هو النعمة السابغة ، وقليل الماء في الأرض يميتها ، وفيضان الماء عليها يغرقها ، ولكن القدر الملائم من الماء في الأرض هو النعمة السابغة . وقد فسرها البيضاوي رحمه الله بأنها النعمة المحسوسة والمعقولة ، ولذلك فإن العمل السابغ ، هو العمل الملائم ، أو هو العمل المعقول الذي تتم به النعمة ، وتستقيم به الأمور بموازين القسط .

وقَدِّر في السَّرْد ؛ سرد الأمور ، كسرد الحديث ، أو سرد الأيام ، أو سرد التاريخ ، أي تتابعه وتطوراته وتقلباته . ولقد جاءت هذه الآية عامة طليقة ، فيجب تفسيرها علي إطلاقها ، بما يخول أولي الأمر حَقَّ التصدي لسرد الأمور في الجماعة ، بسلطة تقديرية مطلقة ، وبأعمال تشريعية ملائمة ، ولا قيد عليهم في ذلك ؛ إلا بما أنزل الله في القرآن تبيانا لكل شئ ، ومن بعد أن يعزموا أمرهم شوري بينهم ، وبما يحقق الصالح العام .

وليس مقبولا أن تُقَنَّن أحكامٌُ فصلت في القرآن تفصيلا ، وإنما يتحدد نطاق التقنين ؛ لمواجهة المتغيرات التي يأتي بها السرد ، وتقتضي عملا تشريعيا سابغا ، بحسب موازين العمل الصالح . في أربع آيات بينات تحددت مسئولية الدولة في بناء الحضارة { واتقوا الذي أمدَّكم بما تعلمون . أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون } الشعراء 132 .

الأنعام هي الثروة الحيوانية ، والبنون هم الثروة البشرية ، والجنات هي الثروة الزراعية ، والعيون هي الثروة المائية . أربع ثوابت تستهدف تنمية الحضارة ، والإرتقاء بالإنسان في كل زمان ومكان وتلك هي القواعد الحضارية التي لا يتوقف فيها سرد الحياة وتطورها ، وتقتضي من الجماعات الإنسانية أن تتصدي لها بالأعمال الصالحة ، وفي مقدمة هذه الأعمال إصدار التشريعات التي تكفل نماءها وتقدمها . ومن ذلك ؛ قوانين التعليم ، والصحة العامة ، والأمن العام ، والإصلاح الزراعي ، ومصادر المياه ، ونظم العمل، والضمان الإجتماعي .

أما بناء العبث ، ومصانع الخلد ، وبطش الجبارين من دأب عاد فقد نهي الله عنه سبحانه علي لسان هود عليه السلام ، إذا قال لقومه { أتبنون بكل ريع آية تعبثون . وتتخذون مصانع لعلكم تَخْلُدون . وإذا بطشتم بطشتم جبارين . فاتقوا الله وأطيعون } الشعراء 128

العهود والمواثيق

لا أظن ما نعرفه من القانون الدولي ؛ العام منه والإنساني، قد بلغ شيئا من درجات السمو التي بلغها الإسلام، والتزم بها تلاميذ الوحي والنبوة ، وأوصي بها إبن أبي طالب نائبه في مصر ، إذ يقول رضي الله عنه : ( ولا تدفعن – أي لا ترفضن – صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضاَ ، فإن في الصلح دَعَة – أي راحة – لجنودك ، وراحة من همومك ، وأمنا لبلادك . ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه ؛ فإن العدو ربما قارب ليتَغَفَّل – أي تقَّرب إليك بصلحه ليغدر بك علي حين غفلة منك – فخذ بالحزم ! وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة – عهدا أو ميثاقا – أو البسته منك ذمة – التزاما أو دينا - فحُطْ – من حاطه حوطا أو حياطة ؛ أي حفظه وصانه وتعهده – فحُطْ عهدك بالوفاء ، وراع ذمتك أمانتك ، واجعل نفسك دون ما أعطيت – أي حفظك عهدك وارع أمانتك ولو كان في ذلك هلاكك ، فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه إجتماعا ، مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود ، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم لِمَا استَوْبَلوا – أي أحسوا الوبال والهلاك – من عواقب الغدر ، فلا تَغْدِرَن بذمتك ، ولا تَخِيسَن بعهدك – خاس العهد أي خانه ونقضه – ولا تَخْتِلَن عدوك – أي لا تخدعه من الختل فهو خاتل – فإنه لا يَجْتَرِئُ – أي يحاول أن يكون جريئا – علي الله إلا جاهل شقي . وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه –أي نشره – بين العباد برحمته ، وحَرَما – كالبيت الحرام والشهر الحرام – يسكنون إلي مَنْعَته – فما حرم الله من شئ إلا ليكون حصنا وصونا للناس كافة – يستفيضون – أي يُهْرعون- إلي جواره ، فلا إدغال – أي فساد – ولا مدالسة ولا خداع فيه . ولا تَعقِد عقدا تَجُوزُ فيه العِلل – أي يمكن تأويله علي غير وجهه ، أو صرفه عما قُصد منه ، لما عسي أن يكون فيه من الغموض أو الإبهام – ولا تُعَوَّلَن علي لحن القول بعد التأكيد والتوثيق – لحن القول الخطأ فيه فلا تستمسك به لتتجاوز الحق الذي تأكد بينكما سواء كان لك أم عليك – ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلي طلب إنفساخه بغير الحق ، فإن صبرك علي ضيق أمر ترجو إنفراجَه وفضلَ عاقبته ، خير لك من غدر تخاف تبعته ) .

