Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Tuesday, 19 September, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (24)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ
أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .‏}
(النساء 58، 59).

ولاية الأمر

ولاية الأمر بالحق والعدل فريضة محكمة وطاعة واجبة وجهاد في سبيل الله، وينبغي لمن يبايع لها أن يتصدى لأعبائها وألا يزهد فيها أو يشغل عنها، فهي ليست من ترف الحياة الدنيا ولا زينة من زينتها إذا أراد بها ولي الأمر وجه الله ولم يبتغ بها علواً في الأرض ولا فساداً.

إن الله سبحانه وتعالى لم يرض لسليمان عليه السلام أن يزهد في الحكم ليتفرغ لذكر الله، فقد أراه كيف يفسد الأمر إذا تخلى عنه أولو العزم والإيمان ورأي كيف يهلك الحرث والنسل إذا سلط على الأمر جسد لا علم له ولا إيمان.

{ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ . رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ . وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (ص 30-34).

شهادة من الله تبارك وتعالى، أن سليمان عليه السلام كان نعم العبد، وإنه كان أواباً لا يثبت على الخطأ إذا أدرك الصواب.. وظن أنه لا ينبغي له أن يشغل عن ذكر الله، حتى نراه يأسف أشد الأسف حين شغلته الخيل عن ذكر ربه في العشى حتى غربت الشمس. طفق سليمان برفق الصالحين وبقلب المؤمن { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ } (الأعراف 22، طه 121). طفق للدلالة على الحركة اللينة ولا تدل على العنف كما يستنبط ذلك مما فعله آدم وزوجه عليهما السلام، وطفق من هذا الوجه عكس راغ التي تدل على الحزم والقوة والسرعة {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ . فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ .} (الصافات 91-93). وهو عليه السلام قد طفق مسحاً بسوق الجياد وبأعناقها، مسحاً عليها باللين وبالرفق كمسح المسلم برأسه إذا توضأ للصلاة، ودلت هذه الحركة اللطيفة على أنه عليه السلام إنما كان يعاتبها ويقول لها في نفسه قولاً ليناً أيتها الصافنات شغلني حبك عن ذكر ربي.. هذا هو ما يستنبط من ذكر الله في حديثه تبارك وتعالى عن الصالحين من عباده، وليس من ذلك ما يقوله أبعاض أنه إنهال عليها بسيفه يمزق سوقها وأعناقها.

إن رجلاً صالحاً هذا شأنه لا بد أن يكون قد ظن أن الملك ترف أولى له أن يزهد فيه حتى لا يشغله الملك عن ذكر الله، ولا بد أن يكون قد ابتعد عن الكرسي وهو السلطان {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } (البقرة 255). وما كان سلطانه لينبغي لأحد من دونه بما أوتى من العلم والإيمان، فحدثت الفتنة { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ.} (ص 34) فرغ الكرسي من وليه فألقى عليه الجسد.. رجل أي رجل تجرد من الصفات الكريمة إلا أن يكون جسداً، لو كان له قلب أو عقل أو علم أو إيمان لما كان قد وصف بأنه جسد وإنما كان جسداً يأكل كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم، ولقد ألقى على الملك إلقاء لأنه بهذا الوصف لا حق له فيه.. فحدث ما حدث إذا تولى الأمر من لا قلب له، ورأى سليمان الفتنة فأناب { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ .} (ص 35) رجع سليمان عما أخطأ فيه واستغفر ربه وأدرك أنه لا مناص له من ولاية الأمر، وسأل ربه أن يؤتى أقصى ما يمكن أن يؤتى من وسائل الملك وقوة السلطان حتى لا يشغله السلطان عن الذكر ولا يشغله الذكر عن السلطان.. فلقد رأيناه من قبل زاهداً فيه معرضاً عنه ولن يسأل ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده لغير ذلك، ولو كان ربه قد علم أنه يسأله هذا الملك لغير ذلك لما كان له من الملك شيء ولما كان قد سجل في كتاب الله من الصالحين ولما كان قد وعده زلفى وحسن مآب { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .} (القصص 83). بل أراد هذا الملك لينهض به على أكمل وجه دون أن يشغله عن ذكر الله كما شغلته من قبل الصافنات الجياد.

ونرى من هذا الحديث أن ولاية الأمر ليست ترفاً من ترف الحياة الدنيا ولا زينة من زينتها بل عبادة وصبر وجهاد لا تقل عن الذكر ولا عن الصلاة. وهي من هذا الوجه كتاب الله على أولى العزم من عباد الله الصالحين لا ينبغي لهم أن يزهدوا فيها أو ينأوا بأنفسهم عنها، لأنه سيترتب على ذلك أن يتسلط جسد على الأمر فتكون فتنة وفساد كبير.

وكان فرعون جسداً على مصر { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ .} (القصص 4). فلما جاءه موسى يقول له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى أخذته العزة بالإثم { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } (القِصص 38). فلما غلبه موسى بآيات الله وانقلب أمامها صاغراً ورأى السحرة يؤمنون بآيات ربهم ويخرون لله سجداً أسرع يتهمهم بالباطل ويرميهم بالخيانة { قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } (طه 71). { قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ .} (الأعراف 123). وآمن رجل من آل فرعون فقال { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ .} (غافر 29).

هذا جسد ألقى على ملك مصر وجاءته الموعظة من بين يديه ومن خلفه وأطاعه القوم فأخلدوا إلى نعمته وبايعوه على ظلمه وناصروه على عدوانه { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ . فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ . }(الزخرف 51-56).

وتبين هذه الآيات الكريمة أنه إذا أفلت الجسد إلى السلطان في غفلة من أولي العزم من المؤمنين، وأطاعه الناس على الظلم والعدوان فأولئك هم الظالمون { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ .} (الأنعام 129). ولا أظن أنه بوسع المؤمن شيئاً إلا أن يشترى نفسه في هذه الفتنة بأن يهاجر إلى ربه فراراً بدينه { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ . وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ .} (البقرة 204-207).

