Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي


مصطفى كمال المهدوي

Monday, 19 February, 2007

   
   

كتاب ( عـلي بن أبي طالب
                فـكـره وثـقافـتـه
) (2)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

الحيـاة الـدنيا

أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى الله عنه ، كيف شهد الدنيا وكيف يشهد عليها وهو في ذروة الإمارة وقد أتته منقادة ولم تك تصلح إلا بمثله رضى الله عنــه في الصالحين: ( أحذركم الدنيا فإنها حلوة خَضِرة ، حُفَّت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال ، وتزينت بالغرور. لا تدوم حَبْرَتها – أي سرورها – ولا تؤمن فجعَتها ، غرارة ضرارة، حائلة – أي متغيرة – زائلة ، نافدة بائدة ، أكّالة غّوالة. لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهـل الرغبة فيها والرضاء بها ، أن تكون كما قال الله تعالى { كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً } الكهف 45 لم يكن امرؤ منها في حَبْرة – أي في سرور – إلا أعقبته بعدها عَبْره – أي بكاء الحزين – ولم يلق في سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ، ولم تطله فيها ديمة رخاء – الديمة هي المطر المتواصل في سكون لا رعد فيه ولا برق –الا هَتَنَت – أي إنصبت – عليه مُزنَةُ بلاء. غرارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ، لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى. من أقَلَّ منها إستكثر مما يؤمنه ، ومن استكثر منها إستكثر مما يُوبِقه – أي يهلكه ـ كم من واثق بها فجعته ، وذي طمأنينة إليها صرعته ، وذي أبَّهة قد جعلته حقيرا ، وذي نخوة قد ردته ذليلا. سلطانها دول وعيشها رَنِق – أي كدر – وعذبها أجاج وحلوها صبر، حيها بعَرَض موت ، وصحيحها بعرض سُقم. ألستم في مساكن مَن كان قبلكم أطول أعمارا وأبقى آثارا وأبعد آمالا وأكثف جندا ، آثروا الحياة الدنيا ثم ظعنوا عنها لفراق الأبد ، أفهذه تؤثرون !؟ أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون !؟ فبئست الدار لمن لم يكن فيها على وجل منها وهو تاركها لا يتعظ فيها بالذين قالوا { من أشد منا قوة } فصلت 15 ).

ما كان لإبن أبي طالب أن يقول غير الحق فهو لا ينكر شيئا من حلاوة الدنيا ، فهي حلوة خضرة محفوفة بالشهوات ، وهي بين يدي صاحبها تتحبب إليه بالعاجلة وتتزين له بزخرفها وزينتها وتكاد تنسيه ما وراءها. ولكنه رضى الله عنه لا يرى من بين يديها فيما يراه من الآخرة إلا أملا قليلا وغرورا كثيرا ، ذلك بأنها إذا أتت أهلها بكل زينتها وزخرفها وسلطانها فإنها لا تدوم ، وإن دامت لأحد فلا تؤمن فجعتها ، فكم تهدمت الممالك ، بعد عزها ، وكم هلك الملوك بذل أمراضها وعللها ، فكيف يأمنها المؤمن وهي تغر وتضر، وتتحول ثم تنفد وتزول.

وهو رضى الله عنه حريص على أن يبين للناس أنه إنما يصفها ويشهد عليها مما يستنبطه من القرآن مصدقا لما بين يديه من تقلبها في السراء والضراء ، ودولها بين الناس. وذروة الموعظة في قوله رضى الله عنه أن يرى الإنسان إذا أقل من زينتها فقد أمن كثيرا من شرورها ، وإذا إستكثر منها فإنه لا يستكثر إلا من بوائقها فيفتأ بين الناس محسودا وعند ربه محاسبا. وهو من بعد ذلك رضى الله عنه لا ينهى عنها ولا يدعو إلى الزهد فيها ، بل يعظ بألا يؤثرها الإنسان على الآخرة وألا يحرص عليها لذاتها.

ويذكر قوم عاد الذين قالوا { من أشد منا قوة} فصلت 15 فأخذهم الله نكال الآخرة والأولى{إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} النازعات 26 كانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأبقى أثرا ، فما أغنى عنهم شيء من قوتهم أو أموالهم أو آثارهم لما جاءهم بأس ربهم فأصبحوا لا ترى منهم إلا أطلالا من مساكنهم ولا تحس منهم من أحد ولا تسمع له ركزا. الخشية والوجل وتقوى الله هي ما يعظ به أمير المؤمنين ليأمن المؤمنون غرور الحياة الدنيا ، فلا يطمئن إليها ولا يحرص عليها لذاتها ولا يؤثرها على الآخرة ، بل يحملها على وجل منها وحذر تقلبها وغرور فتنتها ، وكل اولئك مما يستنبطه رضى الله عنه من الصالحين من قوم قارون إذ قالوا له { لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين. وإبتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } القصص 76.

ويقول رضى الله عنه في الحياة الدنيا: ( تزينت بغرورها ، وغرت بزينتها. دار هانت على ربها فخلط حلالها بحرامها ، وخيرها بشرها ، وحياتها بموتها ، وحلوها بمرها. لم يُصْفِها الله تعالى لأوليائه ، ولم يَضِنَّ بها على أعدائه. خيرها زهيد ، وشرها عتيد – أي حاضرـ جمعها يَنفد ، ومُلكها يُسلب ، وعامرها يخرب. وإنما أنتم إخوان على دين الله ، ما فَّرق بينكم إلا خبث السرائر وسوء الضمائر ، ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا تدركونه ، ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه ، ويقلقكم اليسير من الدنيا تدركونه يفوتكم ،حتى يتبين ذلك في وجوهكم وقلة صبركم كأنها دار مقامكم وكأن متاعها باق عليكم. وما يمنع أحدَكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثلـه ، وما تصافيتم إلا على رفض الآجل وحب العاجل ).

إنه رضى الله عنه يشهد على الحياة الدنيا كما يشهد على طبائع البشر، فيرى الحياة الدنيا تتزين بغرورها وتَغُر بزينتها. ويرى أنها هانت على ربها ، ولو لم تكن قد هانت على ربها لما شاء أن يختلط حلالها بحرامها وخيرها بشرها وحياتها بموتها وحلوها بمرها ، ولو أن لها شأناً عند ربها لأخلصها لأوليائه فقال تعالى لمصطفاه صلى الله عليـه وسلم { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً } الفرقان 10 ووعد أولياءه الصالحين من عباده المؤمنين أن ييسر لهم سبيل العبور إليه من خلط هذه الحياة الدنيا وعدهم ألا يخافوا فيها ولا يحزنوا { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} فصلت 30 { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنــون } البقرة 112 { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } المائدة 69 وأي خير في هذه الحياة الدنيا أكبر من أن يأمن الإنسان ألا يخاف شرورها ولا يحزن على ضرائها.

ووعد الله أولياءه الصالحين من عباده المؤمنين ليحيينهم حياة طيبة ، إن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجعل لمصطفاه صلى الله عليه وسلم شيئاً من ثراء المترفين وقصورهم ، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يطمع فيما تنزه عنه رسول الله { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } النحل 97 وأي خير في هذه الحياة الدنيا أكبر من أن يأمن الإنسان حياة طيبة لا يعكر صفوها خوف ولا حزن.

ووعد الله أولياءه الصالحين من عباده المؤمنين النصر فلا غالب لهم { إنا لننصر رُسُلَنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } غافر 51 هذا ما وعد الله عباده المؤمنين حياة طيبة وأمنا ونصرا ، ولهم في الآخرة نعيم وملك كبير. أما نعيم الحياة الدنيا وملكها فلو أن له شأن عند الله سبحانه وتعالى لَضنَّ به على أعدائه { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون. إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. والذين هم بربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } المؤمنون 55.

