Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Monday, 19 June, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (17)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

{ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ.‏}(النساء 13، 14 )

نظام الميراث

الموت والحياة

{ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ .} (غافر 11) الحديث يوم القيامة حديث عن بصر حديد لا يحجبه عن الرؤية الصحيحة غطاء {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ .} (ق 20-23) هذا قد بعث يوم القيامة فأدرك أنه كان له وجود عند ربه قبل حياته الدنيا التي فرط فيها وموت آخر قبل موته الذي بعث من بعده { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } (غافر 11) فهل كان لنا وجود قبل هذه الحياة الدنيا, وهل كان لنا موت قبل الموت الذي سنلقاه بعد حين. هذا لا شك فيه فالموت لا يكون إلا بعد الوجود, والترتيب المنطقي لهذه الآية الكريمة ينتهي في الفهم إلى أن الإنسان وجد ثم مات ثم يوجد في الحياة الدنيا ثم يموت مرة أخرى حتى يبعث يوم القيامة فيقول { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } (غافر 11) نحن لا نعرف في الحياة الدنيا إلا الموت الذي سنلاقيه من بعد, وليس بعد هذا الموت إلا النشور فلا ريب أن يكون الموت الآخر قد حدث قبل أن نوجد في هذه الحياة الدنيا بالولادة.ومتى كان الغياب عن الحياة قبل الولادة موتاً, ومتى كان الموت لا يقضى به إلا على من كان عند ربه موجوداً, إذن فلا ريب كان لنا عند ربنا وجود قبل هذا الوجود وإنما يحجبنا عن هذا الوجود وعن ذلك الموت الذي حدث من بعده غطاء كثيف.

أول خصائص ذلك الوجود أننا عرضنا على الملائكة لتعلم أن الله يعلم غيب السماوات والأرض وأنه يؤتي علمه من يشاء من عباده وأنه أحاط بكل شئ وأحصى كل شئ عدداً {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ .} (البقرة31، 33) ومن خصائص ذلك الوجود أن الله تبارك وتعالى عرض علينا الأمانة وأننا قبلنا حملها طائعين, وقد ثبت من ذلك أن الحجر كان أعقل من كثير من البشر حين أبى أن يحملها وأشفق منها { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .} (الأحزاب72، 73) ولو تدبرنا آيات الله في السماوات والأرض لوجدنا كل شيء يمضى في فلكه على صراط مستقيم ابتداءً من الذرات وانتهاءً بالمجرات إلا الإنسان إنه المخلوق الوحيد الذي يتخبط في سيره ولا يستقيم على صراط الله إلا القليل.

فهل يمكن أن تكون الأمانة التي عرضت علينا إلا أن نسير أنفسنا بأنفسنا على صراط مستقيم أبى القمر هذا وقال رب إن كنت أمرت بخلقي فأمر بتسييري على صراطك المستقيم. فانظر إليه وتدبر سيره في فلكه العظيم وتذكر أنك لو كنت اقتديت به وأبيت الأمانة كما فعل وأشفقت منها كما أشفق منها لكان لك في هذه الحياة الدنيا سبيل كسبل الأنبياء والصالحين من أولى العزم وصراط غير ذي عوج كصراط القمر وسائر ما في ملك الله من كواكب ومجرات.

ولعل نظرة تدبر إلى علاقة مجرة من المجرات بالمجرة الأخرى فيما يرويه علماء الفلك بعد أن أبت كلها أن تحمل الأمانة وأشفقت منها, ثم نظرة تدبر أخرى إلى علاقة الإنسان بأخيه الإنسان منذ هبط هذه الأرض وإلى أحوال البشر الذين حملوا هذه الأمانة تغنيك عن فلسفة الباحثين فيما إذا كان الإنسان مخيراً أو مسيراً { إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . }(يونس 44).

ومن خصائص الوجود الأول وبعد أن قبل الإنسان الأمانة وارتضى أن يحملها, كان ذلك المشهد العظيم { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .} (الأعراف172، 174) يوم تنقضي الغفلة وينكشف الغطاء عن الناس ويعود إليهم البصر الحديد, فلسوف يتذكر الناس هذا الوجود وذلك المشهد وتلك الشهادة, ويقول الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ . ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ .} (غافر11، 12).

ولو أننا نتدبر آيات البعث لنجدها تتحدث عن الرجوع, منها على سبيل المثال { وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّه ِ} (البقرة 281) { هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (يونس 56) { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء 35) { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ .} (العنكبوت 57) { قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ .} (السجدة 11) { فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (يس 83) الرجوع إنما هو عود على بدء, كانت البداية عند ربنا وإنا إلى ربنا لمنقلبون { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً . وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً } (الكهف47، 48).

على هدى هذه الآيات الكريمة يبين المعنى العظيم من قوله تعالى { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ . } (الروم 19) فالموت هو الغياب والحياة هي الوجود, وكل شئ قائم في علم الله تبارك وتعالى وليس في ملكه عدم سبحانه وتعالى علواً كبيراً.

فلما جاء الخريف يقول الذي كفر أتؤمن أن كل ورقة سقطت من هذا الشجر الكثيف يعلمها الله ولو إنه تأمل هذه الورقة لأيقن أن الله يعلم عدد خلايا كل ورقة من هذا الورق وتركيب كل خلية من هذه الخلايا, لأنه هو سبحانه وتعالى الذي ركبها خلية خلية وصبغها ذرة ذرة وأنبتها ورقة ورقة حتى تكامل نموها وقامت بوظيفتها. وكان الله معها في كل طور من أطوارها وما كان لأحد أن ينبتها على هذه الآية الكبرى إلا الله, وإذا كان الله معها منذ البداية فلا شك أنه سيكون معها عند النهاية ولن تسقط من شجرتها إلا بعلمه, وهو قادر على أن يعيدها سيرتها الأولى.

ليس في ملك الله عدم, كل شئ قائم في علم الله هنالك الغياب والوجود، كنا في الوجود الأول عند ربنا ثم كان الغياب بالموتة الأولى. ثم نوجد بالولادة في هذه الحياة الدنيا, ثم نغيب بالموت مرة أخرى إلى يوم القيامة.