ما تزال الهجرة إلى الله تبارك وتعالى سنة موروثة عن النبي عليه الصلاة والسلام والذين آمنوا من قبل. ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من عباده أن يعتذروا بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً . إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً . وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (النساء 97-100).

فمن كان مستضعفاً في حكم الجسد ونظام القوم الذين أطاعوه على ظلمه وفساده فعليه الهجرة، وكما تكون الهجرة إلى أرض طيبة يحترم فيها الإنسان فقد تكون في بيت يأوي إليه معتكفاً معتزل الفتنة حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، ومن قبل قال إبراهيم عليه السلام { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً . وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً .} (مريم 48-50). وكذلك كانت هجرة أصحاب الكهف عليهم السلام إذ قالوا { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً .} (الكهف 16). ولما رأى لوط عليه السلام الفتنة في قومه لم يجد من بين يديه إلا أن يضرب بقوة أو يأوي إلى ركن رشيد { وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ . قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ. قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ .} (هود 78-79).

هؤلاء كانت هجرتهم إلى الله وهي ليست بالضرورة هجرة من مكان إلى مكان آخر، بل هي اعتزال الفتنة واعتزال القوم الذين ظلموا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. كان لوط عليه السلام مهاجراً في قومه يعتزلهم ويعتزل فتنتهم ويعتصم بدينه بعيداً عن ضلالتهم، ولكن هجرته لم تمنعه من أن يعيش بينهم ويمشي في أسواقهم ويأكل مما يبيعونه من طعامهم. أما أصحاب الكهف فلم يأمنوا العيش في قومهم وخافوا أن يرجموهم أو يعيدوهم في ملتهم، فكانت هجرتهم في أرض الله الواسعة فراراً بدينهم. والمؤمن يستطيع بما أوتي من العلم والحكمة أن يحدد أبعاد هجرته بحسب ظروف معيشته وأحوال الأمم من حوله، وأن يتخير له هجرة صالحة في قومه أو بعيداً عنهم في أرض غير أرضهم فيشتري نفسه بعيداً عن فتنة القوم الظالمين.

أما إذا دُعي المؤمن إلى الشهادة لله فعليه أن يصدع بها ويفوض أمره إلى الله، آمن رجل من آل فرعون وكان يكتم إيمانه فلما فرضت عليه الأحداث أن يشهد لله قال { يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ .‏ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ.} (غافر 39-45).

وكذلك دُعي السحرة ليشهدوا يوم الزينة على ملأ من فرعون وقومه { قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى . قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى .} (طه 65، 66). فحبالهم وعصيهم في الحقيقة لم تكن تسعى بل كان يخيل إلى من يراها بتأثير السحرة أنها تسعى وهذا هو التنويم المغناطيسي يؤثر به المنوم على من ينومه فيوجهه كيف يشاء ويجعله يتخيل ما يريد، فلما ألقى موسى عصاه ولم يكن أحد من السحرة نائماً بطبيعة الحال ورأوا ما تصنع عصا رجل أوجس خيفة من كيدهم، أدركوا أنه الحق من ربهم وشهدوا لله بالحق { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى . قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى . قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى .} (طه 70-37).

إن الله رؤوف بعباده يعظهم بألا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة { وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .} (البقرة 195) ولا يكلفهم الله إلا وسعهم ويضع عنهم من رحمته كل ما لا طاقة لهم به { لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } (الأنعام 152، الأعراف 42، المؤمنون 62). { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا } (الطلاق 7). { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } (البقرة 233). وجعل تقواه سبحانه وتعالى في حدود استطاعة العباد { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .} (التغابن 16). ولكنه سبحانه وتعالى لا يرضى من عباده الفسوق والعصيان. فليس على المؤمن حرج أن يعايش القوم الذين ظلموا ما بقى آمناً على نفسه وعلى دينه فلقد عايشهم لوط عليه السلام آمناً على نفسه آمناً على دينه، فإذا خشي منهم على نفسه أو على دينه فأرض الله واسعة وعليه أن يهجرهم فراراً بدينه كما هاجر أصحاب الكهف لما خافوا قومهم، أما إذا دُعي إلى الشهادة فعليه أن يواجه قدره ويتصدى لأمانته ويفوض أمره إلى الله ولا يداهن في دين الله ولا يتردد في أن يقيم الشهادة لله الحق بالحق ولا يكون كمثل من يخلد إلى الأرض ويفرح بها ويطمئن إليها ويبيع بها جنات عرضها كعرض السماوات والأرض خالداً فيها أبداً عند مليك مقتدر { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .} (الأعراف 175-176).