ثم هو رضى الله عنه يرى البشر إخوانا على فطرة الله التي فطر الناس عليها { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } التين 4 وإنما فرق بينهم خبث سرائرهم وسوء ضمائرهم ، وإذا أحسن أخ إلى أخيه لا يحسن إليه لأن الله أمره بلإحسان به ، وإنما يحسن إليه مخافة أن يسيء إليه إتقاء شره وطمعا في أن يقابله إحسانا بإحسان. وتراهم يفرحون باليسير من الدنيا والله ينهي عن الفرح بها إلا في فرحتين فرحة بآيات ربهم يتلقونها طهورة مبرأة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفـــها { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك } الرعد 36 ، وفرحة بنصر الله { لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} الروم 4 وفيما عدا هاتين الفرحتين فلا نجد للمؤمن في القرآن ما يفرح به في هذه الحياة الدنيا ، فهي كما قال إبن أبي طالب ليست بدار مقام وما نعمتها بباقية على أحد، فما بال هؤلاء القوم قد تصافوا متفقين على حب العاجلة وهم يعلمون أنهم إنما يذرون وراءهم يوما ثقيلا.

ومن أقواله رضى الله عنه في الحياة الدنيا: (ما أصف من دار أولها عناء ، وأخرها فناء ، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب ، من إستغنى فيها فُتنِ ، ومن افتقر فيها حزن. رَنِقٌ – أي كدر – مشربها ، رَدِغ – أي كثير الوحل والطين – مَشْرَعها ، يُونِق – أي يعجب – منظرها، ويوبق – أي يَهلك – مخبرها، ضوء آفل ، وظل زائل). ولا يجد رضى الله عنه نجاة إلا بالقرآن فيقول: ( كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به ، وتسمعون به. فهو ينطق بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ، لا يختلف في الله ، ولا يخالف بصاحبه عن الله ، وإنكم قد اصطلحتم على الغل فيما بينكم ، وتصافيتم على حب الآمال ، وتعاديتم في كسب الأموال ، وتاه بكم الغُرور ).

ويحذر رضى الله عنه الخروج من الدنيا بسوء الخصال فيقول: ( أنعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ، وخالف من خالف ذلك إلى غيره ، ودعه وما رضى لنفسه ، وضع فخرك ، وأحطط كبرك ، وأذكر قبرك. كما تدين تدان ، وكما تزرع تحصد ، ولا ينفع عبدا أن يخرج من الدنيا لاقيا ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها: أن يشرك بالله فيما إفترض عليه من عبادته ، أو يشفى غيظه بهلاك نفس ، أو يقر بأمر فعله غيره ، أو يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه ، أو يلقى الناس بوجهين ، أو يمشى فيهم بلسانين ).

وضرب المثل الآعلى برسول الله صلى الله عليه وسلم ، رفعه الله في العالمين وقال له سبحانه وتعالى أخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ، وكان الله قادرا على أن يدمر على أعدائه ويسحقهم في الأذلين ، وقال له سبحانه وتعالى لا تطع الكافرين و المنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله ، لقد وعى إبن أبي طالب كل ذلك فقال: ( لقد كان في رسول الله ما يدلك على مساوىء الدنيا ، إذ زويت عنه زخارفها مـع عظيم زلفته ) فلو أنها حسنة لما زوى عنه شيء من زخرفها ، ولكن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، ليس فيما يبسط من الدنيا تكريم ، وليس فيما يقدر منها إهانة. ولكن الإهانة أن تعيش خائفا حزينا ولو كنت من المترفين ، والتكريم أن تعيش راضيا مطمئنا ولو كنت فقيرا.

السيـاسـة

كان ابن أبى طالب رضى الله عنه ربانياً مخلصاً، يعلم الكتاب ويدرسه ، ويحفظه ويتفقه فيه. ولا يسبق فى السياسة إلا من عَلمِ من الحياة الدنيا مثلما يعلم من الآخرة ، ولم يكن رضى الله عنه يعلم من الدنيا إلا بقدر ما يمقتها ويزهد فيها.

والناس تريد نظاما ينظر أمورَهم ويقسط بينهم ، ولا يفرط فى مصالحهم، فالسياسة هى النظر فى أمور الناس بالقسط، وليست حكم الراعي على رعيته{ يا أيها الذين آمنوا لاتقولوا راعِنا وقولوا أنْظُرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } البقرة 101 ولا نجد الرعاية فى القرآن إلا للأشياء{ كلوا وأرعوا أنعامكم } طــه54 {والذيـــن هم لأماناتهم وعهدهم راعون } المؤمنون 8 والمعارج 32 { ورهبانية أبتدعوها ما كتبناها عليهم إلا إبتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها } الحديد 27 ومن يسيم فى المرعى فهو راع والجمع رعاء بالهمزة وليس بالتاء { قالتا لا نسقى حتى يُصْدِر الرعاء } القصص 23 ولانجد قوما فى القرآن يطلبون راعيا لهم إلا اليهود { يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقومَ ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليل} النساء 46.

ولاشك أنه رضى الله عنه قد علم كل أولئك ، وأدرك أن السياسة هى أن يَسْمَع من الناس ويُسمعهم ، وأن ينظر أمورهم فيطيعوه فى الأمر ، فإذا تنازعوا فأمرُ اللهِ ورسولهِ قائمٌ بالحجة عليهم محفوظٌ من لدن عليم حكيم{ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويل} النساء 59.

غير أن أمير المؤمنين عليا بن أبى طالب رضى الله عنه ورث دولة على رأسها ثورة عارمة ، إجتمع الثائرون على إبن عفان رضى الله عنه فى المدينة من مصر ومن البصرة ومن الكوفة ، وحاصروا أمير المؤمنين فى داره ،ثم تسوَّروا عليه الدار وقتلوه واستولوا على المدينة ومكثوا فيها حتى بعد أن بويع ابن أبى طالب على الخلافة .

وكذلك يروى المؤرخون القصص ويقولون أن الثائرين من البصرة إنطلقوا منها وفيها عبد الله بن عامر عامل عثمان عليها ، وإنطلقوا من الكوفة وفيها أبو موسى الأشعرى وأنطلق الثائرون من مصر وفيها عبد الله بن سعد بن أبى السرح، والتقوا على الثورة فى المدينة وفيها بقية من أولى العزم من المهاجرين والأنصار فى موسم الحج سنة خمس وثلاثين من الهجرة. وكان إبن أبى طالب ومن معه من أهل المدينة قد ردوهم عن المدينة بادى الأمر، فتظاهروا بالرجوع عنها ، ثم لم يلبثوا أن إنقضوا عليها وتمكنوا من حصر عثمان فى داره ، ونادوا فى أهل المدينة أن من كفَّ أذاه فهو آمن.

فهي إذن ثورة مسلحة بكل المقاييس ، لا غاية لها بحسب ما يرويه المؤرخون علي اختلاف فيما بينهم في بعض التفاصيل الا رأس أمير المؤمنين. أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه ابن عباس ليقوم بأمر الحجيج نيابة عنه ، وزوده بكتاب ليقرأه عليهم . وانطلق ابن عباس رضي الله عنه الي مكة المكرمة ، وقام بما عُهد إليه ، وقرأ كتاب أمير المؤمنين عليهم ،وقد جاء في هذا الكتاب أنه أجاب كل مطالبهم فهو يقول فيه : ( زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت أقيموها علي من علمتم تعّداها ، وقالوا تُرَد المظالمُ إلي أهلها فرضيت بذلك واصطبرت له ) ، ولكنه رضي الله عنه كان قد علم ما وراء هذه الثورة وأدرك مصيره فيها فقد جاء في هذا الكتاب قوله : ( طال عليهم عُمُري ، وراث عليهم أملهم في الإمرة ، فاستعجلوا القدر ) . إن إبن عفان قد أُخِذَ رهينة في داره ، وكانت للثوار قلاع منيعة بإحكام الحصار عليه ، ولم يكن عجبا كما يري بعض المؤرخين ألا ينهض أحد لنجدته ولم يكن من صواب الرأى ان يري بعض هؤلاء أن الناس تخلت عن أميرها ، أو أنهم بَيَّتوا الرضا بما آل من أمره وما نري إلا أن الخليفة قد استعجل القدر بكتابه هذا ، فهو يعلن فيه أنه استسلم للثورة و أذعن لها وطال عُمُره عليها .