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .} (البقرة 28) كنتم أمواتاً قبل الولادة فأحياكم بها في هذه الحياة الدنيا, ثم يميتكم بالموت الذي نعرفه ثم يحييكم بالبعث والنشور. فالموت في سياق هذه الآية لا يكون إلا بعد الوجود, والله تبارك وتعالى يحدثنا عن أمانة عرضها فقبلناها, وشهادة حق بأنه هو ربنا تبارك وتعالى شهدناها. وذلك في الوجود الأول من قبل الموتة الأولى, ثم خرجنا إلى هذه الحياة الدنيا لنحمل ما حملنا ونمتحن فيما شهدنا به، ثم يكون الموت الثاني إلى يوم القيامة لنحاسب على الأمانة ونسأل عن الشهادة.

قد يرى أناس أن هذه الفلسفة لا دليل عليها ونتساءل بدورنا عما يستنبطونه هم من حياتين وموتين لكل إنسان, وما هو موضع الأمانة التي عرضها الله والشهادة التي شهدناها بالحق من هاتين الحياتين وما هو العجيب في أمر الله وهذه هي دودة القز تنسج لنفسها قبرا من الحرير لتخرج منه فراشة تطير بجناحين, إن الفرق بين الإنسان وبين الدودة يكمن في العقل إذا عرض عليه الحق آمن به وصدقه. فإذا قلت للفراشة أنها كانت دودة تسعى فقد يستعصى عليها أن تصدقك, أما أن تقول للإنسان أنه كان شيئاً ما عند ربه قبل أن يخرج من بطن أمه فيقول المؤمن { وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ .} (إبراهيم 20).

الوجود والغياب أمور نسبية في علم الخلق يلتمس هذا من ذلك بالسمع والبصر والفؤاد, فكل إنسان لا يرى ولا يسمع ولا يحس له من أحد ركزاً فهو غائب إما لأنه لم يولد بعد وإما لأنه ولد ثم مات, الأحياء الذين يرزقون في هذه الحياة الدنيا والذين يراهم الناس ويسمعونهم ويحسون لهم ركزاً هم الموجودون. أما في علم الله تبارك وتعالى فالغائب والحاضر سواء يقول للغائب كن فيخرج من الغيب إلى الحياة بالولادة أو بغيرها, ويقول للحاضر كن فيخرج من الحياة إلى الغيب بالموت أو بغيره. سبحانه ليس في ملكه عدم على الإطلاق, بل إن كلمة العدم لم ترد في أي آية من آيات القرآن الكريم. ذلك بأنه ليس في قاموس الإيمان عدم, وليس ثم عدم إلا في عقول الذين لا يؤمنون.

فإذا جاء الغائب في هذه الحياة الدنيا وجب عليه أن يمضى في ملك ربه على صراط مستقيم, فهذه هي أمانته التي حملها طائعاً مختاراً بينما أبتها السماوات والأرض والجبال وأشفقت منها, والتوكل على الله والإنابة إليه هما في حقيقتهما وجهان للاعتراف بجهل الإنسان وظلمه يوم حمل الأمانة { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً .} (الأحزاب 72) والله من رحمته قد فتح لنا أبواب الرجوع عن الظلم بالعدل كما فتح لنا أبواب الرجوع عن الجهل بالعلم, وأنزل لنا الكتاب تبياناً لكل شئ وتفصيلاً لكل شئ وتفسيراً لكل شئ ليعلم أولوا الألباب وليؤمنوا ولعلهم يرجعون.

ولا سبيل إلى صراط الله المستقيم إلا بالتوكل عليه والإنابة إليه توكلاً كاملاً وإنابة مطلقة, ولقد أدرك إبراهيم عليه السلام هذه الحكمة البالغة فقال { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .} (الأنعام 77) ثم قال { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ .} (الشعراء 78) ولا ريب أن خالق الشئ هو وحده أعلم بهداه, لذلك أسلم النبيون والصالحون إلى الخالق العظيم وتوكلوا عليه وأنابوا إليه ليهديهم صراطاً مستقيماً.

وجاء موسى عليه السلام من بعد وكان له حوار بليغ مع الطغاة ) قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى . قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى . قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى .} (طه 49، 52) آيات بينات لا تنضب استنباطاتها ولا يكف عطاؤها في قرآن كريم, الذي خلق فهو الذي هدى ولا سبيل إلى الهدى إلا بالذي خلق الأرض والسماوات العلى, وإن الذين يجادلون عن الغيب بغير علم ولا هدى أولئك في ضلال مبين.

نعود فنتأمل الخلق أي خلق, الذرة ونظامها والأرض وفلكها, الشمس والقمر, والمجموعات الشمسية والمجرات , بل الإنسان نفسه قلبه ودمه سمعه وبصره { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .} (هود 56) وإذا كان الإنسان قد اختار لنفسه أن يحمل الأمانة, وأن يعيش الحياة الدنيا سيد نفسه وقيماً على مسيرته, إلا أن الله سبحانه وتعالى من رحمته لم يشأ أن يتركه سدى, وهو الذي علم أن الإنسان كان بهذا الاختيار ظلوماً جهولاً. لذلك كانت بعثة الأنبياء والمرسلين بالإسلام ديناً قيماً من الله رب العالمين { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .} (الأنعام 161 و163) وهذا هو الإسلام أن يسلم الإنسان صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لذلك قال الذين استمعوا إلى هذا القرآن { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً .} (الجن 14).

كان الإنسان غائباً فحضر بالحياة, ثم يخرج من الحياة إلى الغيب بالموت. الله وحده هو الحي الذي لا يموت بل ولا تأخذه سنة ولا نوم, وهو عالم الغيب والشهادة يخرج الشهادة من الغيب ويخرج الغيب من الشهادة.

وهذا الجسد الذي يوارى التراب إذا مات صاحبه لا يعدو أن يكون ثوباً خلع عنه في رحلته إلى الغيب, ويبدو أن الإنسان بعد هذه القرون الطويلة من بعد حديث ابني آدم ما يزال في حاجة إلى الغراب ليعلمه كيف يوارى سوأة أخيه { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ . فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ . فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.} (المائدة 27، 31) هكذا يكون دفن الموتى تبحث في الأرض كما يبحث الغراب, ثم يوارى الثوب في التراب إلى يوم القيامة دون حاجة إلى غسله أو تكفينه كما يفعل المسلمون اليوم عندما يدفنون قتلى معارك الجهاد في سبيل الله.

