Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Saturday, 21 October, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

     
     

كتاب "البيان بالقرآن" (26)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

الحكم هو فن تسخير الدرجات
وليس حكم استبداد الطبقات

لعل من أخطر ما يمكر به الماكرون لهجر هذا القرآن أن يعمدوا إلى فهم بعض ألفاظ القرآن على غير معانيها الحقيقية ثم تراهم يعمقون هذه المعاني الخاطئة في أذهان الناس حتى إذا قرأها الناس في القرآن فهموها بهذه المفاهيم المحرفة فيضلوا بذلك عن استنباط أحكامها ولربما اشمأزت نفوسهم منها، من ذلك تفسير ملك اليمين على أنه حق امتلاك الإنسان لأخيه الإنسان رقيقاً مع أن ملك اليمين هو إيواء المسلم لأخيه الإنسان الذي فقد المأوى بسبب من أسباب الحرب أو الكوارث برعايته وولاية أمره بالمعروف والإحسان، ومن ذلك تفسير الجهاد في سبيل الله على أنه حرب معلنة على الناس كافة حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا أموالهم وأنفسهم مع أنه لا إكراه في الدين والجهاد كما رأينا في القرآن هو بذل الجهد خالصاً لوجه الله ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومن ذلك تفسير تسخير الناس بعضهم بعضاً على أنها أعمال السخرة بأن يكره الإنسان أخاه الإنسان على القيام بعمل من الأعمال جبراً عنه وتحت ظروف لا رحمة فيها.

{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ .} (الزخرف 32).

في أقصى اليمين الرأسمالي وفي أقصى اليسار الاشتراكي ومنذ بدأ الخلق وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا نجد الناس إلا درجات بعضها فوق بعض وأفراداً يسخر بعضهم بعضاً وكلما وجد الناس أفضل أساليب هذا التسخير وأقربه إلى العدل والإحسان كلما ارتقت الأمة وعظم شأنها وعز جميع الناس فيها. وليس في القرآن طبقات بعضها فوق بعض يستغل بعضهم بعضاً ويستبد بعضهم ببعض، وإنما المؤمنون إخوة على درجات متفاوتة ليوظف بعضهم بعضاً كدرجة الطبيب الذي يوظف الممرض ودرجة المهندس الذي يوظف الصانع.

{ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ . وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . ‏ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ .} (إبراهيم 32-34). في هذه الآيات المبينات نجد التسخير بمعنى التوظيف دون أن يذل الموظف لما يوظف له في شيء، سخر الله الشمس والقمر دائبين وظفهما وسخر الأنهار موظفة لمنفعة الإنسان ولم تستذل الأنهار ولا الشمس ولا القمر للإنسان.

{ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .} (النحل 12-14). الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبحار كل هؤلاء مسخر بأمر الله لمنفعة الإنسان نعمة من الله وفضلاً بمعنى أنها موظفة لخير الإنسان، ولا نجد أحداً يقول إن شيئاً من ذلك يخضع من الذل للإنسان أو أنها خلقت ليتسلط عليها قهراً وعدواناً.

بل إن التسخير يرد بمعنى تكليف الشيء المسخر لوظيفة مُسخَّرة وليس ليستذله أو ليقهره أحد { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ .‏} (الحاقة 6-8).

والأنعام سخرها الله سبحانه ليأكل الناس منها وليركبوا { وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ . لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ .} (الزخرف 12-14). والتسخير في هذه الآيات لا يخرج عن هذا المعنى، فقد وردت في السياق بمعنى توظيف الفلك والأنعام لمنفعة الإنسان. فلما علم سبحانه وتعالى أن التسخير في هذه الحالة سيتضمن إذلالاً للأنعام بذبحها وامتطائها فقد جاء بحكم ذلك وبينه في آية خاصة {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ . وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ .} (يس 71، 72). ويدل ذلك على أن التسخير وحده لا يفيد الإذلال وإلا لما كانت هنالك حاجة للتذكير بذلك في آية خاصة، وكذلك يسخر كل إنسان لأمر في هذه الحياة الدنيا لا فضل على أحد إلا بالعلم والتقوى، ولو أنهم خلقوا من درجة واحدة لما عاش منهم أحد.

وكلما تقدم الناس في تنظيم هذا التسخير، واتباع أحسن الوسائل في سرعة نقل القرارات من درجة إلى أخرى، ووضع الناس في مواضعهم الصحيحة، وكلما احترم كل إنسان أخاه الإنسان وسادت روح التعاون على البر والتقوى بين الجميع فإن هذه أمة لا تؤتى ولا يمكن أن تسبقها أمة أخرى.

يقول البيضاوي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } ( الزخرف 32) يقول رحمه الله (وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره ليستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضامن ينتظم بذلك نظام العالم) ويتفق هذا القول مع ما ذهبنا إليه من فهم هذه الآية الكريمة وإنما اختلط الأمر على الإمام الزبيدي صاحب تاج العروس بين سخّر بتشديد الخاء بمعنى كلف غيره أو وظفه وبين سخر بغير تشديد بمعنى هزيء منه أو اتخذه هزواً. فقال في بيان ذلك (سخر منه وبها ورد القرآن قال الله تعالى فيسخرون منهم سخر الله منهم والاسم السخرية والسخري وقرئ بالضم والكسر قوله تعالى ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً وسخره تسخيراً كلفه ما لا يريد وقهره وكل مقهور مدبر لا يملك ما يخلصه من القهر فذلك مسخر قال الله تعالى وسخر لكم الشمس والقمر أي ذللهما وسايره في هذا الخلط الأزهري فقال (السخرة من يسخر في الأعمال ويتسخر كل من قهره وذلله من دابة أو خادم بلا أجر ولا ثمن) وينسب إلى أبي حنيفة قوله (سخره تسخيراً ذلله وكلفه ما لا يريد وقهره عملاً بلا أجرة ولا ثمن خادماً أو دابة).

ولو نتدبر الواقع لنجد أن كل إنسان مسخر لغيره حتى الملك نجده في نهاية الأمر مسخر للشورى في النظم العادلة أو مسخر للأعوان في النظم الاستبدادية، فرعون كان طاغياً مستبداً ومع ذلك { قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ .قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } (الشعراء 34-37). هؤلاء أعوان ملك مستبد ومع ذلك فقد سخروه لهذا الأمر فنفذ لهم ما أمروا به، وهذه هي سنة الله في الأرض ولن تجد لسنة الله تبديلاً كل إنسان مسخر لأمر ولم يقل أحد أن كل الناس مقهور مذلل بلا أجر ولا ثمن، ولن يستطيع أحد أن يقول إن فرعون كان مقهوراً مذللاً. إن القهر والإذلال في الاستعباد وليس في التسخير ولذلك قال موسى عليه السلام لفرعون { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ .} (الشعراء 22). قال له عبدت بني إسرائيل ولم يقل له سخرتهم، ولذلك نقول إن القرآن هو تفسير القرآن بل هو بيان اللسان العربي من قبل القواميس العربية ومن بعدها وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولا يرتفع الناس درجات ليسخر الأعلى منهم الأدنى كما يرفع الملك ابنه على العرش ليرث الناس من بعده بغير الحق، أو كالمستبد الذي يرفع المنافقين في الأرض ليسلطهم على رقاب الناس بغياً وفساداً.. وإنما يرتفع الناس بما أذن الله به ورضى عنه وأمر به في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .‏} (المجادلة 11). فأيما رجل تفوق على الناس بالإيمان والعلم وأوتي بسطة في الجسم فقد استحق أن يولي أمراً من أمورهم ولو كان فقيراً { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 247). وأيما رجل تفوق على الناس بالإيمان والعلم وأوتي بسطة في الجسم فقد استحق أن يولي ملكاً عليهم ولو كان ابن ملك بالغ القوة والثراء {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ .} (النمل 16). فهو يعلن في خطابه للناس أنه لا يرثهم عن أبيه وراثه بل هو يلي الأمر بما أوتى من كل شيء فضلاً من الله وبما علم من كل شيء حتى منطق الطير.