والخير في أن نعرض عن تفاصيل ما رُويَ في هذه الفتنة ، فقد اختلفت الأمة فيها وما يزالون مختلفين . وإنما يعنينا من هذه التفاصيل ما يرُوي عن أم المؤمنين رضي الله عنها في ( يوم الجمل ) ، لقد ذكر إبن أبي طالب أم المؤمنين باسمها لما أرادت رضي الله عنها أن تنصح لإبن عفان فيما كان يؤثر به بعض الناس علي بعض ، فلما أن جاء يوم الجمل قال رضي الله عنه: ( كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة ، رغا فأجبتم ، وعُقر فهربتم ، أخلاقكم دِقاق - أي دنيئة – وعهدكم شقاق ، ودينكم نفاق ) .

هذا ما شهد به إبن أبي طالب علي أصحاب الجمل ، ولو أن أم المؤمنين رضي الله عنها هي التي خرجت بهذا الجمل لكان رضي الله عنه قد ذكرها علي إسمها بما يليق بأمهات المؤمنين كما ذكرها من قبل في نصح إبن عفان ، ولما كان قد وصفها بأنها ( المرأة ) وهو يعلم مكانتها العالية في القرآن { النبي أولي بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } الأحزاب 6 ، ولو أن فيهم أحدا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم لما كان قد وصفهم بالدنية في دينهم وخلقهم وهو يعلم مكانتهم العالية في القرآن { محمد رسول الله والذين معه أشداءُ علي الكفار رُحَماء بينهم تراهم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغون فضـلا من الله ورِضوانا سِيماهم في وجوههم من أثر السجود } الفتح 29 .

وماذا أفاد المسلمون من ذكر الجمل وأحاديث الإفك ، وتلك التفاصيل المروعة من أمرها ، ونحن نعلم علم اليقين أن عليا رضي الله عنه ماكان ليخرج لقتالهم إلا أن يكونوا هم الفئة الباغية ، فهو يقول شاهدا عليهم : ( إن هؤلاء قد تمالأوا علي سَخْطَة – أي كراهة – إمارتي ، وسأصبر ما لم أخف علي جماعتكم ، فإنهم إن تمَّموا علي فَيَالَة – أي ضعف – هذا الرأي إنقطع نظام المسلمين ، وإنما طلبوا هذه الدنيا حسدا لمن أفاءها الله عليه ، فأرادوا رَدَّ الأمور علي أدبارها ، ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالي وسيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم والقيام بحقه والنَّعْش – أي الرفع –لسنته ) ، فهم الفئة الباغية الذين يحسدونه علي ما أفاء الله عليه ، وحاشا لله أن يكون من بينهم أحد من أصحاب رسول الله ، بل إنه يبين من هذا الخطاب أن أصحاب رسول الله ، والتابعين من المؤمنين كانوا معه علي أمر جامع ، وإلا فما حاجته إلي أن يؤكد لهم أنه علي كتاب الله وسنة رسوله .

وفي يوم مشهود أمر اللهُ رسولَه أن يخيِّر أزواجه صلي الله عليه وسلم بين الحياة الدنيا و بين الآخرة و ألا يمسك منهن إلا من إختارت اللهَ ورسولَه والداَر الآخرة ، وأن يُسِّرح منهن من أرادت الحياة الدنيا وزينتها { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } الأحزاب 28 . فإذا أجمع المؤرخون علي أن رسول الله توفي وأم المؤمنين في عصمته فتلك شهادة من الله علي أنها رضي الله عنها قد إختارت الله ورسوله والدار الآخرة ، ومن إختارت الله ورسوله والدار الآخرة فلا تخرج فيما أخرجها فيه المؤرخون إذن أبدا ، وعلي هؤلاء أن يبحثوا عن تلك المرأة الزائفة التي ركبت الجمل ذلك اليوم ، أو يعرضوا عنها فقد مضي سلف الأولين .

السياسة إذن هي النظرُ في أمورالناس بالقسط ، وليست هي حكم الراعي علي رعيته في شئ { يا أيها الذين آمنوا لاتقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } البقرة 104 ويضرب الله المثل الأعلي في قضية هدهد لما ارتاب سليمان عليه السلام في أمره قال { قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } النمل 27 وهذا نظر ثقيل لا يحتمله إلا ألو العزم من عباد الله المخلصين ، وفي هذا يقول أمير المؤمنين إبن أبي طالب : ( إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر الله فيه ، فإن شَغَبَ شاغبَُ استُعْتِب ، فإن أبي قُوتل . ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتي يحضرها عامة الناس، فما إلي ذلك من سبيل ، ولكن أهلها يحكمون علي من غاب عنها ، ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار . ألا إني أقاتل رَجُلين رجُلاً إدعي ما ليس له ، وآخر منع الذي عليه . ولا يحمل هذا العَلَمَ إلا أهل البصر والصبر والعِلم بمواضع الحق ، فامضوا لما تُؤمَرون به ، وقفوا عندما تُنهَون عنه . ولا تعجلوا في أمر حتي تتبينوا، فإن لنا مع كل أمر تُنْكِرونه غِيَرا – أي بديلا) .

يشترط إبن أبي طالب فيمن يتولي الإمامة أو القيادة أو رئاسة الدولة أن يكون أقواهم وأعلمهم وأتقاهم ، ولو لم يكن ذا مال أو علي شِئ من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وهو رضي الله عنه إنما يستنبط ذلك من مثل طالوت في القرآن { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنّي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يُؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} البقرة 247 بسطة في العلم والجسم مع التقوي هي كل ما يصلح به أمر الناس من شروط الولاية ، فإن ( شغب شاغب ) أي إعترض علي ولاية ذي العلم والقوة والتقوي معترض بشغب يريد به تهييج الفساد في نظام الأمة أمُهل باستعتابه ، وأُنظرحتي يعود إلي رشده ، فإن أبي وأصر علي ظلمه من بعد إستعتابه فهذا هوالبغي والفساد في الأرض ، وعلي المؤمنين أن يبادروا باستئصال شأفته قبل أن يظهر أمره وتكون فتنة وفساد كبير .

ويضع رضي الله عنه أفضل أساليب الإستخلاف في الأرض ، فيجعلها شوري لمن حضرها من أهلها ، ويُفَّضل رضي الله عنه أن يجعلها شوري بين عامة الناس لولا إنه ما إلي ذلك من سبيل ، فإذا كان ثَمَّ سبيل إلي ذلك بعد أن تيسرت سُبل المواصلات والإتصالات فإن مشاركة عامة الناس تكون أمثل وأقوم عند الله وأدني إلي شرعية الولاية . فمن أيد ولاية الإمام فليس له أن يرجع عن بيعته ، ومن تخلف عن ذلك بالمعارضة أو الغياب فليس له أن يختار ما يفسد علي الأمة رأيها . ولاشك أن البيعة قد إنعقدت لإبن أبي طالب بهذه الطريقة فعلم ماله وما عليه ، وأعلن أعوانه ووزراءه ومن يحمل ( الَعَلم ) معه علي أوصافهم من أهل البصر و الصبر والعِلم بمواضع الحق . وعلم رضي الله عنه أنه إنما يحمل مع وزرائه عبئا ثقيلا فقال : ( إن أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن اللهُ قلبَه للإيمان ، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينه وأحلام رزينة).