فمن أين تعلم المسلمون هذه الطقوس التي يعتبرونها اليوم من سنن الإسلام, ولماذا يعتبر المسلمون هذه السنن فروضاً أشد من الصلاة ومن الحج والصيام (وعندما يرى أهل الميت جثمان الفقيد يقرأون- ولتكن نعمة الرب إلهنا علينا- ثم يسكبون الماء على رأس الميت ويغسلون الرأس أول مرة بالماء والمرة الثانية بالملح والمرة الثالثة بالصابون ويقرأون- رأسك عليك مثل الكرمل وشعر رأسك كالأرجوان مبارك أنت يا رب الذي يغفر خطايا وذنوب أموات شعب إسرائيل- ثم يغسلون الرأس بالماء رابعاً وخامساً وفي المرة السادسة يغسلونه بماء الورد وفي المرة السابعة بالماء ويقرأون- ليأت السلام ليرتاحوا على مضاجعهم مبارك أنت يا رب الصانع سلاماً في سماواته ولخائفى اسمه- ثم يغسلون البطن والكتفين والذراع اليمنى والذراع اليسرى ويقرأون- مبارك الغادي بشعب إسرائيل من أنواع السخط برحمة- ثم يغسلون الفخذين والأعضاء التناسلية ويقرأون- ولتكن إرادة من لدنك يا رب إلهي وإله آبائي أن تذكر العهد المقدس الذي في جسدنا وأن يكون له فداء من نار جهنم وأن تخلصه مبارك القاطع عهد برحمته- ثم يغسلون الركبتين والقدمين ويقرأون- أرجل الصالحين واطئة جنة عدن لأنها محل المستقيمين هو يحرس أرجل أتقيائه مبارك أنت يا رب- وعند غسل الوجه يقرأون- وجهاً لوجه تكلم الرب معكم في الجبل من وسط النار أنا كنت واقفاً بينكم في ذلك الوقت- وعند غسل الفم يقرأون- فماً إلى فم وعيناً تكلم معه لا بالألغاز- وعند غسل الأصابع يقرأون- في يدك استودع روحي فديتني يا رب إله الحق- وعند غسل العينين يقرأون ورأى الأول لنفسه لأنه هناك قسم من الشارع محفوظ, عيناه كالحمام على مجارى المياه- وعند غسل الأنف يقرأون أنفك كبرج لبنان- ثم يقرأون سبع مرات من سفر الخروج ما يلي-ويكون جيب رأسها في وسطها وتحيط بجيبها حاشية صنعت حائل كجيب الدرع تجعل لها ما يلي لئلا تتمزق(سفر الخروج فصل 28 الجملة 32) كما يقرأون سبع مرات من سفر العدد ما يلي- إنه شعب سيسكن وحده ويحسب بين الأمم(سفر العدد فصل 23 جملة 9) ثم يرش الماء على جسمه كله ويقرأون- وأرش عليكم ماء طاهراً فتطهرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم لأنه في هذا اليوم يكفر عنكم ليطهركم من جميع خطاياكم أمام الرب فأنتزع إثمك وكفر عنك خطيئتك وهكذا يلبسونه كفناً جديداً بقراءات معقدة لا نهاية لها ثم يسيرون به في الجنازة وفي النهاية يضعونه في التراب).

هذا بعض ما يجرى عند بني إسرائيل وقد نقله المسلمون بأقل من ذلك تعقيداً, استبدلوا بهذه القراءات بطبيعة الحال قراءات من القرآن الكريم الذي أنزل { لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } (يس 70) تماماً كما نقلوا عنهم الختان وغير ذلك مما أقحم على الدين الذي فصله الله في كتابه العزيز تبياناً لكل شئ ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين.

إن هذه الطقوس المعقدة التي جاء بها كهان بني إسرائيل لم يبتدعوا منها شيئاً لتكريم موتاهم وإنما هم ابتدعوها ليكون لهم هم شأن عند قومهم تماماً كما يفعل كهنة المشركين فيخضع لهم العامة ويهرعون إليهم في شؤون الحياة والموت يسألونهم الرأي ويتبعونهم في الصلاة ويستجيرونهم في المرض ويعهدون إليهم بالموتى ليدفنوهم حسب هذه الطقوس المبتدعة فتكون لهم بذلك اليد العليا على العامة ويجمعون من وراء ذلك الثراء العريض { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .} (التوبة 34) أما في دين الله الذي شرعه الله تبارك وتعالى لعباده فإن دفن الموتى من البساطة بحيث يستطيع أن يقوم به الغراب.

إذا مات الرجل فقد خلع ثوب الحياة وذهب إلى عالم الغيب وهو عالم قائم عند الله تماماً كعالم الشهادة, وهذا الذي تركه من بعد رحيله سوأة يجب أن توارى في الأرض بالحالة التي تركه عليها لا تخلع عنه شيئاً إلا ما ينفع الناس من متاع ولا تضيف إليه شيئاً إلا ما يستر هذه السوأة في طريقها إلى مثواها الأخير.

بقى من طقوس الموت الصلاة, فإنهم يضعون التابوت عند قبلة البيت الحرام ثم يقفون صفاً لإقامة الصلاة. ولقد رأينا في باب الصلاة أن الصلاة شئ وإقامة الصلاة شئ آخر, رأينا أن الله سبحانه وتعالى وملائكته يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام بمعنى أنه سبحانه يصله برحمته ورضوانه ونعمته ورأينا أننا مطالبون بالصلاة على النبي { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً .} بمعنى أن نذكر فضله على المسلمين وجهاده في سبيل الله فنذكره بكل الحب والوفاء ونتبع سننه الحميدة كما فرضها الله عليه بالقرآن. وكذلك فإننا مطالبون بالصلاة على آبائنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان, وذلك بأن نسأل الله لهم العفو والمغفرة ونذكر أفضالهم علينا وإحسانهم بنا وأن نهب لهم من ثواب ما نتصدق به على الفقراء والمساكين { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ } (التوبة 84) ورد النهى عن الصلاة على من مات من الكافرين والمنافقين ويبين من هذه الآية الكريمة أن المسلمين قد استثنوا من النهى فتجوز الصلاة عليهم كما يجوز القيام على قبورهم وذلك في صلة دائمة يصل بها الأحياء الأموات بالرحمة والدعاء والحب والوفاء والبر والصدقات. أما إقامة الصلاة بأي حركة من حركاتها قياماً أو ركوعاً أو سجوداً فلا تجب إلا في مواقيتها لله تبارك وتعالى فرضاً أو نفلاً, ولا تجوز أبداً لميت أو لغائب أو للاستسقاء أو لغير ذلك مما نجده اليوم عند المسلمين بغير سلطان من الكتاب المجيد.