ويبلغ الإنسان أعلى الدرجات بإيمانه وعلمه وبسطة جسمه إذا أوتى الحجة البالغة وفصل الخطاب، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بالقدرة على مواجهة الظلم وإعادة الأمور إلى نصابها ورد الخطأ بالحكمة والصواب.. بلغ إبراهيم هذه الدرجة عندما واجه قومه وبين لهم أنه إنما يتبع الجانب الآمن ولا يسلك من المسالك ما لا يجد عليه دليلاً { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .} (الأنعام 80-83). وبالعلم والحكمة وفصل الخطاب واجه إبراهيم عليه السلام ملكاً باغياً فغلبه بالحجة وبالمنطق ودون أن يركن إلى العنف في القول أو الانفعال في الخطاب { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .} (البقرة 258).

الإيمان والعلم وبسطة الجسم ينبغي أن يكون أساس الارتقاء في الأرض، والأمم الصالحة هي التي ترفع أولي الأمر فيها على قواعد ثابتة من الإيمان والعلم وبسطة الجسم دون أن تنتظر منهم أن يرشحوا أنفسهم أو أن يتقدموا صفوفهم.. إن أولي العلم والإيمان لا يتقدمون الصفوف ولا يتسابقون على المنابر ولا يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ولا يزكون أنفسهم.

ولعل درجة النبوة هي أعلى الدرجات في الأرض، وإنما يصطفى الله الأنبياء من عباده من يأتيهم العلم والحكمة وفصل الخطاب.. إبراهيم عليه السلام لا يجادل أباه إلا بما أوتي من العلم فيقول له { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً . }(مريم 43). ويعقوب عليه السلام { وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . } (يوسف 68). ويوسف عليه السلام { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . } (يوسف 22). وموسى عليه السلام { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .} (القصص 14). وداود وسليمان عليهما السلام { وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ . فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. }(الأنبياء 78، 79). فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم آخر من تبوأ درجة النبوة في الأرض فإنه كان يسأل الله من فضله مزيداً من العلم { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً .} (طه 114). واصبح القرآن من بعده عليه الصلاة والسلام أعلى درجات الإيمان والعلم في الأرض قيماً إلى يوم القيامة بالحق من لدن عزيز رحيم ومهيمناً على كل رسالة وعلى كل دعوة وعلى كل كتاب.

وكلما ضمنت الأمة لأفرادها أن يرتفعوا فيها بقدر إيمانهم وعلمهم، كلما عظم شأن هذه الأمة وارتفع شأن الناس فيها. والله سبحانه وتعالى يحذر من الذين يرتقون في العلم ويتظاهرون بالإيمان ابتغاء الارتفاع في الحياة الدنيا، وآية ذلك أن يخلد إلى الأرض يبتغي زينتها لذاتها ويطمع أن يتسلط فيها ليفسد فيها بغير الحق فقال تبارك وتعالى { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ . مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .} (الأعراف 175-178). هذا رجل تعلم آيات ربه صحيحة غير محرفة وتلقاها طهورة مبرأة، فانسلخ منها.. هو الذي سلخ نفسه منها.. لأن آيات الله ثابتة لا مبدل لها ولا تحويل لها.. ولا يمكن للإنسان أن يهتدي في هذه الحياة الدنيا إلا إذا جعل قلبه وعاء لآيات ربه.. فإذا سلخ نفسه عن آيات ربه فلقد أذن للشيطان أن يدعوه فيستجيب له فيتبعه طائعاً منقاداً.. كالكلب.. وأولو الألباب يعرفونهم بسيماهم وعليهم أن يقطوهم من الارتفاع في الدرجات رغم ما عسى أن يكون عندهم من العلم.. وإنما ينسلخ الذين أوتوا العلم عن آيات ربهم إذا أخلدوا إلى الأرض فغرتهم الحياة الدنيا وفتنتهم زينتها فاتبعوا الهوى أن يعدلوا فسهل على الشيطان أن يقتادهم من فتنة إلى فتنة حتى يُقذف في نار جهنم.. أولئك حزب الشيطان لا مكان لهم في أجهزة الدولة ولا مقعد لهم في مؤسساتها .

ولاية الأمر ردع وإصلاح

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً .‏ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً . فَأَتْبَعَ سَبَباً . حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً . قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً .} (الكهف 83-88). القرن هو فترة من العمر قد تكون مائة عام وقد تكون غير ذلك.. والقرن في اللسان العربي هو قمة الشيء أو أعلى الأشياء ومنتهاها.. قرن الرجل هو الجانب الأعلى من رأسه.. وقرن الجبل هو أعلى قمة فيه.. وقرن القوم هو سيدهم.. وقرن السيف هو حده ونصله.. ونرى أنه عليه السلام إنما سمي بذي القرنين لبلوغه قمة الملك في أقصى مشارق الأرض وفي أقصى مغاربها، وهو ما يبين بوضوح لا لبس فيه مما أوحى إلينا من ذكره عليه السلام.. وربما أراد السفهاء أن يشوهوا المعاني الكريمة المستنبطة من القرن في اللسان العربي فأوشكوا أن يحصروها فيما ينبت في رؤوس الأنعام.. أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. يسلط الله ذا القرنين على القوم فيأذن له إما أن يعذبهم وإما أن يتخذ فيهم حسناً.. وكذلك يبتلى الله أولي الأمر فيما حملوا من أوزار القوم، فمنهم من يعذب ومنهم من يتخذ فيهم حسناً بإرادة حرة لا قيد عليها إلا بحبل من الله أو بحبل من الناس. وما كان جواب ذي القرنين عليه السلام إلا أن قال بين يدي ربه تبارك وتعالى: { قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً .} (الكهف 87) فأقره الله على ما اختاره لنفسه وجعل ذلك من سنن الذين خلواً من قبلنا يبينها الله لنا في كتابه العزيز ليقوم في الناس حكم يعذب من ظلم ويحسن لمن أصلح.. وذلك بقوانين صالحة لا تسرف في منح الحقوق ولا تشتط في منعها.. وفي حديث ذي القرنين نجد أن الأمر لا يستقيم إلا إذا كانت كل الحقوق للصالحين حتى تعمر الأرض بهم، وأن العذاب قد حق على الظالمين حتى تطهر الأرض من رجسهم. وينبغي لولي الأمر إذا أحسن أو عذب ألا يصدر في شيء من إحسانه أو تعذيبه عن الهوى أو الانفعال.. وأن يتبين الأمر ويتحقق منه فإذا ثبت له ظلم ظالم فليعذب ولا تأخذنه رأفة به في دين الله.. وإذا ثبت له صلاح صالح فليحسن إليه وليقل له من أمره يسراً.. جاء سليمان عليه السلام الهدهدُ بنبأ يقين.. ورغم بلاغة قول الهدهد وصدق حديثة إلا أن سليمان عليه السلام { قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ .} (النمل 27). فلا نبأ في شريعة الله إلاَّ ببينة لا شك فيها.

ونجد عند الترمذي عن الحسن بن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وتلك من الموعظة الحسنة التي يحسن بأولي الأمر أن يستمسكوا بها، وأن يحتكموا إلى وعي العقل في كل ما يريب من لغو الحديث إلى ما لا ريب منه، حتى يرشدوا إلى كتاب ربهم لا ريب فيه ولا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً. وذلك بالإدراك الواعي الذي نجده في فلسفة هوسلر (الفينومينولوجية) أو علم الظواهر العقلية، إذ يدعو إلى مواجهة بدون فروض مسبقة بلفتة واعية إلى وجهة تقصد إليها هذه اللفتة، وكأنه قرأ قولـه تعالى { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ.} (الأنعام 113) الإصغاء هو اللفتة، والرضاء بما تصغي إليه هو الوجهة التي توجهك إليها هذه اللفتة فتتم المعرفة بهذين العنصرين، دون فروض مسبقة.

