Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Saturday, 20 May, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (11)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . } (النور 22).

إيـتاء الزكـاة

{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ . }(الروم 37-39).

الزكاة : من زكى يتزكى فهو زكي أي طيب، فالله تبارك وتعالى يفسر لنا الزكاة في كتابه العزيز بقوله تعالى { فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ }(الكهف 19) أي فلينظر أيها أطيب طعاماً. وكذلك يقول الله تبارك وتعالى { قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً .} (مريم 19) أي غلاماً طيباً. ويبين الله تبارك وتعالى للناس كيف يمكن لهم أن يكونوا طيبين بقوله تعالى { قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .} (الأعراف 156).

والله تبارك وتعالى غني عن العالمين ولكنه لا يرضي الفساد في خلقه فهو سبحانه أتقن كل شيء خلقه ،وأبدع كل شيء أقامه وكل شيء عنده بمقدار، فلما استوى الإنسان في هذه الحياة الدنيا وابتلاه الله بها أقام له العقل ووضع في طريقه مصابيح الهدى حتى يشق لنفسه بنفسه طريقاً سوياً إلى ربه، فإن فعل فقد تزكى { وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ .} (فاطر 18) وإنما يتزكى المسلم إذا آثر الأخرة على الأولى وأيقن أن حياته الحقيقية لا تنتهي بموته بل هي تبدأ بها {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وقد بين الله تبارك وتعالى كما بين لمن قبلنا على فترة من رسالة إبراهيم وموسى عليهما السلام أن سبيل المؤمن فيما يتزكى به ألا يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى.‏ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} (الأعلى 14-16).

ولما كان المسلم في دار ابتلائه هذه يكدح إلى ربه كدحاً ويلتمس بهديه تبارك وتعالى سبيلاً لمرضاته حتى يتزكى فإنه ينبغي له ألا يفعل ذلك إلا في صمت مؤمناً بأنه لا سبيل لمرضات ربه إلا برحمته تعالى وبفضله وأنه لا يأتي الخير حين يأتيه إلا من رزقه ولا يستقيم على أمر إلا بهديه ولا يجتنب السيئات إلا بموعظته وهو لن يشاء من أمره شيئاً إلا بمشيئته سبحانه وتعالى علواً كبيراً { إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً. نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً . إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً . وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً . يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً .} (الإنسان 27-31) { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .} (التكوير 27-29) فالمسلم لا يتزكى إلا بفضل من الله فإن ظن أنه على هدى من ربه وجب عليه أن يحمد الله تعالى وأن يشكره على فضله { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً.} (النور 21) { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى .} ( النجم 31-32).

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً } ( النساء 49-50) .

والمؤمن إنما يتزكى ابتغاء وجهه تعالى { وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى.} (طه 75، 76) ومما يتزكى به المؤمن أن يؤتي الزكاة أي الطيبة من ماله لمن فرضها الله تبارك وتعالى لهم من الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وغيرهم { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .} (النور 56) فالزكاة كما بينها الله في كتابه العزيز هي الطيبة من الرزق يؤتيها المسلم لمن فرضها الله لهم ابتغاء وجهه تعالى طوعاً أو كرها.

ولا نجد فيما أوحى إلى رسول الله r من الذكر مفهوماً للزكاة يختلف عن ذلك، وحاشا لله أن نجد في كتابه العزيز اختلافاً وتنزه سبحانه عن ذلك وتعالى علواً كبيراً. فمن أتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين فهو يتزكى، ومن بذل المال جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته وأعطى الفقراء المهاجرين في سبيل الله فقد تزكى. فالزكاة كما بينها الله في آياته البينات هي إيتاء المال في الأوجه التي بينها الله لعباده سواء بالنفقة أم بالصدقة أم بالنذر أم بالوصية أم بغيرها وليس في القرآن ما يشير إلى أن لها مدلولاً خاصاً يخرج بها عن هذا المعنى العام في شيء وليس في القرآن ما يقصرها على الربع من العشر يخرجه

المسلم من ماله فتبرأ به ذمته ويطهر به قلبه ثم يتولى فرحاً فخوراً بما تزكى { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى .‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى . الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى . وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى. وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى.} (لليل 14-21) فهي حق ثابت في أمواله رضى بذلك أم أبي.

{ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ .} (المعارج 24، 25).

عندما يقضي الله سبحانه وتعالى بأن في أموالنا حقاً للسائل والمحروم فيجب علينا أن نقف خاشعين لله طويلاً ونتساءل عن هذا الحق حتى نقف عليه، فالحق أحق أن يتبع ولن ندرك منه شيئاً إلاّ بكلماته سبحانه وتعالى هو الحق { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ .} (النور 25) { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ. } (الحج 62) والله خلق كل شيء بالحق { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} (الأنعام 73) وهو الذي بعث المرسلين بالحق { لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } (الأعراف 43) ونزل الكتاب بالحق { ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } (البقرة 176).

لا ينبغي أن يكون هيناً أن يجعل الله في أموالنا حقاً للسائل والمحروم وهو الذي ضرب لنا المثل الأعلى بالقوم الذين سمعوا قول الحق من ربهم { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ . } (المائدة 83-85). وأول ما يترتب على هذا الفهم أنه ليس في الصدقة يدٌ عليا ويدٌ سفلى وإن صح من ذلك شيء فلا أظن أن اليد السفلى هي التي تأخذ بل اليد السفلى هي التي تعطي لأنها إنما تعطي حقاً، ولا ينبغي للحق أن يعطي من أعلى وإنما يجب له أن يعطي بخشوع لله وتواضع لمن أوجب الله له هذا الحق { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . } (المؤمنون 60).

ويترتب على هذا الفهم كذلك أنه ينبغي أن يجتهد من يعطي الصدقة في البحث عمن يستحقها ويبذل العناء في سعيه وراءهم حتى تصل إليهم كاملة غير منقوصة دون أن يلجأهم إلى العناء في البحث عنه والسعي وراءه لأنه هو المدين بهذا الحق وهم الدائنون به.

