Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 20 December, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

     
     

كتاب "البيان بالقرآن" (28)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى } (طه 135).

يوم الحسرة

أولاً : الانتظار

قد نطلب من علماء التشريح أن ينسوا كل ما تعلموه في معاهدهم ثم نسألهم إن الله تبارك وتعالى سيجعل لهم أعيناً تبصر وآذاناً تسمع وعقولاً تفكر وتدبر وتأمر وتقدر وأنفاً يشم ولساناً يتكلم ويتذوق الطعام والشراب ورئتين وكليتين ويدين يتميز بهما عن سائر خلق الله في الأرض فيمسك بهما قلماً يكتب به ليقرأ الناس ورجلين يمشي بهما سوياً في أرض الله وأجهزة للهضم وأخرى تحس وتتناسل وغير ذلك مما لا يقع تحت طائلة الحصر في علم التشريح.. ثم نطلب منهم أن يقدروا حجم هذا الجسم الذي يوضع فيه كل ذلك بتناسق عجيب، لا يضيق عضو بأخر ولا يختلف عنه.. ولا يسبق عضوٌ نشاط عضو آخر بل يعمل كل عضو في خدمة الأعضاء الأخرى في تناسق بديع كل يستمد أسباب الحياة من مضخة واحدة هي القلب الذي يدفع الدم عبر قنوات تضيق وتتسع ولا تتوقف فيها حركة الحياة لحظة واحدة.. لقد أثبت العلماء الأجلاء أنه لا يمكن صنع جهاز يقوم بعمل مخ الإنسان المخ وحده إلا بحجم الكرة الأرضية سبع مرات.. ولكن الله سبحانه وتعالى وضع كل ذلك في جسم لا يصل إلى مترين إلا قليلاً.. ثم وضع كل ذلك في أجسام أخرى لا تتجاوز بضعة سنتيمترات كالقرد وزاده ذيلاً يتسلق به الأشجار.. أو العصفور وزاده جناحين يطير بهما.. أو الضفدعة وزادها جهازاً تتنفس به تحت الماء.

فلماذا يعجب العلماء إذا وضع الله كل العلم في كتاب لا يزيد على خمسمائة صفحة ليسهل حمله وحفظه وتدبره.. ويصر بعض هؤلاء على أنه بهذا الحجم لا يكفيهم ولا يغنيهم عن تلك الأسفار التي لم تكن عديمة الجدوى فحسب بل كانت متاهة وضلالة عن الحق الذي أنزل إلينا مفصلاً ومفسراً وميسراً من لدن حكيم خبير.

{ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ} (الانشقاق 6). هذه هي حكمة الخلق الذي تركب به الإنسان وجاء به إلى الأرض.. الهبوط من الغيب.. ثم العودة إلى لقاء الله عبر جسر الحياة الدنيا.. حياة قصيرة.. ولكنها في حقيقتها انتظار دائم.. ويختلف الناس أكثر ما يختلفون فيما دأبوا على انتظاره.. أكثر الناس ينتظرون منافع ذاتية.. فرب البيت ينتظر منافع أهل بيته.. وبعض الناس من القادة والزعماء والسياسيين ينتظرون منافع قومهم.. وبعض المفكرين والعلماء ينتظرون منافع الإنسانية.. وكثير غير ذلك من الانتظار مما يدخل في نطاق الطموح الإنساني أو التطلع البشري.

ولكن المؤمن لا يرى في حياته إلا انتظاراً واحداً أبعد من كل ذلك.. وآخر شيء وراء كل تطلع أو طموح.. انتظار اللقاء العظيم بالله الأعظم يوم القيامة.. وليس هذا الانتظار بالأمر الصامت أو الموقف السلبي.. بل هو الحركة الدائبة في التزام دقيق بما ينبغي له أن يقف بين يدي ربه يوم اللقاء العظيم.. لقاء الإنسان بعالم الغيب والشهادة.. وليس لقاء الغائب بمن كان غائباً عنه.. لقاء الله الذي يسأل عن حبة الخردل في ظلمات البر والبحر ليزن كل شيء بمثقال الذرة فيجزي كل سيئة بمثلها ويضاعف الحسنة لمن يشاء إنه هو العليم القدير.

{ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (الروم 55، 56). كل البشر كانوا يقيسون الزمن في انتظارهم يوم كانوا في الحياة الدنيا.. فأما الذين أجرموا فكانوا يقيسونه بالساعات ويحسبون أنهم يعيشون أعمارهم في أزمنة تقاس أبعادها قياساً معدوداً ساعة بعد ساعة.. فلما بعثوا يوم القيامة أدركوا أنهم لم يلبثوا في الأرض إلا ساعة واحدة لا قيمة لها في الإحصاء الحقيقي.. وأما الذين أوتوا العلم والإيمان فقد كانت كل حساباتهم ليوم القيامة.. كانوا إذا أدركوا ساعة حسنة في الحياة الدنيا لم يفرحوا بها، وإذا أدركوا فيها ساعة سيئة لم يحزنوا عليها.. لم يكونوا ينتظرون تقلبهم في الساعات، بل كانوا يتجاوزون كل ذلك بصبر جميل وإيمان ثابت إلى الانتظار الأكبر يوم يبعثون في مشهد يوم عظيم ليقولوا للذين أجرموا ما كان ينبغي لهم أن ينتظروه من وراء ساعات الحياة الدنيا { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } وكان يستوي في حسابات الحياة الدنيا ساعة من حسنة أو ساعة من سيئة على سواء.. إذا جاءتهم الحسنة شكروا الله بها وحمدوه عليها، وإذا أصابتهم السيئة صبروا عليها واستغفروا ربهم وأنابوا إليه.