وليس أيسر من ولاية أمور الناس في حالات الرخاء.. فالقوم هادئون والمعايش مستقرة والمطالب ميسرة.. وإنما يبتلى ولي الأمر في حالات الشدة حين يتنازع الناس الأمر بينهم ويتناجون بالإثم والعدوان ويجنح العامة إلى العصيان.. وفي آيات بينات يبين الله لعباده أنهم كانوا يفلحون إذا التزموا طاعته وأنهم يخسرون إذا أطاعوا الذين من دونه خلافاً لما أنزله الله عليهم من الهدى والتقوى.. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ . بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ . سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ .} (آل عمران 149، 151). الله مولى الذين آمنوا وأما الكافرون فلا مولى لهم.. الله ينصر الذين ينصرونه وأما الكافرون فإن الرعب في قلوبهم بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً والنار مثوى لهم.. من أطاع الله فقد أمن الدنيا والآخرة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومن أطاع الكافرين فأولئك قد رُدّوا على أعقابهم وانقلبوا خاسرين.. ثم يضرب الله المثل بالقوم الذين فشلوا فتنازعوا فعصوا وكان فيهم رسول الله يدعوهم إلى الآخرة ويحذرهم فتنة الدنيا { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.} (آل عمران 152، 153). هذه هي مراحل انهيار الأمة كما يبينها الله لعباده المؤمنين.. أطاعوا الكافرين ولو شيئاً قليلاً فخرجوا عن صراط الله فارتدوا على أعقابهم فانقلبوا خاسرين.. وماذا بعد الخسران إلا الفشل والانهيار فإذا فشلوا تنازعوا في الأمر وعصوا وأعرضوا عن الآخرة وأصبحوا لا يريدون إلا الدنيا.. هنالك يحجب القوم أنفسهم عن رحمة الله إلا إذا كان فيهم أولو بقية يريدون الآخرة ويدعون إلى الله أولئك يعفو الله عنهم والله ذو فضل على المؤمنين.. ونرى في الآية أن من أهم مظاهر انهيار الأمة أنك ترى الناس ينغلقون على أنفسهم ولا يقف منهم أحد على أحد بل يتصاعدون بعضهم فوق بعض كل يريد أن يرفع هامته وأن يعلو صوته { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ } (آل عمران 153) تصاعد القوم.. لا أحد يعبأ بأحد.. فهل يمكن أن يكون الغم ثواباً { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .‏ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .} (آل عمران 153، 154). ترى الأمة تجتر ماضيها حزناً على ما أصابها من السيئات وأسفاً على ما فاتها من الحسنات حتى ترث غماً عاماً يقعدها عن التقدم والنجاح.. وذلك مظهر آخر من مظاهر فشلها وتنازعها في الأمر وعصيانها فكان لا مناص من صفحة غم أخرى تضرب صفحاً عن هذه الغمة { غَمَّاً بِغَمٍّ } ثواباً من عند الله ورحمته بعباده المؤمنين الذين يريدون الآخرة ويدعون إلى الله لتنهض الأمة من انهيارها وتعود إلى رشدها وتنسى ما فاتها.. وليقول الصالحون فيها ما قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم {إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ }.

ولي الأمر

ما يزال الناس يذكرون بالألم والمرارة ما لحقهم من تسلط الجسد عليهم واستبداده بأمرهم، ولا يكاد يطول عهد الناس بالأمن والاطمئنان حتى يفاجئهم جسد جديد يتسلط عليهم ويستبد بأمرهم. وقامت ثورات بالنهار وانقلابات بالليل وسقط الملوك وزالت الممالك وتنادى الناس بالمذاهب والشعارات وقامت الفرق والأحزاب السرية والمعلنة وجماعات الدين وجماعات الكفر، واندس المتاجرون بالسياسية بين صفوف هؤلاء وهؤلاء حتى فسد الأمر بأكثر مما فسد بنظام الجسد الذي كانوا يحذرون.

ومنذ قيام الثورة الفرنسية ما يزال الكتاب والمفكرون يبحثون عن أفضل أسلوب لقيام حكم الشعب، ويوشك أن ينعقد إجماعهم على رفض حكم الفرد، وظنوا أنه لا بديل عن الأحزاب السياسية والاستفتاءات الشعبية والانتخابات النيابية. ومع ذلك لم يسقط حكم الفرد ولا انقضى عصر الملك الذي يقضي بأمره أو بمشورة أعوانه، وإنما هي أوهام سياسية وتداعيات فكرية يعالجون بها عقدة نفسية ترسبت في أعماقهم من أثر عهود حكم الجسد، ويقتصر أمر الشعب على إلقاء وريقات في صندوق هذا أو صندوق ذاك وينتهي الأمر إلى فرد في قمة السلطة وحاشية وأعوان أضعف منه أو أقوى منه سلطاناً أو لا قيمة لهم إلى جانبه على الإطلاق.

إن نظرة واقعية إلى أرقى الدول وأشدها تمسكاً بالديمقراطية الشعبية في اليمين وفي اليسار في الماضي وفي الحاضر على سواء، ودراسة فاحصة لأحوالها السياسية تنتهي إلى القول بأنه ما من دولة على وجه الأرض إلا وعلى رأسها ملك يحكم بحاشية وينفذ أمره بأعوان ويظل في الحكم ما شاء هو أو شاءت حاشيته ويزول حكمه حين يشاء هو أو يشاء الحاشية بالعنف أو اللين بالفوضى أو بنظام القانون. ويتم كل ذلك في غيبة الشعب بل ودون إدراك حقيقة ما يجري من حوله رغم ما يقال أن كل شيء إنما يتم باسم الشعب وبإرادة جماهيره الواعية.. فلكل أمة ملك، وكل ملك يملك الأمر سواء سمي رئيساً أو سلطاناً أو أميراً أو إمبراطورا أو مستشاراً، لكن الله سبحانه وتعالى قد جعل من حكمته ولياً لكل أمر وجعل على هؤلاء الأولياء ولي أمر يحكم بالعدل وبمشورة أهل الرأي والأعوان الصالحين.

لا مناص من رجل يتولى أمر الناس في الجماعة ولا مناص له من حاشيةٍ وأعوان، وينبغي أن يكون البحث عن أفضل سبل تنصيبه واختيار أعوانه ومنهاج إسقاطهم ومحاكمتهم. ذلك هو الأمر الذي لا بديل عنه، أما حكم الشعب فذلك هو الزيف الذي لا يجده الباحث إلا على أوراق العهود والدساتير والمواثيق.

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . } (الحجرات 13).

الشعب هو الفرع من الأصل { انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ .} (المرسلات 30) والقبيلة هي الجماعة المؤتلفة من الناس { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } (الأعراف 27) فكل جماعة من الناس تجمع بينها رابطة من الروابط الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية فهي قبيلة كالعشائر والجامعات والقضاء والقوات المسلحة والنقابات والاتحادات المهنية وغيرها، وكل قبيلة من هذه القبائل مهيأة بطبيعة تكوينها بل وبالفطرة التي فطرها الله عليها لأن تقدم من تلقاء نفسها ولياً يتولى أمرها وأعواناً يشيرون عليه في الأمر ويتعاونون معه في حمل أعبائه، وأحياناً يتم ذلك دون تدخل من أحد ودون حاجة إلى قانون ينظم ذلك.