وكذلك فإنه حقيق بمن أهدر الحق أن يصبر على حقه إذا أهدر، وأولي بالذين يبكون على حقوقهم أن يبكوا كثيراً على حق أوجبه الله في أموالهم وأهدروه بأيديهم.

الزكاة واجبة إذن كوجوب الحق مستحقة في المال بمقدار الوفاء بالحق وهي دين في ذمة صاحبه لا تبرأ منه إلا بأدائها على وجهها كما بينه الله في كتابه العزيز وحتى لا نرتاب في ذلك وتطئمن قلوبنا إلى حكم الله العزيز الحكيم ونعلم أن آياته يكمل بعضها بعضاً في تناسق عجيب كتناسق سائر خلقه نتلو قوله تعالى { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً .} (انساء 32) للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وليس للرجال ما اكتسبوا وللنساء ما اكتسبن لأن الله قد جعل فيما يكتسبه هؤلاء وهؤلاء حقاً مقرراً معلوماً للسائل والمحروم.

والزكاة تجب في المال بغض النظر عن شخص صاحبه كبيراً كان أو صغيراً ذكراً أو أنثى عاقلاً أو سفيهاً أو ضعيفاً، ويسأل الأولياء والأوصياء عن الصدقة في أموال من تجب الولاية عليهم. ولا ينبغي لهؤلاء أن يسألوا عما في أيديهم من الأموال بحكم الولاية أو الوصاية في حدود ما انفقوه عليهم وحسب، بل ينبغي أن يسألوا كذلك عما في هذه الأموال من حقوق للسائل والمحروم.

وإنك لتجد فلسفة الزكاة بأبعادها المختلفة التي تصل إلى حد الحكمة والقنوت لله تبارك وتعالى في قوله عز وجل { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ.‏ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ .} (البقرة 268-270).

ويضرب الله المثل بقوم كانت لهم روضة طيبة يأكلون منها ويطعمون المساكين، فلما اقترب يوم حصادها طمعوا فيها وسولت لهم أنفسهم ألا يستثنوا من ثمارها شيئاً لمسكين، فأهلكها الله وهم نائمون حتى إنهم لما رأوها ظنوا أنهم ضلوا طريقهم فلما أيقنوا كيف يمكر الله إذ يمكرون سبحوا بحمد ربهم وأدركوا أنهم كانوا ظالمين { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ. وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ . فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ . فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ . وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ . فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ . قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ . قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ . عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ . كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.} (القلم 17-33) هؤلاء قوم أنكروا حق المسكين في أموالهم فكان عاقبتهم أن دمر الله عليهم فضاع حقهم كما أضاعوا حق غيرهم جزاء وفاقاً بما مكروا فتراهم كما وصفهم ربهم في كتابه في ذهول من أمرهم لا تكاد عقولهم تعي ما يجري من حولهم { قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ.} فلما عايشوا الحقيقة بكل مرارتها رأيتهم يأسفون لما أصابهم ويتنادمون {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } واحد من بينهم لم تباغته الحقيقة ولم تفجعه لأنه كان على بينة من ربه { قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ .} فعادوا إلى رشدهم وسبحوا ربهم وآمنوا بأنه لا رحمة إلا به ولا نجاة إلا بفضله.

مثال يضربه الله تبارك وتعالى من الآيات البينات والحكمة، فهل مضت سنّة أصحاب الجنة هؤلاء أم هي ما تزال شاخصة فيما بيننا. وكم من الجنات ضاعت ويجب أن تضيع حتى يدرك الذين فرضت الزكاة في أموالهم كيف فرضت ولمن استحقت وفيما أنفقت وهل بقى بينهم دائنون لم يستوفوا حقوقهم التي فرضها الله لهم. الأولى لهؤلاء أن يسألوا عن ذلك قبل أن يتساءلوا عن جناتهم كيف ضاعت وتضيع من بين أيديهم { إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.} (النساء 40).

السـائل والمحـروم

ليس السائل هو المتسول فيما نفهمه مما يجري على لساننا بل هو كل من يسعى إلى طلب الزكاة ممن تجب في أموالهم فإن استحقوا منها شيئاً وجب أن يعطوا منها وإلا وجب أن يصرفوا بقول معروف { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ .} (الضحى 10) وأما المحروم فهو كل من يستحق الزكاة من اليتامى والمساكين وغيرهم ويعف فلا يسأل الناس إلحافاً { لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ } (البقرة 273).

ولعلَّ أخطر ما يختلط به الفهم من القرآن الكريم أن نقيس مفرداته بما استقر في أذهاننا من معانٍ لمدلول هذه المفردات، وينبغي لنا أن نرد كل حرف وكل كلمة إلى الله نقيسها بكلماته ونزنها بآياته ونبحث عنها في مواضعها حتى لا ننحرف بها عن معانيها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .} (النساء 59).

الأصل في المؤمنين أنهم إخوة { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } (الحجرات 10) والأصل في الأخ أن يظن بأخيه خيراً وهو ما يمكن أن يعبر عنه بالنوايا الطيبة التي يجب أن تسود مجتمعات المؤمنين { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } (النور 12) وهم بهذه المثابة أولياء بعض يتولى كبيرهم صغيرهم ويتولى قويهم ضعيفهم ويتولى غنيهم فقيرهم ويقوم الذكر منهم بأمر الأنثى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .} (التوبة 71).