كان رضي الله عنه علي بينة من ربه وكان ربانيا مخلصا ، ويأبي عدوُه إلا أن يبدأ ولايته بالقتال الذي لا ملجأ منه إلا إلي الذلة في الحياة الدنيا وغضب الله في الآخرة ، ورغم ذلك نراه يقول لجنده : ( لا تقاتلوهم حتي يبدأوكم ، فإنكم بحمد الله علي حجة ، وترككم إياهم حتي يبدأوكم حجة أخري لكم عليها . فإذا كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبرا ولا تصيبوا مُعْوِرا – المعور من عجز عن حماية نفسه – ولا تُجهزوا علي جريح ، ولا تَهِيجوا النساء بأذي وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم ) ، فلينظر دعاة الحرية وحقوق الإنسان إلي أخلاق الفروسية عند تلاميذ القرآن من الذين اتبعوا الرسول و أخلصوا دينهم لله .

وكان في سياسته وسطا بين اللين والشدة ، ولا يقرب إليه أحدا من الناس ولا يقصيه عنه إلا بحساب ، أو كما يُقال في علم السياسة لا تمنح الثقة ولا تسحب شيئا منها الا بمقدار ومن نصائحه لعماله قوله رضي الله عنه : ( إن دهاقين – أي المترفين الذين يحبون أن يكون لهم الأمر والنهي – أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة وجفوة وإحتقارا ، ونظرت فلم أَرَهم أهلا لأن يُدْنَوا – أي تقربهم إليك – لشركهم ، ولا أن يُقْصَوا – أي تبعدهم عنك – ويُجْفَوا لعهدهم – فهم أصحاب عهد لهم حقوق في ذمة المسلمين – فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه – أي تخلطه – بطرف من الشدة ، وداول لهم بين القسوة والرأفة ، وافرج لهم بين التقريب والإدناء والإبعاد والإقصاء إن شاء الله )

هذا مع الدهاقين ، أما المؤمنون الربانيون الذي أخلصوا دينهم لله من الذين يُمَسِّكون بالكتاب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، أولئك يخفض لهم أمير المؤمنين جناحه اقتداء بأستاذه العظيم { وأخفِضْ جناحَك للمؤمنين } الحجر 88 وأولئك لا يجد أمير المؤمنين له صبرا إلا وهو معهم ، ولا يتجاوزهم إلي أحد سواهم ولا يستبدل بهم شيئا من زينة الحياة الدنيا وزبرجها { واصبر نفسَك مع الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعَشِيِّ يُريدون وجهَه ولا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولاتُطِع من أغفلنا قلبَه عن ذكرنا واتَّبَع هواه وكان أمُره فُرطا } الكهف 28 .

ونجده رضي الله عنه مقتصدا في المال العام ؛ لا يجمع من الناس إلا بقدر الضرورة ، فما جاوز الضرورة فلا ينفق إلا في الحاجة ، فإذا لم يكن ثَمَّ حاجة فإن الإنفاق يكون بطرا وإسرفا وإستكبارا في الأرض بغيرالحق ،يقول رضي الله عنه ( دع الإسراف مقتصدا ، واذكر في اليوم غدا . وأمسك من المال بقدر ضرورتك ، وقدم الفضل ليوم حاجتك .أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين ، وأنت عنده من المتكبرين . وتطمع وأنت مُتَمَرِّغ في النعيم تمنعه الأرملة والضعيف أن يوجب لك ثواب المتصدقين . وإنما المرؤ مَجْزِيٌُ بما أَسْلَف وقادمٌُ علي ما قَدَّم ) . فماذا علي أولي الأمر لو أنهم ينظرون إلي ما هم قادمون عليه يوم القيامة ، وفي الحياة الدنيا من قوارع العذاب الأدني الذي لا يطيقون ، فما يغني عنهم نعيم تمَّرغوا فيه أو ترف تَرِعوا به أو كِبْر تطاولوا إليه

وسياسته رضي الله عنه في جمع الصدقات هي المثل الأعلي مما يُستنبط من مدرسة الوحي ، وهي الفخر علي الذين يزعمون الرفق بالحيوان وما رَفقوا إلا بطائر مغرد أو كلب جميل أو قط أنيس ثم هم بعد ذلك أشد ضراوة وبطشا بأَخيهم الإنسان ، يقول رضي الله عنه : ( لا تجتازَنَّ عليه كارها – أي لا تهبط عليه بما يكره منك – ولا تأخُذَنَّ منه أكثر من حق الله في ماله ، فإذا قدمت علي الحي فأنزل بمائهم غير أن تخالط أبياتهم – أي لا تضجر البيوت بمقدمك – ثم امض إليهم – أي قم بواجبك بجمع صدقاتهم - بالسكينة والوقار، فتسلم عليهم ، ولا تُخْدِج – أي لا تقلل – بالتحية لهم ثم تقول لهم : هل لله في أموالكم حق فتؤدوه ؟ فإن قال قائل منهم : لا ، فلا تراجعه ، وإن أنعم لك منعم – أي قال لك نعم – فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعِدَه أو تَعْسِفَه أو تُرهِقَه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة . فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له . فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به . ولا تُنَفرن بهيمة ولا تُفْزعَنَّها ، ولا تأمنَنَّ عليها الا من تثق بدينه رافقا بها ، ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا غير مُعْنِف ولا مجحف ولا ملغب ولا متعب . فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وفصيلها – أي ولدها – ولا يمصر لبنها – أي يبالغ في حلبها – فيضر ذلك بولدها ، ولا يجْهَدَنَّها ركوبا ، وليعدل بين صواحباتها – من الأنعام الأخري – في ذلك بينها وليرفه علي اللاغب – أي المجهد من هذه الأنعام – وليسْتَأن – أي يرفق – بالنَّقِب – أي التي أصيبت بخرق في خفها – والظَّالِع – أي التي لا تستقيم في مشيها – وليوردها ما تمر به من الغُدُر – جمع غدير – ولا يعدل بها عن نبت الأرض ، وليُروحْها في الساعات – أي يجعل لها وقتا للراحة من حين إلي حين – ليمهلها عند النِطَاف – موارد المياه القليلة – والأعشاب )

يرد عامل الخراج ماء القوم فلا يقرب بيوتهم إلا بالحسني ، وهذا ما علمه إبن أبي طالب من أدب البيوت في قوله تعالي : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتي تستأنسوا و تسلموا علي أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تَذَكَّرون . فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتي يُؤذَن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فأرجعوا هو أزكي لكم والله بما تعملون عليم } النور 27 فاذا طرق باب بيتك طارق فقلت له : ارجع يرحمك الله ، فأنظر ماذا سينصع بك هذا الطارق ؛ وما عسي أن يقول للناس عن صَدك له ، وأنت تستعمل حقك الذي فرضه الله لك في كتابه العزيز ، ذلك لتعلم كم هي المسافات بيننا وبين هذا القرآن .

ثم إنه إذا سلم عليهم ، ولم يخدج بالتحية لهم – من التقليل والإسم منه خديج علي وزن فعيل للذكر والأنثي ، فلا تؤنث بالتاء – فإذا اطمأنوا له سألهم حق الله في أموالهم ، فإذا قال قائل منهم : ما عندي ما تسأله ، فعلي عامل الخراج أن يصدقه ولو كان كاذبا ، ذلك بأن الله لا يرضي عن جهاد القاعدين ، ولا يقبل صدقة الكارهين { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يُتَقَبَّل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين . وما منعهم أن تُقْبَل منهم نفقاتُهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالي ولا ينفقون إلا وهم كارهون . فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهَق انفسُهم وهم كافرون } التوبة 53 .

