Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Mustafa Kamal el-Mehdawi
الكاتب الليبي مصطفى كمال المهدوي

Wednesday, 16 August, 2006

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

كتاب "البيان بالقرآن" (22)

تأليف : مصطفى كمال المهدوي

يونس عليه السلام

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعـُونَ .} (يونس 57-58). لا يجد المؤمن في هذه الحياة الدنيا إلا واحدة من فرحتين. فرحة بكلمات ربه إذا اطمأن لها قلبه وانشرح لها صدره والفرحة الأخرى بنصر الله حين يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق { الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .} (الروم 1-5).

أما الذين ينشدون الفرحة بغير الحق ويمرحون في الأرض على غير هدى ويستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فأولئك في ضلال بعيد { اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ .} (الرعد 26).

يعلم المؤمن أنه إذا اعتصم بالله فلن يضل ولن يشقى.. ويعلم المؤمن أن الله ينصر من ينصره وأنه ينجي الذين أمنوا بمفازتهم.. ويعلم المؤمن أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون... ويعلم المؤمن أن الله مع الصابرين.

إن البغي والظلم والفساد والطغيان لمما يضيق به صدر المؤمن. وإن اعراض الناس عن الذكر وشركهم بالله وبكلماته لمما تذهب به نفس المؤمن حسرات حتى إن الأرض لتضيق عليه بما رحبت ولا يجد فيها فراراً إلا إلى الله.

فإذا لم يجد المؤمن ركناً شديداً يأوي إليه إذا ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس فإنه قد يأبق منها كما أبق يونس عليه السلام مغاضباً، أو يفر منها لواذاً ولا ملاذ إلا برحمة الله.

ولكن هل هنالك في الأرض ضيق وظلمات وهلاك أشد مما في بطن الحوت.. كلا ما أظن أن هنالك ضيقاً أشد من هذا الضيق.. ولا ظلمات أشد من هذه الظلمات ولا هلاكاً أكبر من هذا الهلاك.

يونس عليه السلام رسول من رب العالمين على بينة من ربه وعلى صراط مستقيم أرسل إلى القوم بوحي من ربه كما يرسل المرسلون من قبله ومن بعده.. { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً . وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً . رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً .} (النساء 163-165).

أرسل يونس من ربه بالحق بشيراً ونذيراً.. لا تعنينا القرية التي ولد فيها ولا القوم الذين أرسل إليهم.. وإنما يعنينا ما يريد الله أن يعلمنا من العبرة في قصصه الحق.. وبالقدر الذي أنزل علينا من الله رب العالمين.. فإن تجاوزنا ذلك فإننا لن ندرك العبرة ولن نجد أنفسنا إلا في ظلمات الخرافة والأساطير.

في لحظة من لحظات الضيق والغضب.. وما كان الرسل إلا بشراً يضيقون ذرعاً ويغضبون من مكر قومهم ومما يقولون افتراء عليهم.. ولكن أولي العزم من الرسل لا يذهبون مع الغضب مذهباً بعيداً بل يسارعون إلى ربهم يعتصمون به صابرين.. أما يونس عليه السلام فذهب مغاضباً ولم يعقب ولم يجنح إلى صبر على ما استغضب عليه { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ .} (الأنبياء 87، 88)، ذهب مغاضبا مصرا على الغضب على وزن (مقاتل) أي مصمم على القتال.

لا يعنينا ما كان من أمره عليه السلام.. ولا يعنينا إن كان قد ضاق ذرعاً بمكر قومه أو بإعراضهم أو بغير ذلك.. لا يعنينا إلا إنه عليه السلام استغضب فغضب مغاضباً ولم يعتصم بصبر ولم يركن إلى عزم.. فأراد الله سبحانه أن يعلمه وأن يعلم الناس من بعده أن الصبر خير وأن العزم أوفر أمناً وأنه ليس كالاعتصام بالله شيء في الأرض ولا في السماء.. فوجد عليه السلام نفسه في ضيق ليس من بعده ضيق وفي ظلمات ليس من بعدها ظلمات وفي هلاك ليس من بعده هلاك في بطن الحوت في أعماق البحر حيث لا مخرج له إلا بأمر الله رب الحوت والبحر والأرض والسماوات العلي.