ويضرب الله الأمثال للفريقين ليتبين الناس سبيلهم وهم ينتظرون في الحياة الدنيا { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ. أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }(الزمر 8، 9). ذلك رجل يقيس الزمن بساعات المكسب والخسارة في الحياة الدنيا فإذا مسه الضر لم يصبر عليه بل ظل يتعجل النعمة حتى إذا جاءته النعمة نسي ما كان يدعو إليه ومضى سادراً في غيه قانعاً بما يتمتع به راضياً بكفره، وذلك رجل يقيس الزمن بمقاييس الآخرة فتراه قانتاً آناء الليل ساجداً وقائماً لا يتعجل الكسب ولا يفرح به ولا يضيق بالخسارة ولا يأسف عليها بل يحذر الآخرة ويرجو رحمة الله أولئك الذين يتذكرون من أولي الألباب.

وعندما تتبدل الأرض غير الأرض.. وتتبدل الساعات غير الساعات.. ويقف الناس بين يدي الله يوم القيامة.. هنالك يدرك الذين ظلموا أنفسهم أنهم كانوا يلهثون وراء السراب { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (النور 39). أعمال الذين كفروا كلها كسراب.. الكافر هو الذي حجب نفسه عن الحق تبارك وتعالى فلم يبتغ وجه الله فيما كان يعمل في الحياة الدنيا، بل كانت كل أعماله في الحياة الدنيا لذاتها لا يتجاوزها ابتغاء وجه الله في اليوم الآخر.. وما الحياة الدنيا إلا متاع زائل.. وكل ما كان زائلاً فهو سراب.. وليس أشد رسوخاً في الحياة الدنيا من الجبال، ومع ذلك فهي من الحياة الدنيا إلى زوال كالسراب { وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً } (النبأ 20). وإنما يلهث الكافر هلوعاً وراء السراب لا يكفيه شيء ولا يكاد يرضى عن شيء.. أما المؤمن فإنه يتعلم بكلمات ربه كيف يتحرك من الحق بالحق إلى الحق.. كل شيء عنده يقاس برضاء الله.. لا يلفظ من قول ولا يعمل من عمل إلا ابتغاء وجه الله.. إنسان منضبط بقواعد ثابتة كالكوكب الذي اتخذ لنفسه مساراً عظيماً في فلك السماء.. لا يشعر بالسعادة إلا في الاقتراب العظيم من الله رب الأرض والسماوات العلي بعيداً عن الضجيج وعن الذين يُفسدون في الأرض { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } (العلق 19). السجود لله آناء الليل وأطراف النهار فرضاً أو نفلاً في طاعة تامة واستقامة على دين الله.. بذلك يقترب الإنسان من الله فيحس بالأمن والسعادة والاطمئنان من ذاته ولو لم يكن على شيء من متاع الحياة الدنيا وزخرفها.. لأنه يقترب من الرحمة والحق والود والإحساس بالسعة والعظمة والعزة والشعور بالقوة والخلود حتى يرى الموت إغفاءة من بعدها نشور دائم ولا يرى الحياة الدنيا كلها إلا ساعة لهو عابرة من نهار عقيم.

الإنسان مخلوق أزلي ظهر في علم الله في الخلق الأول ليشهد أن الله سبحانه وتعالى هو ربه الأعلى وليحمل أمانته.. ثم غاب من بعد ذلك ليظهر مرة ثانية بالولادة في الحياة الدنيا ليمتحن في أمانته ويشهد بنفسه على نفسه.. ثم يغيب من بعد ذلك بالموت ليظهر مرة أخرى يوم القيامة لحياة لا موت له من بعدها في أصحاب الجنة أو في أصحاب السعير { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } (البقرة 28). يومئذ يقول الذين كفروا { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} (غافر 11).

عندما ظهر الإنسان في الخلق الأول وشهد أن الله هو ربه الأعلى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا } (الأعراف 172). وحمل الأمانة راضياً مختاراً ورفضتها السماوات والأرض والجبال { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (الأحزاب 72). إن الله سبحانه وتعالى قد علم أن الإنسان كان جاهلاً بحجم هذه الأمانة وخطرها ظالماً إذ حمل نفسه تكاليفها ومشقة السؤال عنها، حتى نكاد نحس بما أصاب ملائكة الرحمن من الذعر عندما نسمع صيحتهم يوم قال الله لهم وهو علام الغيوب إنه سبحانه وتعالى سيخلق خلقاً مخلفاً ليسير نفسه بنفسه { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء } (البقرة 30). صيحة ذعر وإشفاق ولكن الله سبحانه وتعالى قد علم أنها أمانة من إذا علمته استطاع إن شاء أن يتعلم وأن يعلم الناس ما تعلم.

هنالك حدد الله للإنسان أجلين.. الأجل الأول يوم البعث.. والأجل الأخر ميقات ظهور الإنسان في الأرض من الولادة إلى الموت { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } (الأنعام 2). أجلان.. أجل في الحياة الدنيا.. وأجل يوم القيامة حين تقوم الساعة { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } (الأعراف 187). فذلك يوم القيامة لا يعلمها أحد غير الله ولم يعلمها أحد في السماوات والأرض إلا الله، ولذلك وصف في الكتاب بأنه أجل معدود في علم الله تحدد حسابه عند الله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} (هود 103، 104). وكذلك وصف في الكتاب بأنه أجل حتمي لا ريب فيه { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً }(الإسراء 99).