والمؤمنون الصادقون العابدون يعلمون حقوق الله في أموالهم وهم أعلم بأهلها من ذوي القربي واليتامي والمساكين وغيرهم ، وعامل الخراج يأخذ ما أعطي صاحب المال دون أن يخيفه أو يعسف به أو يكذبه فيما له في أمواله . فإذا كانت الصدقات من الأنعام فعلي عامل الخراج ألا يوكل بها إلا من يأنس منه الشفقة والأمانة ، ليسوقها غير معنف ولا مجهد بما أمر أمير المؤمنين رفقا ورحمة ، فهل من مُدَّكر .

تتنازع الناس خصلتان خبيثتان هما الخوف والطمع ، إلا قليل من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وجنحوا إلي القناعة والتقوي ، ويعلم إبن أبي طالب أن استقامة نظامه هي الضمان له عند ربه دون حاجة إلي إرهاب قوم بالسيف ، أو إرغاب آخرين بالدينار فيقول رضي الله عنه : ( لو ضربت خَيْشوم – أصل الأنف – المؤمن بسيفي هذا علي أن يُبغِضَني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بَجَّماتها علي المنافق علي أن يُحبَّني ما أحبني ) . وإنما يخشي إبن أبي طالب علي نظامه جوع الكرام وشبع اللئام ، فيقول رضي الله عنه : ( احذروا صَوْلة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع ) ، وهو يستعمل (إذا) الشرطية التي تفيد الوجوب خلاف ( إن) الشرطية التي تفيد الإحتمال ، فالحذر أوجب ما يكون في هذين الأمرين الخطرين علي مجتمع الأمة ونظامها

ولا خير في التاريخ إلا ما استنبط العبرة مبرأة من تفاصيل الرواية { لقد كان في قَصَصِهم عبرةٌُ لأولي الألباب ما كان حديثا يُفْتَري ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدي ورحمة لقوم يؤمنون } يوسف 111 .

ولقد يمكر الماكرون بولي الأمر فيحملونه علي مالا يطيق ،كما مكر المطالبون بدم عثمان فسألوا إبن أبي طالب أن يقيم القصاص عليهم ، وهم في أوج الثورة مسيطرون بعدتهم وعتادهم علي عاصمة الخلافة ، هنالك لامناص من الصبر ومن الحكمة ، وكان رضي الله عنه صابرا حكيما عندما قال لكبيرهم: ( قد أكثرت في قَتَلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكِمْ القومَ إليَّ ، أحملك وإياهم علي كتاب الله تعالي ) إنه يقول لهم إنكم إذا كنتم تستقضون في دم عثمان ، فالقضية عليكم ، إنهم هناك في عاصمة الخلافة ،أو إنهم رجعوا إلي ديارهم في مصر أو الكوفة أو في البصرة أو تفرقوا في الأمصار، فحاكموهم إذا إستطعتم أن تصلوا إليهم ، ولكن لا سلطان لكم عليهم حتي أشهد قضيتهم فأحملكم وإياهم علي كتاب الله تعالي ، ولقد رَدَّ رضي الله عنه مكرهم بمكر أعظم منه ، ودحض حجتهم وأشهدهم علي أنفسهم أنهم إنما يتطاولون في الحكم ويتطلعون إلي السلطان .

وقد بلغه رضي الله عنه أن قوما فروا إلي عدوه ، فكتب إلي عامله يقول له : ( بلغني أن رجالا ممن قِبَلك يتسللون إلي عدونا ، فلا تأسف علي ما يفوتك من عددهم ، ويذهبُ عنك من مددهم . فكفي لهم غيا ولك منهم شافيا فرارُهم من الهدي والحق ، وايصاعهم – أي إسراعهم – إلي العمي والجهل . وإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها ، ومهطعون إليها ، وقد عَرَفوا العدل ورأوه وسَمِعوه ووعَوه ، وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة ، فهَرَبوا إلي الأَثَرة ) .

وبلغه أن أحد عماله لم يكن أمينا في بعض ما ولاه من أعماله وكان أبوه صالحا، فكتب إليه يقول: ( أما بعد ، فإن صلاح أبيك ما غرَّني منك ، وظننت أنك تَتَّبع هديَه وتسلك سبيله ، فإذا أنت فيما رُقِّيَ إليّ تعمر دنياك بخراب آخرتك وتصل عشيرتك بقطيعة دينك ، ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يُسَدَّ به ثغر ، أو يَنْفُذ به أمر ، أو يُعلي له قدر ، أو يُشْرَك في أمانة ، أو يُؤمن علي جباية ، فأقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا ).

هل غادر أمير المؤمنين شيئا مما يوصف به اولئك الذين يسيئون إلي وظائفهم في الدولة ؛ إنهم يعمرون دنياهم بخراب آخرتهم ، ويصلون أهليهم بقطيعة دينهم . أولئك ليسوا أهلا للسلطة ، ولا يطمئن إليهم احد في تنفيذ الأوامر ، وأجدر ألا يعلي لهم قدر ، أو يرتفعوا إلي شرف الأمانة والمسئولية .

ومن الحزم ألا يفرط أولوا العزم في الولاية إذا انعقدت لهم البيعة بالحق ، فهي ليست ترفا ولا زخرفا ، بل هي فريضة محكمة وطاعة واجبة وجهاد في سبيل الله . فإذا بويع ولي الأمر فعليه أن يتصدي لأعباء الولاية وألا يزهد فيها أو يُشغل عنها إلا بطاعة الله التي فرضها الله عليه

وكذلك فعل إبن أبي طالب رضي الله عنه يوم ولي الأمر بعد عثمان بن عفان رضي الله عنه فوجد القوم كما شهد عليهم بين مقبل إلي الحق ومدبر عنه فقال : ( والله لا أكون كالضبع تنام حتي يصل إليها طالبها ويختلها – أي يخدعها – راصدها ، ولكني أضرب بالمقبل إلي الحق وجهَ المدبر عنه وبالسامع المطيع وجهَ العاصي المريب ، حتي يأتيَ عليَّ يومي ) ، فها هوذا قد عرف فئته من المؤمنين ليتخذ منهم جندا كثيفا يضرب به باطل العاصي المريب ، لا ينام علي ذلك ولا يداهن فيه ولا يخشي في الله لومة لائم .

وبدأ بالتصحيح فقال رضي الله عنه : ( إن فـي العدل سَعَة ، ومن ضاق عليه العدل فالجَور عليه أضيق . إن كل قطيعة أُقطِعت ، وكل مال أُعْطِي من مال الله فهو مردود في بيت المال ، إن الحق قديم لا يبطله شئ. وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلي الله عليه وسلم ، والذي بعثه بالحق لتُبَلْبَلُنَّ بلبلة – أي لتخلطن – ولتُغَرْبَلن غربلة ، ولتُسَاطُنَّ سَوْط القِدر- من السَوْط وهو خلط الأطعمة بعضها ببعض فى الإناء- حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصَّروا وليقصرن سبَّاقون كانوا سبقوا- كان السباق سباق الحياة الدنيا يتخلف عنه المخلصون الصالحون السابقون إلي الآخرة - والله ما كتمت وَشْمَة - أي كلمة في الصدر - ولا كذبت كذْبَة .إن الخطايا خيلٌُ شُمُس - الشمس بضمتين أو بضم فسكون خيل تمنع ظهرها أن تُركبَ - حُمل عليها أهلهُا، وخُلعن لُجمُها- جمع لجام - فَتَقَحَّمَت بهم النار وإن التقوي عطايا ذلُلُ حُمل عليها أهلُها وأُعْطوا أزمَّتَها فأوردتهم الجنة ، حق وباطل ولكل أهل ، وقلما أَدبر شئٌُ فأقبل ) ، قلما أَدبر شئ فأقبل ، كلمة باقية تدل علي حرص صاحبها بأكثر مما تدل علي قنوطه ، ومعاذ الله أن يكون إبن أبي طالب من القانطين ، وإنما هو يدعو القوم إلي مضاعفة الجهد في استدراك ما فات من أمر المسلمين .