على هدى من هذه المبادئ السامية الراقية ينبغي لنا أن نفهم المعنى الكبير من قول الله تعالى{ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ . }فالحق ينبغي أن يؤدي للذين يستحقونه سواء سأله هؤلاء وسعوا إليه، أم حرموا أنفسهم حق سؤاله إيثارَ التعفف. فالسائل هو الذي يطلب حقه في الزكاة والمحروم هو الذي لا يطلبه، وعلى من تجب الزكاة في أموالهم أن يعطوا السائل الذي يستحق ولا ينهروا السائل الذي لا يستحق ، وأن يبحثوا جاهدين عن المحروم الذي حرم من حقه في الزكاة وحرم نفسه حق طلبها حتى تصل إليه في بيته.

أبواب الزكـاة

أولاً : النفقـات :

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ .} (البقرة 215).

(1) الوالـدان

الوالدان هم أول من تجب لهما النفقة ويجب على الولد أن ينفق على أبويه من سعته ولا يدخر من ماله ما كان أبواه في حاجة إليه، وباستقراء وصايا ربنا جل وعلا من رحمته بالوالدين يتبين أنه من فضله على الناس ورحمته بذوي الأرحام قد كرمهما تكريماً لا ينبغي لغيرهما من أحد من البشر بعد خاتم النبيين محمد r { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } (النساء 36) { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .} (الإسراء 23، 24) {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ .} (الأحقاف 15، 16) وكان من دعاء نوح عليه السلام أنه كان يقول { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً .} (نوح 28). وكان من دعاء إبراهيم عليه السلام كذلك من بعده أنه قال { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ .} (إبراهيم 41) وكان عيسى عليه السلام يقول قول الحق من ربه { قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً . وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً . وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً .} (مريم 30-32) هذه هي الأحاديث يثبتها الله للذين يبحثون عن سير النبيين والصالحين لمن شاء أن يقتدي بسننهم ويهتدي بهديهم { مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.} (يوسف 111).

والله تبارك وتعالى يوصي بالوالدين ولو كان أحدهما أو كلاهما كافراً { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (لقمان 14، 15) إلى هذا الحد من الرحمة أوجب الله بر الوالدين إلا أن يكون براً يُفرط به المسلم في إيمانه بالله ورسوله ويبين الله ذلك في قوله تعالى { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .} (المجادلة 22).

(2) الأقـربون

أوجب الله تبارك وتعالى البر للأقربين من بعد الوالدين { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ .} (البقرة 177) جعل الله بر الأقربين من التقوى والله يتقبل من المتقين { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ .} (المائدة 27) والإحسان بالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين مواثيق الله تبارك وتعالى والله أحق بألا ينقص ميثاقه { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ .} (البقرة 83)، وكما إن برّ الأقربين من التقوى ومن مواثيق الله تبارك وتعالى فهو من أوامر الله التي أوجبها على عباده المؤمنين { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .} (النحل 90).

وإنما أوجب الله تعالى أن ينفق المؤمن بقدر ولا يبذر تبذيراً { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً .‏ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً .} (الإسراء 27-28) وباستقراء آيات الله البينات يبين أنه من أصعب ما يجاهد به المؤمن في سبيل الله أن يوازن فيما آتاه الله من الخير بين مختلف الحقوق التي أوجبها الله عليه بالقدر الذي لا يصل إلى حد التبذير ولعل الله من فضله على الناس أراد أن يهون الأمر على عباده فوضع لهم ميزاناً وسطاً يكيلون به تلك الحقوق التي أوجبها في أموالهم وذلك بقوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً .} (الإسراء 9). ويعتاد المؤمنون الكيل بهذا الميزان كل بقدر ما أوتي من الفضل فيغنيهم ذلك عن النسب المئوية المعقدة والحساب الذي قد لا يكون لأحدهم قبل به فيكون حسابه في يده لا يبسطها كل البسط ولا يغلها إلى عنقه ويبتغي ما استطاع بين ذلك سبيلاً.

(3) اليتـامى

إن الله تبارك وتعالى قد أوجب البر لمن يحتاج البر وليس أحق بالبر من أولئك الذين حرموا بر الوالدين وهم طبقات بعضها أولى بالرعاية من بعض فاليتيم الفقير القريب أولى من غيره وكلهم أحوج ما يكونون إلى العطف والبر والإحسان ولو كانوا أغنياء، وأقرب ما نحيل إليه في فهم المعنى اللفظي لليتم ما أثبته الإمام الزبيدي في تاج العروس من قوله (اليتم من الغفلة ويسمى اليتيم يتيماً لأنه يتغافل عن بره) ذكراً كان أو أنثى حتى يبلغ أشده ويستوي ويغنيه الله بذلك من فضله عن الناس جميعاً.

ويضرب الله المثل الأعلى ببره سبحانه وتعالى باليتامى من أبناء الصالحين فيما يرويه من قصص موسى عليه السلام يوم تبع عبداً من عباد الله الذين أتاهم رحمة من عنده وعلمهم من لدنه علماً {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } (الكهف 82) وتقرأ في كتاب الله آيات بينات من واسع رحمته وفضله العظيم على نبيه اليتيم محمد r ومحكم ذلك كله في قوله تعالى { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى. وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى.} (الضحى 6-8).

وينهى الله عن قهر اليتيم { فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ .} (الضحى 9) كما ينهى عن دعه ويجعل ذلك من أخلاق الذين يكذبون بالدين { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ .} (الماعون 1، 2).

ويأمر الله بإكرام اليتيم وإطعامه والإحسان إليه والإنفاق عليه { فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ . كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ .} (الفجر 15-17) { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً.‏ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً . يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً . وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً .} (الإنسان 5-9) { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ .} (البلد 11-16) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ .} (البقرة 83).

وأوجب الله تبارك وتعالى اتباع القاعدة الأصلح لليتيم في كل شأن من شؤونه {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } (البقرة 220) من ذلك مثلاً أنه إذا توفي رجل وابنه معاً في حادثة واحدة ولا يعرف على وجه اليقين أيهما يرث الآخر فإن كان الابن قد ترك أيتاماً وجب الحكم بتوريث أبيهم باعتبار أنه هو الذي مات بعد أبيه حتى يرثوا نصيب أبيهم من تركة جدهم، وتقرر هذه القاعدة من قواعد القسط مبدأ تقديم الأحق بالرعاية وهي تتسع في التطبيق لتشمل اليتامى وغيرهم من النساء والمستضعفين من الولدان وهذا ما يؤكده الله تبارك وتعالى برحمته التي وسعت كل شيء بقولـه { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً .} (النساء 127).