والموت والحياة من الظواهر البشرية التي يلتمسها الناس بحواسهم, أما عند الله سبحانه وتعالى فلكل إنسان قدرٌ وميقات يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي إذا قال له كن فيكون. من سنن الله تبارك وتعالى أنه هو الذي يقضى بسننه وهو الذي يستثنى منها.. قذف إبراهيم عليه السلام في النار فكانت برداً وسلاماً.. وأرادوا بعيسى ابن مريم عليهما السلام كيداً فرفعه الله إليه وطهره من أيديهم.. ومر الرجل على قرية وهي خاوية على عروشها فتساءل كيف يحيى الله الموتى فأماته الله مائة عام ثم بعثه.

بل إن الله ليستثنى من سننه فيتفضل على الصالحين من عباده فيأذن لهم بأن يحيوا الموتى كما أذن لإبراهيم وعيسى ابن مريم عليهم السلام. { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .} (البقرة 260) { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }. (المائدة 110).

ومثل من أهل الكهف كان استثناء من الموت ومن الحياة.. لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً.. كانوا قد أووا إلى الكهف فراراً بدينهم على خوف من ملئهم أن يفتنهم.. فلما قاموا ولم يكن أحد منهم قد أدرك أنه نجا من بطش القوم الذين ظلموا أنفسهم { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً . إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً .} (الكهف19، 20) انقضت القرون وكأنها ساعة من نهار.. كان الله سبحانه قد بدل أقواماً بقومهم وغير أحوالهم بأحوال.. ولم يكن قد آتاهم أنباء ذلك فلم يشعروا بالزمن ولا بتقلب الناس من حولهم فقاموا من مرقدهم على خوفهم الذي أووا به إلى الكهف.

إن المثل الذي يضربه الله بهذا الحديث ليوحى إلى الصالحين من عباده بأن لا يخافوا في هذه الحياة الدنيا ولا يحزنوا وإنهم هم الأعلون إن كانوا مؤمنين.. فهو القادر سبحانه على أن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا وهو القادر سبحانه على أن يبدلهم من بعد ضعفهم قوة.. بل هو القادر على أن يخلصهم بخالصة ذكرى الدار.

إن الألم هو وليد الإحساس بالمشاكل ومعايشتها إذا لم يجد الإنسان أي علاج لحلها أو حيلة ليتجاوزها.. فإذا وجد الإنسان نفسه في ضيق من أمر لا حيلة له فيه ولا مندوحة له عنه فإنه يستطيع بصبره وإيمانه أن يتجاوزه بأن يعايش المستقبل حين تمضى القرون كما مضت بأصحاب الكهف وهو لا يشعر بها وكأنها ساعة من النهار حنى يجد نفسه بين يدي ربه في جنات عدن أو في عذاب مقيم { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ . سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ .} (الحديد20، 21).

إن كل شيء في الحياة الدنيا يطلب لذاته فهو سراب إذا بلغه الإنسان لم يجده شيئاً.. ذلك مثل الحياة الدنيا عند الذين كفروا يتبوأونها لذاتها فتراهم يلهثون وراء السراب كلما أدركوا منه شيئاً لم يجدوه شيئاً.. يتطلع إلى ما وراء السراب حيران يريد أن يملأ الفراغ بفراغ حتى يجد نفسه في قبر أو بين يدي عزيز مقتدر.. { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ .} (النور 39).

الذين يتطلعون إلى الآخرة يعلمون كيف خلقوا وإلى أين المصير فتراهم على بينة من ربهم لا يأسفون على ما فاتهم ولا يفرحون بما آتاهم.. يعلمون إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار فيقيمون حياتهم فيها على قدر حجمها ولا يقيمونها كما كانت تقيمها عاد إذا قال لهم أخوهم هود عليه السلام { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .} (الشعراء128، 135).

بناء العبث.. ومصانع الخلود.. وبطش الجبارين.. كان ذلك دأب عاد فجاءهم أخوهم هود ليلفتهم عنه وليدعوهم إلى الرفاهية بما أمرهم الله من متاع الحياة الدنيا وزينتها ليقيموا حياتهم فيها على قدر حجمها وبحسب احتياجاتهم فيها.. أنعام يذراهم فيها.. وبنون يدخرهم فيها قرة عين لهم.. وجنات وعيون متاعاً للأولين والآخرين من العالمين في الأرض جميعاً.

فكم مر على الناس من مثل عاد.. إن الذين يريدون الحياة الدنيا ليسمون عاداً حضارة وتقدماً وقوة في الأرض.. ولكن الحضارة والتقدم عند الله في تنمية الأنعام واستثمار جنات الأرض وعيونها وتربية الأجيال على شريعة الله ومنهاجه القويم.. أما بناء العبث.. ومصانع الخلود..وبطش الجبارين فقد دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها.. ويوم القيامة يأتون فرادى من بعد سراب عريض.