وربَما شهد بن أبي طالب علي الناس جميعا لّما أن أراد أن يُصنَّفهم من السلطة والسياسة فقال: ( أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عَنود - العنود هو الجائر ، أي دهر جار عن الطريق السوى - وزمن كنود - أي كافر بنعمة الله { إن الإنسان لربه لكنود } العاديات 6 – يُعَد فيه المحسنُ مسيئا ، ويزداد الظالم فيه عتوا ، لا ننتفع بما علمنا ، ولا نَسأل عما جَهلنا ، ولا نَتخوَّف قارعةً حتي تَحِلَّ بنا . فالناس علي أربعة أصناف ؛ منهم من لا يمنعه الفسادَ إلا مَهانةُ نفسه ، وكَلالةُ حَدَّه – أي ضعف سلاحه- ونضَيدُ وَفْره – أي قلة ماله – ومنهم المصْلِتُ لسيفه ، والمعلن بشره ، والمجلب بخيله ورَجِله ، قد أشرط نفسه – أي هيأها و أعدها – وأَوْبقَ ديَنه – أهلكه-لحطام ينتهزه – أى يتطلع إليه – أو مِقْنَب –فصيل من الخيل بين الثلاثين والأربعين – يقوده ، أو منبر يَفَرَعه – أي يرتفع إليه – ولبَئسَ المَتْجَر أن تري الدنيا لنفسك ثمنا ، ومالك عند الله عِوَضا. ومنهم من يطلب الدَنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرةَ بعمل الدنيا ، وقد طامن – أي طمأن – من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشَمَّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتخذ ستر الله ذريعة إلي المعصية . ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضُؤولةُ نفسه ، وانقطاع سببه، فَقَصَرَته الحالُ علي حاله فتحلي باسم القناعة ، وتزين بلباس أهل الزهادة ، وليس هو من ذلك في مراح أو مغدي . وبَقي رجال غَضَّ أبصارَهم ذكرُ المرجع ، وأراق دموعَهم خَوفُ المحشر ، فهم بين شريد ناد – أي منطوي علي نفسه- وخائف مقموع - أي مقهور- وساكت مَكْعوم – أي مكمم الفم – وداع مخلص ، وثكلان – أي حزين – مُوجَع، قد أَخْمَلتهم – أي نسيهم الناس – التقيةُ ، وشملتهم الذلة ، وَعَظَوا حتي مُلُّوا ، وقُتِلوا حتي قَلُّوا ).

فساد الأمر في دهر عنود ، إذا جار الأمر عن الطريق السوي . وزمن كنود ، يكفر فيه الناس بما أنعم الله عليهم ، فيبخلون به ، ويتطلعون إلي المزيد فيكتنزونه كفرا وبطرا .إذا أحسن فيهم محسن ظنوا به الظنون ، لأنه بدع فيهم بإحسانه وهم يسيئون دأبا ، وطردوه من مجتمعهم ، لأنه خارج عما يألفوه من الطمع والكفر . ويزداد الظالم عتوا ، ويزداد المحسن ضعفا ، والناس منصرفون عن العلم ، وإذا علموا شيئا لم ينتفعوا به . ألبسهم الله لباس الجوع والخوف ، فهم إما هالك بقارعة ، أو خائف أن تحل قريبا من داره .

ويفتأ الناس في هذه الظلمات حتي يظنوا أنه لا مخرج لهم إلا بالسلطة ، يتبوأون بها مقاعد العزة من ذلهم ، وينشدون بها المنعة من ضعفهم ، ويلتمسون بها الجاه من فقرهم . فيتنازعونها فيما بينهم ، وهم فيها أربعة رجال ؛ رجل مقبل علي الفساد ولكنه لا يقدر عليه لمهانة نفسه وضعف سلاحه وقلة ماله ، ولو أنه أوتي شيئا من ذلك لما قصر عن الفساد . ورجل أوتي شيئا من ذلك ، فأحس في نفسه القدرة علي السبق فأعد نفسه للشر ، متطلعا إلي حطام الدنيا والتسلط فيها ولو علي فصيل من أربعين فارسا ، أو العلو فيها ولو علي منبر يتسلق به فوق رقاب الناس آمراٌ ناهيا ، فبئست تجارة أن يبيع نفسه بالدنيا ويستبدلها بما يدخره الله في الآخرة . ورجل يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، فيتزين بالتقوي وما هو بالتقي ، ويتظاهر بالصلاح وما هو من الصالحين ، فتراه حريصا علي أن يطمأن الناس له ويأمنوا جانبه ، مازال كذلك يخطو بحذر ويكشف عن ساعد الجد ، ويزخرف نفسه لمسئولية لا يستطيع حمل أعبائها ، فيشتري الدنيا بالآخرة ، وأعجب من أمر هذا الرجل أنه يتخذ من ستر الله وحلمه مطية إلي معصيته . ورجل عجز عن طلب السلطة لأنه لا يملك شيئا من أسبابها ، فلم يقنع بحقيقة أمره ، بل تظاهر بالقناعة والزهد ، وما هو من القانعين ولا هو من الزاهدين ، ولو أنه أوتي شيئا من أسباب السلطة لما قصَّر في طلبها والمنازعة فيها مشاكسة أو شغبا .

تلك أبعاض من فِراسة بن أبي طالب وحكمته وعلمه بسرائر الناس وما تُكِنُّ صدورهم فهم أربعة أصناف ، فإذا فرغ من أوصافهم وأخرج أضغانهم وسبر أغوارهم ، فإنه رضي الله عنه يستثني رجالا يقدمهم وكأنهم ليسوا من النـاس ، فهم قليل من الربانيين المخلصين الذين غَضَّ أبصارَهم ذكرُ الله ، فهم في الناس إما شريد أو منطوي علي نفسه لسان حالهم ما قال إبراهيم عليه السلام من قبل { إني ذاهب إلي ربي سيهدين } الصافات 99 ، أو خائف مقهور كما قال نوح عليه السلام من قبل { فدعا ربَّه أني مغلوبٌُ فانتصر } القمر 10 أو ساكت لا يسمع له أحدٌُ قولا ، حزين في غربته لا يحس به أحد .

وقد أورد عمر بن بحر رحمه الله هذا الحديث لإبن أبي طالب رضـي الله عنه في كتابه (البيان والتبيين) ، وأثبته له ، وعلق عليه بقوله : ( هذا الكلام أشبه بكلام علي وبمذهبه في تصنيف الناس وفي أخبارهم وما هم فيه من القهر والإذلال ومن التقية والخوف ، وهو – أي بن أبي طالب – بهذا الكلام أليق ) .

والسياسة عند ابن أبي طالب أن يقيم الحق ويدفع الباطل وروي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه دخل عليه بذي قار – وهي بلد بين واسط والكوفة وإنتصر فيها العرب قبل الإسلام – فوجده يَخْصِف نعلَه ، فقال له : ما قيمة هذه النعـل ؟ قال إبن عباس : لا قيمة لها يا أمير المؤمنين فقال إبن أبي طالب رضي الله عنه : والله لهي أحب إليَّ من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا.

ولايـة الأمـر

يري إبن أبي طالب رضي الله عنه إن الإمارة – من ولاية الأمر – شئ ، والحكم شئ آخر ، ولا ينبغي الخلط بينهما . فالحكم لله مطلقا ، أما الإمارة فلا بد للناس من أمير أو ملك أو سلطان – سمه ما شئت – لينظر أمرهم ويتولي قيادتهم ويصرف شئونهم . إحتج عليه بعض من شنأه من الخوارج بأنه ( لا حكم إلا لله ) يريدون الباطلَ بقول الحق من الله تبارك وتعالي{إن الحكمُ إلا لله } الأنعــــام 57 يوسف 40،67 ، صياغة القول بالحرفين (إنْ،ولا) تفيد الحصر والقصر ، أي أن الحكم بهذه الصياغة يكون محصورا لله مقصورا علي عزته وجلاله لا شريك له في ذلك من أحد إذن أبدا .