ولي بالفطرة التي فطر الله الناس عليها كالأب في الأسرة وليس ولياً متسلطاً بالقوة الغاشمة أو بصناديق الاقتراع المظلمة أو بالوراثة المتحكمة، وهذا هو الذي يرضاه الناس ويرضون عنه ولا يجدون السعادة إلا في طاعته.. إلا أن يكون الأمر قضاءً بين الناس، فذلك في القرآن مفصول عن ولاية الأمر بولاية قضائية لا يتولاها إلا ذو عدل من أولي العلم والعزم والخلق الرشيد { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ } (المائدة 95) من ذوي العدل من الناس وليس من أولي الأمر منهم، وهؤلاء هم الحكام تمييزاً لهم واستقلالا عن أولي الأمر { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ.} (البقرة 188).

أملاء السلطة

ملأ الشيء يملأه من إناء أو غيره – كما يقول الإمام الزبيدي رحمه الله- فهو ملآن والمؤنث ملأى وملآنة، والملأ الأشراف من القوم وجوههم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم، والملأ الجماعة مطلقاً وذكره عن التشاور أولي للمناسبة، والجمع أملاء. قال أبو عبيدة: القوم إذا تتابعوا برأيهم على أمر فقد تمالؤا عليه، وقال ابن الإعرابي: مالأه إذا عاونه، وفي الدعاء: لك الحمد ملأ السماوات والأرض، وفي حديث عمر بن الخطاب حين طُعن: أكان هذا عن ملأ منكم؟ أي مشاورة من أشرافكم وجماعتكم، وفي حديث علي بن أبي طالب: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله.

ولا نجد في القرآن ملأ بالحق إلا { الْمَلَإِ الْأَعْلَى } (الصافات 8) لله سبحانه وتعالى هو أهل الكبرياء في السماوات وفي الأرض وهو العزيز الجبار، ذلك في قوله تعالى { مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ .} (ص 69) ويشرح ابن كثير هذه الآية بقوله: (أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى) وقال الحسن: الاختصام المقصود فُسِّر بقوله تعالى بعد هذه الآية { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ .} (ص17)، ولقد ذكر الله سبحانه هذا الملأ في آية أخرى بقوله تعالى { لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى } (الصافات 8) ويشرح إبن كثير هذه الآية بقوله: (السماوات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوجبه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدره { إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ .} (الصافات 10) هي الكلمة يسمعها من السماء.

ولا نعلم شيئاً من أمر الملأ الأعلى إلا بقدر ما أُوحي إلينا من كتاب ربنا { قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . } (البقرة 32) أما في الأرض فلا نجد في القرآن ملأً صالحاً إلا ملأ سليمان عليه السلام، وما كان سليمان ليجعل السلطة حكراً على ملئه دون سواهم، فهو عليه السلام لم يسألهم رأياً في الحكم أو مشورةً في السلطة، بل طلب منهم طلباً محدداً لا علاقة له بالسلطة ولا بالحكم { قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . } (النمل 38).

وباستثناء الملأ الأعلى بالحق وملأ سليمان بإحسان، فإننا لا نجد في القرآن إلا أملاءً مستبدة ظالمة جائرة خاطئة تحتكر السلطة ولا تشاور فيها إلا السادة المقربين: من قوم نوح {قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ .} (الأعراف 60)، ومن قوم هود { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ .} (الأعراف 66)، ومن قوم صالح { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ } (الأعراف 75) وفي هذه الآية دلالة بينة على أنه كلما استبد الملأ بالأمر استكباراً في الأرض وجد المستضعفون والحقراء، وأخيراً من قوم شعيب { قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَ} (الأعراف 88).

ثم جاء فرعون من بعدهم فقال { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى .} (النازعات 24) وكان له ملأ أي ملأ، لقد كان ملأً يعلم ما في نفس فرعون ويدرك هواه ولا ينطق إلا بما يهوى { قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ .} (الشعراء 34-35) { قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ .} (الأعراف 109-110). وما كان لملأ إلا أن يكون رجعاً لصوت سيده الأعلى يأتمر بأمره ويفرض أمره على الناس كافة { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي } (القصص 38)، من أجل ذلك فإن الله تعالى قد بعث موسى وأخاه هرون إلى فرعون وملئه، لأنهما في الضلالة شيء واحد، لا يظلمون إلا بظلمه ولا يستبد ولا يتسلط على الناس إلا بهم { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } (يونس 75) { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } (هود 97).

ولم تكن ملكة سبأ استثناءً من دأب الملأ إذا احتكر السلطة واستبد بالأمر رغم أنها كانت ملكة طيبة في قومها وأسبق إلى الإسلام مع سليمان لله رب العالمين { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ . قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ .} (النمل 33) إنهم يعلمون أنها صادقة في استشارتهم وهي تؤكد ذلك لهم بقولها { مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ .} ورغم ذلك فلقد ردوا إليها الأمر لتنظر فيه بما تشاء، فإذا أرادت الحرب فهم لها طالما أن المستضعفين هم الذين سيحملون أوزارها ويخوضون غمارها، ذلك بأنهم كدأب الملأ في كل زمان ومكان لا يعنيه من الأمر إلا أن يحافظ على مكاسبه وعلى مقاعده في مجلس السلطة والملك والاستبداد.

وأخطر ما في هذا الملأ إذا احتكر السلطة واستبد بالأمر أن صوت الحق لن يكون مسموعاً في القوم. ذلك بأنه لن يمر إلا عبر قنوات الملأ المستبد بهوى السلطة، ولن يصل إلى الناس إلا إذا وافق هوى السلطان ولم يؤثر على مقاعد ملئه في السلطة، وبين الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ .} (يونس 83) ولقد رأينا ذلك الرجل الذي كان { يكتم إِيمَانَهُ } (غافر 28) ويدعو إلى الله وإلى رسوله بالحق المبين، ورغم أنه كان من آل فرعون إلا أنه لم يكن له غير صوت خافت، وأوشك فرعون وملأه أن يبطش به لولا أن وقاه الله { سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا } (غافر 45).