أما آجال الناس في الحياة الدنيا.. فقد وصفت بغير ذلك.. فعندما نتتبعها في كتاب الله نجدها قد وصفت بالأجل المسمى{ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الزمر 42). وفي هذه الآية الكريمة يتبين بجلاء لا لبس فيه أن الموت كالنوم سواء بسواء، ولكن النفس في الموت لا تعود بعد وفاتها إلا في يوم القيامة، بينما برسل الله نفس النائم حتى يبلغ أجله المسمى.. أين تسلك النفس في الغفوتين.. لا يعلم ذلك من أحد غير الله.. ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها أن اليقظة في الأولى كاليقظة في الأخرى.. وأن بين اليقظة والأخرى غيب له قيمته عند الله { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام 162). يهب رسول الله صلى الله عايه وسلم لربه كل شيء.. صلاته ونسكه.. محياه.. ومماته.. ولو كان الموت عدماً كما يقولون لما وجد رسول الله صلى الله عايه وسلم في الموت شيئاً يهبه لربه.. ولكن الحياة هي الشهادة، والموت هو الغيب.. وسبحانه الله عالم الغيب والشهادة.

{ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الأنعام 60). وتؤكد الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتوفى الأنفس في منامها وهو الذي يبعثها في يقظتها.. فنوم الإنسان وفاة ويقظته بعث حتى ينقضي ذلك الأجل المسمى في الحياة الدنيا.

في أول رسالة فيما نعلم من كتاب الله بعث الله نوحاً عليه السلام ليذكر بالأمانة التي حملها الإنسان في الأرض وليتذكر الناس العهد الذي شهدوا به بين يدي الله إنه سبحانه وتعالى هو ربهم الأعلى { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ. يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (نوح 2-4). بيان بأن الناس في الأرض مؤخرون إلى أجل مسمى.. فإذا جاء أجلهم المسمى فإنه لن يؤخر لأنه من أمر الله وكان أمر الله قدراً مقدوراً.. وكان أمر الله مفعولاً.

وجاءت رسل الله جميعاً من بعد نوح إلى رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عايه وسلم تؤكد هذه الحقيقة وتذكر بها { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ. قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى} (إبراهيم 9، 10).

كل إنسان يظهر في هذه الدنيا إلى أجل مسمى.. سواء مات طفلاً أم صبياً.. أم رجلاً سوياً أم شيخاً تردى إلى أرذل العمر { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (غافر 67).

الطفل كالشيخ كلاهما يموت لأجله المسمى.. ولا يموت إلا في أجله المسمى.. لا ترد أعمارنا في الحياة الدنيا من الولادة إلى الموت في هذا القرآن إلا مقترنة بهذه الصفة.. حياة من خلق الله سبحانه بالحق إلى أجل مسمى قريب أو يجعل الله له أمداً.

ما كان ينبغي أن يفسر هذا القرآن إلا بكلمات الله.. وما أظن أن رسول الله صلى الله عايه وسلم كان يفسر آيات الله إلا بكلمات الله تبارك وتعالى {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِير} (الفرقان 33).

{ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } (الحج 5). فالأجل المسمى في هذه الآية الكريمة يرد بمعنى الأجل المعلوم.. إذ يخرج الإنسان طفلاً بعد أجل معلوم في رحم أمه.. أجل يعلمه الأبوان ويعلمه كل من أحاط بهما من الأهل والجيران.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } (البقرة 282). ويرد الأجل المسمى في هذه الآية الكريمة بمعنى الأجل المعلوم الذي تم الاتفاق عليه بين المتعاهدين.. وربما نسي أحد المتعاهدين ذلك الأجل أو نكره من بعد ولكن شيئاً من ذلك لا يغير من حقيقته شيئاً.. فهو رغم ذلك أجل مسمى ولذلك أوجب الله كتابته صغيراً أو كبيراً.

وبهاتين الآيتين الكريمتين يتبين أن الأجل المسمى هو الأجل المعلوم الذي يتم التعارف عليه.. وبذلك فإن الإنسان لم يكن مخيراً في حمل الأمانة، بل كان مخيراً في مدة حملها في الحياة الدنيا.. وربما يفسر ذلك وفاة الكثيرين في سن مبكرة أو بعد أيام قليلة من الولادة في كثير من الأحيان.. فربما لما سمع هؤلاء قول ربهم { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } (الأعراف 172، 173). تهيبوا أمر ربهم وأرادوا الرجوع عما أقدموا عليه من العهد فاختاروا لأنفسهم أقل الآجال أو أبعدها عن السؤال.

وربما كان الأجل المسمى هو المخرج الوحيد للإنسان بعد أن عقد العزم بين يدي الله على تحمل الأمانة.. فإن العهد كان عند الله مسؤولاً { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } (ق 29). فجعل للإنسان من رحمته مخرجاً باختصار أجل ابتلائه في الحياة الدنيا.. وحتى توفى كل نفس أجلها الذي علمته وتعاهدت عليه، فقد تأذن الله سبحانه ليبعثن على كل نفس حفظة تضمن لها بقاءها في الأرض إلى أجلها المسمى { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ} (الأنعام 61). وربما تفسر هذه الآية خروج بعض الناس أحياء من طائرات تهوي محترقة كقطعة من الرماد، أو نجاتهم من موت محقق بغرق أو مرض أو غير ذلك من المهالك القاتلة.

لا يموت الإنسان إلا إذا وفى أجله الذي علمه وتعاهد عليه بعد ساعات من الولادة أو بعد أيام أو بعد قرون.. { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً } (آل عمران 145). تماماً كالدين الذي كتب إلى أجله المعلوم والذي تم التعارف عليه {وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ } (البقرة 282). ولا سبيل لتقديم أجل الله أو تأخيره بأي سبب من الأسباب.. فالحفظة يحفظونه إلى أجله المعلوم ولا يتوفاه من أحد إلا رسل الله بإذنه وهم لا يفرطون { وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (المنافقون 10-11).