{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً .} (الإسراء 82). لو أن كل من استغضب قد عايش يونس في بطن الحوت. أو أن كل من ضاق ذرعاً في هذه الحياة الدنيا بأمر تذكر أنه كان مكانه عليه السلام.. وحيداً في جوف الحوت وهو يتلوى به في دوار عنيف في ظلل من الظلمات.. فلم يفزع كما لم يفزع يونس عليه السلام.. ولم يقنط من روح الله كما لم يقنط يونس عليه السلام.. ولم يجد له ملجأ إلا إلى الله بتسبيحه وهو ينادي في هذه الظلمات الحالكة وهذا الهلاك الساحق { لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . }(الأنبياء 87).

ما أعظم هؤلاء الرسل من الذين فضل الله على العالمين.. لا يستطيع الشيطان أن يزين لهم ما كانوا يعملون.. فإذا مسهم بأس الله تضرعوا ولم يجدوا بين يدي ربهم إلا أخطاء يستغفرون لها { فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (الأنعام 43).

لم يقس قلبه فكان من المرسلين.. ولم يستطع الشيطان أن يزين له ما كان من أمره فكان من الذين فضل الله على العالمين.. بل إنه يستغفر لذنبه وينادي ربه معتصماً به حيث لا ينقطع حبله ولا تنفد رحمته سبحانه وتعالى علواً كبيراً.. لم ينقطع حبل الله بنار قوم إبراهيم.. ولم تنفد رحمته بمكر قوم لوط.. فما بالها تنقطع اليوم في بطن حوت أو بماء بحر.. إن الله قادر على أن يجعل الحوت سفينة يركبها حيث يشاء كما جعل نار قوم إبراهيم برداً وسلاماً وكما جعل ذات الألواح والدسر سفينة النجاة الباقية في طوفان نوح.

تلك الرسل قد يخطئون.. ولكنهم لا يشركون بالله شيئاً.. إذا أخطأوا فلأنهم بشر يضيق صدرهم أحياناً ويستغضبون أحياناً أخرى، ولكنهم لا يطيعون في الله أحداً ولا يتولون غيره أبداً { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .} (الأنعام 121). فذلك هو الشرك أن يطيع الإنسان شيطاناً من الإنس أو الجن في معصية الله.. والأنبياء هم رسل الله بالحق مبشرين ومنذرين فمن أطاعهم فقد أطاع الله.. وشياطين الإنس والجن هم أعداء الأنبياء يزينون للناس سبلاً غير سبيل الأنبياء ويوحون إليهم طاعة غير طاعة الله { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ .} (الأنعام 112). وما كان الرسل ليشركوا.. ولو أشركوا لما كانوا أثبتوا في كتاب الله من المرسلين وما كان خطؤهم إلا عن نسيان كما نسى آدم من قبل أو عن عزم لم يجدوا منه شيئاً إذا وهن العزم بهم كما وهن عزم آدم من قبل.. ولكنهم لا يلبث أحدهم حتى يتذكر ما نسي ولا يركن إلى الوهن ولا يستسلم إلى اليأس.. فلا يأس ولا قنوط من رحمة الله.. فتراهم دائماً يستغفرون الله ويلقون بالمسئولية على أنفسهم ويكرهون ما كان من خطئهم ويستعيذون بالله ربهم ويعتصمون به.. إنه لا ملجأ منه سبحانه وتعالى إلا إليه..

{ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ . وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ . أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ .} (الأنعام 82-90).

أخطأ آدم في الجنة لما نسي ولم يجد من أمره عزماً { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْم} (طه 115)، ولكنه لم يصر على ما أخطأ فيه ولم يستكبر كما أصر الشيطان من قبل واستكبر بين يدي ربه، بل اعترف بخطئة وسارع إلى مغفرة من ربه {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ . قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .} (الأعراف 22، 23).

الاعتراف بالخطأ والمبادرة السريعة إلى المغفرة.. الخشوع بين يدي الله والتضرع السريع إليه.. لا إصرار على الخطأ ولا استكبار بين يدي الرحمن.. ذلك من سنن الرسل والأنبياء والصالحين من ذرية آدم عليه السلام وممن يتبع الهدى بإحسان إلى يوم القيامة. الشيطان وأولياؤه والذين يتبعونه إلى يوم القيامة هم الذين لا يعترفون بالخطأ بل يزينونه لأنفسهم، ولا يسارعون إلى المغفرة ولا يجدون في أنفسهم حاجة إليها، ولا تخشع قلوبهم لذكر الله ولا يتضرعون إليه، بل يصرون على الخطأ وتأخذهم العزة بالإثم استكباراً في الأرض ومكر السيء كما فعل وليهم وقدوتهم السيئة من قبل أمام ربه وعلى مشهد عظيم من ملائكة الرحمن { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ . قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ . قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ . قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ .} (الأعراف 12-17). ذلك ولي المجرمين ومثلهم السيء في الأرض، وقدوتهم في الحياة الدنيا.. لا يكتفي بالإصرار على الجريمة بل يتمادى فيها ويبحث لها عما يبررها ولا يتراجع عنها ويزين لنفسه الغواية فيها.