وكما أقام الله جداراً على مال يتيمين بيد صاحب موسى عليهما السلام ليصونه لهما حتى يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك، فقد قضى في محكم آياته بإقامة قلاع يحصن بها أموال اليتامى من عهد موسى عليه السلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها فجاء في الوصايا لبني إسرائيل قوله تعالى { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } (الأنعام 152)، وتقررت هذه الوصية بذاتها وبنصها الذي وردت به في الوصايا على المسلمين كافة بقوله تعالى { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } (الإسراء 34) ومن ذلك يتبين أنه لا تكرار في القرآن الكريم وإن الحرف منه لا يتنزل إلا بمقدار، وإنما تشير الآية الأولى إلى تقرير الحكم في صحف موسى وتشير الآية الثانية إلى أنها من الآيات المحكمات التي لم تنسخ ولا ينبغي لها أن تنسخ إلى يوم يبعثون.

ويجب على الذين يتولون أمر اليتامى أن ينفقوا عليهم من أموالهم بقدر احتياجاتهم بالمعروف { وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً .} (النساء 2)، فإذا بلغوا الرشد وجب أن تدفع إليهم أموالهم { وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً .} (النساء 6).

(4) المسـاكين

المسكين من سكنت حركته أي توقفت توقفاً كلياً أو جزئياً أو عجز عن الحركة عجزاً دائماً أو موقوتاً كمن يصاب بشلل دائم أو مرض طارئ أو كان ممن يعملون حيناً ويتعطلون حيناً آخر بسبب الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية، يستنبط هذا المعنى من قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ . إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ .} (الشورى 32، 33) فأنت ترى أن إسكان الريح قد ورد في هذه الآية بمعنى تعطيلها عن الحركة ويدل السكون كذلك على الهدوء والاطمئنان لما فيهما من معنى الثبات والصمود أمام اضطراب القلب وهياج المخاوف وزلزلة الصعاب وتستنبط هذه المعاني من قوله تعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .} (التوبة 103). كما تستنبط كذلك من قوله تعالى { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً .} (الفتح 26) وبذلك فإننا نكاد نتفق مع الكسائي فيما نقل عنه أنه ذكر معاني لهذا اللفظ منها (إن المسكين هو الذي أسكنه الفقر أي قلل حركته) و إن الحركة كما تسكن بالفقر فإنها تسكن بغيره.

ونلحق مرة ثانية بركب موسى عليه السلام وصاحبه ذلك الرجل الذي أتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً فنجده قد خرق السفينة التي ركبها فظل موسى يتعجب من الأمر حتى قال له { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً .} (الكهف 79) أراد أن ينتصر لهؤلاء المساكين من ظلم الملك فلم يجد بداً من خرق سفينتهم وهي ما تزال راسية على الشاطئ ذلك لأنه لم يكن بوسعه أن يعيبها وهي بعيدة عنه فإذا غرقت فإن الملك لن يراها ويمكن لأصحابها أن ينتشلوها من بعد ويعيدوا إصلاحها ويظفروا بها، وإذا بقيت طافية فإن الملك سيزهد فيها لما أصابها من العيب ويتركها لأصحابها يتعيشون منها.

أوجب الله تبارك وتعالى الإحسان بالمساكين كما أوجبه بالوالدين والأقربين واليتامى وغيرهم مما جاء تفصيله في قوله تعالى { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً . } (النساء 36).

وأمر سبحانه وتعالى بإطعام المساكين وجعل من أخلاق الذين لا يؤمنون به والذين يكذبون بالدين أنهم لا يحضون على طعامهم { إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ .‏ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ . وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ . لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ .} (الحاقة 33-37) { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ .} (الماعون 1-3) ويسأل المجرمون في الآخرة { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ . قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ . وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ . حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ .‏ } (المدثر 42-47).

وجعل الله إيتاء المساكين من الحقوق الواجبة في مال الله الذي يبسطه لعباده { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . } (الروم 37، 38).

وجعل الله طعام المساكين من خلق الأبرار من عباد الله الصالحين { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً . عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً . يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً . وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً .} (الإنسان 5-9) كما أن إطعام المساكين لمما تقتحم به العقبات التي تعوق سبيل المؤمنين سواء في الحياة الدنيا أم في الآخرة { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ.} (البلد 11-16) وإطعام المساكين فدية الذين لا يحتملون صوم رمضان {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } (البقرة 184) وهو كفارة الظهار { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِين} (المجادلة 4) وهو كفارة الإيمان المعقدة { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } (المائدة 89) كما أنه كفارة قتل الصيد عمداً في الأشهر الحرم {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ } (المائدة 95) وإذا كان الله تبارك وتعالى يكفر عن هذه الآثام التي حرمها على عباده بإطعام المساكين وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويمحو السيئة بالحسنة، فخليق بالمسلمين أن يتنافسوا في إطعامهم توبة إلى الله وتكفيراً عما يقترفونه من الإثم وتقرُّباً إليه بهذا العمل الصالح الذي ارتضاه لهم ورضيه منهم إنه كان تواباً رحيماً.

(5) ابن السبـيل

يقول ابن عباد السبيل هي الطريق وما وضح منها، وقال الراغب بل هي الطريق ما سهل منها وابن السبيل هو المسافر البعيد عن منزله نسب إلى السبيل لممارسته إياها، وقال ابن الأثير بل هو ابن الطريق المسافر الكثير السفر سمي ابناً لها لملازمته إياها، وقال ابن سيدة تأويله الذي قطع عليه الطريق وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يتبلغ به، وقال ابن عرفة بل هو الضيف المنقطع به يعطي قدر ما يتبلغ به إلى وطنه وقال ابن بري هو الذي أتى به الطريق.