ولا سبيل إلى تذكر ما كان من الخلق الأول من الشهادة والعهد إلا عندما يصبح البصر حديداً يوم القيامة { لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (ق 22). هنالك يقول الإنسان { رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا } (الأنعام 128).

ولا يخلف الله الميعاد.. فبرغم ما يصنع البشر في الأرض من الفساد وسفك الدماء والخبائث إلى إن بلغ في كثير من الأحيان حد الكذب على الله وعلى رسله وعلى ملائكته وكتبه، فإن الله من رحمته وحلمه وحكمته يأبى إلا أن يتركهم جميعاً إلى آجالهم التي ارتضوها لأنفسهم وكتبها لهم { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } (النحل 61). { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } (فاطر 45). ولم يكتف البشر بما ظلموا في الأرض أو بما كسبوا فيها من الإثم بل إنهم أحياناً يتحدون العذاب استكباراً في الأرض ومكر السيء ويأبى الله سبحانه إلا أن يتم عهده إلى مدته { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } (العنكبوت 53).

ويتبين من ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى عن الفساد في الأرض ولا عن الإثم والبغي فيها بغير الحق ولا يأمر بالفحشاء.. فكل خلقه قد استقام على سننه سبحانه وتعالى في فلك عظيم، وتحدد مساره بدقه وإتقان يحار لهما العلماء لأنه خلق رفض الأمانة وترك تنظيمها لله فاستقام فيها كل شيء.. أما الإنسان فهو المخلوق الوحيد الذي احتمل الأمانة ورضى أن يسير نفسه في فلك الحياة وقبل الأجل المسمى.. فكان له ذلك فتراه يتخبط في سيره لا يكاد يستقيم إلا قليلاً.. ويأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يتركه في أجله المسمى لا يؤاخذه بظلمه ولا بما يكسب من الإثم والبغي بغير الحق.. وترتفع الصيحات من حين لآخر.. كيف يرضى الله عن الظلم.. والله لا يرضى عن الظلم.. ولكن الناس في غفلة عن الأجل الذي أجل الله لهم، وينسون أنه شاء لهم ما اختاروا لأنفسهم بأنفسهم في الحياة الدنيا ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (غافر 67). هذه هي مراحل الخلق.. الخلق الأول من التراب عندما قبل الإنسان حمل الأمانة وشهد أن الله هو ربه الأعلى وسمع تحذير ربه أن يقول يوم القيامة أنه كان غافلاً عن هذا أو أنه كان يتبع آباءه فيما كانوا يشركون.. ولا يبدل القول عند الله.. فلم يكن ثَم مخرج إلا في الأجل المسمى.. فمن الناس من يتوفى في بطن أمه ومنهم من يتوفى طفلاً ومنهم من يتوفى شيخاً ومنهم من يرد إلى أرذل العمر.. لا تموت نفس إلا بإذن الله الذي علم الأجل المسمى وحفظه وما كان ربك نسياً، ومن دون ذلك حفظة يحفظونه من أمر الله ولو هوت بهم الطائرات المحترقة أو سقطوا من قمم الجبال في النار.

وشرع الله للناس ديناً قيماً وأقام لهم برسالاته طريقاً مستقيماً.. ومع ذلك فلا يكاد الناس يتلقون العلم من ربهم حتى يتفرقوا فيه.. مرتين يستبدلون بكتب الله كتباً ما أنزل الله بها من سلطان.. فلما أنزل عليهم الكتاب المحفوظ هجروه وتراهم يشمئزون إذا ذكروا به ولا يستبشرون إلا بما تفرقوا فيه.. ومع ذلك فلا يقضي بينهم حتى يبلغوا الأجل المسمى كما فعل الله بأشياعهم من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ. وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } (الشورى 13، 14).

المؤمنون الذين أدركوا حقيقة الأجل المسمى. وعلموا من ربهم أن لهم حفظة يحفظونهم ورسلاً يتوفونهم.. وأدركوا أكثر من ذلك أنه لا يصيبنهم إلا ما كتب الله لهم في آجالهم.. أولئك لا يخشون أحداً إلا الله.. كانوا يعلمون ما في قلوب المشركين الذين يكذبونهم فلا يخافون كيدهم بل كانوا يتحدونهم ويسألونهم أن يكيدوا لهم إن استطاعوا.. من أول رسالة فيما نعلم من كتاب الله إلى آخر رسالة بعث بها محمد رسول الله صلى الله عايه وسلم كان الأنبياء والصالحون الذين اتبعوهم بإحسان لا يخشون المكذبين { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ } (يونس 71). وجاء من بعده هود عليه السلام { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } (هود 54-56). وظلت الدعوة إلى دين الله بالحق سبيل المؤمنين. يعلنونها ولا يخفون منها شيئاً.. يجاهرون بها ولا يستخفون الناس فيها.. يتحدثون بها ولا يتآمرون عليها.. ينتظرون كيد المكذبين ولا يكيدون من أجلها.. حتى بعث محمد رسول الله صلى الله عايه وسلم فقال للمشركين قول الحق من الله تبارك وتعالى { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ.‏ إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } (الأعراف 195-197).