ونوح عليه السلام يعده الله ووعده الحق أن يحمل في السفينة أهله إلا من سبق عليه القول ومن آمن { حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ .} (هود 40)، فيحمل فيها عليه السلام تماماً على ما وعده الرحمن من كل زوجين اثنين وأهله إلا من سبق عليه القول ومن آمن معه، ويسبق القول على ابنه فينفطر قلبه عليه السلام فينسى ويجادل ربه في ابنه { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . }(هود 45)، فيذكره الله بأنه أولى بالشيطان وأجدر أن يتبرأ منه الرحمن وأن يتبرأ منه عباد الرحمن ولو كانوا أباءه أو أبناءه أو إخوانه أو عشيرته { قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ .} (هود 46)، فيتذكر نوح عليه السلام فيستعيذ بالله من الخطأ بين يدي ربه ويسارع إلى مغفرة من ربه خاضعاً بين يديه متضرعاً إليه لا يصر على الخطأ ولا يتمادى فيه { قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ . قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ .} (هو 47، 48).

وموسى عليه السلام يشكل تنظيماً سياسياً لمناهضة فرعون ويبدأ الصراع السياسي معلناً وغير معلن حتى يتماسك الناس بالأيدي ويوشك أن يبطش بعضهم ببعض ويشترك موسى عليه السلام في هذا الصراع فيكز أحد خصومه فيقضي عليه.. ويتذكر موسى من فوره أنه مضى في سبيله بغير أن يأذن الله له فيه أو يأمره بشيء منه.. لم يزين لنفسه الخطأ الذي اكتسبه بيديه ولم يصر عليه، بل تبرأ منه وأسرع إلى مغفرة من ربه وأناب إليه وفر إلى الله متوكلاً عليه { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .} (القصص 15و16).

وداود عليه السلام يسأله الخصم في نعجة فيقضي له بها من قبل أن يسمع دفاع صاحبه.. وكان خطأ في نعجة.. فلا يستهين داود به.. ولا يلبث أن يتذكر فيستغفر ربه ويخر راكعاً بين يديه منيباً إليه وتأتيه الموعظة من ربه فيتلقاها بقلب منيب { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ . }(ص 26).

وسليمان عليه السلام أعرض عن الدنيا حتى تسلط الجسد.. فتذكر أن للناس حقاً في عدله وعلمه وحكمته.. لم يزين لنفسه ما كان فيه من الزهد ومن التقوى بعيداً عن مظالم الناس.. وأدرك من فوره أنه لو لم يكن قد أعرض عن كرسيه لما كان الجسد قد تسلط عليه حتى هلك الحرث والنسل.. ولكنه ما يزال على حبه العظيم فتراه يسأل ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده حتى لا يشغله الملك عن ذكر ربه { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ . قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ .} (ص 34، 35).

ويونس عليه السلام يستغضب فلا يعتصم بصبر أولي العزم بل يبحث لنفسه عن فرار إلى غير الله فيجد نفسه في بطن الحوت.. فيتذكر من فوره ويرجع إلى ربه خاضعاً بين يديه ولا يجد له نجاة إلا في تسبيحه { لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ .} فذلك من سنن الأنبياء والصالحين إذا مسهم بأس الله تضرعوا ولم تقس قلوبهم ولم يزينوا لأنفسهم ما كانوا يعملون { فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .} (الأنعام 83).

لم يكن يونس عليه السلام من الذين يلعنون الأقدار حين يقذفون بأيديهم إلى المهالك فهو يعلم أن ما أصابه من سيئة فمن نفسه وأن الله عفو غفور { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ . وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ .} (الشورى 30، 31)، ولم يكن عليه السلام من الذين يعبدون الله على حرف فلا تطمئن قلوبهم إلا إذا أصابهم الخير، ولا ترتجف قلوبهم إلا إذا فاتهم شيء من الخير، بل كان عليه السلام من الذين لا تطمئن قلوبهم إلا بذكر الله.. فلما وجد نفسه في ظلمات المهالك لم يجد له ملجأ إلا إلى الله { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ . فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ . فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ . وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ . وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ . فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ .} (الصافات 139-148).

وكذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.. فليس من بعد هذا الحديث حجة للناس أنهم كانوا في يأس من روح الله العزيز الرحيم ولا قنوط من رحمته إذاً أبداً.. ليس بعد بطن الحوت في ظلمات البحر من حجة للناس على الله.. وإنما يتخذ المتقون مآباً حسناً إلى ربهم فيجدون عنده الرحمة والمغفرة إذا لم يصروا على ما فعلوا من السيئات ولم يزينوا لأنفسهم ما كان من أمرهم واستغفروا ربهم وسبحوا بحمده منيبين إليه متوكلين عليه في توبة نصوح وعبادة خالصة وسبيل قويم.

يونس عليه السلام أرسل إلى تلك القرية فآمنت برسالته.. ما هي هذه القرية وأين تقع من الزمان ومن المكان.. ليس ذلك مما يعنينا في شيء.. وإنما يعنينا أنهم كانوا أكثر من مائة ألف وأنهم آمنوا به حيث لم تؤمن قرية برسول كما آمنت هذه القرية من قبل محمد رسول الله { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ . وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ .} (يونس 98-100).

لماذا كان قوم يونس استثناء من القرى..

لماذا آمن به أكثر من مائة ألف في إجماع لم يشهده البشر في رسالات السماء.. حيث لم يؤمن مع نوح إلا قليل.. ولم يؤمن بموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم.. ودمرت قرى هود وصالح ولوط وشعيب..
إن أكثر الناس لا يسمعون..
وإذا سمعوا لا يفهمون..
وإذا فهموا لا يعقلون..
وإذا عقلوا فقليلاً ما يعملون.

فلماذا سمع القوم دعاء يونس عليه السلام.. وفهموا ما سمعوه.. وعقلوا ما فهموه.. وعملوا بما فهموه.. إنهم آمنوا ولا يتم الإيمان إلا بكل ذلك مجتمعاً عملاً بعد عقل وعقلاً بعد فهم وفهماً بعد سماع.

لا يمكن أن يكون الجواب في الرسالة أو في قوة إقناعها.. فكل الرسالات من الله عز وجل.. ورسالته هي الحق وحجته هي الحجة البالغة.

ولا يمكن أن يكون الجواب في الرسول.. فكل الرسل ممن هدى الله واجتبي وكلهم ممن فضل على العالمين علماً وعقلاً وحكمة وفصاحة وجسماً..

هل يمكن أن يكون الجواب في القوم.. ربما.. ولكن لماذا يختلف هؤلاء القوم عن غيرهم.. ألأنهم شاهدوا العائد من الظلمات.. إن البحر لا يرد شيئاً التقمه أبداً.. فما بالك إذا التقمه الحوت في جوف البحر.

إن الناس لا تعيش إلا بالأمل.. ولقد كانت آية يونس داحضة لكل يأس وإن الناس لا تصمد إلا بالصبر.. ولقد كانت آية يونس داحضة لكل قنوط.. وإن الناس لا تحيى إلا بالإيمان.. ولقد كانت آية يونس بينّة على عظمة الإيمان.

إنك إذا شاهدت منتصراً فلن تملك إلا أن تتبعه.. فما بالك بمن انتصر على الظلمات ولئن سألت يونس عليه السلام عن هذا النصر المبين لقال بصدق المرسلين إنه نصر الله ينصر من يشاء.. وإنما آمنت به وأنبت إليه واستغفرته ولم أصر على الخطأ بين يديه ..
ولا بد أنه بين ذلك للناس.. فما بالهم لا يؤمنون.

ويعظ الله رسوله والمؤمنين بأن يصبروا لحكمه ولا يستعجلوا أمره وأن ينيبوا إلى ربهم بالدعاء من قبل أن تكظمهم الأحداث كما كظمت الظلمات يونس فلم يجد بداً من الصبر والإنابة والدعاء {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ . لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ . فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.} (القلم 48-50).

ما بعـد الطوفان

{ المص . كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ . وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ . فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ . }(الأعراف 1-2).