الميراث نصيب مفروض

وإذا مات الرجل وخلع عنه ثوب الحياة وانتقل بذلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب, فقد خلفه الآخرون فيما كان له أو كان عليه من حق أو دين حسبما فرضه الله لعباده في الأرض بالقرآن الكريم { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ } (النساء 33) وينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الأمة ستخالف أول ما تخالف من أحكام الله نظام الميراث ولولا أنني أجد أنها كبيرة لا تغتفر أن ينسب إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه بدليل قاطع لا يرقى الشك إليه وهو الذي لا ينطق عن الهوى لقلت يوشك أن يكون هذا حديثاً صحيحاً, ذلك أنك إذا تدبرت القرآن وجدت أن الأمة قد جعلت ما قيده القرآن في الميراث مطلقاً وجعلت المطلق في هذا النظام مقيداً, ثم إنك تجد أن الأمة قد زادت في طوائف الوارثين من لا حق له في الميراث كالعم وأبناء العم في بعض المذاهب والخال وأبناء الخال في مذاهب أخرى, واجتهدت من الجاهلية ميراث الولي الذي أعتق الرق رغم أنه لا رقيق في الإسلام, ومنعت بهذه الاجتهادات حق الله ورسوله في نوافل الحساب, وذلك مما حذر منه ابن كثير(المجلد الثاني صفحة 346).

فماذا ينبغى للمسلم أن يقول هل يقف مع الأمة صفاً ضد القرآن, أم يقف وحده مع القرآن ولو خالف الأمة. اعتقد أن الخيار قد أصبح واضحاً فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً, فلنتدبر آيات الله البينات التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد ولنبحث في مصادرهم التي يجتهدون بها ويستنبطون منها ثم نقول للذين يظنون أننا من المخالفين ما قال شعيب عليه السلام { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ .} (هود 88).

ولقد تقرر الميراث من الوالدين ومن الأقربين بقوله تعالى { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ } (النساء 33) بمعنى أن لكل إنسان حقاً في أن يلي الوالدين والأقربين فيما يتركون من متاع الدنيا, موالى من ولى الأمر أو الشيء عن غيره إذا تلاه فيه من بعده موالاة والجمع موالى على وزن مباني ومعاني ومساقي.

ونتفق في هذا الفهم مع أكثر المفسرين, روى عن مجاهد وعن قتادة قولهما أن الموالى في هذه الآية الكريمة هم الأولياء, وروى عن السري قوله أنهم أهل الميراث, وروى عن زيد قوله الموالى في هذه الآية الكريمة هم الورثة, وقال أبو جعفر تأويل الكلام لكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون به مما ترك والداه وأقرباؤه, وقال النسفي في تفسيره (ولكل المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو لكل مال جعلنا موالى وراثاً يلونه ويحرزونه مما ترك الوالدان والأقربون) وقال البيضاوي في تفسيره(لكل تركة جعلنا وراثاً يلونها ويحرزونها ومما ترك بيان لكل مع الفصل بالعامل أو لكل ميت جعلنا وراثاً مما ترك).

وهناك روايتان عن ابن عباس رحمه الله أثبتهما الطبري في تفسيره الرواية الأولى رواها أبو كريب عن أبي أسامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رحمهم الله (ولكل جعلنا موالى) قال ورثة, وبذلك تتفق هذه الرواية في النتيجة التي انتهى إليها المفسرون الذين أشرنا إلى أقوالهم في معنى هذه الآية الكريمة والرواية الثانية رواها المثنى عن عبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح عن على ابن أبي طلحة عن ابن عباس رحمهم الله { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ } (النساء 33) (قال الموالى العصبة يعنى الورثة) ورغم أن هذه الرواية لا تحتمل أي إضافة على الرواية السابقة إلا فيما جاءت به من بيان الورثة بأنهم هم العصبة وهو لفظ لم يرد في كتاب الله في أي آية من آياته البينات, ورغم أن الورثة أو العصبة لا يرث أحد منهم بغير سلطان بين في كتاب الله التزاماً بحدوده التي فصلها من لدنه تفصيلاً ضافياً, رغم كل ذلك فقد جاء في تفسير الطبري أنه قال في بيان هذه الآية الكريمة (ولكلكم أيها الناس جعلنا موالى أي ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته) ومن هذا القول جاء فقهاء الشريعة بميراث العصبة فورثوا العم وأبناء العم مهما نزلوا, وهم لا يرثون بالقرآن شيئاً بعد ما بين الله في كتابه العزيز الذين يرثون تفصيلاً وبين مقدار ما يرث به كل منهم وما يتأثر به هذا المقدار زيادة أو نقصاناً بحسب كل حالة بذاتها في قوله تبارك وتعالى { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً . وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ . تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ .} (النساء11، 14) { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . } (النساء 176) { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .} (الأنفال 1).

هذه هي آيات المواريث مفصلة في القرآن تفصيلاً مبينة من يرث ونصيب كل وارث من الورثة وما يتأثر به هذا النصيب زيادة أو نقصاناً بوجود بعض الورثة, ولا تترك هذه الآيات مجالاً للشك في أنها آيات مفصلات في الكتاب تفصيلاً وبالتالي فلا معنى للزيادة فيها أو الانتقاص منها, خاصة وقد جعلها الله تبارك وتعالى من حدوده وأنذر من يتعد حدود الله ناراً خالداً فيها وعذاباً مهيناً.

أولاً: الأبناء وقد ذكروا في الآية بأنهم أولاد من ولد يلد ولداً والإنسان يلد الذكر كما يلد الأنثى { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } (النساء 11) فللأنثى سهم وللذكر سهمان, فإذا ترك أحد الأبوين إناثاً ولم يترك ذكوراً فلهن ثلثاً ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف.

ثانياً: الآباء يرثون من أبنائهم فإن كان لهذا الابن ولد ذكراً كان أو أنثى فلكل منهما السدس مما ترك وإن لم يكن له ولد لا ذكر ولا أنثى وورثه أبواه فللأم الثلث وللأب الباقي, وإن كان له أخوة ذكوراً أو إناثاً فللأم السدس وللأخوة نصيبهم المفروض وذلك إذا كان الأب ميتاً أما إذا كان موجوداً فلا يتأثر نصيب الأم في الثلث بوجود الإخوة لأنهم يحجبون عن التركة بوجود الأب ولا يؤثر في التركة إلا من يرث منها.

ثالثاً: الأزواج يرث بعضهم بعضاً فيرث الرجل نصف ما تترك زوجه أن لم يكن لها ولد فإن كان لها ولد نقص نصيبه إلى الربع, والنساء يرثن من أزواجهن الربع أن لم يكن لهم ولد فإن كان لهم ولد ذكراً كان أو أنثى نقص نصيبهن إلى الثمن.