ولن نخرج في البحث عما نلتزمه من الالتفات عن كل ما يخوض فيه المجتهدون في اللسان العربي أو في التفسير، وإنما أردنا أن نضرب مثلاً لما يختلفون فيه فتراهم جميعاً يأتونك بتأويلاتهم دون أن يسندها أحدهم بقرآن أو يستشهد عليها ببينة لا ريب فيها. حتى إذا وجب في مالك شيء لابن السبيل بحثت عنه في تأويلاتهم فلا يرشدك أحدهم إليه بما يطمئنك إلى قبوله، فهل هو المسافر البعيد عن بيته في تأويل ابن الأثير، أم هو الذي قطع عليه الطريق ولا يجد متاعاً يعود به إلى موطنه فيما يراه ابن سيدة ، أم هو الضيف في تأويل ابن عرفة، أم هو الذي يأتي به الطريق بحسب ما يراه ابن بري. وإننا لنجد في كتاب الله تعبيراً عن الصلة والانتماء مرة بالأب ومرة بالابن ومرة ثالثة بالأخ لانتماء الأب إلى ابنه والأخ إلى أخيه وكل أولياء بعض { وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .} (الأنفال 75).

نجد في الكتاب تعبيراً بالأب للدلالة على الصلة والانتماء في قوله تعالى { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ } (الحج 78) ونجد تعبيراً بالأخ للدلالة على ذلك في قوله تعالى { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً } (الأعراف 65) { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً } (الأعراف 73) { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً } (الأعراف 85) { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ .} (الشعراء 105، 106) { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ .} (الشعراء 123، 124) { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ.} (الشعراء 160، 161).

ونرى أن التعبير بابن السبيل إنما جاء به الكتاب للدلالة على الصلة والانتماء وقد وجدنا ذلك في شعر العرب إذ يعبرون عن عصير العنب (بابنة العنقود)، فهو تعبير أعم وأشمل في الدلالة على كل من لا قرار له فلا يكاد يجد له مأوى إلا السبيل يضرب فيها على وجهه لا يلوي على شيء، ومن ثم فإن المعني المقصود من ذلك إنما ينصرف إلى المتشردين والضالين في الطرقات واللاجئين من الحرب أو الاضطهاد وأولئك الذين انقطع بهم السفر فلم يعد أحدهم يجد إلى متابعته سبيلاً ولا يمكن أن ينصرف المعنى المقصود من ابن السبيل إلى الرجل إن كان على سفر وحسب إذ ورد التعبير عن ذلك في موضعه بقوله تعالى {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً } (البقرة 184) { وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ } (البقرة 283) { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ } (النساء 43) وقد سبقت الإشارة في باب الصلاة إلى الفرق الواضح بين الرجل أن يكون على سفر أو أن يكون عابر سبيل، وهو كل من لا بيت له يأوي إليه ليحتضنه ويستقر فيه من لاجيء أو ضال أو متشرد.

هؤلاء هم الذين تجب لهم النفقة (1) الوالدان (2) والأقربون (3) واليتامى (4) والمساكين (5) وابن السبيل. { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ .‏ } (البقرة 215).

ثانياً : الصدقـات :

{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} (التوبة 60).

تجب الصدقات بحسب ما جاء في هذه الآية الكريمة (1) للفقراء (2) المساكين (3) العاملين على الصدقات (4) المؤلفة قلوبهم (5) في الرقاب (6) الغارمين (7) في سبيل الله (8) ابن السبيل، ولقد سبق الحديث عن المساكين وابن السبيل وبذلك فإنه يتقرر لهما حق في النفقة وحق في الصدقة على سواء.

وباستقراء آيات الله البينات واستنباط أحكام الله تبارك وتعالى من تفصيلاتها يتبين أن النفقة إنما تجب في ذمة الأفراد، وإن الصدقات بصياغة الجمع كما ترد في هذه الآية الكريمة من سورة التوبة، إنما تجب في ذمة الجماعة يؤكد هذا المعنى أن ثَم عاملين عليها توظفهم الجماعة لهذا الغرض ويكون لهم بهذه الصفة نصيب منها.

(1) الفقـراء

الفقر هو عدم الغنى فمن لم يكن غنياً بماله فهو فقير { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .} (فاطر 15) { وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء } (محمد 38) {إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا } (النساء 135)، فتجد في هذه الآيات البينات أن الفقر إنما يرد خلافاً لمعنى الغنى { إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } (النور 32).

أوجب الله للفقراء حقاً في الصدقات وهم طبقات بعضهم فوق بعض ولن نخوض في المفاضلة بين هذه الطبقات فيما يقدمه الأغنياء من الصدقات لأن الأمر يقتضي دراسة شاملة للحالة الاقتصادية في كل مجتمع من المجتمعات على حدة لبحث ما كان منها أشد إلحاحاً وأحق بالرعاية ولا ينبغي أن يكون من شأن هذه الدارسة إسقاط الحق في الصدقات عن بعض الفقراء رعاية لبعض، لأن الله أوجب هذا الحق للفقراء عامة وجعل هذا الحق التزاماً واجب الأداء في مال الأغنياء { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} (التوبة 60). والله تبارك وتعالى إنما يضرب الأمثال للناس ببيان بعض الفقراء ممن تجب لهم الرعاية دون أن يسقط بهم حقوق غيرهم من الفقراء الآخرين، من هؤلاء ما يصفهم الله تبارك وتعالى بقوله { لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ .}، (البقرة 273) ومنهم من يصفهم بقوله عز وجل { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.} (الحشر 8) في آية البقرة فقراء أحصروا لايستطيعون ضرباً في الأرض ولاهجرة فيها ، وفي آية الحشر فقراء أخرجوا من ديارهم وأموالهم فهاجروا .

