Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Friday, 21 April, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (5)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . } (الأنفال 34).

حج البيت الحرام

{ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ . }(الأنعام 75-78).

تستظهر هذه الآيات الكريمة حكمة إبراهيم عليه السلام الذي جعل يقلب ناظريه إلى السماء بحثاً عن إله واحد ينظم هذا الكون العجاب من عليائه، فيرى كوكباً فيناجيه فلما أفل دون أن يحس به التفت عنه منزهاً ربه عن ذلك، ثم يرى القمر فيظل يناجيه لعله هو ربه ثم إذا ما أفل هو الآخر دون أن يعبأ بمناجاته انصرف عنه مؤمناً بأنه لو كان هو ربه لكان سمعه ورآه، وهنالك يدرك أنه بقدراته البشرية المحدودة قاصر كل القصور، عن إن يصل إلى ربه بل إن ربه إن شاء هو القادر وحده على أن يصله به.

تتجلي بذلك حكمة إبراهيم عليه السلام وتنفرد في التاريخ بالعبقرية النافذة والبصيرة الحادة، وتتميز عن فلسفة اليونانيين وغيرهم الذين بحثوا مثله عن خالق لهذا الملكوت تصوروا أنهم بقدراتهم القاصرة قادرون على أن يصلوا إلى ما ابتدعوه من آلهتهم التي ظلوا عاكفين عليها ضلالاً. ثم إذا ما بزغت، الشمس وهي أكبر ما يمكن أن يدركه بقدراته في هذا الملكوت عاد يناجيها، فلما انصرفت عنه دون أن تشعر بوجوده تجرد مما كان يعبد قومه وتبرأ منهم وأصبح قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين. هنالك تجلى له ربه وقال له أسلم قال أسلمت لرب العالمين وآتاه الله من الفضل ما لم يؤتِ أحداً من العالمين، إذ اتخذه تبارك وتعالى خليلاً وجعل في ذريته الحكم والنبوة وقضى بأن يشيد بيده أول مسجد بني في الأرض { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً.}، (آل عمران 96) { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ .} (البقرة 127-131). فلما فرغ من بنائه عليه السلام قام فيه مصلياً متخذاً من أحد أضلعه قبلة تعرف منذ ذلك الحين وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بمقام إبراهيم، ويدعو عليه السلام لأهل هذا البلد بالأمن والرزق.

واستجابة لهذه الدعوة بعث الله محمداً بن عبد الله رسولاً من أهل هذا البلد الأمين ليتلو على الناس كافة آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة إلى يوم يبعثون، وفرض حج البيت على من استطاع إليه سبيلاً.

هذا هو البيت الحرام قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يقوم شامخاً آمناً مشرفاً إلى يوم البعث كالعروة الوثقى لا انفصام لها لتصل أول الإسلام على عهد إبراهيم عليه السلام بآخر انطلاقة له ببعثة محمد بن عبد الله بدين قيم ملة إبراهيم حنيفاً ويكفي لاستظهار شموخه وعظمته أن يفرض على المسلمين الطواف به والصلاة فيه ويؤمر بعمارته حتى لا تنفصم هذه العروة التي تربط المسلمين بعضهم ببعض وتربطهم جميعاً بأبيهم إبراهيم الخليل وتثبيتاً لانطلاقة الدين الذي أظهره الله على الدين كله من هذا البلد الأمين ومما حوله من القرى.

{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، (آل عمران 97).

فهو واجب على المؤمن لربه متى كان يستطيع القيام به تماماً على ما بينه الله تعالى في كتابه من المناسك والفرائض، والله سبحانه وتعالى يسبغ على عباده في الحج من الرحمة والبركة ما لا يحصى من أنعمه الكبرى فمن كفر بأنعم الله فإن الله غني حميد. ويعنينا في هذا المقام أنه ليس ثَم استثناء من أصل مقرر في كتاب الله بغير حكم يرد النص عليه في الكتاب ذاته صراحة، والحج مفروض على كل مسلم ولا يستثنى من هذا الفرض إلا المسلمون الذين لا يستطيعون إليه سبيلاً سواء بحرب أو حصار أو فقر أو عجز أو مرض أو غير ذلك مما يؤتمن عليه المسلم ذاته ويقدره بذاته، فليس كمن يخلص دينه لله بأكثر إدراكاً لما يستطيعه من العبادات أو لا يستطيعه في حدود الاستثناء المقرر له بأصل ثابت في القرآن. وبديهي أنه بزوال الظرف الذي كان يعوق سبيل المسلم إلى الحج كانتهاء حالة الحرب أو الحصار أو غنى الفقير وقدرة العاجز وشفاء المريض يعود الحج مفروضاً على المسلم لا سبيل له للتحلل منه.

{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } (البقرة 197).