من حروف الهجاء التي يتحدث بها الناس كحروف الألف واللام والميم والصاد أنزل هذا الكتاب الكريم تفصيلاً لكل شيء وتبياناً لكل شيء ليعجز كل الناس من قبل ومن بعد على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، أنزل هذا الكتاب بالحق لا حرج منه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولا حرج فيه فالجدل فيه بالحسنى والدعوة فيه إلى الله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد منهم فإن حديثهم يكمل بعضه بعضاً وإن قصصهم لهو القصص الحق في كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم لا مبدل لكلماته ولا تتبعوا من دونه أولياء. فالوحي أحق بالاتباع ولا ينبغي للمؤمن أن يتبع من دون الوحي أولياء لا من الماضي ولا من المستقبل.. كل شيء يمكن أن يتلقاه الناس بعضهم من بعض إلا الدين من بعد الوحي فليس لأحد أن يتلقاه إلا كما أنزل من الله تبارك وتعالى لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً.. فمن شاء أن يتولى أمراً من أمور الدين فعليه أن يجد له سنداً في القرآن، فإن لم يجد فخير له في دينه أن يصمت.

إن حديث نوح عليه السلام وحديث الأنبياء من بعد الطوفان ليدمغ حقيقة البشر التي جبلوا عليها من رفض الوحي واتباع الأولياء { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ . قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ . أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ .} (الأعراف 59-64)، عميت أبصارهم عن الوحي واتهموا رسول الله بالضلالة ورفضوا ولايته بالحق وظنوا أنه إنما يريد أن يتفضل عليهم { فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ . إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ.} (المؤمنون 24-25)، دعاهم إلى تحرير عقولهم من كل رجس وإلى عبادة الله وحده وإلى إتباع ما أوحي إليه من ربهم فما وجدوا في دعوته إلا الكذب والضلال والجنون وما وجد منهم إلا الإهانة والاحتقار { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ .} (القمر 9-10)، وانتصر الله وبقيت كلماته وسلام على نوح.

وجاء من بعده هود { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ . قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ . أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ . فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ .} (الأعراف 65-72). نفس الدعوة التي دعا إليها نوح جاء بها هود عليهما السلام فلم يجد من قومه إلا كما وجد نوح اتهاماً بالسفاهة والكذب وإنكاراً للوحي وجحوداً بالحق وإصراراً على الباطل الذي ألفوه { قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ . مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ . وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ. وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ .} (هود 53-60)، وانتصر الله وبقيت كلماته وسلام على هود.

وجاء من بعده صالح { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ .} (الأعراف 73، 74)، نفس الدعوة التي دعا إليها نوح وهود جاء بها صالح عليهم السلام أن أعبدوا الله مالكم من إله غيره { قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ .} (هود 62)، الشك والريبة إذا أشرب العقل ضلالة الآباء ووصاية الأولياء كانوا يرجون منه الخير لما عرفوا فيه من الصدق والأمانة فلما جاءهم بالوحي عميت أبصارهم وأخلدوا إلى ما ألفوه من الضلالة {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ . فَقَالُوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ . أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ . سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ . إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ . وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ . فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ . فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .} (القمر 23-32)، نفس الجحود والاتهام بالباطل إنه بشر مثلنا.. وما كان له أن يتفضل علينا بالذكر من دوننا.. بل هو كذاب أشر.. لم يضروا الله شيئاً ولم يكيدوا رسوله بشيء بل حجبوا أنفسهم عن الهدى بعد إذ جاءهم فحق عليهم العذاب في الدنيا وفي الآخرة.. وانتصر الله وبقيت كلماته وسلام على صالح في العالمين..

وجاء من بعدهم شعيب { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ . وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ . قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ .} (الأعراف 85-89)،

نفس الدعوة التي دعا إليها نوح وهود وصالح أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره جاء بها شعيب عليهم السلام وأقام الحجة على قومه بالحق فما وجد من أكثرهم إلا ما وجد كل من يدعو إلى الوحي { قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ . قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ . وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ . كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ .} (هود 91-95)، لماذا يرفض الناس الوحي من ربهم وتوشك كل أمة أن ترجم رسولها، ولماذا يرفض الناس كتاب ربهم فيستبدلون به كتباً من عندهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. وعلم الله ورسوله أنه لا تبديل لكلمات القرآن، وإنها كلمات محفوظة بأمر الله إلى يوم القيامة وإنه لا يضل من بعدها من أحد إلا من يحجب نفسه عنها أو يهجرها ظلماً وعلواً { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً . وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً .} (الفرقان 30-31).

كلمات الله هي الهدى من هجرها فقد حجب نفسه عن الهدى ولن يضر الله شيئاً ولن يمكر إلا بنفسه، وتظل كلمات الله قائمة عليه بالحجة البالغة في الدنيا وفي الآخرة، داحضة لكل باطل يأتي به الأولياء الأولون والأولياء المستأخرون أو يتمسك بها الأبناء عن آبائهم الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ .} (العنكبوت 41-43).