وإذا فتن الضعفاء والحقراء بالملأ إذا استكبر في الأرض واستبد بالسلطة، فإن أحدهم لا يغني عن الأخر من عذاب الله من شيء، كدأب الملأ من قوم فرعون لما استخفهم فأطاعوه { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ . فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ .} (الزخرف 54-56) ذلك في الحياة الدنيا لهم فيها خزي وهم فيها خاسرون، ويوم القيامة { وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ . }(إبراهيم 21).

يستنبط من كل ما تقدم من آيات الله البينات أنه لا ينبغي لأحد أن يحتكر السلطة من دون سائر الناس، أو أن يحصرها في ملأ محدود مهما علا شأنه أو عظم أمره في وجوه القوم، وذلك حتى يكون الأمر شورى بين الناس كل الناس، فلا يُحجب رأي عن الناس ولا يُعزل مفكر عن أن يقول لهم ما يشاء. يجب أن يكون للشورى مقاعد يغشاها كل الناس {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } (الشورى 38)، وأن تكون هذه المقاعد في كل مكان ومن دخلها كان آمناً ليعلم ما يراه في السلطة دون نيابة أو تمثيل ودون أن يحجر عليه بملأ من المجالس الاستشارية أو النيابة أو غيرها، ومن قعد عن قول الحق من بعد ذلك فهو وشأنه لا تثريب عليه ولا حجة له.

من أجل ذلك فإنه لا ينبغي الخلط بين الملك وملئه من ناحية وبين سائر الناس وأولى الأمر منهم من ناحية أخرى، الملك وملأه بمعزل عن سائر الناس وأوليائهم هو التسلط والاستبداد بغير الحق مهما اسبغ عليه من مظاهر الشرعية كالانتخابات أو الإستفتاءات أو غيرها، والملك الصالح هو الذي يختار لشعبه أفضل سبل التواصل الحقيقي بين قبائل الناس وأوليائهم.

ويرى بعض علماء اللسان أن (أولو) في قوله تعالى { وَأُوْلِي الأَمْرِ } بمعنى (ذو) وهو جمع لا يفرد له واحد من لفظه، ومن هؤلاء ابن سيدَه، والمؤنث أولات، ذلك لمن يرد اللفظ إلى مادة (ألون) بضم الألف واللام، وقد أهمله الجوهري والصاغاني. وجاء في تاج العروس للإمام الزبيدي أنها من آل يؤول، آل على القوم أولاً أو إيالا أو إيالة ولي أمرهم، واستشهد بقول العرب: (هو مؤتال لقومه مقتال عليهم)، وقيل أصله أهل وأبدلت الهاء همزة فصارت (أأل) فأبدلت الثانية ألفاً فصار (آل) في قوله تبارك وتعالى { وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ } (آل عمران 33) ولا تستعمل إلا للإشراف فإذا تدبرناها في القرآن وجدناها مضافة فيما يلي: { أُوْلُواْ الأَلْبَابِ .‏ }(البقرة 269) { وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ } (آل عمران 18) { أُوْلُواْ الْقُرْبَى } (النساء 8) { أُوْلُواْ الطَّوْلِ } (التوبة 86) { وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ } (الأحزاب 6) { أُوْلُوا الْعَزْمِ } (الاحقاف 35) { لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ } (آل عمران 13) { أُوْلِي الأَمْرِ } (النساء 83) { أُوْلِي الضَّرَر} (النساء 95) { لِّأُوْلِي النُّهَى .} (طه 54) { أُوْلِي الْإِرْبَةِ } (النور 31) { أُولِي أَجْنِحَةٍ} (فاطر 1) { أُوْلِي الْأَيْدِي } (ص45) { أُولِي النَّعْمَةِ} (المزمل 11) { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ } (الطلاق ).

ويلاحظ أن كلمة (أولو) قد وردت في هذه المواضع جميعاً بصيغة المضاف، والقاعدة في اللسان العربي أن المضاف يتخصص بالمضاف إليه ويتعرف به { أُوْلِي الأَمْرِ } (النساء 83) قوم تخصصوا بالأمر وعرفوا به تماماً كما تخصص { أُوْلُوا الْعَزْمِ } (الاحقاف 35) بالعزم وعرفوا به.

وليس صحيحاً أن (أولو) مرادف (ذو) ذلك بأنه ليس في اللسان العربي مترادفات على الإطلاق ولأن (ذو) وإن كانت لا ترد إلا مضافة إلا إنها لا يضاف إليها إلا اسم جنس ظاهر غير صفة، وأن من الأسماء الخمسة سادسها (الهن) بمعنى الشيء- في اللهجة الليبية (الهن) بمعنى الشيء وتنطق الهنى – ويلاحظ أن (ذو) قد وردت في القرآن مضافة في ست مواضع استعملت فيها كلمة (أولو) كما أشرنا إليه من قبل وكلها أسماء جنس ظاهرة { لَذُو عِلْمٍ} (يوسف 68) { ذِي الطَّوْلِ } (غافر 3) { لَذُو فَضْلٍ } (غافر 61) { ذَوِي الْقُرْبَى } (البقرة 177) { ذِي قُوَّةٍ } (التكوير 20) { ذَا الْأَيْدِ } (ص 17).

ونرى أن كلمة (أولو) ترد في القرآن بحسب مساقها: (1) فهي بمعنى صاحب الشيء كما استعلمت في الحالات الست المشتركة مع (ذو) لأن (ذو) بمعنى صاحب الشيء قولاً واحداً بلا خلاف (2) وهي بمعنى آل يؤول إليه الشيء إيالة أو هو تخصص بهذا الشيء الذي آل إليه وأصبح يعرف به كما وردت في (الأمر) (3) وهي من مادة (أول) بمعنى أنه أولى بالشيء أو أولي له كما وردت في (العزم).