ولقد دلت هذه الآية الكريمة على أن ميقات الحج إنما ينعقد خلال عدة أشهر معلومات وتأكد ذلك بما ورد في قوله تعالى { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } بصيغة الجمع فليس صحيحاً أن الحج لا يجوز إلا في اليوم التاسع من ذي الحجة بالوقوف في عرفة وإن صح فيه باعتبار أن شهر ذا الحجة من الأشهر التي يجوز فيها الحج ولئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرض حجه في هذا الشهر وتصادف أن وقف بعرفة يوم التاسع منه – وهو صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة حسبما أثبته الفقهاء والمؤرخون- فليس من شأن ذلك إهدار عدة الأشهر المعلومة التي يجوز فيهن الحج عملاً بالأصل المقرر في القرآن، ولا يدري أحد متى كان الرسول سيقف بعرفة لو أنه حج مرة أخرى. ولعل كثيراً ممن يحج يعود بالشكوى من أهل مكة وبالثناء على أهل المدينة المنورة وينسى هؤلاء أن الحجيج يأتون لزيارة المدينة فوجاً بعد فوج دون أن يتراكموا فيها بكل ثقلهم كما يفعلون في مكة، ولو أنهم يفعلون في مكة ما يفعلونه في المدينة فيأتونها فوجاً بعد فوج ثم ينصرفون عنها إلى بقية المناسك ثم يرحلون لرأوا من أهل مكة الكرام ما يعجبهم من أهل المدينة.

وهل يتحقق التعارف أو يمكن أن يتحقق بين مئات الألوف من البشر في بضعة أيام، ولكنهم لو كانوا يأتون البيت الحرام أفواجاً بعد أفواج خلال الأشهر المعلومة لأمكن لهم التعارف والتآلف ولاستراحوا وأراحوا أهل مكة الكرام. { بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ. } (التوبة 1-3).

وتحدد هذه الآية الكريمة أن أشهر الحج المعلومة هي أربعة أشهر و (يوم) في الآية الكريمة بمعنى (حين) ميقات الحج الأكبر، ولا يستدل منها على أن الحج لا يجوز إلا في يوم واحد لقوله تعالى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ } بصياغة الجمع، وذلك كما في قوله تعالى { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } (الأحزاب 66) ، أي حين تقلب وجوههم في النار. والحج الأكبر في هذه الآية الكريمة تدل دلالة قاطعة على تحديد ميقاته بهذه الأشهر الأربعة تمييزاً له عن الحج إلى بيت الله الحرام في غيرها، ذلك أن البيت الحرام لا يخلو دقيقة واحدة من ليل أو نهار في أي يوم من أيام السنة ممن يحجون إليه من مشارق الأرض ومغاربها وإنما الحج الأكبر حين يبدأ تقاطرهم عليه من كل مكان لأداء المناسك على وجهها كما يبينها الله في كتابه العزيز يوم ميقاته المعلوم.

{ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } .

وهكذا يتحدد ميقات الحج بالأشهر الحرم وهي أربعة أشهر لقوله تعالى { فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ } عطفاً على { يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} بمعنى حين الحج الأكبر ويوم ميقاته.

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ . ‏ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ }(التوبة 36، 37).

عن نافع برواية ورش إنما النسئ بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها من نسأه إذا أخره، ويقول القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره لقوله تبارك وتعالى { إِنَّمَا النَّسِيءُ } أي تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر. ويقول الحافظ بن كثير في تفسيره لهذه الآية الكريمة إن المشركين كانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم فأخروه إلى صفر فيحلون الشهر الحرام ويحرمون الشهر الحلال ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة، وينسب إلى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رحمهما الله أنه قال إن من المشركين من كان يحرم شهر صفر عاماً ويحرم شهر المحرم عاماً فنزل في ذلك قوله تعالى { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد أن من المشركين من كان يقول في عام إنا قد حرمنا المحرم وأخرنا صفر ثم يجيء عام آخر بعده فيقول إنا قد حرمنا صفر وأخرنا المحرم. ويتفق الإمام الزبيدي مع نافع رحمهما الله في أن النسىء من نسأ بمعنى أخّر، ولا خلاف بين العلماء والمفسرين في أن النسىء في هذه الآية الكريمة قد ورد بمعنى تأخير عدة الأشهر الحرم وهي أربعة إلى شهر صفر، فإذا ظهر هلال شهر صفر انتهت الأشهر الحرم، وبذلك فإن الأشهر الحرم هي الأشهر الأربعة السابقة على شهر صفر وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.. ذلك لأن هذه الأشهر لا يمكن إلا أن تكون متواصلة بأيامها ولياليها غير منقطعة ولا مؤجلة وهو ما يستفاد من معنى السيح في قوله تبارك وتعالى { فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } (التوبة 2) ولو أنها كانت ثلاثة أشهر متصلة يؤجل رابعها إلى شهر رجب كما يقولون لما أمكن فهم معنى السيح في هذه الآية الكريمة. إن تواصل الأشهر الحرم ينبغي أن يكون كتواصل السيح يبدأ في حينه ولا ينقطع حتى ينقضي كسيح الماء، إن الله تبارك وتعالى قد أمسكنا في ديننا في خمس نصوم شهر رمضان عن الطعام والشراب والرفث إلى النساء ونصوم من بعده مباشرة شهور شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم عن الظلم والقتال وصيد البر.