المؤمن الذين يتلقى العلم وحياً من ربه كالكوكب في مساره في الحياة الدنيا.. يعرف أن له فلكاً مستقيماً لا يحيد عنه.. ويعرف أن لغيره أفلاكاً فلا يصطدم بها.. وكذلك يراه الناس علياً قويماً شامخاً مهيباً يستضيئون بنوره ولا يجدون لهم مصطدماً به.. أولئك على نور من ربهم {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} (النور 40). وأولئك الذين لم يركنوا إلى الأرض بل اتبعوا كوكبهم العظيم محمد رسول الله صلى الله عايه وسلم في فلكه العظيم الذي رفعه الله إليه بكتابه العزيز ليقود مجرة من المؤمنين إلى رضوان الله.

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} .

وكل كوكب وكل مجرة تنتظر في فلك الله إلى أجل مسمى { مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} (الروم 8) {مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } (الأحقاف 3). وإذا تدبرنا الكواكب في مجموعتنا الشمسية وهي تسير في فلكها العظيم لا تصطدم ببعضها ولا يصطدم بها أحد بل تسبح آمنة في فلك محدد تتآلف فيما بينها وتتعايش في مجموعة متميزة عالية، نجد أن كل كوكب قد اتخذ لنفسه ما يسميه العلماء بالقوة الطاردة المركزية التي تنشأ عن حركة الكوكب وتتوقف على سرعته وعلى مداره. وهذه القوة الطاردة المركزية هي التي يسميها الله في كتابه العزيز الذي حدد لنا أفلاكنا بالإعراض { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ } (السجدة 30). إذا دخل ظالم في فلكك ليفسد عليك مسارك فأعرض عنه وانتظر لأنه في فلكه وفي مساره ينتظر كما تنتظر.. لتكن لك قوة إعراض مركزية تطرد هذا الدخيل الذي انحرف عن مساره وجاء يعترض مسارك.. وأحسن ما تكون هذه القوة عندما تحسن إليه وترده بالحسنى وتقول له في نفسه قولاً ليناً بالمعروف وترشده إلى مساره الذي ضل عنه عسى أن يتخذ لنفسه فلكاً ينتظر فيه أجله المسمى كما ينتظر المؤمنون.

إن المؤمنين لا يقتحمون أفلاك الآخرين.. إنهم كالمجرة في فلك السماء بعضهم أولياء بعض كل مؤمن منهم كالكوكب في هذه المجرة يعرف مساره الذي حدد له فيلتزمه التزاماً دقيقاً كما يعرف مسار غيره فيحترمه ويقدره تقديراً.. وهي مجرة عالية تدخل في السلم كافة وتدعو إلى طريق مستقيم وتعلم من ربها أن هنالك مجرات وكواكب أخرى قد تضل طريقها فتخرج عن مسارها لتقتحم عليها فلكها فهنالك تحاول أن تتجنبها بالإعراض عنها.. ومن هؤلاء القوم الذين أشركوا {لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام 106)، ومن هؤلاء القوم الذين يمكرون السيئات ويبيتون ما لا يرضى الله ورسوله والمؤمنون عنه من الأذى {وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه} (النساء 81)، ومنهم الذين يخوضون في آيات الله { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } (الأنعام 68)، والمؤمن ليس معرضاً بطبعه وليس ملزماً بالإعراض عن غير المؤمنين بل هو هين لين مقبل ودود لا يحمل في قلبه شراً لأحد ولا يريد إلا الخير لكل الناس فإن آمنوا معه فقد اتخذوا لأنفسهم سبيلاً في مجرته العالية وإن أعرضوا فما عليه من حسابهم من شيء أما إذا اقتحموا عليه مساره ليفسدوا عليه سبيله فليس عليه إلا أن يعرض عنهم بقدر اقتحامهم فإذا انتهوا فلا جناح عليه أن يقبل عليهم وأن يبادلهم سلاماً بسلام ومودة بمودة لا يعاديهم ولا يحرص على عدائهم {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (القصص 55)، ومن الذين يقتحمون على المؤمنين أفلاكهم القوم الجاهلون { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (الأعراف 199).. جهل الخلق وجهل الهدى فما له من فلك يستقيم عليه فهو كالذي يتخبطه الشيطان من المس.

وإعراض المؤمن ليس موقفاً سلبياً لمجرد حماية مساره في فلكه إلى الأجل المسمى بل هو موقف إيجابي من ثلاثة وجوه.. يضرب المؤمن بهذا الموقف المثل الأعلى والقدوة الحسنة للناس بما ينبغي لهم أن يلتزموه في مسالكهم في الحياة الدنيا.. ويدعو في فلكه الأسمى بدعوة ربه بالحسنى إلى صراط الله الذي أتقن كل شيء { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } (الحجر 94)، ويعظ الناس ويقول لهم قولاً ليناً بليغاً {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغ} (النساء 63)، ثم هو من بعد ذلك إذا أعرض عن أحد فإنه لا يعرض عنه إلا ابتغاء رحمة ربه ورضوانه.. {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } (الإسراء 28).

وليس أبعد عن أفلاك المؤمنين من الذين تولوا عن ذكر الله وآثروا الحياة الدنيا أولئك أجدر بالإعراض عنهم وأولئك في ضلال بعيد { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } (النجم 29، 30).

أولئك الذين أوجب الله على عباده المؤمنين أن يعرضوا عنهم ممن يقتحمون على المؤمنين مسارهم في آجالهم من الأقربين والجار والأصحاب في اختلاط الأفلاك بعضها ببعض.. أما الوالدان فلا إعراض عنهما مهما بلغ خطر اقتحامها على المؤمنين.. ذلك أمر الله أنزله على عباده رحمة من الله الذي يحفظ الفضل لأهل الفضل على عباده { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (لقمان 14، 15)، لا إعراض عن الوالدين مهما بلغا من اقتحامهما بل على المؤمن أن يصاحبهما مصاحبة بالمعروف لا يتولاهما ولا يعرض عنهما.