الأمة والقومية

القيادة ليست سلطاناً مستبداً أو سيادة طاغية حتى يستقيم البحث عن مصدر هذه السلطة وتلك السيادة، فالسلطة والسيادة –إن جاز هذا التعبير- لجماعة المؤمنين ذكوراً وإناثاً لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى وتلك حسابها على الله، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض يتعارفون فيما بينهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ .} (المائدة 55) هذا هو الميراث الثقافي لأي جماعة مسلمة، وهو لا يكفي وحده لإقامة وحدة سياسية إذا لم يكن مدعوماً بسند قومي من الروابط الاجتماعية، ولقد أثبتت الشواهد صدق هذا النظر منذ أن انفصلت بإنجلاديش عن الباكستان، لاختلاف القومية في كل منهما رغم اتحادهما في الدين.

ويتفق معظم الفقهاء على أن الأمة هي جماعة من الناس مستقرة على بقعة من الأرض يأتلفون ويتعارفون ويتعايشون فيما بينهم، ويرى الفقيه الفرنسي رينان في كتابه (ما هي هذه الأمة) أن لها أهدافاً مشتركة تعمل على تحقيقها، ويرى الفقيه الفرنسي هوريو في كتابه (موجز القانون الدستوري) أنه يجمع بين أفرادها رابطة روحية من شأنها أن توثق شعور الوحدة فيما بين الأفراد، فإذا تحدث هؤلاء الفقهاء ومن تبعهم من فقهائنا عن القومية أو الدين أو اللسان فإنهم إنما يتحدثون عن مجرد عامل من العوامل التي تساعد على تكوين الأمة. وواضح أن هؤلاء الفقهاء يخلطون بين مفهوم الأمة ومفهوم القومية، وربما جاء هذا الخلط من أن فقهاء الغرب –وهم أهم مراجع الفقه العربي الحديث- يستعملون لفظاً واحداً في لسانهم للدلالة على هذين المفهومين في آن معاً. والواقع أنه إذا اتحد مجموعة من الناس في عنصر أو في مجموعة من العناصر المادية كالجنس أو اللسان أو الأرض فهم قوم، وإذا اتحدوا في عنصر أو مجموعة من العناصر المعنوية كالدين أو الثقافة أو الأهداف المشتركة فهم أمة.

وقد أثبتت الشواهد التاريخية أن القومية هي المحرك الأساسي لقيام الدولة الواحدة وأن الأمة تلح إلحاحاً حثيثاً على قيام الوحدة ولكنها لا تثبت أمام التأثير القومي إلا إذا قامت على شاكلة الدول المتعاهدة.

وأولو الأمر في دولة من الدول أو في قوم من الأقوام ينظرون الشئون العامة للناس في مجتمعهم، ولا شأن لهم بشئونهم الخاصة ولا سيطرة لهم في دينهم ولا في مسالكهم طالما لم يؤذِ بعضهم بعضاً أو يسبب أحدهم للآخرين ضرراً في نفسه أو في ماله، ولكنهم ليسوا رعاة في أقوامهم ولا ينبغي لهم أن يكونوا. الرعى من المرعي{ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى . فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى .} (الأعلى 4، 5) { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا .} (النازعات 30، 31) والمرعى للأنعام تأكل منه وتسام فيه { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ } (طه 54) وكل من يرعى الأنعام في المراعي فهو راع وجمعها رعاء بالهمزة { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء} (القصص 23) وبذلك فإنه لا ينصرف معنى الرعي ومنه الرعاية إلا للأشياء بصفة عامة وللأنعام بصفة خاصة {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ .} (المؤمنون 8، والمعارج 32) { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } (الحديد 27)، ولا نجد في القرآن رعية من البشر تُسام في الأرض، ولا راع يسومها الرحمة أو العذاب، إلا اليهود الذين استعذبوا رعاية فرعون وأشربوا العذاب في قلوبهم { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ } (النساء 46) وأبدلهم الله خيراً من ذلك وهو يعظهم بقوله سبحانه وتعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ.} (النساء 46) ونهى الله المؤمنين أن يقولوا كما قالت اليهود {وَرَاعِنَا } وأبدلهم بهذه الدنيئة أن يقولوا {وَانظُرْنَا } فقال وقوله الحق { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (البقرة 104)، ولذلك فإن حديث (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) مردود على رواته ببيان القرآن وبيان اللسان، ولا يمكن أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أولو الأمر ينظرون أمور الناس العامة ولا يرعونهم { وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ .} (النمل 33) { قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . }(النمل 27).

الإعـلام

{ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً .} (النساء 83) الأنباء التي يتناقلها الناس نوعان، نبأ يطمئن به الناس ويستبشرون به ونبأ يثير في أنفسهم الخوف والذعر. والنبأ قد يكون خبراً مسموعاً أو مقروءاً، كما قد يكون رواية أو شعراً أو طرباً أو غير ذلك مما يصدر عن الصحافة أو الإذاعة أو غيرهما من وسائل الإعلام، وينبغي أن تكون هذه الأجهزة تحت السيطرة الكاملة للمجتمع، كما ينبغي أن يعهد بهذه الأجهزة إلى أهل الرأي من المتخصصين في استنباط أصلح الأنباء لإذاعته على الناس.. { وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً .} (الإسراء 53). أحسن القول وأصدقه هو ما ينبغي أن يسمع بين الناس، لأن البديل عن ذلك هو تدخل الشيطان لينزغ بينهم، وهو ما يمكن أن يعبّر عنه بمبدأ الارتقاء بالذوق العام.

لقد علم الله خطر الإعلام على الناس فجعله أمانة في يد الرسول وفي أيدي المكلفين به { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ } (النساء 83) ولذلك فإنه يجب ألا يترك الإعلام في يد فرد أو مجموعة من الأفراد بغير رقابة واعية من المجتمع، وحكمة ذلك ظاهرة فإن ما يصنعه الأب في تربية أبنائه في عام يمكن أن تنسفه رواية واحدة يشاهدها الأبناء في إذاعة مرئية كما يمكن أن تهدمه أغنية واحدة يطربون لسماعها.. إن الإعلام لا يقتصر على تكوين الرأي العام في الأمة بل هو يتدخل إلى أبعد من ذلك بتكوين عقول الناس وضمائرهم.. والإنسان يتأثر بما يسمع وبما يرى فإذا جبل على أن يرى علاقة المرأة بالرجل على النحو الذي يعرضه المرضى من الشعراء ورواة الأساطير في وسائل الإعلام المختلفة، فلسوف ينسى الإنسان أن الله خلقهما ليقوم بينهما زواج على المودة والرحمة { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . } (الروم 21).

ولا يكفي أن تكون أجهزة الإعلام في أيدٍ حكومية فقد ينتهي الأمر إلى سقوطها في يد فرد أو مجموعة من الأفراد من أهل الهوى فيفسد الأمر بأكثر مما يمكن أن يفسد بها لو تركت لكل من يرى في نفسه الكفاءة للنهوض بأعبائها، وإنما ينبغي أن ينهض أولو الأمر بمسؤولياتهم الإعلامية فيقوم من بينهم علماء متخصصون لاستنباط الأنباء الصالحة التي يكون من شأنها الارتقاء بالذوق العام وتكوين الرأي العام الصالح في الأمة وتوجيه ضمائر الناس وعقولهم إلى المعرفة الصادقة على أسس واعية من الاستنباطات الصحيحة.