فقال إبن أبى طالب : (كلمةُ حق يُراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم الا لله ، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله ،وإنه لابد للناس من أمير يعمل فى إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر،ويُبَلَّغُ اللهُ فيها الأجلَ ، ويُجْمَع به الفيء ،ويُقاتل به العدو، وتَأمن به السبل ، ويُؤخذُ به للضعيف من القوى،حتى يستريحَ برٌُ ويُستراحُ من فاجر).

إن الله سبحانه وتعالى قد جعل من حكمته وليا لكل أمر وجعل على هؤلاء ولى أمر ينظر أمور الناس بالعدل ومشورة أهل الرأى والأعوان الصالحين . ولي بالفطرة التي فطر الناس عليها كالأب في الأسرة ، وليس وليا متسلطا بالقوة الغاشمة أو بصناديق الإقتراع المظلمة ، أو بمطلق الوراثة دون بصر باستحقاق الولاية ، فلقد ورث سليمان داوود عليهما السلام بالحق لأنه كان أكثر علما وأشد عزما وأقوي إيمانا وحكمة .

إلا أن يكون الأمر قضاءً بين الناس ، فذلك في القرآن مفصول عن ولاية الأمر بولاية قضائية لا يتولاها إلا ذو العدل من أولي العـلم والخلق الرشيد { يحكم به ذوا عدل منكم }المائدة 95 من ذوي العدل من الناس وليس من أولي الأمر منهم ، وهؤلاء هم الحكام ميزا لهم وإستقلالا عن أولي الأمر { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلي الحكام} البقرة 188

ويحدد إبن أبي طالب مهمة الدولة أو دولة أولي الأمر بأربعة أمور هي أساس كل نظام ؛ الإقتصاد ويعبر عنه بجمع الفيئ ، ويقصد به الفيئ مطلقا بمعني كل ما يستحق للدولة من العائدات أو الإيرادات أو غير ذلك من المسميات ، والدفاع ويعبر عنه بقتال العدو ، والأمن ويعبرعنه بتأمين السبل ، والعدل ويعبر عنه بالأخذ للضعيف من القوي ، تلك هي قواعد الإمارة ووظائفها وعمل أولي الأمر في كل زمان ومكان .

ويري بعض علماء اللسان أن (أولو) في قوله تعالي {أولي الأمر} بمعني (ذو) وهو جمع لا يفرد له واحد من لفظه ، ومن هؤلاء إبن سِيَده ، المؤنث أولات ، ذلك لمن يرد اللفظ إلي مادة (أُلُون) بضم الألف واللام ، وقد أهمله الجوهري والصاغاني . وجاء في تاج العروس للإمام الزبيدي أنها من آل يؤول ، آل علي القوم أولا ، إيالا ، أو إيالة بمعني أنه ولي أمرهم ، وإستشهد بقول العرب : ( هو مؤتال لقومه مقتال عليهم ) وقيل أصله أهل ، وأُبدلت الهاء همزة فصارت (أأل) وأبدلت الثانية الفا فصارت (آل) كما في قوله تبارك وتعالي ( آل إبراهيم وآل عمران ) ( آل موسي و آل هرون ) ، ولا يستعمل إلا لأشراف القوم .

هذا ما إختلف فيه علماء اللسان ، ونري أن نرد الأمر إلي كتاب الله ، فنجد أنها وردت مضافة فيما يلي { أولو الألباب } البقرة 269 { أولو العلم } البقرة 18 { أولو القربي} النساء 8 {أولو الطول} التوبة86 {أولو بقية } هود 116 {أولو الفضل } النور22 {أولو قوة } النمل 33 {أولو بأس}الإسراء 5 { أولو الأرحام } الأحزاب 6 {أولوالعزم }الأحقاف 35 {أولي الأبصار } آل عمران 13 {أولي الضرر } النساء 95 {أولي النهي } طه 54 {أولي الإربة } النور 31 {أولي أجنحة } فاطر1 {أولي الأيدي} ص 45 { أولي النعمة } المزمل 11 {أولات الأحمال }الطلاق 4 { أولي الأمر } النساء 59, 83 الأولي في قوله تعالي{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}والثانية في قوله تعالي { ولو ردوه إلي الرسول وإلي أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }.

ويلاحظ أن كلمة (ألو) قد وردت في هذه المواضع جميعا بصيغة المضاف، والقاعدة في اللسان العربي المبين أن المضاف ( يتخصص بالمضاف إليه ويتعرف به ) ، أولو الأمر قوم تخصصوا بالأمر وتعرفوا به، تماما كما تخصص أولو العزم بالعزم وتعرفوا به .

أما ( ذو ) فإنها إن كانت مثل (أولو) لا ترد إلا مضافة إلا إنها لا يضاف إليها إسم جنس ظاهر غير صفة ، وهي من الأسماء الخمسة وقد وردت في القرآن مضافة في ست مواضع كلها أسماء جنس ظاهرة{ ذو علم } يوسف 68 {ذي الطول }غافر 3 {ذو فضل } غافر 61 {ذي القربي } البقرة 177 {ذي القوة }التكوير 20 {ذا الأيد } ص 17 وكلها وردت مضافةوالمضاف اليه اسم جنس ظاهرغير صفة.

ويبين من هذه المقارنة أن كلمة ( ألو ) ترد في القرآن بحسب مساقها ؛ فهي بمعني صاحب الشئ كما استعملت في الحالات الست المشتركة مع كلمة (ذو) لأن (ذو) ترد بمعني صاحب الشئ قولا واحدا بغير خلاف . وهي بمعني آل يؤول إليه الشئ إيالة ، أو هو تخصص بهذا الشئ الذي آل إليه وأصبح يعرف به كما وردت في ( الأمر ) . وهي من مادة ( أول ) ، بمعني أنه أولي بالشئ أو أولي له كما وردت فـي ( العزم ) .

وأولو الأمر الذين أوجب الله سبحانه وتعالي لهم الطاعة عملا بقوله تعالي { يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }النساء 59 ليس مُلكا يورث لمطلق الوراثة ولا رئاسة منتخبة تفرزها صناديق الإقتراع ، بل الأمر لأولي الأمر جميعا لهم الطاعة لتستقيم أمور الناس بالقسط والميزان .

ولقد أنزلت هذه الآية الكريمة طليقة لا قيد عليها ولا تخصيص فيها ولا إسستثناء منها ، لتخاطب في المجتمع تركيبا أشبه ما يكون بالتركيب العضوي الذي يتفاعل بذاته تفاعلا سلميا ليفرز في كل أمر وليا طبيعيا نجده في كل زمان ومكان .

وولي الأمر بهذا التفاعل الذاتي هو كل من يتولي أمرا قياديا في الجماعة ليتقدم صفوفها ، وينظم شئونها ، ويرعي مصالحها ، ويراقب مسيرتها ، ويعمل علي تحقيق آمالها المشروعة بالأمانة والصدق ، وفي حدود النظام العام للدولة.

وهو إنما يكتسب ولايته من ثقة الجماعة في علمه وعدله وانتمائه إليها ، وإخلاصه وتواضعه وتفانيه في خدمتها ، وحبه وثباته وحرصه علي رفع شأنها كالأب في الأسرة لم يضع أحد ورقة في صندوق إقتراعه ليتولي الأمر في أسرته.