{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (المؤمنون 1-11)، الصلاة في ذاتها فرض كسائر ما فرضه الله على عباده المؤمنين.. ليس في القرآن ما يجعلها عماد الدين أو أحد خمسة أركان من أركانه فالقرآن كله هو عماد الدين.. والقرآن كله هو ركنه الوحيد.. وإنما الخشوع في الصلاة هو الذي يتقدم به المؤمنون.. لا شك إن إقامة الصلاة واجبة لله من الباقيات الصالحات عند الله العزيز الرحيم.. ولكن إقامة الصلاة أو المحافظة عليها في أوقاتها شيء والخشوع فيها للرحمن شيء آخر.. الأول يشعر أنه يؤدي واجباً عليه لله.. أما الثاني فإنه يشعر بأنه يحسن لنفسه برحمة يمن الله عليه بها نعمة من الله وفضلاً.. إنه يشعر بالاقتراب العظيم { كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }(العلق 19)، والعائد من الخشوع في الصلاة كالعائد من عند ذي العرش العظيم.. لا يجد له أذناً للغو فهو معرض عنه بطبعه.

{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ‏} (الشورى 51). { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } (الزخرف 3، 4)، الله سبحانه على حكيم وكتابه بين أيدينا بالحق علىٌّ حكيم.

واسم آخر من أسماء الله الحسنى ورد في القرآن في أربع آيات.. مرتان بالآيات التعريف ومرتان بدونها.. { رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } (هود 73) { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } (البروج 21) { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } (البروج 15). { ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} (ق 1)، ثم لا نجد أحداً من دون الله له صفة المجد إلا القرآن.. لا من الملائكة ولا من الأنبياء.. فويل للذين يهجرونه وويل للذين يظنون أنه لا يكفيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة على سواء.. وويل للذين يستبدلون به ذلك الأدنى من المفتريات والأساطير.

{ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } (المائدة 43)، تشير هذه الآية الكريمة إلى قضية جدلية خطيرة.. وتنبه المؤمنين إلى أنه ينبغي لهم أن يجادلوا على الكتاب كله.. فإذا قبله الناس كله غير عضين ولم يشركوا به كتباً أخرى فقد اهتدوا وإن تولوا عن ذلك فما أولئك بالمؤمنين.. أما التحكيم في بعض الأمر فلا يجدي في الجدل شيئاً.. كمثل اليهودي الذي يسأل المسلمين عن شحم البقر.. إنه يسألهم عن ذلك وهو يعتقد مؤمناً أن عنده التوراة وأن فيها حكم الله.. وما عنده من التوراة من شيء، وما حكم الله وحكم التوراة إلا في القرآن.. وعليه أن يؤمن بذلك أولاً فإذا جحده وأصر على الكفر به فلا جدوى من الجدل معه.. وكذلك فإن الذين يظنون أن حكم الله في كتب أخرى غير القرآن، أولئك لا يحكمونه إلا مقترناً بهذه الكتب بل محجوباً بها في أكثر الأحيان.. فإذا اصطدمت الآية بما عندهم في المذاهب أو الأحاديث فإنهم يحكمون المذاهب والأحاديث ويهجرون القرآن.. لأن القضية لم تعرض عليهم ليختاروا إما القرآن وإما الضلال.. بل عرضت عليهم ملتبسة عليهم كما عرضت على اليهود الذين يصرون على أن عندهم التوراة وأن فيها حكم الله.. أولئك لا يحكمون القرآن.. كمثل الكرخي إذ قال: (إذا خالف القرآن ما عليه أصحابنا –أي أشياخ المذهب- فهو مؤول أو منسوخ).

ولعل النصارى هم أقرب الناس فهماً للمنطق الجدلي في القرآن الكريم.. ذلك لأنهم ليسوا كاليهود الذين ينغلقون على أنفسهم في قوقعة من المعتقدات العرقية والاقتصادية والسياسية والدينية ولا يستكبرون في الأرض بغير الحق { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ .‏ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ . وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ .} (المائدة 82-84).

إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول فاضت أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق وقالوا ربنا آمنا بما أنزلت فاكتبنا مع الشاهدين.. أما إذا ذهبت إليهم تسمعهم ما ينسب إلى الرسول عن زيد وعن عمرو من الأحاديث والمفتريات بغير الحق وبغير علم ولا كتاب منير فلا لوم عليهم إذا رأيتهم يصدون عنك صدوداً.. أسمعهم ما أنزل إلى الرسول بكل ما في كتاب الله من الصدق ومن الحق ثم انظر ماذا ترى.. لقد رأيت في بريطانيا علماء عظاماً يقولون لما سمعوا آية تعدد الأزواج في اليتامى وآية طلاق المؤمنين لعدة المؤمنات ياليت لنا تشريعاً يجيز تعدد الأزواج للقسط في اليتامى.. ويقولون إن ميثاق الزواج في دين الله أشد قوة من زواج الكاثوليك، ذلك بأن الكاثوليكي يستطيع بطريقة أو بأخرى أن يقنع الراهب لينقض له هذا الميثاق أما في كتاب الله فإن هذا الميثاق لا ينقض إلا حيث ينبغي له أن ينقض.

{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} (يونس 61)، رفع الله سبحانه وتعالى رسوله بالحق إلى شأن وقرأن، واقترن الشأن بالقرآن، وما دون ذلك فهو مجرد عمل من الأعمال، وجاء الخطاب به إلى الكافة ممن لا يتبعون الرسول في شأنه العظيم. وللإنسان أن يختار لنفسه أن يكون مع الرسول في شأن، أو يكون مع العاملين يُصيبون حيناً ويخطئون أحياناً.

{ قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } (النمل 40)، الأول تحدد بالجنس.. عفريت من الجن.. وهم الخلق الذين وصفوا في القرآن بأنهم أشد خلقاً من الإنسان فتراهم يرجمون بالنجوم والشهب إذا تجاوزوا حدودهم، بينما يمكن بحجر صغير أن يقضي على حياة الإنسان.. وأما الثاني فلم يتحدد بالجنس بل إنه لا يعرف إن كان رجلاً من الإنس أو رجلاً من الجن، ولكنه وصف بأنه عنده علم من الكتاب، وبذلك تفوق على عفريت الجن.. فما بال القوم ينشدون العلم بغير قرآن وهو في أم الكتاب عند الله عليّ حكيم.. وما بالهم يحاجون الناس بغيره وهو قرآن مجيد في لوح محفوظ.

{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ . مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ . قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . }(الأنعام 158-161).

محمد رسول الله والذين معه من الحنفاء المطهرين في مجرة عالية.. والذين تفرقوا عنه في مذاهب الأرض ومللها في أفلاك ضالة بغير هدى ولا كتاب منير.. هو والذين معه في شأن وانتظار.. والآخرون من دونهم في عمل ينتظرون.

الإيمان لا يمكن أن يكون تفكيراً من البشر أو علماً من علوم الأرض.. قال إبراهيم عليه السلام لأبيه { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ .} (الأنعام 74) رفض إبراهيم عليه السلام أصنام قومه وتتطلع إلى ملكوت السماوات والأرض.. إنه لا يتصور أن يكون الإيمان منحوتاً من الحجارة بأيدي البشر.. فاتجه بقلبه إلى الأعلى والأكبر مما كان فيه من عناصر الزمان والمكان فوجد الكوكب آفلاً ثم وجد القمر آفلاً ثم وجد الشمس قد أفلت من بعدهما كذلك، فقال كلمته الباقية { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .} (الأنعام 79)، فكانت الحنيفة المطهرة براءة من كل علم يدعو إلى الإيمان بغير وحي من الله الذي فطر السماوات والأرض { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } (النحل 73، والأنبياء7)، ومن يعلم الدين غير الله { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (الحجرات 16)، من أجل ذلك كان الإيمان علماً غير محدود يسلم له الإنسان ويزداد فيه الأنبياء والصالحون يوماً بعد يوم ويتلقاه الناس وحياً من ربهم دون أن يستطيع أحدهم أن يقول قبل الموت إني قد آمنت فإن قالها فهي الشهادة عليه أنه لم يكن من المؤمنين { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (الحجرات 147).

الإيمان علم لا يتلقاه الإنسان إلا وحياً من ربه.. ولا ينبغي له أن يتلقاه إلا بالوحي من الله الذي فطر السماوات والأرض.. وهذه هي حنيفة إبراهيم ومحمد عليهما السلام.. وما يزال الإنسان يترقى في علوم الإيمان بالوحي ويزداد فيه علماً بعد علم دون أن يجد له حداً أو يجد له نهاية.. فإذا ظن يوماً أنه قد انتهى من علوم الإيمان فعليه أن يعيد حساباته مع ربه فعسى أن يهتدي إلى أقرب من ذلك رشداً { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ .} (محمد 17)، كلما اقترب المؤمن من الهدى فإن الله يزيده هدى وزيادة الله مضاعفة.. وهي زيادة متواصلة غير مقطوعة ولا ممنوعة.. ولن تتوقف زيادة الله أبداً إلا إذا توقف الإنسان أو ضل السبيل.. ويبين الله تبارك وتعالى أن هذه الزيادة مشروطة بتلاوة الوحي.. فلا علم ولا هدى ولا إيمان بغير القرآن { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } (الأنفال 2)، بتلاوة القرآن يزداد الإنسان إيماناً.. وإذا ازداد الإنسان إيماناً فإن الله يزيده من الهدى { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى .} (الكهف 13).

وكذلك يقترن الإيمان بالعلم.. ويقترن العلم بالوحي.. فلا إيمان بغير علم.. ولا علم بغير الوحي { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } (المجادلة 11)، رفعة بالحق على طريق الهدى ليزداد هدى بالعلم والإيمان بإذن الله بغير حدود.. لذلك يقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً .} (طه 114)، لا ليخرق به الأرض ولا ليبلغ الجبال طولاً.. بل ليزداد إيماناً.. ويزداد هدى { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً . }(مريم 76).

يتضح من ذلك أن المؤمن كغيره من البشر إنسان منتظر بجبلته.. ولكنه إنسان لا ينتظر سراباً ولا رماداً تشتد به الريح في يوم عاصف.. بل ينتظر الباقيات الصالحات يوم لقاء ربه مسلماً على حنيفة إبراهيم ومحمد عليهما السلام.. حنيفة بوحي من الله أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.. لا مجال للبحث في الأرض عن الإيمان بعد أن استنفد إبراهيم البحث في الكواكب والأقمار وعلم عليه السلام أنه إذا لم يتلق الهدى وحياً من الله فإنه إذاً لمن القوم الضالين.. فهداه الله إليه فأسلم إبراهيم وجهه إلى الله حنيفاً غير مشرك بالله وتبعه في ذلك محمد عليه السلام حنيفاً مسلماً وجهه إلى الله ولم يك من المشركين.. فمن تبعهما في ذلك فقد اهتدى { وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ . وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ . } (هود 121-122).