وعندما تخلف المجتمع عن السيطرة على منابر الإعلام في هذه الأمة فقد تسلط عليه رواة الأساطير فنسجوا له تاريخاً شاذاً، وأقاموا له جداراً من الأحاديث ما برح يحجب عن الناس نور الكتاب الذي أنزل إليهم من ربهم تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء.. إن إقامة المنابر الحرة كإقامة الأحزاب السياسية كلاهما يمزق الرأي ويتاجر بالسياسة ويعطي فرداً واحداً أكثر من صوت واحد بغير ولاية وبغير الحق.. وهو أمر يجب أن يكون مرفوضاً في أمة يجب ألا يعلو فيها الناس بغير الحق وألا يتفرقوا فيها شيعاً وطوائف فيفشلوا وتذهب ريحهم.

إن أولي الأمر الذين أوجب الله سبحانه وتعالى لهم الطاعة عملاً بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } (النساء 59). ليس ملكاً موروثاً ولا رئاسة منتخبة، بل الأمر لأولى الأمر جميعاً لهم الطاعة لتستقيم أمور الناس بالقسط والميزان. لقد أُنزلت هذه الآية الكريمة طليقة لا قيد عليها ولا تخصيص فيها ولا استثناء منها، لتخاطب في المجتمع تركيباً أشبه ما يكون بالتركيب العضوي الذي يتفاعل بذاته تفاعلاً سلمياً ليفرز في كل أمر ولياً طبيعياً نجده في كل زمان ومكان. وولي الأمر بهذا التفاعل الذاتي هو كل من يتولى أمراً قيادياً في الجماعة، ليتقدم صفوفها وينظم شئونها ويرعى مصالحها ويراقب مسيرتها ويعمل على تحقيق آمالها المشروعة بالأمانة والصدق وفي حدود النظام العام للدولة، ويكتسب ولايته من ثقة الجماعة في علمه وعدله وانتمائه إليها وإخلاصه وتواضعه وتفانيه في خدمتها وحبه وثباته وحرصه على رفع شأنها كالأب في الأسرة لم يضع أحد ورقة في صندوق اقتراعه ليتولى الأمر في أسرته.

{ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . } (فصلت 40).

إرادة الإنسان

ضرب الله مثلاً للذين يقولون إن الإنسان مسلوب الإرادة ولا خيار له في الحياة الدنيا الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا عبدنا من دونه من شيء { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ . قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .} (الأنعام 148، 149). فلو أن الله قد شاء لعباده شيئاً لا يختارونه لأنفسهم لشاء لهم الهدى أجمعين ولما كان قد شاء لأحد منهم أن يشرك به شيئاً { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ .} (النحل 35).

إن الذين أشركوا هم الذين يقولون إن الله يختار لهم ما يعبدون من دونه وإنه لا حرية لهم في هذا الاختيار، كدأب الذين جاؤوا بنظرية الإنسان المصيَّر الذي لا حيلة له في شيء يختاره الله له من الذين يضاهئون قول الذين أشركوا من قبل واتبعوا الظن فكذبوا على ربهم بغير علم ولا هدى ولا بينة من كتاب منير { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ . وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ . أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ . بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ .} (الزخرف 19-22). من قبيل اتباع الظن ما يخوض فيه الناس من أمر الملائكة، وما يزال الناس من بعد الكتاب يجادلون فيهم يقولون أئن لهم لأجنحة كأجنحة الطير. أولئك الذين لا يكفيهم ما أنزل إليهم من ربهم ويتبعون الجدل فيما لا علم لهم به.. الملائكة خلق بأجنحة مثنى وثلاث ورباع، وهم عباد الرحمن يسبحون بحمده ويستغفرون للذين آمنوا وهم الذين يتوفون الناس حين الموت، وهم الذين يسوقون الناس إلى الجنة أو إلى النار. وجاء قوم عبدوهم ولم يكتفوا بذلك بل كذبوا على الله فقالوا لو شاء الله ما عبدناهم، يزعمون أنه لا حرية لهم في هذا الاختيار، وأمَر اللهُ ألاّ حُجةَ في الدين إلا بكتابه { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ .} (الزخرف 21) ولا حجة في الدين بما يتناقله الناس عن آبائهم وما يتوارثونه بينهم بغير كتاب من الله شاهد عليهم بالحق { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ .} (الأعراف 3). فلا أولياء من دون الله في الدين إلا بكتاب الله الذي أنزل على محمد r.

وإذا لم يكن الإنسان حراً فيما يختاره لنفسه من الضلالة أو الهدى فلماذا كانت الكتب والرسالات ولماذا جاء الرسل و الأنبياء ولماذا جعل الله الحساب وجعل العذاب الثواب.. وكيف يفسر هؤلاء قول الله تبارك وتعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (البقرة 256). إن الله لا يأمر بالكفر بل يدعو عباده إلى الإيمان ولا يأمر بالفحشاء بل يأمر بالقسط وإقامة الصلاة، ولا يجعل على عباده أي إكراه في ذلك بل هم مخيرون في الدين لا وكيل عليهم ولا أوصياء من الرسل ولا من الملائكة ماداموا على قيد الحياة الدنيا التي يبلوهم الله بها ليميز الخبيث الذي أراد الضلالة واستحبها على الإيمان من الطيب الذي اختار لنفسه الهدى وكره الكفر والفساد والفسوق والعصيان. { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .} (يونس 99). كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجادل الناس بالحسنى وكان لا يأمرهم إلا بهذا الكتاب العزيز وما كان يدعوهم إلا إلى دين قيم ملة إبراهيم حنيفاً على صراط مستقيم، فكانوا يصدون عنه ويكفرون به ولا يعدلون عما وجدوا عليه آباءهم من الشرك ومن الضلالة، وكان صلى الله عليه وسلم بشراً رسولاً وللبشر أن يتخيلوا مقدار معاناته وما كبر عليه من إعراضهم حتى جاءه قول الله تبارك وتعالى إنهم أحرار فيما يختارونه لأنفسهم ولا إكراه عليهم فيما يدعوهم إليه { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ. }(الأنعام 35).

الإنسان حر فيما يختاره لنفسه من الضلالة أو الهدى.. فعلى مشهد من الملائكة جميعاً قال الله إني جاعل في الأرض خليفة.. أي خلقاً مخلفاً في الأرض لا سلطان عليه إلا بوازع من ذاته .. خلقاً سيتركه الله وشأنه إن شاء أتى طائعاً وإن شاء لم يأتِ على الإطلاق .. وكان خليقاً بالملائكة أن تنزعج كل الانزعاج من خلق سيخلف في الأرض وشأنه.. { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } (البقرة 30) . وجاءت التجربة على مشهد من الملائكة أجمعين عندما علم أدم الأسماء كلها ثم سأل الله الملائكة لينبئوه بهذه الأسماء.. قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا.. قال الله يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم علمت الملائكة أن هذا الخلق وإن كان مخلفاً في الأرض إلا أنه خلق إذا تلقى العلم من ربه فإنه يتعلم وإذا تعلم فإنه يُعلم غيَره كما علمه الله.. فلا هدى بغير علم.. ولا علم إلا من الله.

الإنسان خليفة في الأرض.. ولكنه ليس مخلفاً في فراغ بل ترك لإرادة حرة طليقة تبصر الضلالة من الهدى بما تتعلم في حياتها ثم تختار لنفسها ما تشاء { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } (الكهف 29). وكذلك تحددت رسالات السماء جميعاً.. البلاغ المبين بقول الحق من الله تبارك وتعالى.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. من اختار الإيمان فله إيمانه لا إكراه عليه في ذلك.. ومن اختار الكفر فعليه كفره لا سلطان عليه بغير سلطان من الله.. { إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيراً لِّلْبَشَرِ . لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.} (المدثر 35-37). كتاب الله أنزله بعلمه بالحق نذيراً للبشر فمن شاء تقدم به ومن شاء تأخر عنه باختيار حر وإرادة طليقة لا قيد عليها { إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً .} (المزمل 19).. الطريق إلى الله يبدأ بتذكرته إلى البشر تلاوة وتدبراً وإيماناً وعملاً والتزاماً.. ولا يبدأ أبداً كما زعم الناس بكهف يعتصم به عارض يكره زينة الحياة الدنيا وما أخرج الله لعباده من الطيبات من الرزق.. فلا استخفاء في الدين.. وإن رواة الأساطير يقدمون مادة دسمة للذين يلحدون في الدين من الذين يقولون إنما يبدأ الإيمان من الكهوف.. ولا يبدأ الإيمان إلاّ جهراً بكلمات الله على سواء { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (يوسف 108).