(2) العـاملون عـلى الصدقات

لعل أول ما ينبغي أن نتنبه له من ذكر العاملين على الصدقات من بين الذين يستحقون نصيباً منها أن النفقة عمل فردي وأن الصدقة عمل جماعي، وبمقارنة آية الصدقات بأختها التي أوجبت النفقات في مال المسلمين نجد أن الأخيرة تخاطبهم فرادي وتقرر استحقاق النفقة في أموالهم للأولى بها منهم { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ .} (البقرة 215) فهي تجب على الولد لوالديه وعلى القريب للأقرب فالأقرب من ذويه إليه، كما تجب عامة لليتامى والمساكين وابن السبيل والأولى من هؤلاء من اجتمعت فيه أكثر من صفة مما ذكر في هذه الآية الكريمة.

وهي تجب لكل هؤلاء بغير مفاضلة إذا كان المرء ميسوراً وقادراً على الإنفاق، والمعيار الدقيق في حساب هذه الموازنة إنما يتحدد على بينة من قوله تعالى { لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً .} (الطلاق 7).

بينما جاءت آية الصدقات ببيان الذين يستحقونها دون الإشارة إلى الأشخاص الذين تجب في أموالهم، دلالة على أنها إنما تجب في مال جماعة المسلمين وإنه ينبغي لها أن تكون بعمل جماعي تنشط فيه الأجهزة المسؤولة لجمعها ممن تجب عليهم لتصرف على من تجب لهم. لذلك فقد اقتضى الأمر خلافاً لما تقرر في النفقات أن يكون في جماعة المسلمين عاملون متفرغون لها عاكفون عليها وهؤلاء هم العاملون على الصدقات سواء بجمعها أو بصرفها { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . } (التوبة 60) ويؤكد هذا المعنى إن الله تبارك وتعالى قد أوجب على رسوله r بصفته ولي المسلمين أن يكون أول العاملين على الصدقات { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } (التوبة 103).

العمل هو تصرف الإنسان بمحض اختياره ومطلق حريته لتحقيق نتيجة معينة يحددها بعقله { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً . قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً .} (الإسراء 83-84) وقد تقع هذه النتيجة بذاتها وقد تقع ناقصة أو مزيدة عما أراده العامل بعمله وقد تقع نتيجة أخرى لم تكن في تصور العامل أصلاً أو لا تقع أية نتيجة على الإطلاق، كما قد يقع كل ذلك بتصرف العامل نفسه أو بتدخل عوامل أخرى سواء كانت هذه العوامل في حسبانه أم لم يكن يحسب لها أي حساب.

أما الفعل فيدل على وقوع نتيجة معينة حدثت بإرادة الفاعل وحده وبقدر ما أراده الفاعل دون زيادة أو نقصان وبتصريف لا يخرج عن سيطرته أبداً... ولذلك فقد جاءت آيات الله ببيان أنه الفعال لما يريد { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ .} (هود 107)، { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ. فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ .} (البروج 15- 16)، { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ .} (الفجر 6) { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ .} (الفيل1) { وتبين لكم كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ.} (إبراهيم 45) { إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ .} (الصافات 34) { كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ .} (المرسلات 18) { مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً .} (النساء 147) { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .} (الحج 18) { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ . } (الحج 14)، { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .} (الأنبياء 23) { وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً .} (النساء 47)، { السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً .} (المزمل 18).

ليس في كتاب الله مترادفات بل كل لفظ لحكمة بالغة وكل حرف لغاية مقصودة.. وسبحان الله الذي علم القرآن خلق الإنسان سبحانه هو الذي علمه البيان.. ونجد الفارق واضحاً بين العمل والفعل في موسى عليه السلام عندما وكز رجلاً من عدوه فقضى عليه {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ . } (القصص 15) فدلت هذه الآية على أن الشيطان قد تدخل بجهده في وقوع هذه النتيجة فاعتبر هذا الجهد عملاً أما النتيجة نفسها فقد وقعت مباشرة بوكزة موسى عليه السلام يسأله فرعون قائلاً { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ .‏ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ . فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ .} (الشعراء 19-21).

على أساس من هذه التفرقة نجد أن العمل هو أساس الخلافة في الأرض { قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ .} (الأعراف 129) { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ .} (يونس 14) وهو سبب خلق السماوات والأرض والحياة وما بث فيها من زينة { وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } (هود 7) { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً .} (الكهف 7) { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ .} (الملك 1، 2) ذلك لأن العمل هو الذي يكشف عن نية صاحبه ومقاصده في الحياة الدنيا بصرف النظر عن النتائج التي تترتب عليه خيراً أو شراً.

والعمل هو أساس الحساب يوم القيامة { يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (يونس 23)، { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ . } (الحجر 92، 93) ولعل أخطر ما يحاسب عليه المرء يوم يُسأل عما كان يشغله عن تعلم القرآن وتدبر آياته والإيمان بها { حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (النمل 84).

والعمل هو أساس الجزاء في الأخرة { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (يس 54) { إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .} (الصدقات 38، 39) { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ . } (الزخرف 72، 73).

وعلى أساس العمل تتبوأ كل نفس درجتها يوم القيامة { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ .} (الأنعام 132)، { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .} (الأحقاف 19). والعاملون على الصدقات هم أولئك الذين يتفرغون لجمع الصدقات ممن تجب في أموالهم لإنفاقها على من تستحق لهم ويتبعون في قيامهم بهذا ولي الأمر باعتباره أول العاملين عليها قدوة برسول الله r وذلك باتباع أفضل الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق هذه الغاية، وينبغي لولى الأمر أن يجتهد لهم في ذلك سبيلاً لتحقيق الغاية الأساسية من أي عمل يقوم به المسلم من حيث هو أساس خلافته في الأرض ومن حيث هو أساس الحساب والجزاء يوم القيامة وعلى أساس منه يتبوأ الناس درجاتهم في الآخرة، فإذا صلحت الوسيلة وتحققت الغاية فذلك من العمل الحسن الذي تصلح به جماعة المسلمين وإذا صلحت الوسائل واجتهدها المسلمون في سبيل الله وابتغاء مرضاته فذلك من الأعمال الحسنة وعسى الله أن يصلح به الجماعة ويهديها به إلى أقرب من ذلك رشداً.