{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } التقوى في هذه الآية الكريمة هي الحرص والحذر فهذه الحياة الدنيا دار ينبغي فيها الحرص والحذر الشديد، والذين يسرفون على أنفسهم ويفرطون في جنب الله هم الخاسرون. والقبيلة بطبعها تولى أمرها أكثر الناس حرصاً عليها من بين أفرادها فأولئك أكرمهم فيها وأحقهم بولاية أمرها، وعندما بعث الله محمداًصلى الله عليه وسلم للناس ولياً عليهم وصفه بأنه حريص عليهم { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . }(التوبة 128). فهو بالمؤمنين رؤوف رحيم ولكنه ولياً حريص على أمر الناس كافة ممن تولى أمرهم سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين.

ونرى أن أوفق سبيل لاختيار ولي الأمر أن يدعو ولاة القبائل في الجماعة لترشيحه ومبايعته، وولاة القبائل هم شيوخ العشائر ورؤساء الجامعات ورؤساء القضاء وقادة القوات المسلحة وأجهزة الأمن والشرطة ورؤساء النقابات والاتحادات المهنية والتجارية وغيرها وقادة الفكر ورجال الأدب والصحافة وغير ذلك من التشكيلات القبلية في الجماعة ممن يتولون أمراً له أثره على شؤونهم الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، فإذا بويع على الولاية بقرار من هؤلاء فإنه يتولى الأمر بصفة شرعية حتى تسحب منه البيعة أو تنقضي لأي سبب من أسباب انقضائها، وينعقد مجلس القيادات القبلية في دورات منتظمة أو بناء على دعوة من ولي الأمر أو بناء على دعوة من المجلس ذاته.

وهكذا ترد الأمور إلى فطرتها وتعالج الأزمات بطبائعها، أما الأحزاب السياسية وجماعة الدين وجماعات الكفر فهي أجسام غريبة عن مجتمع الناس، قد يقبلونها لبرامجها المنمقة وشعاراتها البراقة إلا أنهم لا يلبثون أن ينبذوها كما ينبذ الجسد كل جسم غريب عنه. وكذلك القوم الذين يعلقون صورهم على الجدران ويعدون الناس الحسنى بالحق وبالباطل ويسألونهم أن يقذفوا بالوريقات في صناديقهم الحافاً ليمثلوهم في مجلس نيابي أو غير نيابي ، كل أولئك يفتقدون الولاية بداية وانتهاءً وفاقد الشيء لا يعطيه ولن يعطيه إذاً أبداً. المؤهلون دون غيرهم لولاية الأمر هم الذين تولوا أمراً في الجماعة وعرفوا بالحرص عليها، هؤلاء هم أهل الرأي ورجال المشورة وهم موجودون في كل زمان ومكان، وينبغي أن يدعي هؤلاء دون غيرهم لترشيح ولي الأمر ومبايعته ودون حاجة إلى رص الناس في صفوف طويلة أو إرهاقهم بالدعايات والمزايدات ودون حاجة إلى صناديق وأختام.

ولسوف يألف الناس هذا النظام ويحبونه ويوقرونه ويطيعونه كما تألف العشيرة شيوخها وتحبهم وتوقرهم وتطيعهم في الأمر، وسيزهد الناس في الولاية ويؤثرون بها غيرهم لأنها ستكون جهاداً شاقاً وسباقاً بين أهل الرأي والحكمة وحديثاً يجري بين أولى الألباب.

أخلاق القيادة

لا يصلح الناس فوضى بغير نظام يسوس أمورهم، ولا يستقيم النظام إلا بالقادة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .} (النساء 59). بهذه الآية الكريمة أوجب الله تبارك وتعالى أن تساس أمور الأمة بالقيادة الصالحة وبمقتضى القوانين الصالحة، فأوجب الطاعة لها كما أوجبها لله وللرسول. فإذا تنازعوا فيما بينهم فالقول الفصل لما قضي به الله ورسوله وبمقتضى ما صدر من القوانين على هدى من ذلك.

وأولو الأمر هم الذين يتبوأون هذه المكانة بحكم مناصبهم أو بمقتضى ممارساتهم في المجتمع، كالمفكرين والعلماء وأساتذة الجامعات وشيوخ العشائر ورؤساء المحاكم والنقابات والقادة العسكريين ورؤساء الشرطة وغير هؤلاء ممن يتولون المراكز القيادية في الأمة ويعرفون بين الناس بتقوى الله والحرص على الجماعة.

أما أولئك الذين يجيدون فن الدعاية ويحسنون تزيين الأمور ولا يستحي احدهم من استجداء أصوات الناخبين في صناديق الاقتراع، فلا أظن أنهم يصلحون للقيادة ولا أظن أن أحدهم يستطيع أن يحافظ على الثقة التي قد يظفر بها. إن الأب يتبوأ ولاية الأمر في بيته ولا ينازعه أحد هذه الولاية دون أن يلقى أحد من الأبناء بورقة اقتراع في صندوقه، ورئيس الجامعة يتبوأ ولاية الأمر في جامعته ورئيس المحكمة يتبوأ ولاية الأمر في محكمته، ورئيس النقابة يتبوأ ولاية الأمر في نقابته وقائد الجيش يتبوأ ولاية الأمر في جيشه ولا ينازع هؤلاء أحد هذه الولاية ولا تكاد تجد أحدهم في حاجة إلى صندوق تلقى فيه أوراق إختياره هؤلاء هم أولو الأمر وأولئك الذين أوجب الله لهم الطاعة كما أوجبها لله وللرسول ولكن يجب ألا يتبوأ أحدهم الولاية إلا بالحق وسلطان مبين، فإذا قفز قافز من فوق رؤوسهم ليتبوأ الولاية بغير الحق فهنالك تختل الموازين القسط وتنجرف الأرض من تحت أقدامهم جميعاً وتنذر بالويل وهلاك مبين.