كتاب الله هو سبيل المؤمنين إليه ولا سبيل لهم إلى الله إلا بكلماته وأي تجاوز عن كلمات الله بالغفلة أو الإضافة أو التحريف فإنه انحراف عن الصراط الذي يؤدي إلى الله.. {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً .} (الإنسان 29). فلا سبيل إلى الله إلا بهذه التذكرة ولا تذكرة إلا بكلمات الله كما حفظها الله لعباده في القرآن { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ .} (التكوير 27، 28). فمن شاء أن يستقيم فإن بوسعه أن يستقيم ولكنه لن يستقيم إلا بذكر الله الذي أنزله على عباده بالحق.

وتؤكد آيات الله البيانات على أن اختيارات الإنسان لا تتم إلا بمحض إرادته وبحرية مطلقة لا حدود لها.. فهو يختار سبيله إلى الله إن شاء أو يختار سبيله إلى الشيطان كما يشاء وهو يختار الهدى كما يختار الضلالة بمشيئة حرة لا سلطان عليها.. وفي النهاية فإنه يختار لنفسه إما العذاب وإما الساعة بإرادة حرة لا ظلم فيها.. ويضع نفسه في مكانته عند ربه يوم القيامة بميزان الذرة ارتقاء في الجنة أو في حضيض الجحيم... { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ .} (المدثر 38). { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ .} (الطور 21). ولا يكسب الإنسان شيئاً إلا بما يبذل من الجهد وهو لا يبذل من الجهد شيئاً إلا بمشيئة مطلقة وإرادة حرة.. ويبين الله ذلك في آية الجهاد فمن أراد وجه الله أعد لذلك عدته وتسلح بالصبر والإيمان والعدة والزاد وخرج من بيته يريد وجه الله { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } (التوبة 46). وما خلق الله الليل والنهار وتعاقب الأيام إلا لإحصاء هذه الاختيارات وجمعها في كتاب يقرأه الإنسان يوم القيامة { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً .} (الفرقان 62).

ويبين الله تبارك وتعالى أن الإنسان يستطيع أن يفوز بالحياة الدنيا وبالآخرة جميعاً إذا أراد الآخرة وسعى لها سعيها.. أما إذا أراد الدنيا فلن يظفر منها إلا بمقدار ما يشاء الله لمن يريد.. فحظ الإنسان في الدنيا إذا أرادها لذاتها من دون الآخرة مرهون بإرادة الله وحده ما يشاء لمن يريد، أما حظه في الحياة الدنيا والآخرة معاً وبالحق فإنه مرهون باختيار الإنسان وبمقدار سعيه فيها ابتغاء الآخرة { مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً . وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً .} (الإسراء 18و19).

الحياة الدنيا ليست شيئاً كريهاً ينبغي للمؤمن أن يزهد فيه أو أن يعرض عنه، ولكنها غاية لا ينبغي أن تطلب لذاتها وإنما تطلب من خلال السعي إلى الآخرة والاستقامة على دين الله ابتغاء وجه الله ومرضاته.. في أول رسالة في الكتاب أوحى إلى نوح عليه السلام أن يبلغ قومه أنهم إذاً أرادوا الحياة الدنيا فإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة إذا استغفروا ربهم وتابوا إليه { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .‏ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً . } (نوح 8-12). ويقص الله القصص من أهل القرى التي دمرها الله بظلمهم من قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم لوط ثم يقول تبارك وتعالى { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ .} (الأعراف 96). ثم بدا الوحي بالكتب فأنزلت التوراة واستحفظ عليها بنو إسرائيل على ما آتاهم الله من الفضل فلم يحفظوها وضاعت التوراة.. وكان لا بد من امتحان آخر حتى يستيقن البشر من بعد الرسل أنهم لا يؤمنون على دين الله فأنزل الله الإنجيل واستحفظ عليه القوم الذين فضل الله على العالمين واختارهم على علم على الناس أجمعين ومع ذلك فقد ضاع الإنجيل فأصبح من القواعد الثابتة في الأرض أن المؤمن إذا أراد الهدى من بعد الرسل فلا ينبغي له أن يأتمن أحداً إلا الله.. ومن أجل ذلك أنزل الله القرآن على آخر نبوة في الأرض ليحفظه بأمره ولا يستحفظ عليه أحداً من عباده وقال سبحانه وتعالى { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ .} (المائدة 65-66). فهذه هي الدنيا والآخرة مرهونة بإقامة الكتاب من أقامه أكل من فوقه ومن تحت رجليه وغفر له وأدخل جنات النعيم.. ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن حفظ لنا كتابه إلى يوم البعث فلم يأتمن عليه عرباً ولا عجماً وما كان الله تبارك وتعالى أن يجرب عباده بعد المرتين، وفي كلتا المرتين لم يأتمن الله إلا صفوة البشر ممن فضل الله على العالمين من بني إسرائيل الذين ورثوا الكتاب والحكم والنبوة. فلا ولاية في الدين من بعد ذلك إلا لله ولا ينبغي لمن أراد الحياة الدنيا والآخرة جميعاً أن يأتمن على دينه من أحد أبداً فما استقام مع القرآن فهو من عند الله وما تنافر معه أو نقص عنه أو زاد عليه فليس من عند الله { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .} (الحجر 9).

على ملأ من الملائكة في أول الخلق علم الشيطان أنه لن يستطيع أن ينال شيئاً من بني آدم إلا إذا أقْعد لهم صراط الله الذي يبينه الله بكتبه وبرسالاته، فإذا أقام الناس هذا الصراط فقد أقاموا من حولهم حصوناً منيعة لا يستطيع الشيطان أن ينفذ منها أبداً.. أما إذا أقعدوه فقد هدموا بأيديهم حصونهم وأصبحوا في أيدي الشيطان يأتيهم كما يشاء من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ .} (الأعراف 16، 17). ثم لآتينهم.. من الأمام ومن الخلف وعن اليمين وعن الشمال.. إن الأمر سيصبح مكشوفاً ميسراً إذا أقعد الشيطان صراط الله.. أما إذا أقام الناس هذا الصراط فإن الأمر سينغلق عليه من هذه الجهات جميعاً. يستطيع الإنسان بإرادته أن يقيم من حوله حصوناً في وجه الشيطان فلا يستطيع أن يصل إليه من أي مكان إذا أقام صراط الله المستقيم كما بينه في القرآن.. ويستطيع الإنسان بإرادته أن يكشف نفسه للشيطان فينفذ إليه بكيده ووساوسه من كل مكان إذا أقعد هذا الصراط.

كل الآيات تدل على أن للإنسان إرادة حرة ليختار لنفسه ما يشاء { كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاء ذَكَرَهُ .} (عبس 12). { ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً .} (النبأ 39). {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ .} (الروم 39). { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } (الكهف 28). { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } (الأنعام 52). من أراد الذكر فإنه يتذكر باختياره ومن يتزكى ابتغاء وجه الله فإنه يضاعف لنفسه الثواب عند الله بمطلق حريته ومن تضرع إلى الله ابتغاء رحمة يرجوها عند الله فإنه إنما يدعوه بمحض إرادته.