إن في حديث الطوفان وما جاء من بعده من الأحزاب لعبرة الذين يتخذون من دون الله أولياء أو يظنون أنهم جميع منتصر { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ . وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ . إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ . وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ .} (ص 12-15)، إن في حديث الطوفان وما جاء من بعده من الأحزاب لعبرة للذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ . كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ . } (غافر 4-5).

جاءت الرسل من بعد الطوفان تترى برسالة واحدة لا تبديل لها ولا يسألون الناس أجراً عليها.. هود عليه السلام { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . }(الشعراء 123-135). وصالح عليه السلام {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ . وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ .} (الشعراء 141-152). ولوط عليه السلام { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ . }(الشعراء 160-166)، وشعيب عليه السلام { كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ . وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ . وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ . }(الشعراء 176-184).

إنها كلمة الله لا مبدل لكلماته.. وإنها لدعوة الرحمن لا مبدل لدعوته.. وإنها لسبيل رب العالمين يدعو إليها عباده المرسلين لا يبتغون أجراً عليها ولا يسألون الناس خرجاً من ورائها. وجاءت آخر رسالة من السماء على قلب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق الذي بعث به النبيون من قبله { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً . وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً .} (النساء 163-166)،

ترتبط جميع الرسالات بدعوة واحدة وغاية واحدة وأسلوب واحد، ويتفق جميع الرسل على منهاج واحد وصراط مستقيم يبشرون به وينذرون الناس يوم الحساب ولا يبتغون أجورهم من أحد ولا يحتسبون أجرهم إلا على الله.. صحيح أنه كان لكل نبي اهتمامه الخاص به بحسب الحالة التي وجد الناس عليها، ولكن ذلك لم يكن ليغير شيئاً من اتفاق كلمتهم على التذكير بالله والدعوة إلى تقواه واتباع الحق من الله وعبادته وحده وطاعته برجاء رحمته وابتغاء مرضاته والإصلاح في الأرض والإحسان بالناس.

شريعة الله وما وصى به محمداً صلى الله عليه وسلم لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان فحيثما كان الناس في الحياة الدنيا فإنهم قد دعوا إلى إقامة الدين خالصاً لله باتباع ما أنزل إليهم من الوحي لا اختلاف فيه ولا تفرق عليه، واجتناب كل ما دون ذلك من الأولياء { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ . } (الشورى 13).

وبلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل عليه واتبع كل ما أوحى إليه من ربه ودعا الناس إلى اتباع ذلك واجتناب كل ما عداه فلا دين إلا بكلمات الله ولا طاعة إلا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو الحق من الله لا مبدل لكلماته { وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .} (الأعراف 203)، فهذا هو قدوة البشر إلى يوم الحشر صلى الله عليه وسلم كان يسأله الذين كفروا في بعض الأمر فلا يجد عنده من الوحي ما يرد به عليهم فيلتزم الصمت كما التزمته الملائكة الذين لا يفتون إلا بما علّمهم الله، وهذه بينة قاطعة على انه صلى الله عليه وسلم لم يكن يجادل الناس إلا بآيات القرآن فإذا لم تكن قد أنزلت عليه فيما كان الكافرون يجادلونه فيه فإنه كان لا يرد عليهم بشيء حتى تنزل عليه وكانوا من جهلهم يستهزئون به ويظنون أنهم أحرجوه أو أنهم انتصروا عليه فيقولون له { لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا } إن الذين يظنون أن تبليغ الوحي كان أمراً هيناً هم واهمون ولا شك، ألا إن الذين يبلغون رسلات ربهم من النبيين والمرسلين كانوا أعظم من جاء إلى الأرض من ذرية آدم.. ويكفي أن الله سبحانه وتعالى قد ائتمنهم على كلماته وائتمنهم على عباده في الأرض {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ .} (الأنعام 90)، كلا إن الأمر لم يكن مجرد رسالة يبلغونها بل كان جهاداً شاقاً وصبراً مريراً وحياة خالصة لوجه الله.. صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً في العالمين.

فأما الذين لا يكتفون بما أوحي إليهم من ربهم فأولئك الذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً.. ولا يستمعون إليه إلا كما يستمع إليه الأعجمي فلا يعلم منه شيئاً { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ . وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ . أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ . فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ . كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ .} (الشعراء 190-201).


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الجزء الثاني ( الحلقة 26 ... وما بعـدها )

         
         
         
         
         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home