وقد جعل الله تبارك وتعالى للعاملين على الصدقات نصيباً منها باعتباره أجراً مستحقاً لقاء تفرغهم لهذا الأمر، فإن كانوا أغنياء وتصدقوا به فذلك خير لهم.

(3) المؤلفـة قلوبهـم

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ } (النور 43) قلنا في أكثر من موضع من هذا الكتاب أنه لا ينبغي لنا أن نجتهد في استنباط الأحكام من كتاب الله العزيز بغير قرآن، وحرصنا على أن نؤكد مراراً أننا لا نبتغي بهذه الكتاب تفسيرَ القرآن ولكن لنقيم البينة المرة بعد الأخرى على أن القرآن هو تفسير القرآن وهو قاموسه وفيه بيانه. ولفهم هؤلاء الذين ألف الله بين قلوبهم وأوجب لهم حقاً في الصدقات لا ينبغي لنا أن نطوي الكتاب ونبحث عنهم في القواميس العربية ونخوض مع الخائضين فيها بغير قرآن، وإنما نتأمل المعنى من السحاب المسخر بين السماء والأرض كيف يؤلف الله بينه فيجعله ركاماً يخرج منه الودق بعد أن كان مشتتاً لا يرجى الخير منه رغم ما تحمل الواحدة مع الأخرى من إمكانات هائلة هي سبب العمران في الأرض جميعاً.

المؤلفة قلوبهم قوم كانوا فرقاً متنافرة دخلت جماعة المسلمين تحمل كل فرقة في صدرها آثار عدوان بعضها على بعض مما كان بينها قبل الإسلام { وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .} (آل عمران 103-105) هؤلاء هم المؤلفة قلوبهم كانوا أعداء فألف الله وحده بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخواناً، جمعهم الله على الهدى وألزمهم كلمة التقوى وأيد بهم رسوله r ونصر بهم الحق { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. } (الأنفال 62، 64) وأبعد ما يكون عن هذا المعني أن يعطي المسلمون غير المسلمين المال ليؤلفوا بين قلوبهم أو ليأمنوا شرهم، قد يعطوهم لأن الله أوجب لهم البر في أموالهم إذا أمنوهم ولم يقاتلوهم أو يظاهروا على قتالهم { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .} (الممتحنة 8) وهم إنما يعطونهم براً وإحساناً لا رشوة ونفاقاً ويدفعون إليهم أموالهم ابتغاء مرضاة الله لا يرجون منهم جزاء ولا شكوراً ولا يبتغون منهم ولياً ولا نصيراً { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .} ( المائدة 55-57).

المؤلفة قلوبهم إذاً وكما بينهم الله في كتابه هم قوم كانوا أعداء فألف الله بينهم بالإيمان، وحتى يتم الله نعمته عليهم جميعاً أسقط ديونهم الناشئة عما كان بينهم من العداوة قبل الإسلام مما يكون مترتباً على دم أريق أو مال أهدر وأوجبها في مال الصدقات يعطي منها الدائن فتبرأ بها ذمة المدين، وهذا من التطبيقات الحكيمة لمبدأ ولاية المؤمنين بعضهم بعضاً وحتى لا تكون في جماعة المسلمين بعد أن ألف الله بينهم بنعمته فرقة تطالب الأخرى بدية أو بتعويض.

وليس من ذلك ما ينشأ بين أفراد المسلمين من الحقوق المترتبة عن العمل غير المشروع فذلك تحكمه قواعد المسؤولية عن العمل غير المشروع كما بينها القرآن الكريم وإنما يشترط في دفع الصدقات للمؤلفة قلوبهم أن تقوم العداوة بين جماعتين من الناس ثم تدخل كلتا الجماعتين في الإسلام فإذا تم ذلك أصبحت الحقوق المترتبة لإحداهما على الأخرى في مال الصدقات مما يجبي من جماعة المسلمين.

(4) في الرقـاب

الرقبة هي الجزء الذي يتحرك الرأس به من أعلى العنق وهي أخطر ما في الجسم كله على حياة الإنسان فضربها قضاء مبرم عليه ولا نجاة له من بعده لذلك يقول الله تبارك وتعالى { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } (محمد 4).

ويقول مالك وأحمد في تفسير قوله تعالى { وَفِي الرِّقَابِ } (البقرة 177، التوبة 60) معناه فيما ينقل عنهما أن تبتاع الرقاب فتعتق، وفي رأينا أن ورود الصياغة بقوله تعالى {وَفِي الرِّقَابِ } أعم وأشمل من تخصيصها بهذا المعنى الضيق من التأويل، ونجد عند الإمام الزبيدي تعريفاً يتفق مع المقصود من شمول الصياغة وإطلاقها في قوله تعالى {وَفِي الرِّقَابِ} إذ يقول (الرقبة في الأصل هي العنق جعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية الشيء ببعضه) وبذلك بتحدد المقصود من قوله تعالى { وَفِي الرِّقَابِ } بإطلاق الإنسان أي إنسان مما يفك رقبته من رق أو سر أو سجن أو اضطهاد أو ظلم أو كفر.

والأمة التي تؤتي صدقاتها لإعتاق الأرقاء والأسرى ولتحرير الأقوام من الاضطهاد أو الظلم، أمة تقتحم ما يعترض سبيلها من عقبات{ فلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ . فَكُّ رَقَبَةٍ . أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ . يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ . ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ .} (البلد 11-17).