ونرى أن يشكل من أولي الأمر مجلسان يجتمعان مرة كل خمس سنوات لاختيار رئيس الدولة ونائبه على أن يكون لرئيس الدولة أن يختار وزراءه وأعوانه وأن يكون له القول الفصل في كل أمر وذلك بعد مشورة المجلسين الواحد بعد الآخر فيسجلون عليه رأيهم ويرضون بما عزم عليه من الأمر ولو كان يخالف ما اجتمعوا عليه.. فإذا اتضح لهم خطؤه عزلوه وجاؤا بغيره ممن كان يستقيم له الرأي في مجلسهم.. وبذلك لا يلي الأمر في الجماعة أحد إلا بالحق، فإذا تولى كانت له يد طليقة لا يقيدها قيد ولا تعطلها حدود.. فالثقة يجب أن تعطي كاملة أو تسحب من ولي الأمر بالكامل، على ألا تعطي ولا تسحب إلا بالحق وسلطان مبين ودون حاجة إلى اللجوء إلى العنف سراً أو جهراً.

ونرى أن يشكل المجلس الأول من أولي الأمر من المفكرين والعلماء ورؤساء الجامعات ورؤساء المحاكم وقادة الجيش والشرطة ورؤساء النقابات والاتحادات وشيخ واحد من شيوخ العشائر في كل بلدية أو محافظة يختاره شيوخ العشائر في هذه البلدية أو المحافظة وأن يشكل المجلس الثاني من شيوخ العشائر المعترف بها في الجماعة أو عدد محدود من رؤساء العائلات يتم اختيارهم وفق نظام معين عن طريق رؤساء العائلات في الجماعة كافة.

ويمكن طرح بعض الأمور على استفتاء عام يكون قاصراً على رؤساء العائلات، وذلك بمقتضى بطاقة العائلة التي تثبت لهم هذه الصفة. أما المرأة فإنها إذا أحسنت صناعة الأمومة فلن تجد في الأرض خيراً منها فهي من الأمومة كالعين في مقلتها بيضاء من غير سوء فإذا خرجت من مقلتها فإنها لشيء قبيح.. ولن تستطيع أن تعود إلى مقلتها إذاً أبداً.

{ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً . وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً .} (الأحزاب 32-34).

ذلك ما فرضه الله من المثل العليا للمؤمنين، وأولى بالمؤمنات أن يقتدين بذلك، فذلك خير لهن وأطهر لقلوبهن وأزكى لأنفسهن { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .} (النور 31).

لا حرج عليهن فيما يأذن لهن أولو الأمر من أعمال التجارة أو الطب أو الصيدلة أو التمريض أو التدريس أو غير ذلك، على ألا يتطلعن إلى أكثر مما فرضه الله لهن فإن الله تبارك وتعالى لم يحرم على عباده إلا الرجس والخبائث إنه كان لطيفاً خبيراً.

وإذا كان على الأبناء أن يخفضوا لآبائهم جناح الذل من الرحمة فلا ينبغي لأحدهم أن يكون له رأي يخالف رأي أبيه في غير معصية { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .} (الإسراء 24). ومن لم يكن في عائلة ولا رئيساً لعائلة فله صوت محسوب في اختيار ولي الأمر وفيما يطرح على الأمة من الاستفتاء إذا بلغ الرشد، والرشد في الكتاب لا يكون إلا بحكم قضائي إذا بلغ الحلم { وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً .} (النساء 6). وهم يبلغون الرشد حكماً إذا بلغوا أربعين سنة سواء قضى لهم بالرشد من قبل أو لم يقض لهم به { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ .} (الأحقاف 15).

بذلك يستقيم البناء السياسي للأمة، ولا نظن أنها بحاجة إلى أحزاب فالأمم تحتاج إلى الأحزاب إذا تعددت مذاهبها { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ .} (المؤمنون 52). وإنما جزاء الذين يسعون في هذا البناء فساداً أن ينفوا من الأرض لأنهم يريدون أن يحتكموا إلى الطاغوت { ومن أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ .} (المائدة 50).

إن رئيس العائلة ينفذ أمره ويجب على أبنائه أن يخفضوا له جناح الذل من الرحمة وإن قائد الجيش ينفذ أمره ولا يملك ضابط مهما علت رتبته أن يعصي له أمراً، وإن رئيس المحكمة ينفذ قضاؤه ولو كان خطأ متى أصبح قضاؤه حكماً نهائياً، فلماذا لا ينفذ أمر الولي الأعلى إلا إذا أقره نواب البرلمان ممن جاءت بهم طوابير الصناديق المظلمة. الشورى واجبة بين المسلمين، فرئيس العائلة يستشير عائلته في الأمر، والقائد العسكري يستشير أعوانه في الأمر، ورئيس المحكمة يستشير زملاءه في الأمر، فإذا عزم الأمر فلا ينفذ إلا أمر الرئيس ولو خالف به الإجماع كله { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ .} (آل عمران 159).

هذا هو البناء السياسي للأمة كما نتصوره على أساس من قواعد الأخلاق في كتاب الله، وهو محض رأي قد يكون متأثراً بالمكان والزمان الذي عايشته من قبل أو قرأت عنه. وقد يجد الصالحون الذين يتدبرون القرآن من مواقعهم ومن هدى ربهم أقرب من ذلك رشداً، ما أراه في الكتاب إن الباب مفتوح لكل أمة بحسب زمانها ومكانها وكثافة سكانها أن تجتهد في بنائها السياسي بقواعد من كتاب لا يبلى ولا تنفد كلماته أبداً.

وقد تصطدم الأمة بنظم تناقض الدين ولا تجد لها من بين أيديها حلاً ولا حولاً كنظام المصارف الدولي أو بيع الخمور في الفنادق أو المتاجر السياحية وغيرها. وأرى أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينسفوا أعمال الشيطان بقرارات معلنة، وإنما يترك الأمر للناس فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ما علينا من حسابهم من شيء وما حسابنا عليهم من شيء وتلتزم الدولة هذا الموقف مع إصدار تشريع ينص فيه على أنه لا تجوز المطالبة القضائية بديون ناشئة عن التزامات لا يقرها الدين.

ولو تتبعنا سير الأنبياء والصالحين لوجدنا المثل الأعلى من أخلاق القيادة وآداب ولاية الأمر، كان الرسولصلى الله عليه وسلم لا يحزن على الناس ولا يغضب لمكرهم بل كان يمضي على صراط ربه يلتزم قومه الذين آمنوا به ويخفض جناحه لهم { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً . وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.} (الكهف 28، 29).