هذه هي الأشهر الحرم لمن شاء أن يفرض الحج ويتم العمرة لله في ميقات يزيد على مائة يوم رحمة من الله وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، فالحاج هو الذي يفرض الحج في أي يوم يشاء من هذا الميقات وليس في دين الله ما يفرض عليه يوماً لا يجوز الحج في غيره.

{ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ . } (البقرة 197).

جمع الله تبارك وتعالى ما ينبغي للحاج أن يعتد به في الحج بهذه الآية الكريمة ففرض حمل الزاد وجعل خير الزاد التقوى وأوجب تقواه في الحج بهذا الإعجاز المحكم حكمة بالغة، فالحج رحلة كأي رحلة لا تخلو من المشاق وقد لا يصادف الحاج من مشاقها شيئاً، ولكن المؤمن ينبغي له أن يأخذ بالحيطة في رحلته إلى مكة ومنها إلى عرفة ثم وقوفاً بالمزدلفة في طريق عودته من عرفة إلى مكة ثم إلى المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، ثم هو ينفق على البدن وينفق في هدية يحملها بين يديه خاشعاً لله إلى بيت الله الحرام ويتصدق على الفقراء ويحسن إلى رفاقه في الحج وكل ذلك لمما يستوجب حمل الزاد نقداً كان أو عيناً، وقد ورد النص على الزاد في هذه الآية الكريمة طليقاً لا يقيد منه إلا ما ورد في كتاب الله العزيز من حدود أو قيود.

{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ } (البقرة 197).

فأما الرفث فهو الجماع فلا يحل للحاج أن يباشر زوجه في الحج، وهو مفسر بقوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } (البقرة 187).

وأما الفسوق فهو الخروج عن طاعة الله فيما أمر به وفيما نهى عنه، وهو مفسر أيضاً بقوله تعالى { فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } ولوروده مفسر ضد الهدى في قوله تعالى { فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ .} والفسق هو الضلال { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ .} وهو النفاق { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .} وغير ذلك مما فصل في كتاب الله تفصيلاً.

وأما الجدال فهو الحوار على اختلاف في الرأي، يفسر ذلك بقوله تعالى { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وبقوله تعالى { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } والحوار في هاتين الحالتين إنما يثور بين طائفتين من الناس على اختلاف في الرأي، فهذا هو الجدال وقد نهى الله عنه في الحج حتى تصفو النفوس وتفرغ لعبادة الله في لقاء المؤمنين عند أول بيت وُضع للناس. وأما الحديث الهادئ مع اجتناب اللغو فيه أو الاختلاف عليه فليس من الجدال في شيء، وإن المؤمنين لمدعوون إليه ليتآلفوا ويتعارفوا.

{ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } (المائدة 96)

الأشهر الحرم هي ميقات الحج ويتقاطر المسلمون في هذا الميقات بمئات الألوف لأداء فريضة الحج، لذلك قضى الله بتحريم صيد البر في هذا الموسم لصيانة الثروة الحيوانية بصفة عامة وفي هذا البلد الأمين بصفة خاصة. وإنك لترى الطير صافات في المسجد الحرام آمنين في حماية ذي العرش سبحانه وتعالى فيضفين على البيت رونقاً ذا بهجة تسر الناظرين.

مناسك الحج

(1) طواف بالبيت { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } (الحج 29).

ليس هنالك عدد محدود للطواف ولا لأشواطه، بل إن المشهد ذاته لا يسمح لمن كان له قلب أن يحصي على الله طوافه مرات أو أشواطاً. وإنما ترك الأمر لكل حاج بحسب طاقته، ولو شاء الله أن يقيد الحاج بعدد محدود من الطواف أو الأشواط لجاء به كما جاء في صيام الكفارة { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } (البقرة 193).

وإنما يلاحظ أن الله أمر بالطواف بقوله تعالى { وَلْيَطَّوَّفُوا } بتشديد الطاء، الأمر الذي يتطلب الوفرة والإكثار من الطواف بغير عدد أو إحصاء. فمرتين أو ثلاثة في الفجر ومثلها في الصبح والعشى ومرات بالليل، كل حسبما يتيسر له بقدر طاقته عملاً بقوله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } (البقرة 86).

وسواء طفت بالبيت العتيق، أو بالصفا والمروة فإن المطلوب هو أن تمشي حولهما، والله تبارك وتعالى الذي أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء قد بيّن لنا كيف نمشي في الأسواق. وأولى لنا أن نحافظ على هذه السنن الكريمة عند بيت الله الحرام فلا نهرول حيناً ونتمايل حيناً بل نمشي في هدوء خاشعين لله ذاكرين آلاءه حامدين نعمه نتلو من آيات الذكر الحكيم وندعوه بها إنه هو البر الرحيم، ثم نذكر المرسلين والصالحين الذين قاموا بالبيت وطافوا به خاشعين لله عز وجل { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً } (الفرقان 63) {ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً } (الإسراء 37). {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } (لقمان 19)، { أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .} (الملك 22). هذه هي آداب المشي في كتاب الله عز وجل وأولى لنا أن نتبع هذه الآداب الحميدة في طوافنا.

(2) مقام إبراهيم { وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } (البقرة 125).