(5) الغـارمون

الغرم هو الخسارة الفادحة في المال وغيره يقول الله تبارك وتعالى { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ .} (الطور 40 والقلم 46) ووصف به شح بعض الأعراب ممن يعتبرون ما أنفقوا خسارة فادحة { وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَم} (التوبة 98) والله تبارك وتعالى هو الذي ينبت الزرع وهو فالق الحب والنوى وهو إنما يمن على عباده بكل ذلك من نعمه التي لا تحصى ولو شاء لجعله حطاماً فلا يملك من أحد من شيء إلا أن يقول { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ .} (الواقعة 66، 67) كل ذلك للتعبير في الدلالة بالغرم عن الخسارة الفادحة في المال تجده مفسراً ميسراً في آيات الله البينات، ثم يضرب الله المثل في دعوة الصالحين من عباده أن يصرف عنهم الخسران المبين يوم القيامة إذ يقولون { رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً .} (الفرقان 65).

وبذلك فإن الغارمين هم الذين يتعرضون لخسارة فادحة في المال أو في غيره فيستحقون نصيباً مفروضاً من الصدقات، فالذي يخسر تجارته غارم ويستحق صدقه. ومن يتهدم بيته يعتبر غارماً ويستحق صدقة، ومن يفقد عائله يعتبر غارماً ويستحق صدقة، وكذلك من يحترق مصنعه إن كان صانعاً أو تغرق سفينته إن كان ممن يعملون في البحر أو تهلك مزرعته إن كان مزارعاً أو تنفق أنعامه إن كان راعياً أو يفقد عضواً من أعضائه التي لا غنى له عنها في حرفة يحترفها كل أولئك من الغارمين الذين تجب لهم الصدقة في أموال الجماعة المسلمة.

(6) الصدقـة في سبيـل الله

السبيل هي الطريق الممهدة، وسبيل الله هي الطريق التي مهدها الله تبارك وتعالى برحمته وبينها للناس بكتابه لينفقوا فيها أعمارهم التي كتبها لهم ، ويصلوا بها إلى رحمته ورضوانه { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .‏ } (العنكبوت 69).

من سبل الله إلى رحمته تبارك وتعالى أن يتفقه الناس في الدين فيجب بالتالي أن تنفق الصدقات على العلم والعلماء ولا سبيل للتفقة في الدين إلا بالعلم بمفهومه الواسع وبتطوره والعمل على تطويره بحفظ القرآن وتدبر أحكامه واستنباط معانيه على اتساع المعارف والعلوم الفلكية والزراعية والجغرافية والطبية ونظم الحكم والقضاء بين الناس والنظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.

ومن سبل الله إلى رحمته تبارك وتعالى أن يقضي بين الناس بالعدل فيجب أن تنفق الصدقات على القضاء والقضاة حتى لا يكون ظلم في الجماعة يؤدي إلى فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة ويتحقق العدل بين الناس وتطمئن قلوبهم إلى العيش معاً في سلام.

ومن سبل الله إلى رحمته تبارك وتعالى أن تنفق الصدقات على أسباب القوة التي ترد عن الجماعة البغي والعدوان الداخلي والخارجي، وإن تنفق الصدقات على رصد تحركات العدو سواء كان دخيلاً متستراً أم غازياً متجبراً. ومن سبل الله إلى رحمته تبارك وتعالى أن تنفق الصدقات على شؤون الإدارة وتنظيم أمور الجماعة بما يضمن استقرار مصالحهم وحماية أموالهم وصون حرماتهم والمحافظة على ثرواتهم وتنمية مواردهم.

ومن سبل الله إلى رحمته تبارك وتعالى أن تنفق الصدقات على إقامة المدن والقرى والثغور كلما دعت الحاجة، حتى تنتشر الرقعة السكانية وتتوزع مراكز استقطاب السكان فلا تضيق العواصم حتى تنفجر بأهلها وبالنازحين إليها وتترك أطراف العمران وما حولها في فراغ يغري بها الأعداء ولا يؤمن السير فيها على الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. وتشير آيات الله البينات إلى أنه وإن كان لا مناص من قيام القرى المباركة بأرزاقها ومدارسها ومستشفياتها وغير ذلك من أسباب رغد العيش، إلا إنه يجب أن تقوم بين هذه القرى قرى ظاهرة ترتبط بهذه الأسباب ارتباطاً وثيقاً تكفل رغد العيش للجميع ويأمن كل بجاره ويطمئن الظاعن في سيره ولا يجد الطامعون فراغاً يغري بالوثوب عليه { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ . فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ . } (سبأ 18-21).

إنها سبل متعددة تشكل في مجموعها مسؤولية الحكم وواجبات الدولة في مجتمع كتابه القرآن مفصلاً، ترد عليه صدقاته حتى تقوم الأمة التي يدعو الله تبارك وتعالى إلى قيامها { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . } (آل عمران 104).

رأينا أن النفقة تجب في مال الفرد وأن الصدقة تجب في مال الجماعة، النفقة يؤتيها الفرد من ماله الخاص لمن تجب لهم، والصدقة تؤتيها الدولة مما تجمعه من أموال الأفراد في الجماعة لما يجب من أوجه البر والخدمات.

ولقد رخص الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين أن يتصدقوا بأنفسهم ودون وساطة الدولة وهو ما يمكن أن نسميه بالصدقة المباشرة، عملاً بقوله تعالى { إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .} (البقرة 271). وردت هذه الآية الكريمة لتفرض الصدقة المباشرة من أموال الأغنياء يؤتونها دون وساطة الدولة. ومن تطبيقات الصدقة المباشرة التي فرضها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز :
أولاً : إسقاط الديون {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . } (البقرة 280).
ثانياً : إسقاط الدية في القتل { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } (النساء 92).
ثالثاً : فدية حلاقة الرأس في الحج لمن كان مريضاً أو به أذى من رأسه { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } (البقرة 196).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home