{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الحجر 88). { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ . وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ .} (الشعراء 214، 217).

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ .} (آل عمران 159). وكان اليهود أشد مكراً وأشد عداوة للذين آمنوا ومع ذلك فقد أمر الله رسولهصلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .‏} (المائدة 13).

وما كان عفو المؤمنين ضعفاً وما كان صفحهم هواناً بل كان قوة بالحق وصبراً على أمر الله حتى تستقيم الأمور على إرادته ويأذن الله بنصره { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .} (البقرة 109، 110).

شهد الله أنهصلى الله عليه وسلم كان على خلق عظيم { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ .} (القلم 4). ولهذا بعثه الله ولياً على المؤمنين حريصاً عليهم رحيماً بهم { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ . فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .‏} (التوبة 128، 129). ولكنهصلى الله عليه وسلم لم يكن أبداً يطيعهم فيما يتبعونه من الهوى ولو انعقد عليه إجماعهم { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .} (الحجرات 7، 8).

ومن أخلاق القيادة أن يعتصم ولي الأمر بالله، وألا ينهار عند الشدائد مهما بلغت وطأتها على قومه. وله في ذلك قدوة بموسى عليه السلام واجه الموت من بين يديه ومن خلفه، وأوشك قومه أن ينهاروا من حوله فرقاً، فصاح فيهم صيحة العزة والشموخ والثقة والإيمان { فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ . فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ .‏ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ .} (الشعراء 53-62). { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ .} آية ينبغي لولى الأمر ألا تغيب عن باله أبداً.

وكان موسى عليه السلام على الحق حين غضب من القوم الذين اتخذوا العجل وفيهم نبي من الصالحين، ومع ذلك لم يتخذ قراراً إلا بعد أن محص الأمر وكان قراره من بعد غضبه آية من آيات الله سبحانه كيف يصنع عباده الصالحين { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ . قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي . قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً . إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً .} (طه 95-98). كان قراره عليه السلام بالنفي لا مساس جزاء وفاقاً لمن أراد السوء بشريعة الأمة وإيمانها.

ولا نجد رسولاً أو نبياً قد احتكم إلى القوة لفرض الحق على الناس، بل كانوا جميعاً يدعون إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة. ولم تكن هجرة الرسولصلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فراراً من الظلم، بل كانت رحلة من القوم الذين أصروا على الكفر إلى القوم الذين آمنوا. ولو شاء الله لدمرهم فيها ولو شاء لسلط رسوله فقلبها على رؤوسهم ولكنها سنة الله في الأرض لا إكراه في الدين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. كانت السلطة الشرعية في مكة لقريش وكان الرسول يدعو فيها إلى دين الله، ورفضت قريش الدعوة ورفضت صاحبها فاقتضت حكمة الله أن يخرج الرسول منها ويتركها لأهلها، فلما نصره الله بالقوم الذين آمنوا عاد فدخلها هادياً ولم يدخلها غازياً.

كانوا يقاتلون دفاعاً عن الدين وعن المستضعفين وكانوا يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ولم يخرج الرسل لقتال أحدٍ بغير حق، ولم يجاهد أحد منهم لملك أو متاع { فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ .} (النمل 36-37). لم يكن ذلك قراراً بإعلان الحرب، بل كان قراراً بقبول التحدي فقد كان عليه السلام كما كان أبوه ملكاً وكان يفهم طباع الملوك. فلما جاءته الهدية علم أنهم يساومونه على الحق، وأنهم قد أعدوا أنفسهم لقتاله إذا رفض المساومة. { قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ .} (النمل 33). فقبل التحدي وأعلن هذا القرار فجاءته الملكة وأسلمت معه بغير إكراه وكان ذلك نصراً لسليمان يفوق كل انتصارات القهر والعدوان في تاريخ البشر.

لا نجد نبياً يخرج لقتال الناس وقهرهم وحرق بيوتهم وبهائمهم إلا الأنبياء الذين صنعهم خيال اليهود في أسفارهم، وإنهم ليقولون منكراً من القول وزورا ، كانوا يقاتلون لرد العدوان ولم يخرج أحد منهم عدواناً على أحد أبداً سلام الله عليهم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

وليس بوسعنا أن نحيط بأخلاق القيادة وآداب الولاية من سير الأنبياء والصالحين في القرآن، وإنما أردنا أن نضرب الأمثال من الكتاب الذي أنزله الله تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء. ولو تدبر ولي الأمر القرآن مرة كل شهر لوجد فيه حلولاً لكل أمر قد يستعصي عليه، ونجد في قوانين البحار أن ربان السفينة هو آخر من يخرج منها إذا أشرفت على الغرق وقيل أنه كان اجتهاداً من البشر وربما كان الأمر كذلك، ولكن القرآن كان سابقاً عليه في أمر على فترة من رسالة إبراهيم ولوط عليهما السلام { فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ . قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ . قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ . وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ .} (الحجر 61-65). فإذا أمر ولي الأمر قومه بالخروج نجاة من خطر يوشك أن يقع بهم، كان عليه أن يكون آخر من يخرج منهم وأن يظل على آثارهم يتبع أدبارهم حتى يكتب الله النجاة لهم.

ومن أخلاق القيادة أن يكون الولي حريصاً على شعبه لا يخرج بهم في المعارك الخاسرة، فإذا واجه عدواناً عليهم قاتل بهم إذا أمن النصر فإذا كان النصر بعيد المنال فعليه أن يتقي من المعتدين تقاة وأن ينأى بهم عن التهلكة { لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ . قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (آل عمران 28-29).

ومن أخلاق القيادة أن يتخلق ولي الأمر بخلق القرآن، وأن تكون له في رسول الله والأنبياء والصالحين القدوة الحسنة والمثل الأعلى، وأن يكون رائده في ذلك قول شعيب عليه السلام { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ . }(هود 88).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home