مقام إبراهيم عليه السلام هو المكان الذي كان يقوم فيه إبراهيم مصلياً، وهو معروف من الكعبة بالضلع ذي الباب الذي يؤدي إلى داخلها. والدليل على أن المقام في البيت الحرام يأخذ مكانه الصحيح من الكعبة كما حفظه الله ورود المقام مرتبطاً بتطهير الكعبة في قوله تعالى { وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ. } فحين يدخل المسلمون لتطهير البيت أو يخرجوا منه بعد تطهيره فإنهم يصلون من قبل أو من بعد باتخاذ هذا الضلع قبلة، وهذا هو الوضع الطبيعي والمنطقي إذ لا يتصور أن يذهبوا بعيداً عن الباب بحثاً عن ضلع آخر والكعبة كلها قبلة.والارتباط ظاهر بين تطهير البيت ومقام إبراهيم بالواو التي يمكن أن نسميها في اللسان العربي بواو العلاقة والارتباط، فقد لوحظ ورودها في آيات الكتاب بين المعاني ذات العلاقة المرتبطة كما في قوله تعالى { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } (النساء 113). والارتباط في هذه الآية الكريمة ظاهر الدلالة على أنه ما كان للناس أن يضروا رسول الله من شيء بعد أن أنزل الله عليه الكتاب والحكمة. ولا يشترط أن تكون الصلاة في مقام إبراهيم من مسافة معينة، بل يجوز استقبال هذا الضلع ذي الباب الذي يؤدي إلى داخل الكعبة من أي مسافة يمكن للمصلي منها أن يبصر الكعبة ليحدد اتجاهه منها، وتكفي في ذلك صلاة ركعتين، كما يجوز للحاج أن يستزيد من الصلاة بما يشاء له الله كل حسب اجتهاده وطاقته.

(3) الصفا والمروة { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ .} (البقرة 158).

إن الله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه ما فرضه على عباده كما بين لهم سنّة نبيّه، وشاءت حكمته تبارك وتعالى أن يجعل الصفا والمروة- وهما مرتفعان صغيران قريبان من الكعبة- من شعائر الله وحث المؤمنين على الطواف بهما تطوعاً ووعد المتطوعين خيراً فضلاً من لدنه وأجراً عظيماً. وتيسيراً للحاج أقيم السقف فوق الصفا والمروة ولا تثريب على هذه الفكرة في شيء، غير أن هذا السقف قد أقيم على جدارين متقابلين بنى أحدهما فوق الصفا وبنى الآخر فوق المروة، وكان يتعين بناء هذين الجدارين وراءهما حتى يستطيع الحاج أن يطوف بهما كما أمره الله.

والطواف بشيئين يعني الدوران حولهما وليس السعي بينهما، ولو أراد الله السعي بينهما لجاء به كما جاء بوصف طواف أهل النار { هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ . يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ .} (الرحمن 43، 44). فيجب أن يبدأ الحاج من الصفا أو من المروة كما يشاء، فإذا بدأ من الصفا فعليه أن ينطلق إلى المروة ثم يجتازه ملتفاً حوله ثم ينطلق مباشرة إلى الصفا حتى يجتازه ملتفاً حولـه ثم يعود من حيث بدأ ليبدأ طوافاً آخر بهما – وفارق كبير بين الطواف وبين السعي في اللسان العربي وفارق كبير بين حرف (الباء) وحرف (بين) وكما أن الطواف بالبيت يعني الدوران حوله فكذلك الطواف بالصفا والمروة يعني الدوران حولهما.

ولقد ورد النص على الطواف بهما مطلقاً غير محدود بعدد معين من الأشواط أو المرات تماماً كما ورد النص على الطواف بالكعبة، وسبقت الإشارة إلى أن المطلق في القرآن ينبغي أن يفسر على إطلاقه ما لم يقيده القرآن ذاته. ولذلك فإن الأمر متروك للحاج بحسب طاقته، مع مراعاة أن الطواف بهما يتطلب الوفرة والإكثار لقوله تعالى { أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } بتشديد الواو كما في الطواف بالبيت العتيق.

(4) الإفاضة من عرفات {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} (البقرة 198).

عرفات جبل صغير يبعد عن مكة المكرمة بثلاثين كيلومتراً، ويقول الله تبارك وتعالى{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } (يونس 61) وأي شيء أجدر بالإفاضة فيه في عرفات من تلاوة القرآن الكريم وإقامة الصلاة وفعل الخيرات، فهو يوم حر كما يعرف في الضيافة الرسمية فرض فيه على الحاج أن يقيم في عرفات ما شاء له الله أن يقيم يوماً أو يومين ليفيض فيما يأذن له الله أن يفيض فيه دون أن يقيده بأفعال أو حركات معينة غير تلك التي فرضت في الأوقات العادية كالصلاة في أوقاتها والوضوء لها. هنالك في مكة أو بعد حين في المزدلفة أو عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم تحدد ما يجب على الحاج أن يقوم به من طواف أو صلاة أو ذكر أو قيام، أما في عرفة فهو ليس مقيد بشيء وإنما هو حر طليق فيما يأذن له الله أن يفيض فيه فله أن يفيض في تلاوة القرآن كما له أن يفيض في الصلاة أو الدعاء أو فعل الخيرات، يوم حر يتقرب فيه الحاج إلى ربه كيف يشاء وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أيهم أسرع إلى رحمة ربه وأقربهم من رضوانه تبارك وتعالى.