رابعاً: الأخوة وقد وردت في ميراثهم آيتان كريمتان(الأولى) { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} (النساء 12) (والثانية) { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . }(النساء 176).

ذهب الفقهاء والمفسرون وعلماء الشريعة واللسان العربي مذاهب شتى في فهم هاتين الآيتين الكريمتين ولعل أخطر ما قيل في هذا الشأن الزعم بأن إحدى الآيتين تتعلق بالإخوة من الأب وتتعلق الأخرى بالإخوة من الأم, رغم إن كلتا الآيتين تتحدثان عن الإخوة دون تفرقة بين هؤلاء وأولئك ويسرى حكمهما على الإخوة الأشقاء والإخوة من الأب والإخوة من الأم سواء بسواء. والدليل على ذلك أن لفظ الأخ في اللسان العربي ينصرف إلى هؤلاء جميعاً { وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ . }(يوسف 59) ودلت هذه الآية على أن الأخ المطلوب ليس أخاً شقيقاً لهؤلاء فلما رجعوا إلى أبيهم { قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .} (يوسف 63). فصح بذلك أن يطلق وصف الأخ { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } على أخ غير شقيق, وأصبح التعبير بالأخ مطلقاً ينصرف إلى الإخوة جميعاً دون تفرقة بين شقيق وغير شقيق إلا إذا قيد على نحو ما قيده يوسف عليه السلام بقوله { ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ } وقد ورد التعبير في كلتا الآيتين الكريمتين من سورة النساء بلفظ الأخ مطلقاً غير مقيد كما يبين ذلك بجلاء من تلاوتها, فوجب أن ينصرف حكمهما إلى الإخوة جميعاً سواء كانوا أشقاء أو إخوة من الأب أو إخوة من الأم كل بحسب ما فرض له على قدم المساواة.

بقى بعد ذلك موضع تطبيق كل من هاتين الآيتين الكريمتين, أول ما يلاحظ في حديثهما أنهما يتناولان ميراث الكلالة { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ } (النساء 12) {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . } (النساء 176) وظاهر من هاتين الآيتين الكريمتين أن أحداً من الإخوة لا يرث إلا في حالة الكلالة وهي حالة ما إذا كان المورث قد هلك كلاً, والكل هو من لم يكن له ولى والأولياء هم الآباء والأبناء الذكور, فإذا وجد الأب أو الابن الذكر انتفت حالة الكلالة وامتنع ميراث الإخوة.

الكلالة من كل يكل كلالة فهو كل كدل يدل دلالة فهو دل وضل يضل ضلالة فهو ضل وقد نقل الأخفش عن الفراء فيما أثبته الإمام الزبيدى رحمهم الله قال (الكلالة من سقط عنه طرفاه وهما أبوه وولده فصار كلاً وكلالة أي عيالاً على الأصل يقول سقط من الطرفين فصار عيالاً عليهم) يقول الله تبارك وتعالى { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . }(النحل 76) هو كل على مولاه ولو كان له ولى لما كان كلاً, ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فهو رجل قد تولى الله ومن يتولى الله فهو وليه ومولاه ولن يجعله من رحمته بحاجة إلى ولى ولا إلى مولى, وبذلك يتضح ما نقله الأخفش عن الفراء أن الكلالة من سقط عنه طرفاه وهما أبوه وأولاده الذكور. ولننصت إلى دعاء زكريا عليه السلام وهو يصلى في محرابه {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً .} (مريم 4، 6) يستنبط من دعاء زكريا عليه السلام أن الولى هو الذي يتولى الرجل حياً ويرثه ميتاً, وإن الأبناء الذكور هم أولياء أبيهم كما أن أباهم هو وليهم وأما المولى فهو كل من يدلى للرجل بصلة تجعله في حكم الولى وقد يرث منه وهو ما كان يحذر منه زكريا عليه السلام في دعائه { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً .} (مريم 5، 6) الإخوة لا يرثون إلا في حالات الكلالة وهي كما رأينا حالة ما إذا توفى الأخ ولم يكن له ولى من أب أو ابن, فإن كان له أب أو ابن من الذكور انتفت الكلالة وحجب الميراث عن الإخوة.

ويراعى عند استنباط الأحكام من هاتين الآيتين الكريمتين فيما تفرضانه من أحكام ميراث الإخوة أن المورث في حكم الكلالة الثانية قد هلك ليس له ولد ذكر ولا أنثى {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } (النساء 176) ذلك لأن التعبير بالولد يشمل الذكر كما يشمل الأنثى استنباطاً من قوله تعالى { يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } (النساء 11) بينما لم ترد هذه الإشارة في بيان أحكام الكلالة الأولى الأمر الذي يستنبط منه أن المورث قد هلك ليس له ولى من أب أو من الأبناء الذكور وله بنت أو أكثر { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ } (النساء 12) وفي هذا يختلف حكم الميراث في هذه الآية عن تلك, فترث البنت الواحدة نصف ما ترك أبوها وإن كن أكثر من ذلك فهن شركاء في الثلثين ويكون للأخ أو الأخت السدس وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث, هذا حكم الكلالة الأولى بوجود البنت لمن هلك كلاً. وأما إذا هلك ليس له ولد لا ذكر ولا أنثى ففي هذه الحالة ينطبق حكم الكلالة الثانية فإن كان له أخت فلها نصف ما ترك وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين ولنضرب أمثلة على ذلك.

المثال الأول:

زوجة 1 بنت 1 أخت 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التركة من 24 سهماً
8 2 6

فيكون نصيب الزوجة ثلاثة أسهم ونصيب البنت اثنا عشر سهماً ونصيب الأخت أربعة أسهم ومجموع ذلك تسعة عشر سهماً والباقي من التركة خمسة أسهم.

فقد استحقت الزوجة الثمن لوجود البنت عملاً بقوله تعالى { فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم } (النساء 12) واستحقت البنت نصف التركة عملاً بقوله تعالى { وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } (النساء 11) ويكون للأخت السدس تطبيقاً لأحكام الكلالة الأولى في قوله تبارك وتعالى { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ } (النساء 12).