كما يريد الإنسان الخير ويختاره لنفسه بإرادته الحرة ومشيئته المطلقة، فإنه إذا أراد الشر واختاره لنفسه فإنه لا يختاره إلا بإرادته الحرة ومشيئته المطلقة { بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ .} (القيامة 5). آمن الرسول صلى الله عليه وسلم بما أنزل إليه من ربه وأقام لنفسه وللذين اتبعوه صراط الله كما بينه الله له بكلماته واختار بإرادته أن يعبد الله وحده مخلصاً له الدين وقال للناس قول الحق من ربه { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .} (الزمر 14، 15). أذان وبراءة من الله ورسوله أن كل إنسان حر فيما يختاره لنفسه، فمن اختار الله فإن حسبه الله ومن اختار غير الله فعليه ما يشاء.. ومن أراد الله فإن الله يريد الآخرة { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ } (الأنفال 67). لا يزهد في الدنيا ولا يعرض عنها بل يسخرها مطية للآخرة.. لا يسعى فيها لذاتها وإنما يجعل كل سعيه فيها سبيلاً إلى وجه الله في الآخرة.. وإذا وجد في نفسه ميلاً إليها فقد يعلم أنه لن يكون له حظ فيها إلا بمقدار ما يسعى فيها للآخرة { مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } (النساء 134). إن أي علم من الحياة الدنيا قد ينفع فيها ولكن علم الله ينفع من يتدبره ويستقيم عليه في الحياة الدنيا وفي الآخرة جميعاً.. وقد جمع الله كل علم ينبغي للإنسان أن يتعلمه في هذا الذكر وفصله لعباده تفصيلاً فمن أراد الحياة الدنيا لذاتها خالصة من دون الآخرة فإنه لن يبلغ فيها إلا بمقدار ما يشاء الله لمن يريد.. ومن اعتصم بالذكر يتلوه ويتدبره ويجد فيه صراط ربه المستقيم فيستقيم عليه فلقد شاء بإرادته وجهده أن يظفر بالحياة الدنيا وبالآخرة معاً وبالحق { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى .} (النجم 29-31). بل يعجبون من الكتاب وتراهم يتساءلون أئن هذا الكتاب ليفصل كل شؤون الحياة الدنيا والآخرة.. أولئك الذين يتناسون آيات ربهم التي أنزلها تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء ولا يرون أن الله قد وضع في العصفور كل ما وضع في الفيل كماً وكيفاً على سواء.. وإن الله قادر على أن يفصل علمه في أسفار تنوء النوق بحملها، ولكنه أراد أن ييسر الأمر على عباده تلاوة وتدبراً وحفظاً فجعل العلم في هذا الكتاب لمن أراد أن يتدبر من المؤمنين أولى الألباب الذين أسلموا لربهم وأنابوا إليه ولم يستعينوا إلا به وكان ربك قديراً { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ . بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً . كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ . كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاء ذَكَرَهُ .} (المدثر 49-55). كل شيء يختاره الإنسان لنفسه مرهون بمشيئته.. من شاء الذكر فإن الذكر يكفيه.. ومن شاء صحفاً منشرة فله ذلك ولكنها لن تغني عنه من الله شيئاً.. سيتفرقون مذاهب وشيعاً كما تفرق الذين أوتوا الكتاب من قبلهم عندما أضاعوا الكتاب واستبدلوا به أسفاراً لا جامع لها ثم جاء أهل القرآن فهجروه واستبدلوا به صحفاً لا يحصيها إلا الله.. وقال أهل الكتاب هي مكملة للقرآن وليس للقرآن ما يكمله وقالوا هي مفسرة له ولم يك له ما يفسره بغير آياته وقالوا هي مفصلة لما أجمله وأنزل علينا القرآن تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء مفسراً وميسراً بآياته وبكلماته { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً .} (الفرقان 33).

ولو تدبرنا آيات الله لوجدنا أنها تأمر بأشياء وتنهى عن أشياء.. تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.. تحل الطيبات وتحرم الخبائث.. وهذا الأسلوب من أحسن الحديث لا يمكن أن يوجه إلا لمن كان له قوة الشعور والإرادة.. ولو كان الإنسان مسيراً لا مشيئة له لما كانت هنالك حاجة لأكثر من حرفين اثنين من الله تبارك وتعالى.. كن فيكون البشر على كلمة سواء من الهدى لا ينحرفون من بعدها أبداً كما لا يمكن أن ينحرف كوكب عن مساره في هذا الفلك العظيم { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ .} (غافر 57). أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم هن أهل البيت وكن أقرب الناس إلى الهدى وإلى النور الذي أنزل عليه، ومع ذلك فقد خيرن بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله وترك لهن حرية الاختيار بمحض مشيئتهن ليسرح منهن من يشاء ولتبقى معه على دين الله من تشاء فتوفاه الله وكلهن سلام الله عليهن على دينه لا يردن إلا الله ورسوله { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً . وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً .} (الأحزاب 28، 29).

لو أراد الله أن يختار لعباده شيئاً لاختار لهم الهدى ولكنه سبحانه وتعالى خلقهم أحراراً ليختاروا لأنفسهم ما يشاؤون إما الهدى وإما الضلالة { إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ } (الزمر 7) والله سبحانه وتعالى قد يسر للإنسان هذا الاختيار فلم يجعل على إرادته أي قيد من الأرض أو من السماء فلا وصاية ولا وكلاء ولا مسيطرون ولا حافظون على الناس في الدين بل كل أمريء ميسر لما يختاره لنفسه { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً . } (الإنسان 3). هديناه في هذه الآية الكريمة بمعنى وجهناه أو أطلقنا سبيله وهو نفس المعنى الذي يستنبط من خلافته في الأرض كخلق مخلف لا سلطان عليه إلا بوازع من ذاته وبمحض اختياره إن شاء شكر وإن شاء كفر.

وينبغي أن نفرق بين حرية الاختيار وبين الحرية المطلقة في أن يشاء الإنسان في الحياة الدنيا ما يريد.. الإنسان حر فيما يختاره لنفسه من الاختيارات المتاحة له.. وربما أدرك علماء السياسة هذه الحقيقة فقالوا إن السياسة هي فن اختيار الأفضل وليست فناً لتحقيق المستحيل.. وقال الراشدون من الصوفية نعيش حياتنا كما نجد ولا نعيشها كما نشتهي.. إنك لن تكون حراً في أن تجعل التراب ذهباً ولكنك حر في أن تستخلص الذهب من التراب.. في الدين طريقان طريق مستقيمة بينها الله في كتابه وفصلها وطريق أخرى ذات مسالك لا حصر لها من الضلالة إلى النار.. وفي هذا تبدأ اختيارات الإنسان.

وربما جاء الخلط في أذهان الذين يظنون أن الإنسان مسيّر وليس مخيراً في شيء- كدأب الذين من قبلهم من الذين قالوا لو شاء الله ما أشركنا- عندما وجدوا أنفسهم غير قادرين على شيء مما يريدون { أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى .} (النجم 24-25). كلا ليس للإنسان في هذه الحياة الدنيا ما يتمنى، بل لله سبحانه وتعالى ما في الآخرة والأولى ومن فيهما.. وليس للإنسان إلا ما يختاره لنفسه في الحياة الدنيا مما يتاح له فيها وهو في ذلك مخير بحرية مطلقة ومشيئة لا حدود لها.. فإذا اختار لنفسه طريقاً في الحياة الدنيا وسعى فيها بقدر جهده فلن يَتِر الله من أعماله شيئاً وسوف يكون له فيها ما يسعى { وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى .} (النجم 39-41).