(5) المشعر الحرام : { فإذا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ .} (البقرة 198).

والمشعر الحرام مسجد غير مسقوف شأن كثير من المساجد في الحجاز وأولها المسجد الحرام ذاته ويقع في المزدلفة في منتصف المسافة بين مكة وعرفات على الطريق بينهما والقيام فيه لذكر الله واجب لورود النص عليه بصياغة الأمر، ومن المؤسف حقاً ألا يقف الحجيج به إلا لجمع الجمرات ثم ينصرفون عنه للإقامة في منى ثلاثة أيام. وكأنما سبق ذلك علم الله العلي القدير علام الغيوب فأكد على هذا المنسك بقوله { فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } وقد بين المولى تبارك وتعالى في كتابه العزيز كيف يكون ذكره وخير الذكر ما كان بالذكر الحكيم في صلاة أو دعاء أو تسبيح.

(6) العمرة { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (البقرة 169).

العمرة هي عمارة المسجد الحرام وهي واجبة للمساجد جميعاً وأولى المساجد بالعمارة هو أولها جميعاً ذلك الذي شيده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } (التوبة 18)، وإنما تكون عمارة المساجد بالبناء والترميم والتطهير والفرش والإضاءة والمصاحف والصلاة فيها والخلود إلى ذكر الله بها وغير ذلك مما تظل به المساجد عامرة بالخيرات داعية إلى اجتماع المسلمين بها على طاعة الله، وعمارة المسجد الحرام إنما تكون بكل ذلك وبأداء مناسكه المعروفة من طواف بالكعبة وبالصفا والمروة وبالصلاة في مقام إبراهيم.

ولئن كان الحج لا يجوز إلا في ميقاته بالأشهر الحرم، فإن عمارة المسجد الحرام تجوز في ميقات الحج وفي غير ميقاته مع وجوبها إذا كانت بحج لقوله تعالى { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } وبذلك تجوز العمرة بغير حج ولا يجوز الحج إلا بعمرة.

ويقع المسجد الحرام في بطن مكة حصيناً بجبالها التي تحيط به ويشتمل على الكعبة ومقام إبراهيم والصفا والمروة، وبتدفق الماء من بئر زمزم من داخله رحمة من الله بعباده المؤمنين حتى لا يظمأ احد وهو في ضيافة الله في بيته المحرم، ويحيط بكل ذلك جميعاً سور المسجد الحرام يضمه قائماً شامخاً مشرفاً للطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود.

ولئن كان من مناسك الحج الطواف بالكعبة والصلاة في مقام إبراهيم والطواف بالصفا والمروة، فإن ما يجب للمسجد الحرام فيما يجب له من العمارة على من يحج إليه في غير ميقات الحج الأكبر أو يفد عليه في هذا الميقات لعمارته بغير حج أن يفيض في الطواف بالكعبة والصلاة في مقام إبراهيم والطواف بالصفا والمروة وهو ما يستنبط من قوله تعالى { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا.} إذ إن هذا النص يدل على أن الطواف بهما يعتبر من عمارة المسجد الحرام التي يعمر بها ولو بغير حج، وإذا كان النص قد ورد على الطواف بالصفا والمروة في العمرة بغير الحج فذلك ينصرف بداهة ومن باب أولى إلى الطواف بالكعبة والصلاة في مقام إبراهيم.

بقى من المسجد الحرام الحجر الأسود وهو يأخذ مكانه من الكعبة المشرفة قريباً من بابها، وإن صحت رواية المؤرخين في شأنه -الأمر الذي لم يثبت بقرآن- فالأرجح في رأينا أنه إنما وضع في هذا المكان كعلامة يبدأ منها الحاج بالطواف ثم يعود إليها فيكون قد طاف بها طوافاً كاملاً والله أعلم بأمره، فما ليس بقرآن فهو من الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً وهو على أي حال حجر من الحجارة التي بنى بها البيت العتيق.

وغني عن القول أن قيام أبعاض بعمارة المساجد بما يجب لها من العمارة يغني الكافة عن النهوض بها، إذ ليس في وسع كل مسلم أن يعمر كل مسجد في الأرض، إلا المسجد الحرام فقد فرض الله عمارته على كل مسلم يستطيع إليه سبيلاً. وعمارة المسجد الحرام واجبة في الحج خلال ميقاته المعلوم لقوله تعالى { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } فكما أن الحج لا يكون إلا في الأشهر الحرم فكذلك أوجب الله تعالى أن يعمر الحاج بيت الله الحرام في الأشهر الحرم، وليس على الحاج من حرج أن يحج قبل عمرته أو يعتمر قبل حجه متى قام بالحج والعمرة معاً خلال الأشهر الحرم، ويكفيه في ذلك الصلاة وذكر الله في المسجد الحرام لأن المساجد تعمر بالصلاة وبذكر الله فيها { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } (النور 36).