المثال الثاني:

أم 1 زوج 1 أختين 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التركة من 12 سهماً
6 2 3

فيكون نصيب الأم سهمين ونصيب الزوج ستة أسهم ونصيب الأختين ثمانية أسهم ومجموع ذلك ستة عشر سهماً بزيادة أربعة أسهم على التركة.

فقد استحقت الأم السدس لوجود الأختين عملاً بقوله تعالى { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ } (النساء 11) واستحق الزوج النصف عملاً بقوله تعالى { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ } (النساء 12) واستحقت الأختين الثلثين تطبيقاً لأحكام الكلالة الثانية في قولـه تبارك وتعالى { فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } (النساء 176) .

المثال الثالث:

أم 1 أربع بنات 2 أخ 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التركة من 24 سهماً
6 3 6

فيكون نصيب الأم سهمين ونصيب البنات ثمانية أسهم ونصيب الأخ سهمين ومجموع ذلك اثنا عشر سهماً بغير زيادة أو نقصان. فقد استحقت الأم السدس لوجود البنات عملاً بقوله تعالى { وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } (النساء 11) واستحقت البنات الثلثين عملاً بقوله تعالى { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } (النساء 11) واستحق الأخ السدس تطبيقاً لأحكام الكلالة الأولى في قوله تبارك وتعالى { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } (النساء 11).

يلاحظ أن كل وارث في هذا المثال قد نال نصيبه من التركة, كاملاً غير منقوص, ولم يبق من التركة شئ فقد قسمت من اثنا عشر سهماً ومجموع أسهم الورثة اثنا عشر سهماً فتوزع بينهم كل بحسب نصيبه سهمان لكل واحد منهم بينما يختلف الحال في المثالين السابقين إذ نجد في المثال الأول أن كل وارث قد نال نصيبه كاملاً وبقى من التركة خمسة أسهم, بينما لم تكف أسهم التركة في المثال الثاني جميع المستحقين كل بحسب ما فرض له. المسألة الثانية هي ما يسميها الفقهاء بمسألة العول, أما المسألة الأولى فنسميها مسألة النفل.. النفل هو الزيادة ومازاد في حساب المواريث أو في أي حساب غيره فهو لله والرسول, لله ينفق في سبيله وللرسول بوصفه ولى أمر المسلمين ليتصرف فيه كما يتصرف في المال العام عملاً بقوله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .} (الأنفال 1) ولا نكاد نجد نفلاً في الحساب إلا في مثل هذه الحالات من حساب المواريث, فإن عثر على نفل في حساب آخر فهو لله والرسول لأن الحكم قد جاء في هذه الآية مطلقاً, وما كان مطلقاً فيسرى في التطبيق على إطلاقه دون قيد وينبغى أن ننبه إلى أن الأنفال شئ والغنائم شئ آخر, ولا يجوز الخلط بينهما في اللسان العربي المبين, خاصة وقد بين الله حكم الغنائم في قوله تبارك وتعالى { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .} (الأنفال 41) وفي المثال الثاني رأينا أن التركة من اثنا عشر سهماً مع أن مجموع استحقاقات الورثة قد بلغت ستة عشر سهماً أي بزيادة أربعة أسهم, وهو ما يسميه الفقهاء بالعول. ويكاد ينعقد الإجماع على قسمة التركة بين الورثة في هذه الحالة بواقع مجموع أسهمهم, فتستحق الأم سهمين من ستة عشر سهماً أي بأقل من السدس الذي فرض لها ويستحق الزوج ستة أسهم من ستة عشر سهماً أي بأقل من الثلثين اللذين فرضا لهما.

ويروى أن أول مسألة عالت من مسائل المواريث في الإسلام كانت في عهد عمر بن الخطاب رحمه الله وأنه هو الذي اجتهد لها هذا الحل فأوجب الفقهاء العمل به. كما يروى أنه لما سمع ابن عباس رحمه الله برأي عمر قال لو أنه قدم من قدم الله وأخر من أخره الله لما عالت عنده مسألة من مسائل المواريث قيل فمن قدم الله ومن أخر قال ابن عباس قدم من نقله من فرض إلى فرض وهم الزوج والزوجة والأم وأخر من عداهم فيكون حل هذه المسألة بهذا الرأي الذي يروى عن ابن عباس أن للزوجة ثلاثة أسهم وللأم سهمان والباقي من التركة وهو سبعة أسهم للأختين. كل ذلك وغيره مما تزخر به كتب الفقه على غير سند من كتاب الله الذي أنزله الله لعباده مفصلاً ومبيناً ومفسراً من لدنه سبحانه وتعالى علواً كبيراً { لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً .} (النساء 7).

النصيب المفروض هو ما فرض الله لعباده في آيات المواريث ببيان الوارث ومقدار ما يستحق من الإرث, وقوله تبارك وتعالى { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } يدل على أن هذا النصيب ليس نصيباً ثابتاً وإنما يقل أحياناً ويكثر في أحيان أخرى. وهو يقل في حالات التزاحم كما نرى في هذه المسألة وكما قد نرى في غيرها وقد يزيد إذا قل التزاحم حتى يبلغ الحد الأقصى الذي فرضه الله في كتابه. ولذلك يستقيم إجماع الفقهاء على قسمة التركة بين الورثة بحسب مجموع أسهم الورثة دون تقديم أحدهم على الآخر ويجد له سنده في هذه الآية الكريمة.

الوصية والدين

لا يرث الوارث حين يرث إلا نصيباً مفروضاً تنزل من لدن حكيم حميد بآيات بينات مفصلات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها, ويحذر الله سبحانه أشد التحذير من فرض نصيب لأحد في الرزق أياً كان مصدر هذا الرزق سواء بميراث أو بغير ميراث إلا بالعلم { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ .} (النحل 56) ولا علم لنا ولا ينبغى لنا أن يكون لنا من علم إلا بما علمنا الله في كتابه { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ .} (البقرة 151) { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ .} (النحل 74). ويبين من استقراء آيات المواريث أن الله سبحانه وتعالى قد فرض الميراث:

أولاً: للأولاد من آبائهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
ثانياً: للآباء من أولادهم نصيباً مفروضاً السدس أو الثلث حسب الأحوال من بعد وصية أو دين.
ثالثاً: الأزواج بعضهم من بعض نصيباً مفروضاً النصف أو الربع أو الثمن من بعد وصية أو دين.
رابعاً: الأخوة في الكلالة الأولى نصيباً مفروضاً السدس أو الثلث من بعد وصية أو دين غير مضار.
خامساً: الأخوة في الكلالة الثانية للذكر مثل حظ الأنثيين.