وسألني صاحبي إئنك لتجد كل شيء في القرآن.. قلت كل شيء يهمك أمره ستجده إن شاء الله في القرآن.. قال يهمني أن أعرف عمري في الآخرة.. قلت إذا كتب الله لك الجنة فإنه يهمك أن تعرف ذلك ولا شك { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ . }(النحل 31). { قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيراً. لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُولاً .} (الفرقان 15، 16). { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ .} (الزمر 33، 43). { تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ . } (الشورى 22). { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ . هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ . مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ . لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ . } (ق 31-35). فإذا كان الإنسان من الأوابين الذين يرجعون عن اختياراتهم الخاطئة إلى صراط ربهم المستقيم الذي بينه الله للناس في الكتاب، وكان حفيظاً على أمانته التي ارتضى حملها ليحمل نفسه على هذا الصراط لا يعدل عنه إلا لمماً، وخشى الرحمن بالغيب واتقى وعمل صالحاً وجاء ربه يوم القيامة مؤمناً صادقاً مصدقاً بقلب منيب فإن له كل ما يشاء عند ربه خالداً في جنات النعيم.. فالمشيئة المطلقة لأصحاب الجنة في الآخرة، أما في الحياة الدنيا فلكل إنسان ما يشاء في حدود ما يتاح له من الاختيارات.

ومشيئة الإنسان وحريته المطلقة في اختيار ما يتاح له هي فرع من وجوده نفسه من ناحية وفرع من وجود هذه البدائل التي يختار منها من ناحية أخرى، ووجود الإنسان وما عسى أن يتاح له من البدائل هو فرع من مشيئة الله وأمره وفي حدود ما يأذن به سبحانه وتعالى.. فالذي شاء الهدى في الأرض هو الله سبحانه وتعالى.. والذي شاء أن يعرض عن الهدى من يشاء من خلقه هو الله سبحانه وتعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ .} (الأنعام 112). { وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ .} (الأنعام 107). { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } (السجدة 13). { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } (النحل 93). { وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ .} (النحل 9). الله سبحانه وتعالى هو الذي ترك للذين يعملون السيئات حرية اختيار سبيل الغي ليتخذوه سبيلاً.. شاء لهم أن يختاروا هذا السبيل بمشيئتهم المطلقة وإرادتهم الحرة.. ولو شاء ربك ما فعلوه، والله سبحانه وتعالى هو الذي ترك للذين أشركوا حرية اختيار ما يشاؤون من دونه.. ولو شاء الله ما أشركوا.. والله سبحانه وتعالى هو الذي ترك للناس أن يتبعوا من دون صراطه المستقيم الذين بينه للناس من الكتاب ما يشاؤون من المذاهب أو الملل ليتفرقوا أمماً ويتمزقوا شيعاً بمشيئتهم المطلقة وإرادتهم الحرة.. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولجعلهم أمة واحدة على صراط مستقيم.

ورد التعبير بلفظ (الأمر) في القرآن الكريم بصياغات مختلفة في أكثر من أربعين ومائتين موضعاً كلها للدلالة على ما يراد أو ما لا يراد من الأفعال والأشياء في الأرض أو في السماء. وكلها لله سبحانه وتعالى { قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } (آل عمران 154). فهو الذي خلق ومن خلق الشيء فإنه يظل بيده لا يفلت من بين يديه ولن يعجزه هرباً { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .} (الأعراف 54). والله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر كل أمر { إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ } (يونس 3). ومن كان الأمر بيده يدبره ولا يفلت من بين يديه فإنه إذا أطلقه إلى أجل مسمى فلا يرجع من بعد إطلاقه إلا إليه { وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ .‏ } (البقرة 210). { وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ } (هود 123). والغيب عن الأشياء بعضها عن بعض. يخرج الحي من الميت فيعود الحي إلى عالم الشهادة من بعد أن كان غيباً في علم الله ويخرج الميت من الحي فيعود الميت إلى عالم الغيب بعد أن كان حاضراً في علم الله.. لكن الله سبحانه وتعالى هو الأول والآخر فلا يغيب عن علمه شيء { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ . سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ . لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } (الرعد 9-11). وفي أمر الله ليس ثَم غائب وحاضر ولا ماض ولا مستقبل والذين يؤمنون به يحيون بأمره وكأنه قد جاء وانتهى { أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .} (النحل 1). والله سبحانه وتعالى لا يأمر إلا بالحق { فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ . } (غافر 78).. والله سبحانه وتعالى لا يأمر إلا بمقدار { مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً . } (الأحزاب 38). وإذا قضى الله أمراً فلا راد له ولن تجد له من دونه مزحزحاً في الأرض ولا في السماء {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ .} (القمر 3). إذا أمر الله سبحانه فإنه لا يأمر إلا بالحق.. وإذا أمر الله سبحانه فإنه لا يأمر إلا بمقدار.. وإذا أمر الله سبحانه فإنه أمر مستقر.. ولذلك فإن المؤمنين لا يستعجلونه بل يصبرون أنفسهم ولا ينتظرون غيره ولا يرجون الرحمة من بعده وإن رحمة الله قريب من المحسنين { وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . } (القمر 50). فهو رهن حرفين بمشيئته سبحانه وتعالى { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ .} (البقرة 117). ينظر المؤمن في ملكوت السماوات والأرض فلا يجد فيهما إلا أمراً بالحق ولا يجد فيهما إلا أمراً بمقدار ولا يجد فيهما أمراً إلا قد استقر فيتضاءل عمره في الأرض ويتضاءل غمه فيها ويتسع صدره باتساع السماوات وينشرح قلبه بالإيمان ولا يكاد يبصر حقيقة إلا من أمر ربه فيرغب إليه ويقترب ولا يحب شيئاً إلا إذا أحبه الله ولا يكره شيئاً إلا إذا كرهه الله أولئك هم الربانيون الذين أسلموا لله وأنابوا إليه.. { وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ .} (البقرة 210). { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .} (الحج 41).{ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ.} (الشورى 53). وإذا كان الأمر كله لله.. له عاقبته وإليه مصيره فما للمؤمنين لا يسلمون لله ومالهم لا ينيبون إليه.. إنهم يبرمون أموراً والله يبرم الأمور {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ .} (الزخرف 79). هم يبرمون أمورهم اختياراً والله يبرم الأمور بالحق وبمقدار مستقر إذا قال له كن فيكون { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ .} (يوسف 21). والاستقامة على أمر الله من القدوة الحسنة المستنبطة من سيرة عباد الرحمن الذين اصطفى { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ .} (الأنبياء 26-28).

تقوم السماء والأرض بأمر الله بالحق فيستقيم كل أمر فيها بالحق وبمقدار مستقر لا ترى فيها من تفاوت ولا ترى فيها من فطور وينتظم كل شيء فيها بحسابات دقيقة يستعصي على العلماء إحصاؤها { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ .} (الروم 25). أما الإنسان فإنه لا يقوم على مثل هذه الحسابات الدقيقة إلا إذا أقام صراط الله فإذا أقعده فقد كشف نفسه للشيطان لينال منه من كل مكان.. وإذا أقام صراط ربه فإنه لا يقيمه إلا بمحض اختياره بمشيئة مطلقة وإذا أقعده فإنه لا يقعده إلا بمحض اختياره بمشيئة مطلقة.. فهذه هي أمانته التي حملها بمحض اختياره وبمطلق مشيئته يوم عرض الله الأمانة على الخلق جميعاً.

أمر الله هو كل ما أراد للإنسان أن يختاره لنفسه وكل ما لم يرد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يختاره لنفسه من بدائل الخير والشر.. وهذه الاختيارات وإن كان الإنسان يقوم بها بمحض مشيئته ومطلق إرادته، إلا أن شيئاً من ذلك لا يتم إلا على عين الله.. فمن اعتاد اختيار الخير أعانه عليه وجنبه اختيارات الشر ثم أثابه عليه أحسن الثواب في الدنيا والآخرة على سواء.. مثل ذلك يوسف عليه السلام علم الله أنه يعتاد اختيار الخير لنفسه ولأهله وللناس أجمعين، فلما واجه الاختيار الصعب وهم بامرأة العزيز أراه الله برهانه وأعانه على اختيار الخير وجنبه اختيار الشر { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ .} (يوسف 24). ومن اعتاد اختيار الشر وحجب نفسه عن الذكر وكشف نفسه للشيطان وجعل رزقه كفراً وفسوقاً فإنه سبحانه وتعالى يضله ويغلق عليه سبل الهدى ويوله ما تولى ويعذبه في الحياة الدنيا والآخرة على السواء..