فإن أحصر الحاج بأن جاء في أواخر محرم ولم يبق له من الأيام ما يكفيه للاطمئنان في المناسك، فلا جناح عليه أن يؤجل العمرة إلى ما بعد انقضاء الأشهر الحرم، ولا تجوز العمارة في هذه الحالة إلا بالهدي { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي تقديم هدية إلى البيت الحرام { هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ } بحسب ما يستطيعه كل حاج محصر من وجده، ويفي بذلك تقديم الثريات أو الفرش أو خزائن المصاحف أو غير ذلك مما تعمر به المساجد من الهدايا على أن يكون ذلك قبل الحلاقة التي يختتم بها الحاج مناسكه وهنالك إدارة للمسجد الحرام يشرف عليها موظفون معينون لشؤون المسجد الحرام وهم أمناء على استلام الهدايا وإرشاد الحجيج إلى المناسب منها، ويقول القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيره لقوله تعالى من سورة الفتح { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } الهدي ما يهدى إلى مكة، فهو يتفق معنا في معنى الهدي ويختلف مع الذين يظنون أنه ذبح الأنعام.

وكذلك فإن الحاج الذي يفد إلى البيت الحرام من قبل الأشهر الحرم كأن يكون حاضراً صيام رمضان أو وافداً عليه من قبل فإن بوسعه إن شاء أن يعتمر ثم يحج بحلول ميقات الحج المعلوم، وتجب العمرة في هذه الحالة أيضاً بالهدي وبحسب ما يتيسر له من وجده { فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } فإن لم يجد جاز له أن يصوم ثلاثة أيام في الحج أي بعد أن يحل ميقاته وسبعة بعد أن يعود من حجه إن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، أما إن كان أهله معه في الحج فيجب صيام الأيام العشرة كلها في الحج ذلك لأن الأهل في هذه الحالة عون على الصيام.

(7) البُدن { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . }(الحج 36).

والبدن جمع بدن (مفرده بفتح الباء والدال) كخشب كما في قوله تعالى { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } (المنافقون 4) جمع خشب (بفتح الخاء والشين مفردة) وهي للدلالة على ما يؤكل من أبدان الأنعام إذ أن ذلك هو الغاية من نحرها، وقد وردت مطلقة لا تقييد فيها شاملة للأنعام جميعاً لأنها كلها ذات أبدان فلذلك يجوز نحر الإبل والبقر والغنم والمعز.

وقد فرضها الله من شعائر الحج واجبة على كل حاج لا سبيل للتحلل منها بأي فداء ولا تجوز الاستعاضة عنها بأي صدقة لورودها في القرآن بغير استثناء منها، وليس صحيحاً ما يقوله أبعاض حول النحر في الحج مما يحدثه من تلوث أو مما يتراكم منه في الأحياء والميادين فليس كل من في الحج حجيجاً بل هنالك الفقراء الذين يأتون لخدمة الحجيج في الحج وكلها أفواه تطعم وتعرف قيمة الطعام خاصة إن كان منها ما طاب من البدن، وإنك لترى الذبيحة قد اختفت بعد دقائق من نحرها ولا تجد لها أثراً فإما طعمها فقير أو حملها إلى داره ليحفظها قديداً، ثم يخف رجال الصحة العامة في الحجاز بناثرات المساحيق المطهرة فلا يعلق من آثارها في الهواء شيء، من بعد اختفائها من الأرض .. ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد.

ويجب ذكر اسم الله عليها عند نحرها خالصاً لوجه الله وابتغاء مرضاته فإذا وجبت جنوبها فللحاج أن يأكل منها وأن يطعم منها كل طاعم سواء كان قانعاً أم غير قانع.

(8) ذكر الله { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ . وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ .‏ } (البقرة 200-203).

أوجب الله تبارك وتعالى بعد أن يفرغ الحاج من أداء مناسكه وعمارة المسجد الحرام على نحو ما سلف أن يخلد الحاج لذكر الله كما علمه الله في كتابه العزيز، وخير الذكر تلاوة القرآن والدعاء بآياته وخاصة بتلك التي وردت على لسان الأنبياء هنالك في أول بيت وضع للناس مباركاً.

ويجب أن يكون الخلود إلى ذكر الله بعد الفراغ من المناسك التي سبقت الإشارة إليها لقوله تعالى { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ } كما يجب أن يكون لعدة أيام لقوله تعالى { وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } بصيغة الجمع وأقلها ثلاثة أيام، وإنما يرخص الله لمن كان في عجلة من أمره أن يكتفي بيومين وهو الحد الأدنى وبسبب العذر لقوله تعالى { فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } كما يحل له أن يتأخر ما شاء الله له أن يتأخر ابتغاء مرضاة الله وتقواه { وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى } وبذلك فإن البقاء لذكر الله في الحج واجب لا يحل للمسلم أن يتحلل منه لفرضه بصيغة الأمر وأوامر الله التي لا يستثنى منها واجبة الطاعة، وينبغي ألا يقل عن ثلاثة أيام إلا لعذر وبحد أدنى لا يقل عن يومين ولا يستحب التأخر إلا في طاعة الله وابتغاء مرضاته.

(9) قص الشعر { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (البقرة 196).