فحيثما كان الميراث نصيباً مفروضاً بالسدس أو الثلث أو النصف أو الربع أو الثمن وجب أن يحتسب هذا من باقي التركة بعد خصم ما عليها من وصية أو دين مثال ذلك إذا ترك الرجل ألف دينار وعليه دين مقداره أربعمائة دينار وله أم فإن نصيبها من الثلث يحسب من الباقي بعد الدين وقدره ستمائة دينار ويكون نصيبها من التركة مائتي دينار دون أن يكون لها أن تحتج بأن نصبيها يعادل مبلغاً يزيد على ذلك.

أما إذا كان النصيب يوزع بين ورثة للذكر مثل حظ الأنثيين, وهو لا يظهر إلا في ميراث الأولاد من آبائهم أو الإخوة في الكلالة الثانية فلا حاجة للتنبيه باقتسام التركة بعد خصم ما عليها من وصية أو دين, لأن أحداً منهم لا يختص بنصيب معين المقدار بنسبة من النسب يحتج بها وينازع فيها, بل تختص الأنثى بسهم ويختص الذكر بسهمين مهما بلغ عددهم.

وهكذا فإنك ترى أن آيات الله سبحانه تنزل بمقدار من لدن عالم الغيب والشهادة فحيث يمكن أن يثور الجدل أو النزاع في نصيب فرض فرضاً بالسدس أو الثلث أو النصف أو الربع أو الثمن فقد حسم الأمر بأنه لا يحتسب إلا من الباقي من التركة بعد سداد ما عليها من الوصايا أو الديون, وتقرر هذا الحكم في كل آية تفرض الميراث بنصيب مفروض بينما أطلقت الآيات التي تقرر فيها الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه لا يتصور فيها الجدل أو النزاع حين احتساب الوصية أو الدين.

ولا خلاف بين الفقهاء على أن القرآن قد جاء بالوصية مطلقة { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } (النساء 12) وأظهر دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد أرادها طليقة من أي قيد أنه سوى بينها وبين الديون وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يرث الوارث شيئاً إذا استغرقت الديون تركة مورثة وكذلك لا يرث الوارث شيئاً إذا استغرقت الوصية تركة مورثه. ولو أن رجلاً أراد أن يوصى بكل ماله لرجل فحرر له سنداً يثبت له أنه مدين بهذا المال واتفقا في سند آخر على ألا يطالبه بهذا الدين حال حياته, لنفذت هذه الوصية باعتبار أنها دين استغرق كل التركة. ويجد هذا التصرف سنده في إطلاق الوصية كما جاء بها القرآن الكريم كتطبيق من تطبيقات حرية الإنسان في التصرف في ماله على أي وجه يشاء طالما كان التصرف في حدود ما شرعه الله لعباده بالقرآن.

وإنما يقيد هذا الحق أن الله سبحانه وتعالى قد رخص لذوى الشأن أن يحتجوا بدعوى الجنف أو الإثم { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ . فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .‏ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (البقرة 180، 182).

وهكذا فإنك ترى أن الوصية ليست ترفاً وإنما هي فرض كتبه الله على عباده إذا تركوا خيراً, وهي واجبة في كل وقت حتى حين الموت بل هي أوجب ما تكون حين الموت عملاً بأحكام الله البينات, وهي واجبة للوالدين كما هي واجبة للأقربين على إطلاق سواء من كان منهم وارثاً ومن كان غير وارث, كتاب الله على عباده بالمعروف حقاً على المتقين. وإنما يجوز للقاضي في كل حالة على حدتها أن يحكم بين الوارث وبين الموصى له بما يصلح بينهما بمقتضى قواعد الحق والعدالة, وذلك إذا كان للوارث حق في دعواه بجنف الموصى أو إثمه فيما أوصى به { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .} (البقرة 182).

يبين من الآيات المتقدمة أن الوصية فرض كتبه الله على عباده المؤمنين, وتستحق من التركة قبل ما يستحق للوارث من نصيب, ولا وجه لإبطالها بدعوى أنها قد صدرت في مرض الموت لأن أحداً لا يعرف ما يكون عليه الإنسان حين الموت من قوة القلب وصدق الإيمان, ولا وجه لحجبها عن الوالدين أو الأقربين بدعوى أنه لا وصية لوارث ولا وجه لإبطالها فيما يجاوز الثلث استناداً إلى حديت سعد بن أبي وقاص (الثلث والثلث كثير) فإنه إن جاز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيد وصية سعد أو غيره بالثلث استناداً إلى دعوى الجنف أو الإثم وبوصفه ولى المسلمين وطاعته واجبة فيما قضى به, فإنه لا يجوز تعميم ما خصصه حتى يصبح قيداً على ما أطلقه الله بقرآن.

ولقد ذهب بعض الفقهاء من الشيعة الإمامية والأباضية إلى هذا الرأي فقالوا بعدم جواز تقييد الوصية حتى ولو استغرقت كل مال المورث عملاً بإطلاق الآية, إلا إن هذا الرأي ينتقد بشدة ويوصف بالشذوذ بدعوى أنه يؤدي إلى إهدار سنة مشهورة وهي حديث سعد. ونرى أن السنة الحق لا تقيد القرآن وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بإتباع ما يوحى إليه وإن السنة الحق هي إتباع ما أمر عليه الصلاة والسلام بإتباعه, وإنه إذا صح حديث سعد فقد ورد في قضية سعد وهو قضاء يجد سنده في القرآن في دعوى الجنف والإثم كما ذكرنا من قبل ولا يجوز تعميم هذا القضاء وإطلاقه قيداً على ما أطلقه الله فيما أوحى به لرسوله صلى الله عليه وسلم.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home