كمثل الذي جاءه الهدى وتبين الحق فتولى بركنه ولم يرد إلا الحياة الدنيا { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً .} (النساء 116). والله سبحانه وتعالى قد علم الفريقين وعلم ما يختار كل إنسان لنفسه فأعانه على ما يختار من الضلالة أو الهدى.. ذلك أمر الله أنذر به عباده { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . } (يوسف 21).

ولا يمكن أن يعتبر العلم بالغيب قيداً على حرية الإنسان في اختيار ما يشاء لنفسه.. علم الله سبحانه وتعالى أصحاب الجنة كما علم أصحاب النار على سواء، وإنما علم الله سبحانه وتعالى كل ذلك من اختيارات كل من الفريقين لنفسه.. وكذلك فإنه لا يمكن أن يعتبر ما يعين به الله عباده الصالحين على اختيار الخير أو ما يضل به عباده الظالمين ويغلق عليهم من سبل رحمته قيداً على حرية هؤلاء وأولئك، لأن الله سبحانه وتعالى إنما يعين كل إنسان على ما يختاره لنفسه.. فمن اختار الهدى أعانه الله عليه ومن اختار الضلالة فإن الله يوله ما تولى ويضله بما أراد الضلالة ودأب عليها.. والقول بغير ذلك ينتهي في المنطق إلى ما تقول أمة من بني إسرائيل { وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . } (الأعراف 164).

وينبغي أن يقاس الأمر بعمر الإنسان كله وليس بموقف أو بعدة مواقف من حياته لأنه في علم الله سبحانه وتعالى لا يعزب عنه شيء ولو كان مثقال ذرة { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى .} (النجم 31، 32). الله يعلم الذين يتقون فيهديهم إليه.. ويعلم الذين يضلون فيضلهم ويعمى أبصارهم.. والإنسان هو الذي يختار لنفسه التقوى تماماً كما يختار لنفسه الضلالة.. وكل ذلك من أمر الله في يوم كان مقداره ألف سنة من حسابات البشر { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ . } (الحج 47).

من نكد الإنسان في الحياة الدنيا أنه لا يستطيع أن يقيِّم غلبة الله على أمره تقييماً صحيحاً.. يطول عليه الأمد أحياناً، وينسى أو يغفل عن ذكر ربه أحياناً أخرى، وقد يتصور أن الأمر قد أصبح بيد ظالم مستبد أو فاسق عن أمر ربه أو حكم جائر لا يرعى في الناس إلاًّ ولا ذمة أو فساد ظهر في البر والبحر حتى أصبحت ظلمات بعضها فوق بعض.. وقد يتحول عنده النسيان أو الغفلة إلى اليأس فيسلم أمره إلى الظلم ويعدل بذلك عن الإسلام إلى ربه فيكفر أو يشرك من حيث يدري أو من حيث لا يدري.

اليوم الزمني عند الله يعادل ألف سنة مما نعد في الأرض أي ما يعادل أثنى عشر ألف شهر قمري، وهو يوم لم يبلغه أكبر معمر في الأرض ممن نعرف في القرآن { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ . } (العنكبوت 14). هذا هو اليوم الزمني عند الله لنعلم قيمة هذه الحياة الدنيا في هذه الأرض وكان الله سبحانه وتعالى قادراً على أن يبين لعباده أنه عليه السلام لبث خمسين وتسعمائة سنة ولكنه أراد أن يقيس ذلك بمقدار يومه تبارك وتعالى ليبين أن نوحاً عليه السلام لم يبلغ هذا اليوم رغم ما عمر في الأرض.

ثم يقيس الله سرعة أمره بأسرع شيء مما نعلم في خلقه.. الملائكة والروح.. { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ .} (المعارج 4). فهذا هو معراج الملائكة والروح من الأرض إلى السماء في زمن يومي قدره خمسين ألف سنة ونزولها في مثل ذلك أي ما يعادل مائة ألف سنة معراجاً ونزولاً.. فليس الضوء هو أسرع شيء مما نعلم في الخلق بل الملائكة والروح هما أسرع شيء مما نعلم في خلق الله، ويقيس الله أمره سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على أساس من هذه السرعة العظيمة في خلقه العظيم تبارك وتعالى علواً كبيراً { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ .} (السجدة 4و5). تبين هذه الآية الكريمة الزمن اليومي لأمر الله من السماء إلى الأرض هبوطاً ومعراجاً إليه سبحانه وتعالى في ألف سنة.

فإذا كان هبوط الملائكة والروح إلى الأرض ومعراجها إلى الله سبحانه وتعالى في مائة ألف سنة وكان هبوط أمر الله سبحانه إلى الأرض ومعراجه إليه في ألف سنة فإن أمر الله سبحانه يكون أسرع من الملائكة ومن الروح مائة مرة.. فإذا علمنا ما تفعل الملائكة بأمر ربها لأمكن أن نقيس ما نبرم من الأمر في جنب الله ولتبين لنا أننا نصل إلى حضيض الغفلة عندما يكبر في أعيننا أي أمر على أمر الله سواء كان هذا الأمر في الأرض أم في السماء.

وإذا أضفنا إلى ذلك أن الزمن اليومي للإنسان يعادل فترة تقل عن أربع وعشرين ساعة، إذا طرحنا غفلة النوم وما يبدده الإنسان من عمره سدى.. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى عندما أراد أن يقرب إلى أذهاننا اليوم عنده بالمقارنة إلى الزمن اليومي في الأرض لم يقل إنه يعادل ألف سنة من أيامنا، بل قال سبحانه وقوله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنه يعادل ألف سنة مما نعد في حساب أيام هذه الأرض { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ . } (الحج 47). وهي يوم خلق السماوات والأرض في كتاب الله أثنا عشر ألف شهر قمري وبذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق السماوات والأرض وما بينهما في فترة زمنية تعادل اثنين وسبعين ألف شهر قمري وليس في ستة أيام اليهود التي يستريحون في اليوم السابع منها { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ . } (ق 38).

وكل شيء في السماوات وفي الأرض يبدأ بأمر الله إلى أجل مسمى ثم يرجع إليه والله سبحانه وتعالى وحده هو الأول والآخر.. يبدأ الخلق ثم يعيده { وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ . } (آل عمران 109). { هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (يونس 56). { اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . } (الروم 11).. وكل خلق وكل أمر صغير أو كبير يبدأ من الله بأمره ثم يعرج إليه في زمن يعادل ألف سنة في حساباتنا الزمنية.. في سرعة انطلاق تعادل سرعة انطلاق الملائكة والروح مائة مرة.. هذه هي الحسابات التي تبينها قواعد حساب اليوم الزمني عند الله وعند الملائكة والروح بالمقارنة إلى الزمن اليومي في الأرض.. ولا يدخل في القياس معارج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى لأنه استثناء من هذه القواعد حدث مرة بأمر الله ولن يحدث من بعد ذلك إلا بأمر الله هو يخلق ويستثنى في الخلق كما يشاء.

لن يبلغ إنسان في الأرض ما بلغ نوح عليه السلام ولن يؤتى فيها ما أوتيت الملائكة بأمر ربها.. وأمر الله أسرع من الملائكة مائة مرة.. وليقيس الإنسان ما يبرم في الأرض ثم يجيب على سؤال ربه العظيم { أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ .} (الزخرف 79). أذان من الله لمن يريد أن يبرم أمراً خلاف أمر الله الذي بينه لعباده عذراً أو نذراً.


     
     

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home