الحاج المحصر هو الذي أوشك أن يفوته ميقات الحج من حصار بأن يحصر في الأيام القليلة الباقية له من شهر محرم، فيحل له أن يفرغ لأداء مناسك الحج فإن بقى له من شهر محرم ما يكفي لعمرته كان له ذلك وإلا فإنه يجوز له أن يعتمر بالهدى بعد فوات الميقات.

وقد ورد النص على حلاقة الرأس في مثل هذه الحالة للدلالة على أن حلاقة الرأس إنما تجب بعد الفراغ من الحج ومن العمرة، ذلك أن الحاج الذي يحضر فيحج في آخر محرم ولا يتسع له الوقت للعمرة إلا من بعد فوات ميقات الحج فيعتمر بالهدى لا يكون قد بقى له في الحج إلا الرحيل. وحلاقة الرأس واجبة على كل حاج لقوله تعالى { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } أي احلقوا رؤوسكم بعد أن يبلغ الهدى محله، وما وجب على حاج بتجريد واجب على الآخرين بتجريده وميقاته عند العزم على الرحيل.

وحلاقة الرأس إنما تكون بالحلاقة المعتادة وهذا يقتضي نظافة البدن وحسن المظهر فإن الناس لا يذهبون إلى الحلاق شعثاً غبراً، وذلك لحكمة ظاهرة حتى يعود الحاج إلى قومه نظيف البدن حسن المظهر يسعى نور الإيمان بأيمانه وشمائله فتقر به أعين القوم ويحن شوقهم إلى الحج وقد تكون له حكمة صحية أو غير صحية عدا ذلك الله أعلم بها.

وإنما يجوز للحاج إن كان مريضاً أو به أذى من رأسه يقعده عن الحلاقة أو يمنعه منها أن يفتدى بالصيام ويجوز بيوم واحد أو أكثر في الحج أو بعد رجوعه منه لورود النص عليه مطلقاً من أي قيد والمطلق يجري على إطلاقة ما لم يقيده نص آخر في القرآن ذاته، كما يجوز بصدقة يؤديها الحاج ليتيم أو فقير أو مسكين أو لمن تجب لهم الصدقة من غير هؤلاء والأولى منهم الأقربون، ويجوز كذلك بأداء منسك من المناسك كطواف بالبيت العتيق أو صلاة في مقام إبراهيم أو طواف بالصفا والمروة أو خلود إلى ذكر الله عند المشعر الحرام أو إفاضة في عرفات.

آداب الحج

يجب على المؤمن مراعاة قواعد الآداب والسلوك العامة التي ورد النص عليها في القرآن إتباعاً دقيقاً مؤمناً، وأولى الناس بإتباع ذلك الحجيج في الحج الذي فرض في الأشهر الحرم، فهم في حج وهم عند أول بيت وضع للناس وهم في أشهر حرم.

{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } (التوبة 36).

{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . }(الأعراف 31-32).

وقد يكون غنياً عن البيان إن أولى المساجد بالزينة هو أول مسجد بني في الأرض بيد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فلا ينبغي للحجيج أن يدخلوه شعثاً غبراً بل ينبغي عليهم أن يأخذوا له أحسن ما يكون عندهم من زينة بالقدر الذي لا يصل إلى حد الإسراف، فعليهم بطهارة البدن ونظافة الهندام وحلاقة الرأس ومن كان حليق الوجه فعليه أن يداوم على حلاقته وحقيق بذي اللحية والشارب أن يهذب منهما وعلى الحاج أن يحرص على الطيب بغير إسراف لأنه من الزينة وعليه أن يحرص على تقليم أظافر يديه ورجليه، وخير الملبس في الحج ما اعتاد عليه أهل الحجاز من جلباب فضفاض وحطة الرأس بعقال أو بغير عقال ونعال جلدي خفيف وملابس داخلية لامتصاص العرق.

{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً . } (الجن 18).

فيجب أن تكون الدعوة في المساجد خالصة لوجه الله لا يبتغي بها المؤمن غير وجه الله، وأولى المساجد بذلك المسجد الحرام { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . }(الحج 25) ويجب على الحجيج أن يكونوا رحماء بينهم قدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (الفتح 29).

كما يجب على الحاج في الحج أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر بغير جدال وأن يصبر على ما يصيبه في الحج وألا يصعر خده للناس وألا يمشي في الأرض مرحاً وأن يقصد في مشيه وأن يغضض من صوته. { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .} (لقمان 17-18) وعلى الحجيج أن يفسحوا في مجالسهم في الحج حتى لا يضايق بعضهم بعضاً { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . } (المجادلة 11) وعليهم أن يجتنبوا لهو الحديث واللغو فيه.