ولقد يختلط الأمر فيما يعرف بالحاشية أوالبطانة وكلها بمعني واحد ورد التعبير عنه في القرآن الكري بكلمة{ الملأ } ، ملأ الشئ يملأه من إناء أو غيره – كما يقول الإمام الزبيدي رحمه الله – فهو ملآن ، والملأ ألاشراف من القوم وجوههم ومقدموهم الذين يرجع إلي قولهم ، وقال أبوعبيدة إن القوم إذا تتابعوا علي أمر فقد تمالؤا عليه ، وقال إبن الإعرابي مالأه إذا عاونه ، وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طُعن : ( أكان هذا عن ملأ منكم ) وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنـه ( والله ما قتلَت عثمان ولا مالأت علي قتله ) ، وهذا مختصر لقول العلماء في كلمة الملأ.

ولانجد في القرآن ملأ بالحق إلا ( الملأ الأعلي ) لله سبحانه وتعالي له الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الجبار ، أما في الأرض فلا نجد في القرآن ملأً صالحا إلا ملأ سليمان عليه السلام ، وما كان سليمان ليجعل السلطة حكرا علي ملئه دون سواهم ، فهو عليه السلام لم يسألهم رأيا في الحكم أو مشورة في السلطة، بل طلب منهم طلبا محدودا لا علاقة له بالسلطة ولا بالحكم { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } النمل 38 .

وباستثناء الملأ الأعلي بالحق وملأ سليمان بإحسان ، فإننا لا نجد في القرآن إلا أملاءً مستبدة جائرة ، تحتكر السلطة و لا تشاور فيها إلا السادة المقربين مــن قوم نوح { قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } الأعراف 60 ، ومن قوم هود { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين } الأعراف 66 ومن قوم صالح{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استُضْعفوا لــمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } الأعراف 75 وفي هذه الآية دلالة بينة علي أنه كلما استبد الملأ بالأمر استكبارا في الأرض وُجد المستضعفون والحقراء ، ومن قوم شعيب {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فــي ملتن} الأعراف 88 .

ثم جاء فرعون من بعد هؤلاء فقال { أنا ربكم الأعلي } النازعات 23 وكان له ملأ يعلم ما في نفسه ويدرك هواه ، ولا ينطق إلا بقوله وبما يهوي{ قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون } الشعراء 34 هذا ما قال فرعون ، فماذا قال الملأ من حوله { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحرعليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون} الأعراف 109 بنص القول وكأنهم رجع صوته ، أوْهُم لسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها .

ولم تكن ملكة سبأ إستثناءً من دأب الملأ إذا احتكر السلطة واستبد بالأمر ، رغم أنها كانت ملكة حكيمة طيبة في قومها ، وأسبق إلي الإسلام مع سليمان لله رب العالمين {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتي تشهدون . قالوا نحن أولو قوة و أولو بأس شديد والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين } النمل 33 إنهم يعلمون أنها صادقة في استشارتهم ، وهي تؤكد ذلك لهم ، ورغم ذلك فقد ردوا إليها الأمر لتنظر فيه بما تشاء ، فإذا أرادت الحرب فهم لها طالما أن المستضعفين والحقراء هم الذين سيحملون أوزار الحرب ويخوضون غمارها .

وذلك بأنهم كدأب الملأ في كل زمان ومكان ؛ لا يعنيه من الأمر إلا إن يحافظ علي مكاسبه ، ويستأثر بمقاعده في مجالس الملك والسلطة والإستبداد . وأخطر ما في هذا الملأ إذا إحتكر السلطة واستبد بالأمر ، أن صوت الحق لن يكون مسموعا في القوم ، وذلك بأنه لن يمر إلا عبر قنوات هذا الملأ ، ولن يصل إلي أحد إلا إذا وافق هوي السلطة ولم يؤثر علي مقاعدها ،ويبين الله سبحانه وتعالي ذلك بقوله { فما آمن لموسي إلا ذرية من قومه علي خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } يونس 83 .

ولقد رأينا ذلك الرجل الذي كان { يكتم إيمانه } غافر28 وهو يدعو إلي الله وإلي الرسول بالحق المبين ، ورغم أنه كان عليه السلام من آل فرعون ، إلا أنه لم يكن له غير صوت خافت ، وأوشك فرعون وملأه أن يبطش به لولا أن الله سبحانه وتعالي وقاه { سيئات ما مكروا } غافر 45 .

وإذا فُتِن الضعفاء والحقراء بالملأ إذا استكبر في الأرض واستأثر بالسلطة واستبد بالأمر ، فإن أحدهم لا يُغني عن الآخر من عذاب الله من شئ ، كدأب الملأ من قوم فرعون لما استخفهم فأطاعوه { فاستخفَّ قومَه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلمّا آسَفُونا إنتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين . فجعلناهم سَلفَا ومثَلا للآخِرين } الزخرف 55 ، ذلك في الحياة الدنيا لهم فيها خزي وهم فيها خاسرون ، ويوم القيامة {وبَرَزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تَبَعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص } إبراهيم 21، ويستنبط من كل ما تقدم أنه لا ينبغي لأحد أن يحتكر السلطة دون الناس ، أو أن يحصرها في ملأ محدود مهما علا شأنه أو عظم أمره ، وذلك حتي يكون الأمر شوري بين الناس ، فلا يحُجب رأيٌُ ولا يُعزل مفكر أن يقول ما يشاء { وأمرهم شوري بينهم } .

من أجل ذلك فإنه لا ينبغي الخلط بين الملك وملئه من ناحية ، وبين سائر الناس وأولي الأمر منهم من ناحية أخري . الملك وملأه بمعزل عن سائر الناس وأولياء أمورهم هو التسلط والإستبداد بغير الحق ، مهما أسبغ عليه من مظاهر الشرعية كالإنتخابات أو الإستفتاءات ، والملك الصالح هو الذي يختار لقومه أفضل سبل التواصل الحقيقي بين جموع الناس وأولياء الأمر منهم .

وقامت أول دولة للمسلمين في يثرب ، وليس فيها من أولي الأمر غير المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ، من أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وأخلصوا دينهم لله ، وجاهدوا مع رسوله بأنفسهم وأموالهم اولئك بعضهم أولياء بعض { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله و الذين آوَوا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } الأنفال 72 .

أولئك هم أولو الأمر يوم أظهر الله رسوله بالحق ، فالرأي لهم ولا رأي لسواهم وهم أصحاب الشوري وأهلها ، وقد ظل هذا الوضع قائما إلي يوم أن بويع إبن أبي طالب علي الخلافة ، وهذا هو ما يبين من قوله رضي الله عنه : ( إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمَر وعثمانَ علي ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يَرُدَّ ، وإنما الشوري للمهاجرين والإنصار ).

تلك هي الشوري واولئك هم أولو الأمر في دولة الإسلام الأولي ، ولكنه رضي الله عنه لم يلبث أن وسع فيها لتشمل المسلمين بعامة ، فهو يقول لمن عاتبه علي ترك مشورته : ( والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها ، وحملتموني عليها ، فلما أفضَت إليَّ نظرت إلي كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته ، وما اسْتَسَنَّ النبي صلي الله عليه وسلم فاقتديته ، فلم أحتج إلي رأيكم ولا رأي غيركم ، ولا وقع حكم جهلته فأستشيركم وإخواني المسلمين ، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلي الحق ، وألهمنا وإياكم الصبر ).

ويبين من ذلك أن الأمر إذا كان محسوما بكتاب الله وسنة رسوله ، فلا رأي ولا مشورة ، لأنه لا يمكن أن يكون ثَمَّ رأي خلاف ما قضي به الله ورسوله {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبين} الأحزاب 36 .

وإنما الشوري علي ولي الأمر فيما جهله أو تشابه عليه من الأمر{ وشاورهم في الأمر } آل عمران 159 هنالك إتسعت الشوري ، فهي لاولئك من المهاجرين والأنصار ، وهي كما يقول رضي الله عنه لإخوانه المسلمين لا فضل لأحدهم علي الآخر إلا بالتقوي وبما علم من كتاب الله وسنة رسوله .


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home