هذا هو أساس الإلتزام بالعهد وبالميثاق عند تلاميذ الوحي والنبوة ، وربما إستنبطه الفقيه الفرنسي جورج سيل حين قال : ( إن القانون بصفة عامة ، والقانون الدولي بصفة خاصة ؛ ما هو إلا واقع إجتماعي ، وضرورة من ضرورات الحياة ، ومبادئ أساسية تكفل التضامن اللازم بين الأفراد والشعوب وتكسب هذه المبادئ قوتها الإلزامية من الشعور العام للأفراد والجماعات بضرورة مراعاتها وإحترامها لبقاء المجتمع الإنساني وتحقيق أهدافه المشروعة). وكل تفاصيل هذه القاعدة القانونية ، نجده في قوله إبن أبي طالب : ( إن صبرك علي ضيق أمر ترجو إنفراجه و فضل عاقبته ، خير لك من غدر تخاف تبعته) .

ختام الوصايا

إن أسلوب السمو والرفعة الذي نجده في حديث أمير المؤمنين، إنما يدل دلالة واضحة علي أنه رضي الله عنه كان له قدر عظيم في بطانته، وذلك من أخلاق الوحي والنبوة عند تلاميذ القرآن ، فلقد نَعلم أن هارون كان نبيا وكان عليما حكيما وكان ذا قدر عظيم، ولكن موسي كان أكبر منه في قيادة القوم {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} الأعراف 150 يجره جرا وينهره نهرا، فما كان جواب هارون عليه السلام إلا أن قال {يا ابْنَ أُمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشِيت أن تقول فرَّقت بين بني إسرائيل ولم تَرقُب قولي} طه 94 .

فمما سمو إبن أبي طالب وقدره العظيم يقول في ختام وصيته لإبن الأشتر في مصر : ( إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التسَقُّط – أي التهاون – فيها عند إمكانها ، أو اللجاجة فيها – أي الإصرارعليها منازعة وعسرا – إذا تنكَّرت – أي لم يُعرف وجه الصواب فيها – أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كل أمر موضعه ، وأنزل كل أمرموقعه . وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة – أي لا تؤثر نفسك علي الناس بحق من الحقوق العامة - واملك حمية أنفك – تقول العرب " هو حمي الأنف " إذا كان أبيا – وسورة حَدَّك – أي بأسك – وسطوة يدك ، وغَرْبَ لسانك – غَرْبُ السيف هو حده ـ واحترس من كل ذلك بكف البادرِة – البادرةُ هي كل ما يبدأ باللسان ، وكف البادرة هو الصمت الوقور – وتأخير السطوة حتي يسكن غضبك فتمتلك الإختيار – بين العفو أو العقاب{ ولما سكت عن موسي الغضب اخذ الألواح وفي نسختها هدي ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } الأعراف 154 – ولن تحكم ذلك من نفسك حتي تُكثِرَ همومَك بذكر المعاد إلي ربك وأسال الله بسَعَة رحمته وعظيم قدرته؛ أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه ، مع حسن الثناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد ، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة إنا إليه راجعون والسلام) .

إنتهت وصايا أمير المؤمنين إلي عامله في مصر ، وقد جمع فأوعي لكل أمر حكمة ورأيا ، وأبصر في كل عضل نظرا وأمرا . ثم أسمع به وأبصر ؛ وهو لا يتكلف السجع ولا البديع ، فلا تكاد تلمسه بل تحسه بفؤادك فيلين له قلبك ، وتجد فيه متعة لعقلك وحياة لوجدانك . إنه حديث إبن أبي طالب لجامعات الأرض ومعاهدها ، وهو أكبر من جهد فردي ، أو عمل جماعي في ندوة عابرة لا تلبث ان تنقضي أباديدا .


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home