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (لقمان 6) وغير بعيد من البيت الحرام في المدينة المنورة هنالك في يثرب الحبيبة كما يسميها أهل يثرب الكرام بحق قبر الحبيب محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وبجواره وفي أنحاء متفرقة من حوله قبور الأحبة من صحابته الأخيار رضوان الله عليهم جميعاً، ومن حسن الأدب الذي نراه واجباً مفروضاً لا يحل للحاج أن يتحلل منه بعد أن منّ الله عليه بفضل الإقامة في هذه الديار المباركة أن يسعى خافضاً جناحيه ليقوم على قبره صلى الله عليه وسلم ويسعى إلى قبور صحابته خافضاً جناحيه ليقوم عليها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. {فإن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ . وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ .} (التوبة 83، 84). ويستنبط من هذه الآية الكريمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الموتى ويقوم على قبورهم وذلك بمفهوم المخالفة، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يمنع من هذه الصلاة وهذا القيام إلا لمن ذكروا في هاتين الآيتين الكريمتين، وبذلك تصبح الصلاة على الموتى والقيام على قبورهم من السنن التي يجب الإقتداء فيها برسول الله r ، أما عندما يتعلق الأمر بقبر رسول الله عليه الصلاة والسلام وقبور صحابته الأخيار الذين جاهدوا معه وقاتلوا في سبيل الله وهاجروا وحملوا الأمانة أول مرة فإن من حسن الأدب الذي لا يجوز التحلل منه أن يسعى الحاج إلى هذه القبور الطاهرة مبتدئاً بقبره صلى الله عليه وسلم ليقوم عليها خافضاً جناحيه بما يليق بشرف ورفعة وسمو أصحابها، وأي قبر من قبور المسلمين أولى بالقيام عليه من قبر الرسول وقبور الصحابة سلام الله عليهم جميعاً.

هذه هي مسيرة الحجيج كما يبينها الله تبارك وتعالى في آياته المفصلات، ولا نجد فيما أوحى إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من كتاب ربه ما يقيد الحاج بلباس معين لا يجوز الحج بغيره، أو بيوم من أيام الأشهر الحرم لا يصلح الحج إلا فيه، أو يسوغ له أن يلتفت عن ذكر ربه في المشعر الحرام ليلتقط من الحجارة ما يلقم بها نصباً في منى لم ينزل الله بها من سلطان.

ولا نجد كذلك فيما أوحى إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ما يفرض على الحاج في حجه مناسبات محددة معدودة للطواف بالبيت العتيق أو بالصفا والمروة، ولا عدداً محدوداً من الطواف يقل عما يستطيعه أو يزيد على طاقته بقدر جهده واجتهاده سواء عند البيت العتيق أم بالصفا والمروة ولا نكاد نجد فيما أوحى إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من كلمات ربه ما يعد الناس بالرحمة والمغفرة بغير الإيمان والعمل الصالح، فليس البقاء في المدينة لأربعين صلاة بل ولا الحج نفسه بالذي يأمن به الناس من عذاب ربهم { وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ .} (المعرج 27و28)، وإنما يفلت الناس من عذاب ربهم إذا أتوه بقلب سليم وجاؤوا بإيمان لم يلبسه الظلم وبعمل صالح كان خالصاً لوجهه تبارك وتعالى. ولا نجد فيما فرض علينا ربنا من القرآن دعاء أو نداء لا يكون الحج إلا به، بل الدعاء والنداء والذكر كله من القرآن وبالقرآن { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } (الإسراء 110).

ولقد يتساءلون عن الطواف في القرآن عن يمين الكعبة أم عن يسارها، وسيان الطواف بالبيت عن اليمين أو عن اليسار. والناس تطوف والكعبة عن يسارهم ولا تثريب عليهم في ذلك. ونبادر إلى القول بأنه لئن كان لإبراهيم عليه السلام كلمة باقية فإن لمحمد صلى الله عليه وسلم عملاً باقياً هو ما أثبته الكتاب وهذا الطواف، فلا نعرف في التاريخ أن الكعبة قد بقيت لحظة واحدة من ليل أو نهار، بلا طواف منذ أمر الله رسوله بالطواف بها وطاف مع المسلمين في البيت الحرام.

جاء في نزهة المجالس ومنتخب النفائس لعبد الرحمن الشافعي، الصادر عن المكتبة الشعبية (بيروت) الجزء الأول، صفحة 186 (خمسة في الحج من أعمال المجانين : التجرد للإحرام، ورفع الصوت بالتلبية، ورمي الحجارة في الجمرات، والهرولة في الطواف والسعي) ولم نقل إن هذا من أعمال المجانين، بل نقول إنه من التقليد الأعمى وليس من القدوة الحسنة في شيء.

يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه (المجتمع الإسلامي) الطبعة الثالثة، 1967 : (وجاءت عصور التقليد أو عصور الظلام، وإذا كان المجتهد يجل اجتهاد الآخرين فذلك لإدراكه ما يستلزمه الاجتهاد من كدح ذهن وسعة إطلاع، أم المقلد فقد عاش على حساب المائدة التي أعدها شيوخ مذهبه، وأصبح يرى كل رأي خالفه باطلاً ويرى كل مذهب ضالاً إلا مذهبه، وشب بذلك عداء طويل بين المذاهب المختلفة وأسفر العداء عن معارك طاحنة. وحسبك أن تقرأ في معجم البلدان لياقوت لترى أنه في عدة مواضع يقول : وقد خربت هذه البلدة بسبب الخلاف بين الشافعية والحنفية) .. ألا أنها ظلمات بعضها فوق بعض ولا مخرج منها إلا بكتاب الله وحده مفصلاً ومفسراً وميسراً لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home