ولقد يتساءل أبعاض عن ميراث الأرض الذي وعد الله عباده الصالحين.. وربما ظن بعضهم أن هذا الميراث ملكاً خالصاً ومجداً تليداً وسلطاناً شديداً { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ . } (الأنبياء 105)، كلا ما كان ذلك ملكاً في الأرض ولا زينة في الحياة الدنيا خالصة لذاتها، فإن الذين أورثوا الأرض بإذن ربهم من عباد الله الصالحين يقولون قول الصدق يوم القيامة { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .} (الزمر 74)، كانوا جميعاً قد أورثوا الأرض يتبوأون من الجنة حيث يشاؤون.. الله أورثهم الأرض بأن مكن لهم فيها بالأعمال الصالحة وبالصبر الجميل.. أصلح بالهم ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ورزقهم من الطيبات ووضع عنهم أوزارهم ويسر لهم ما تعسر من أمورهم وآتاهم تقواهم وهداهم سبل عفوه ومرضاته فعاشوا أجلهم الذي سمي لهم طيبين لا يخاصمون أحداً ولا يحرص أحد على خصامهم { أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .} (المؤمنون 10-11)، إنهم أنفسهم لم يكونوا أحرص على الحياة الدنيا من الآخرة.. وكيف يحرصون على أكثر مما كان يحرص عليه أبوهم وإمامهم إذ قال في كلمة باقية قول الحق من ربه { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ .} (الشعراء 78-82).

لم يكن إبراهيم عليه السلام يطمع في ملك الأرض ولا في زينة الحياة الدنيا.. بل كان يطمع أن يغفر الله له يوم الدين.. أولئك الذين يرثون الأرض بالقدر الذي يرثون به جنة المأوى.. قد يمن الله عليهم فيجعل لهم حظاً في الحياة الدنيا { إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } (الأعراف 128)، ولكن المؤمنين لا يحرصون على ميراث الدنيا بقدر ما يحرصون على ميراث الآخرة، بل إنهم لا يبتغون من ميراث الدنيا شيئاً إلا على قدر ما يرثون به الآخرة { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (الأعراف 43)، { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (الزخرف 72).

اليهود يجعلون الملك والسلطان في الحياة الدنيا مطلباً وطمعاً في الحياة الدنيا لذاتها ويعملون من أجل ذلك ولو خسروا الآخرة واتبعوا ما أسخط الله.. كل نظرياتهم وكتبهم ومعتقداتهم وسعيهم في الحياة الدنيا من أجل السيادة والملك في الأرض.. وجاء كثير من المفكرين المسلمين بنهج لا يختلف عن ذلك كثيراً.. فصاغوا التاريخ الإسلامي قهراً وسلباً كما صاغ اليهود تاريخهم في العهد القديم بالقهر والسلب.. وأباحوا من متاع الحياة الدنيا ما لم يأذن به الله، فأحلوا ما حرم الله.

{ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ .} (يونس 19-20)، ذلك دأب الناس في الحياة الدنيا وتلك سنة الله في عباده.. الله يجمع الناس على أمة من كتابه فيختلفون فيه.. ثم يجمعهم من بعد اختلافهم على أمة من كتاب محفوظ فيتخذونه مهجوراً ويتبعون السُبل فتفرّق بهم عن سبيل الله.. ويحسبون أنهم على شيء حتى لا يجد المؤمن ما يقوله لهم إلا ما قال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه { إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ .} (يونس 20)، أم إنهم ينتظرون آية.. فمنهم من ينتظر المسيح المنتظر ومنهم من ينتظر المهدي الذي يملأ الأرض نوراً وما امتلأت الأرض ظلماً إلا من بعدما اتخذ القوم هذا القرآن مهجوراً.

{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.} (آل عمران 31)، هل ثَم من شيء أعظم من حب الله.. إن الله يحب من اتبع رسوله.. فإذا سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان جوابه إلا أن يقول قول الحق من ربه { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .} (الأعراف 203)، ذلك ما كان يتبع رسول الله r.. الوحي الذي أوحى إليه من ربه بصائر من الله وهدى ورحمة لقوم يؤمنون {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ . }(الأحقاف 9)، ذلك ما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك كانت سنته عليه الصلاة والسلام فمن اتبع الوحي فقد اتبع الرسول ومن اتبع رسول الله فقد أحبه الله وغفر له { وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ . وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ . وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .} (هود 121-123).

في مقارنة بالغة بين الحياة الدنيا والآخرة يقول الله تبارك وتعالى { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } (العنكبوت 64)، حيث يضاف إلى الاسم حرف الألف وحرف النون فذلك للدلالة على العظمة والسعة والعلو والكبرياء بالحق كما في كثير من الأسماء التي ذكرت في كتاب الله تبارك وتعالى الرحمن.. القرآن.. الإنسان.. البيان.. الحسبان.. الرضوان.. الريحان.. السلطان.. الإحسان.. الفرقان.. وكذلك الحيوان للدلالة على الحياة الخالدة في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. والله يجعل للذين آمنوا حياة في الدنيا { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُالْعَظِيمُ.} (يونس 62-64)، وأما الذين كفروا فلا حياة لهم في الدنيا ولا في الآخرة { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ . مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ .‏} (يونس 69، 70)، المؤمنون لهم البشرى في الحياة الدنيا.. والكافرون لهم متاع في الدنيا لا نجد لهم حياة في كتاب الله.. بل متاع كمتاع الأنعام والنار مثوى لهم.


     
     

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الأول ( من الحلقة 1 ... إلى الحلقة 25 )

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home